كلمة التقوى - ج5

- الشيخ محمد أمين زين الدين المزيد...
421 /
201

البراري و المفازات إلى الأماكن القريبة و البعيدة، ثم يتطور أمرها مع مرور الزمان و تتسع الجواد و تسهل و تعبد.

و من الأسباب التي يكون بها الموضع شارعا ان يملك الإنسان أرضا مستطيلة بالإحياء أو بغيره، فيجعلها وقفا على أن تكون شارعا مسبلا تسلكه عامة الناس، فإذا وقفه على ذلك و سلكه بعض الناس أصبح شارعا عاما موقوفا، و لم يجز لواقفه الرجوع فيه كسائر الأوقاف الثابتة شرعا إلا إذا طرأ ما يزيل الوقف أو يسوغ البيع و ليس لورثته تغيير ذلك بعد موته.

و من الأسباب لجعل الشارع العام أن يتفق جماعة من الناس فيعمروا أرضا مواتا، و يجعلوها قرية أو بلدا ليسكنوها أو يؤجروها مثلا، و يحيوا فيها طريقا عاما تشرع اليه أبواب المنازل من الجانبين أو يحيوا فيها أكثر من شارع واحد إذا كانت القرية واسعة كبيرة، فإذا سكن الناس القرية أو البلد أصبحت الطرق و الشوارع المذكورة حقا عاما لهم و جرت عليها الأحكام المتقدمة، و لذلك إذا قام رجل واحد مقتدر بمثل ذلك فأحيى القرية و عمر الطرق فيها، و أباح للناس القرية أو أجر عليهم منازلها فسكنها الناس و سلكوا الشوارع.

(المسألة 86):

إذا قسمت الدولة أرضا ميتة قطعا لتكون دورا و منازل يسكنها المواطنون و عينت موضعا أو أكثر من الأرض لتكون شوارع في المحلة، فإذا سلك الناس في الموضع المعين و كثر التردد و الاستطراق فيه أصبح الموضع شارعا عاما، و ترتبت عليه أحكامه.

202

(المسألة 87):

الحد الشرعي للطريق العام إذا اتفق وجوده في الأرض الموات أن لا ينقص عرضه عن خمسة أذرع بذراع اليد المتعارفة، و هي المتوسطة في طولها من أذرع الناس، فإذا كانت الجادة العامة في الأرض الميتة فلا يجوز للناس إحياء الأرض من جانبي الجادة حتى يصبح عرضها أقلّ من خمسة أذرع متعارفة، و إذا سبق أحد فأحيى الأرض إلى حدّ الجادة، هي أقل من المقدار المذكور، وجب على من يريد إحياء الأرض من الجانب الثاني ان يترك للطريق منها ما يبلغ به الحد الشرعي، و لا يتعدى ذلك فيضيق الطريق عن الحدّ.

و إذا كان مقدار خمسة أذرع لا يكفي لحاجة الناس العابرين و المترددين في الطريق لاستطراقهم و مرورهم، وجب أن يكون عرض الطريق سبعة أذرع متعارفة و إذا لم يكف ذلك لسدّ الحاجة وجب أن تكون سعة الطريق بمقدار يفي بها، و لا ينقص عن ذلك، و لا ريب في أن الحاجة في الطريق تختلف باختلاف الأزمنة و بكثرة الوسائل و تنوعها، و بكثرة الناس و تزاحمهم على استعمالها، و قد ذكرنا هذا في بعض المسائل السابقة.

(المسألة 88):

حريم الطريق العام هو ما ذكرناه في المسألة الماضية، و هو أن يكون عرضه خمسة أذرع من اليد المتعارفة المتوسطة في طولها، أو ما يفي بحاجة الناس في استطراقهم، و مرورهم إذا كان المقدار المذكور لا يفي بذلك، و ما يرتفع به التزاحم بين الناس و التصادم في وسائل المرور و الحمل و النقل عند الحاجة الى ذلك.

و انما يثبت للطريق العام هذا الحريم إذا كان ما يجاوره من الجانبين أو من‌

203

أحدهما أرضا ميتة و لا حريم له إذا وقع ما بين أراض مملوكة، الا إذا رضي المالك المجاور أو أعرض عن ملكه بأحد أسباب الإعراض.

فإذا وجدت قطعة أرض ميتة مستطيلة ما بين الأراضي المملوكة و كان عرض القطعة الميتة لا يزيد على ثلاثة أذرع أو أربعة ثم استطرق الناس تلك الأرض و كثر ترددهم فيها، و أصبحت جادة مسلوكة، فلا يجب على أصحاب الاملاك المجاورة لها أن يتمموا عرض الجادة من أملاكهم، و ان كانت ضيقة لا تكفي للمرور، و كذلك إذا سبّل الرجل جادة في ملكه فسلكها الناس و استطرقوها و كانت ضيقة في عرضها لا تكفي للمرور، فلا يجب على المالك توسعة الجادة من بقية ملكه و إذا كانت الجادة المسبّلة في جوار مالك أخر لم يجب عليه توسعتها من ملكه. إلا إذا رضي أحدهما فوسّع الجادة باختياره أو أعرض عن ملكه لبعض الموجبات.

(المسألة 89):

إذا غلب الماء على الشارع العام الذي يستطرقه الناس، فأصبحت أرضه بسبب غلبة المياه عليها أجمة ينبت فيها القصب و الأشجار الشائكة، و لم يمكن للناس بعد ذلك سلوك الشارع و المرور فيه، زال موضوعه بذلك و ارتفعت أحكامه و أصبح أرضا ميتة، فيجوز للناس إحياؤه و تملكه كسائر الأرض الموات.

و كذلك إذا انقطعت المارة و المترددون عن الطريق لانتقال الناس الى قرى تبعد عنه، أو لوجود طريق أخر أقرب منه و أيسر لهم، أو لوجود ما يمنع الناس من سلوكه و المرور فيه فأصبح بسبب ذلك مهجورا لا يسلكه أحد، فإنه يكون بذلك أرضا مواتا، فيجوز لكل أحد من الناس إحياؤه و تملكه.

204

(المسألة 90):

إذا كان عرض الطريق العام أكثر من المقدار الذي تلزم به الضرورة و الحاجة المتعارفة في البلد للمرور و كثرة المارة في ذلك الطريق، و كان الطريق موقوفا مسبلا لمرور الناس فيه، فلا يجوز لأحد أن يتصرف في المقدار الزائد منه عن الحاجة، و كذلك إذا لم يكن موقوفا مسبلا و كان عرضه بمقدار تستلزمه الضرورة التي لا بد منها في البلد فلا يجوز لأحد إحياء شي‌ء منه و لا التصرف فيه و ان كان عرضه الموجود يزيد عن خمسة أذرع أو سبعة أذرع و هما الحدّ الشرعي للطريق كما تقدم.

(المسألة 91):

إذا كان الطريق العام في أصله أرضا ميتة و قد سلكه الناس و استطرقوه حتى أصبح شارعا عاما لهم، و كان واسعا يزيد عرضه عن الحد الشرعي الذي ذكرناه و يزيد أيضا عن مقدار الحاجة التي لا بد منها في القرية أو في البلد عرفا، فالظاهر أنه يجوز للناس التصرف في المقدار الزائد عن الحاجة المذكورة فيصح إحياؤه و تملكه لمن سبق إليه.

(المسألة 92):

إذا كان الشارع في‌ء أصله مملوكا لمالك معين و قد أباحه المالك للناس اباحة عامة على أن يكون شارعا عاما يسلكونه لحاجاتهم و ضروراتهم، و لم يوقفه و لم يسبله، فإذا زاد عرض ذلك الشارع عن المقدار اللازم عرفا، أشكل الحكم بجواز التصرف في الزائد و الأحوط المنع في هذه الصورة‌

205

(المسألة 93):

القسم الثاني من الطريق الذي يوجد في القرية أو في البلد: الطريق غير النافذ، و هو الذي ينقطع من أخره بدار مملوكة لأحد من الناس أو موقوفة أو ما يشبه ذلك، فالدور أو العقارات أو الاملاك الخاصة و ما يشبهها تكون محيطة بالطريق من كلا جانبيه و من آخره، و من أجل هذه الإحاطة به فلا يمكن للناس الاستطراق و المرور به الى طرق البلد أو ساحاتها، و يسمّى أيضا الطريق الخاص، و الدريبة و السكة المرفوعة، و السكة المقطوعة، و قد ذكرنا هذا في المسألة السابعة و السبعين.

و قد ذهب جماعة من أجلّة الفقهاء، (قدّس اللّٰه أنفسهم) الى أن الطريق غير النافذ يكون مملوكا لأصحاب الدور الذين تكون لدورهم أبواب مفتوحة في ذلك الطريق، و أنهم يشتركون جميعا في تملكه من أوله إلى أخره، و تجرى عليه أحكام الأموال المشتركة بينهم، و لذلك فلا يجوز لأحد أصحاب الدور المذكورة أن يتصرف في هذا الطريق المشترك فيحفر في أرضه بالوعة أو سردابا، أو يخرج لداره في الطريق جناحا أو روشنا أو يبني فيه ساباطا إلا بإذن الآخرين من أصحاب الدور كلّهم، قالوا: و لا يشترك في ملكية هذا الطريق من يكون حائط داره الى الطريق و ليس له باب مفتوح فيه، و لم أقف لهذا القول على دليل يمكن الاعتماد عليه، الا إذا كان أصحاب الدور قد ملكوا الدريبة بإحياء أو شراء أو بسبب أخر من الأسباب الشرعية المملكة.

و الظاهر ان الدريبة انما هي حق يختص به أصحاب الدور المذكورة و ليست مملوكة لهم كما يرى أولئك الفقهاء، و لا حقّ في الدريبة للرجل الذي يملك دارا‌

206

يكون حائطها الى الدريبة و ليس له فيها باب مفتوح.

(المسألة 94):

الدريبة حق يختص به أرباب الدور المملوكة لهم و التي تكون لهم أبواب مفتوحة في الدريبة، و اشتراكهم فيها على النحو الآتي.

فيشترك جميع أصحاب الدور المذكورة في الحق من أول الدريبة إلى أول باب مفتوح فيها و أخر حائط الدار ذات ذلك الباب، و بذلك ينتهي حق صاحب تلك الدار، فلا حق له في باقي الدريبة، ثم يشترك أصحاب الدور الباقية الى باب الدار الثانية و أخر حائطها، و ينتهي بذلك حق صاحب هذه الدار و يكون الباقي من الدريبة للباقي من أصحاب الدور، و هكذا في الثالث و ما بعده على النهج المذكور و يختص صاحب الباب الأخير ببقية الدريبة الى أخرها.

و التفصيل الذي ذكرناه انما هو من حيث التصرف في الدريبة و في أرضها فإذا أراد صاحب الدار الأولى ان يحفر بالوعة أو سردابا في أرض الدريبة، أو يضع ميزابا أو يفتح بابا جديدا لداره: أو يخرج لها جناحا في الدريبة فلا بد له من أن يستأذن جميع أصحاب الدور، و إذا أراد ذلك صاحب الدار الثانية لم يستأذن الأول و عليه أن يستأذن الباقي، و هكذا.

(المسألة 95):

يجوز لكل واحد من أصحاب الدور ذوات الأبواب في الدريبة أن يستطرق فيها الى داره هو و كلّ فرد من عياله و أولاده و خدمه و ضيوفه و أصحابه و من يريد زيارته من الناس سواء قلّوا أم كثروا، و ان يجلسوا في الدريبة، و ان يضع فيها الأحمال و الأثقال و الحيوان التي يحتاج لإدخالها إلى الدار و إخراجها منها عادة‌

207

و لا يفتقر في شي‌ء من ذلك الى الاستئذان من شركائه في الدريبة، و ان كان فيهم الغائبون و اليتامى و القاصرون، و لا تجب المساواة بينهم في هذه الأمور.

و يجوز لصاحب الدار في الدريبة أن يوصد بابه الأول و يفتح بابا غيره، و إذا سدّ بعض أصحاب الدور بابه في الدريبة و لم يفتح له بابا أخر فيها سقط حقه الثابت له في الطريق، و لم يحتج الى ناقل شرعي كما يلزم القائلين بالملكية.

(المسألة 96):

إذا كان بعض الدّور له حائط إلى الدريبة و ليس له باب مفتوح فيها فلا حقّ لمالك تلك الدار في الدريبة كما ذكرنا في ما تقدم، و لا يجوز له أن يفتح لداره بابا فيها إلّا بإذن أصحاب الحق فيها، و لا يكفي الاستئذان من بعضهم، و يجوز له ان يفتح لداره شباكا أو روشنا للتهوية أو الاستضاءة و لا يثبت له بذلك حق في الدريبة و إذا استأذن من أرباب الدور ففتح له بابا في الدريبة بإذنهم كان شريكا لهم في الحق و خصوصا مع طول الدريبة و كثرة الدور فيها.

(المسألة 97):

يصح لأصحاب الحق في الدريبة أن يتسالموا عليها في ما بينهم فيحيي كل فرد منهم حصته من الدريبة و يتملكها و يلحقها بداره و يفتحوا لهم أبوابا من جهات اخرى و يقتسموا الدريبة بينهم أملاكا و يجوز لبعضهم أن يسقط حقه للآخر، و أن يصالحه عنه بعوض أو بغير عوض فيتملك حصته.

208

الفصل السادس في المساجد و المشاهد

(المسألة 98):

المسجد هو الموضع الذي يقفه مالكه ليكون مسجدا، و قد فصلنا في مبحث مكان المصلي من كتاب الصلاة و في كتاب الوقف من هذه الرسالة كثيرا من احكامه، و بوقف الموضع كذلك تثبت مسجديته في الإسلام، و يكون موضعا عاما معدا لصلاة المصلين و عبادة المتعبدين من دعاء و تلاوة قرآن، و تدريس علوم دينية، و وعظ و إرشاد و إفتاء، و المسلمون في الانتفاع بمساجدهم في ذلك مشتركون متساوون في الحق، و قد جرت سيرتهم على هذا منذ عصر النبوة و عصور الأئمة الطاهرين (ع) و لا ريب لأحد، في شي‌ء من ذلك.

(المسألة 99):

إذا سبق أحد إلى مكان من المسجد ليتعبد فيه بقراءة دعاء أو بتلاوة قرآن، أو لدرس أو لتدريس، أو لوعظ أو لاستماع موعظة أو نحو ذلك فهو أحق بالمكان الذي سبق اليه من غيره، فلا يجوز لأحد ان يمنعه من الجلوس فيه أو يزعجه من البقاء فيه، سواء اتحد غرض الرجلين من الجلوس في المكان أم اختلف، كما إذا سبق الأول إلى الموضع ليقرأ الدعاء و أراد الثاني الجلوس فيه ليتلو القرآن، أو للموعظة أو للتدريس، و سواء شرع السابق في عمله الذي قصده فأخذ في القراءة أو التدريس‌

209

أم كان قريبا من الشروع فيه، لأنه ينتظر المدرس أو الواعظ مثلا، فلا يجوز للآخر منعه أو إزعاجه من مقامه إلا إذا كان وقت الانتظار طويلا بحيث يعدّ إضاعة لحقوق الآخرين عرفا فلا يجوز ذلك.

(المسألة 100):

الظاهر ان الصلاة في المسجد أولى من التعبدات الأخرى فيه، فإذا سبق أحد إلى الموضع في المسجد ليقرأ الدعاء أو ليتلو القران أو ليعظ أو ليدرس، و حضر من يريد الصلاة في المكان فهو اولى من الأول السابق، سواء أراد الصلاة فرادى أم جماعة، بل و ان أراد الصلاة نافلة، فعلى السابق أن يدع المكان له عند الانحصار به و إذا طلبه منه.

و لا أولوية لمن يريد الصلاة جماعة في المسجد ممن يريد الصلاة فيه منفردا، فإذا سبق الرجل الى المكان من المسجد ليصلي فيه منفردا ثم حضر من يريد الصلاة جماعة لم يجز للثاني منع الأول أو اقامته من موضعه، و لم يجب على الأول أن يترك المكان لصاحبه إذا طلب المكان منه، نعم ينبغي له ان لا يكون مانعا للخير عن أخيه المؤمن إذا كان لا يدرك صلاة الجماعة إلا في ذلك المكان، و أمكن له نفسه أن يؤدي صلاته منفردا في غير ذلك الموضع من المسجد.

(المسألة 101):

لا يبعد وجود الفرق في من يجلس للدعاء في المسجد بين من يكون جلوسه للتعقيب بعد أداء الصلاة في المسجد، و من يجلس فيه لمطلق التعبد بالدعاء، فإذا حضر من يريد الصلاة في المكان فلا يجب على الجالس و هو يعقب بالدعاء بعد الصلاة ان يترك له مكانه، و لا يكون مريد الصلاة أولى منه بالمكان، فإنه قد سبق إلى‌

210

الصلاة و الدعاء، و إذا كان الجالس قد سبق الى المسجد للدعاء فيه و لم يؤد الصلاة فيه قبل الدعاء وجب عليه أن يترك المكان لمن يريد الصلاة.

(المسألة 102):

إذا سبق الرجل الى الموضع من المسجد لبعض التعبدات فيه، ثم فارق الموضع و أعرض عنه سقط حقه من الأولوية بالمكان، فإذا سبق اليه غيره بعد قيامه منه كان الثاني أولى به من الأول فليس له ان يمنعه من الجلوس فيه أو إزعاجه من المكان، و ان كان الأول لا يزال في المسجد، و لم يخرج منه، كما إذا انتقل من موضع صلاته في المسجد الى موضع أخر فيه ليستمع دعاء أو موعظة أو درسا فيسقط حقه من المكان الأول و ان أبقى فيه بساطا أو سجادة و في عزمه ان يعود إليها بعد مدة.

(المسألة 103):

إذا قام الرجل من موضعه في المسجد و هو يريد العودة إليه عن قريب و أبقى في مكانه سجادة أو بساطا أو علامة أخرى، فالظاهر بقاء حقه في المكان و عدم سقوط حقه من الأولوية به بمجرد قيامه، و إذا قام من الموضع و هو يريد العودة إليه كذلك و لم يبق فيه شيئا يدل على ذلك أشكل الحكم بسقوط حقه أو عدم سقوطه و الأحوط للآخرين مراعاة حقه، و خصوصا إذا كان قيامه من موضعه لبعض الأمور اللازمة من تجديد وضوء أو قضاء حاجة أو إحضار كتاب و نحوها.

(المسألة 104):

إذا وضع الإنسان له رحلا في مكان من المسجد قبل أن يجلس فيه فبسط له بساطا أو فرش فيه سجادة، فالظاهر ثبوت حق الأولوية له في المكان بمجرد ذلك‌

211

و ان لم يجلس فيه بعد، فلا يجوز لأحد أن يرفع رحله من المكان أو يجلس في موضعه، و يشكل الحكم بثبوت الحق له بوضع الرحل إذا طالت المدة الفاصلة بين وضع الرحل في المكان و جلوس صاحب الرحل فيه بحيث يعدّ تضييعا لحقوق الآخرين، فالحكم بجواز رفع غيره للرحل من المكان مشكل، و الحكم بعدم ضمان الرحل إذا تلف أو عاب بعد رفعه أشد إشكالا.

و إذا دلت القرائن على ان المراد من وضع الرحل في الموضع من المسجد أن صاحب الرحل يجلس في الموضع في وقت معين، فالظاهر ثبوت الحق و عدم بطلانه قبل حلول الوقت، و مثال ذلك أن يضع الرجل رحله صباحا أو ضحى فيبسط بساطه أو سجادته في المسجد ليصلي في الموضع صلاة الظهر جماعة في أول وقتها أو ليدرك صلاة الجمعة مع الإمام فلا تفوته، فلا يسقط حقه بطول المدة الفاصلة إذا هو حضر في الوقت المعين.

(المسألة 105):

لا ينبغي الريب في ان اقامة المآتم و مجالس الذكرى لمصائب المعصومين من أهل بيت النبوة (ع)، و قراءة سيرتهم و تعداد فضائلهم و التعريف بمقاماتهم و علو منازلهم من العبادات الجليلة التي يتقرب الى اللّه سبحانه بها، و بالاجتماع فيها، و الاستماع الى ما يلقى فيها من الحقائق و المعارف، فإذا أقيمت هذه المحافل و الذكريات في المساجد كان الحضور فيها و الجلوس في محافلها و الاستماع الى الذاكرين فيها من أبر العبادات و أجلها، و إذا سبق السابق الى المسجد و الجلوس فيه لهذه الغاية ثبتت له الأولوية بالمجلس و الموضع الذي جلس فيه على غيره من الواردين من بعده، و جرت له الأحكام التي ذكرناها في المسائل المتقدمة.

212

(المسألة 106):

إذا أقيمت محافل ذكريات المعصومين (ع) في الحسينيات العامة الموقوفة المتعارفة عند الشيعة كان لها مثل هذا الحكم، فهي مشتركة بين الحاضرين على السواء و إذا سبق أحد منهم الى مكان في الحسينية أو المأتم فجلس فيه كان اولى بالمكان من غيره، فلا يجوز لأحد أن يمنعه من الجلوس أو يزعجه و يقيمه من مكانه حتى ينتهي غرضه أو يقوم من موضعه باختياره و يسقط حقه منه.

(المسألة 107):

المشاهد المشرفة كالمساجد في جميع الأحكام التي ذكرناها فالمشهد حق عام كالمسجد، يشترك فيه جميع المسلمين على السواء، سواء كانوا من أهل البلد المجاورين للمشهد أم كانوا من الزوار الوافدين اليه من بلاد أخرى قريبة أو بعيدة فلا يكون الزائر الوافد أولى بالمشهد لزيارته و وفادته و غربته، و لا يكون القريب المجاور له في البلد أولى به لقربه و جواره، بل هما في الحق على حدّ سواء.

و إذا سبق احد من الناس الوافدين أو المجاورين الى موضع معين من المشهد فجلس فيه للتعبد و الصلاة أو الزيارة أو الدعاء أو قراءة القران أو لغيرها من العبادات و القربات كان أولى بالمكان من غيره، فلا يجوز ان يمنع أو يزعج حتى يستتم غايته من التعبد، أو يترك مكانه باختياره أو يسقط حقه، و إذا منعه أحدا أو أخذ موضعه بغير رضاه كان غاصبا اثما.

(المسألة 108):

لا يثبت للشخص حق الأولوية بالمكان في المسجد أو المشهد إذا سبق اليه و جلس فيه للتنزه أو للاستراحة أو لغاية أخرى غير العبادات و القربات كالاطلاع‌

213

على بعض النفائس و الآثار الموجودة في المشهد أو المسجد، أو للتحدث مع بعض الناس، أو لرؤية بعض الناس و بعض المظاهر.

(المسألة 109):

إذا جلس الرجل في المسجد أو المشهد لبعض العبادات فأعيا و استمر في جلوسه في موضعه ليستريح برهة ثم يعود للتعبد مرة أخرى، لم يسقط حقه الذي ثبت له أولا من الأولوية، فلا يجوز لغيره منعه و إزعاجه ما دام جالسا لهذه الغاية و كذلك إذا صرفه بعض الناس عن عمله بحديث طويل و هو يرتقب انتهاء صاحبه من حديثه ليعود الى عمله أو الى غيره فلا يسقط حقه بذلك.

214

الفصل السابع في المدارس و الرّبط

(المسألة 110):

المدارس دور أو عمارات خاصة تعدّ ليسكن فيها طلاب العلم، حسب ما يطلقه واقف المدرسة، أو يعينه من صنف أو يذكر للساكنين فيها من قيود و شروط و الربط منازل مخصوصة كذلك يقفها الواقف ليسكنها الفقراء، أو لينزل فيها المسافرون و الغرباء، من حجاج و زوار و معتمرين و غيرهم، و هي كالمدارس تتبع وقف الواقف و ما يذكره في صيغته من عموم و خصوص و إطلاق و تقييد، و كلاهما من المشتركات العامة بين أفراد العنوان أو الصنف الموقوف عليه من الناس.

(المسألة 111):

إذا وقف الواقف مدرسته على أن يسكنها طلاب العلوم الدينية، و لم يقيدها بقيد و لم يشترط فيها شرطا كانت المدرسة عامة يشترك في استحقاق السكنى فيها جميع طلاب العلوم المذكورة، و لم يختص الحق فيها بعرب أو فرس أو هنود أو غيرهم من الأصناف التي تشتغل بطلب تلك العلوم، و لم تختص بطلب علم معين منها، و لم تختص بطبقة معينة من طلبة العلوم، أو من محصليهم أو أرباب الفضيلة منهم، فيجوز لكل فرد ممن يصدق عليه العنوان العام الموقوف عليه أن يسكن في المدرسة، و لا يجوز للأفراد الآخرين منعه من السكنى و لا إخراجه من المدرسة‌

215

إذا هو سكنها و ان طالت مدة بقائه فيها، حتى يعرض هو عن السكنى فيها و يخرج منها باختياره، و إذا وقف الواقف المدرسة على أن يسكنها طلاب علوم الدين من العرب خاصة مثلا، أو من العجم خاصة، أو من أهل بلد معين أو أهل قطر خاص منهم أو وقفها على ان يسكنها طلاب علم الفقه خاصة أو طلاب علم الحديث أو علم التفسير، اختص حق السكنى فيها بأهل ذلك الصنف الموقوف عليه، و اشترك بين أفراده، و لم يجز لغيرهم سكنى المدرسة ممن لا يشمله الصنف الذي عينه الواقف أو الطائفة التي ذكرها.

(المسألة 112):

إذا وقف الواقف مدرسة ليسكن فيها طلاب العلم مطلقا أو من طائفة خاصة أو من صنف معين، فالمراد السكنى المتعارفة بين الناس، فتكون الحجرة من المدرسة موضع اقامته و بقائه عرفا، و لا ينافي ذلك أن يخرج من المدرسة في بعض الأوقات لقضاء بعض الحاجات، أو لشراء بعض الضرورات، أو للدراسة أو التدريس في أمكنة أخرى، أو للقاء بعض الاخوان، و لا يضرّ بسكناه في المدرسة أن يبيت بعض الليالي في غيرها، إلّا إذا اشترط الواقف على الطالب أن يكون مبيته في المدرسة، كل ليلة أو في ليالي التحصيل، فيجيب عليه ان يتبع الشرط.

و لا يضرّ بالسكنى أن يسافر في بعض الأيام لزيارة أو حج أو عمرة، أو لغير ذلك، و ان طال سفره مدة لا تنافي سكناه في المدرسة، و إذا طالت مدة سفره حتى خرج عن كونه ساكنا في المدرسة في نظر أهل العرف بطل حقه، و إذا شرط الواقف على الطالب أن لا يتجاوز سفره مدة معينة وجب عليه أن يتبع الشرط.

216

(المسألة 113):

قد يشترط الواقف أن يكون الطالب الساكن في المدرسة غير متزوج، أو غير معيل، فإذا سكن الطالب فيها مدة و هو غير متزوج أو غير معيل وفقا للشرط، ثم تزوج أو أصبح معيلا وجب عليه أن يخرج من المدرسة، و كذلك إذا شرط الواقف أن يكون الساكن فيها مشغولا بالفعل بالدراسة أو بالتدريس، فإذا سكن فيها مدة مع وجود الشرط ثم عرض له مرض أو ضعف أو كبر سن يمنعه من الاشتغال بالفعل وجب عليه ان يترك السكنى في المدرسة لفقد الشرط، و هكذا الحكم في كل وصف أو فعل يشترط الواقف أن يكون الطالب الساكن في المدرسة متصفا به كصفة العدالة مثلا، أو الالتزام بأداء الصلاة في أول وقتها أو بصلاة الجماعة أو بصلاة الليل فلا يجوز للطالب أن يسكن المدرسة إذا كان فاقدا لذلك الشرط، و إذا كان متصفا بالشرط فسكن المدرسة ثم فقد الشرط لبعض الطواري المانعة، وجب عليه أن يترك السكنى فيها لزوال الشرط.

(المسألة 114):

إذا سبق أحد طلبة العلم إلى غرفة في المدرسة الموقوفة فسكنها، فليس له أن يمنع غيره من أن يشترك معه في سكنى الغرفة إذا كانت الغرفة تتسع لسكنى أكثر من طالب واحد فيها، إلا إذا كان الواقف قد اشترط ان لا يسكن الغرفة الواحدة في المدرسة أكثر من طالب واحد فيتبع الشرط.

(المسألة 115):

إذا سكن طالب العلم في إحدى غرف المدرسة الموقوفة ثبت له حق الأولوية في الغرفة التي سكنها، فلا يجوز لأحد منعه من البقاء فيها و لا يجوز‌

217

إخراجه منها ما دام مستحقا للسكنى، و ان طالت مدة إقامته فيها، و إذا كان الواقف قد اشترط أن لا تزيد اقامة الطالب فيها على مدة معينة وجب اتباع الشرط، فلا يجوز للطالب البقاء أكثر من المدة المشروطة في صيغة الوقف، و يبطل حقه من السكنى في المدرسة إذا ترك السكنى فيها و طالت مدة تركه للسكنى أكثر ممّا يتعارف مع وجود من يحتاج الى السكنى فيها من الطلاب الموقوف عليهم.

(المسألة 116):

الربط و هي جمع رباط، و يراد به المسكن أو الخان الذي يقفه مالكه لتسكن فيه الفقراء المحتاجون، أو يقفه ليكون منزلا للمسافرين من زوّار أو حجّاج أو غيرهم من عابري السبيل و حكم الرباط هو حكم المدرسة الموقوفة في كل ما بيّناه لها من اللوازم و الآثار، فيتبع فيه ما أطلقه الواقف في صيغة وقفه إذا كان مطلقا، و ما ذكره فيها من قيد أو شرط إذا كان مقيدا أو مشروطا، فإذا قال المالك وقفت هذا المنزل أو هذا الخان ليسكنه الفقراء من الناس، و لم يقيد وقفه بطائفة خاصة منهم و لا بصنف معين من أصنافهم، كان المنزل أو الخان الموقوف رباطا عاما يشترك في استحقاق السكنى فيه جميع الفقراء الموقوف عليهم، فإذا تقدّم أحد منهم الى السكنى في موضع منه أو غرفة من غرفة كان هذا السابق أولى بالموضع أو الغرفة من غيره، و لم يجز منعه أو إخراجه منه، و إذا اشترط الواقف أن تكون لكل فقير غرفة يستقل بسكناها و لا يشاركه فيها غيره، لزم ذلك، و إذا وقف المنزل أو الخان ليسكنه الفقراء من أهل البلد أو من الغرباء أو من طائفة خاصة وجب أن يتبع ما ذكره في قوله من إطلاق أو تقييد، و يشترك في استحقاق السكنى في المنزل جميع أفراد الطائفة التي ذكرها، أو الصنف الذي عيّنه، دون غيرهم من الطوائف أو الأصناف، على نهج‌

218

ما ذكرناه في وقف المدرسة، و يجب اتباع كل شرط يشترطه الواقف.

و كذلك الحكم في الربط التي يقفها صاحبها لنزول المسافرين، فتجري فيها التفاصيل و الأحكام المذكورة.

(المسألة 117):

انما يستحق المسافر النزول في الرباط الموقوف على المسافرين و البقاء فيه ما دام مسافرا، فإذا طال مكثه في البلد أو في المنزل حتى خرج بسبب طول مدته عن كونه مسافرا في نظر أهل العرف وجب عليه الخروج من المنزل الموقوف، و لم تجز له مزاحمة المسافرين الآخرين، و لا يسقط حقه من السكنى و النزول في المنزل بالإقامة الشرعية التي توجب عليه إتمام الصلاة، أو الزيادة عليها، إذا لم يخرج بها عن كونه مسافرا.

(المسألة 118):

لا يستحق النزول في المنزل الموقوف على المسافرين أو الغرباء من كان بلده قريبا لا يصدق عليه اسم المسافر، أو اسم الغريب، لقرب بلده من ذلك المكان، و ليس المدار في هذا الحكم على وجود المسافة الشرعية التي توجب توجب القصر في الصلاة و الإفطار للصائم، بل المدار على صدق اسم السفر عرفا إلّا إذا كان وقف الواقف عاما يشمل ذلك فيكون هو المتبع.

(المسألة 119):

إذا وقف الواقف الرباط ليسكن فيه الفقراء مطلقا، أو الفقراء من طائفة خاصة أو من صنف معين و لم يقيده بقيد أخر، و لم يشترط فيه شرطا، جاز للفقير الذي يستحق السكنى أن يسكن في الحجرة، و يسكن معه عائلته و أولاده، و جاز له أن‌

219

يسكن معهم في أكثر من حجرة مع حاجته الى ذلك، و لا يجوز لأحد منعه أو مزاحمته في ذلك إذا سبق اليه، و يتبع ذلك من ساحة الرباط و مرافقه ما يتوقف عليه انتفاع الفقير بحقه، كموضع الطبخ، و موضع غسل الثياب و الأواني، و موضع النوم في ليالي الصيف و ما يشبه ذلك.

220

الفصل الثامن في المياه و الكلاء

(المسألة 120):

يراد بالمياه هنا المياه التي حكم الشارع فيها بالإباحة الأصلية، كمياه البحار و مياه الشطوط العامة و الأنهار الكبيرة، كشط العرب و دجلة و الفرات و النيل و روافدها و فروعها، و مياه العيون التي تتفجر بأنفسها في الجبال و في الأرض الموات، و مياه السيول التي تنحدر من ذوبان الثلوج، أو تجتمع في الأودية و الوهاد من نزول الأمطار و نحو ذلك، فالناس في هذه المياه شركاء متساوون في الحقوق و إذا حاز أحد الناس منها شيئا ملكه بالحيازة، سواء حازه بآنية أم بدالية أم بناعور أم بنهر أو قناة شقهما أم بحوض أم بمكينة أم بوسيلة غيرهما من وسائل الري الحديثة.

و من المياه المباحة أيضا: الأنهار الصغيرة التي تتكون بأنفسها في الأرض الموات من سرعة جريان الماء المباح المندفع بقوة من الأنهار الكبيرة، أو العيون الجارية أو المياه المنحدرة من أعالي الجبال فتشق لها مجاري في الأرض، و لم يحيها احد و لم يتملكها مالك، فيكون ماؤها من المشتركات العامة بين الناس.

(المسألة 121):

إذا حفر رجل له عينا في أرض ميتة أو في جبل فأحيى العين و أجرى ماءها‌

221

كانت العين و الماء الجاري منها ملكا خاصا له، و لم يجز لغيره أن يتصرف في العين أو في الماء الّا بإذن من المالك، و كذلك إذا حفر في الأرض الميتة بئرا فأحياها و أجرى ماءها، و إذا شق في الأرض الميتة قناة أو حفر نهرا فأحياهما و اجرى الماء فيهما من العين أو البئر اللتين احياهما فالعين و البئر و القناة و النهر جميعا أملاك خاصة له بالاحياء، و الماء ملك له بالحيازة، و لا حق لغيره، و قد سبق ذكر جميع هذا مفصلا.

(المسألة 122):

إذا حفر الإنسان نهرا أو شق له قناة في أرض مملوكة له بالشراء أو بغيره، أو أحيى النهر أو القناة في أرض موات كما تقدم ذكره، ثم أجري في نهره أو قناته الماء من بعض الشطوط العامة التي مر ذكرها أو من بعض العيون أو الآبار النابعة المباحة لجميع الناس، ملك ما يدخل في النهر أو القناة من الماء بالحيازة و كان الجميع ملكا له، و ان كان الماء صباحا للجميع في أصله، فلا يجوز لأحد التصرف فيه الا بإذنه.

(المسألة 123):

إذا كان نهر مملوكا لشخصين، أو لأشخاص متعددين، على نحو الاشتراك فيه في ما بينهم، و مثال ذلك أن يتفقوا فيشقوا النهر في أرض يملكونها جميعا على نحو الاشتراك، أو يشتركوا في إحياء النهر في أرض ميتة، فيكون النهر في الصورتين مملوكا لهم جميعا، على السواء أو على تفاوت ما بينهم في الحصص منه، و سيأتي بيان الميزان في ذلك.

فإذا ملكوا النهر كذلك ثم أجروا فيه الماء من الشطوط العامة المباحة‌

222

للجميع، أو من العيون أو الآبار المباحة كان الماء الجاري في النهر مملوكا للشركاء فيه جميعا، و ملك كلّ فرد منهم من الماء الجاري فيه بمقدار حصته التي يملكها من النهر نفسه، فإذا كان النهر مملوكا لشخصين بالمناصفة ما بينهما فالماء الجاري في النهر مملوك بينهما بالمناصفة أيضا، و إذا كان الشركاء في النهر ثلاثة و النهر بينهم بالمساواة فالماء بينهم مملوك بالمثالثة، و هكذا.

و إذا تفاوتوا في مقادير الحصص فكان أحدهم يملك نصف النهر مثلا فله نصف ما يجري فيه من الماء، و كان الثاني يملك ثلث النهر فله ثلث الماء، و يكون للشريك الثالث سدس النهر و يملك سدس الماء فقط.

و إذا اختلف الشركاء في مقادير حصصهم كما ذكرنا في الصورة الأخيرة، فلا يجوز لأحدهم أن يتصرف في أكثر من حصته من الماء، فإذا احتاج في سقي مزرعته أو بستانه أو ضيعته الى أكثر من حصته من الماء وجب عليه أن يستأذن شريكيه في أخذ الزائد، أو يدفع إليهما عوض ما يأخذه من نصيبهما في سقاية ضيعته و مزرعته من الماء.

(المسألة 124):

إذا كان الشركاء في النهر قد ملكوه بإحيائه من الأرض الموات، فإنما يحصل التفاوت بينهم في مقادير الحصص منه إذا هم اختلفوا في العمل فيه، فكان مقدار عمل أحدهم في تعميره و إحيائه أكثر من صاحبه أو أقل منه، فإذا هم تساووا في العمل تساووا في الحصص التي يملكونها من النهر، و إذا كان عمل أحدهم في إحيائه ضعف الثاني كان للاول ضعف حصة الثاني من النهر نفسه، و هكذا، و كذلك إذا هم اقتسموه بحسب النفقة، فإذا تساووا في مقدار ما أنفقوا في تعمير النهر‌

223

تساوت حصصهم منه، و إذا أنفق أحدهم نصف نفقة الثاني أو ثلثها أو ربعها ملك من الحصة في النهر بتلك النسبة، و مثله ما إذا عمل بعضهم و أنفق بعضهم، و يرجع في تعيين المقادير من العمل أو من النفقة أو من النفقة و العمل الى أهل الخبرة.

(المسألة 125):

إذا كان الماء الجاري في النهر مشتركا بين مالكين أو أكثر كما ذكرنا في المسائل السابقة جرى فيه حكم الأموال المملوكة المشتركة، فلا يجوز لأحد الشركاء أن يتصرف في الماء و لا في بعضه إلا بإذن جميع شركائه فيه، و لا يكفى أن يستأذن من بعضهم، فإذا أباح كل شريك منهم لكل واحد من شركائه أن يتصرف في الماء المملوك لهم بما يريد فلا ريب في الجواز، و قد يتسالمون جميعا فيقتسمون الماء بينهم بالتناوب، فيخصصون لكل واحد منهم يوما معينا أو أياما معينة، أو ساعة من النهار أو ساعات منه معلومة، يتصرف فيها ذلك الشريك بجميع الماء كيف ما يشاء، و بأي مقدار يريد، ثم تكون النوبة بعده للشريك الآخر حتى يتم الدور عليهم جميعا، و لا ضير عليهم في ذلك.

(المسألة 126):

إذا وقع النزاع و التشاجر بين الشركاء في النهر و الماء و لم يصطلحوا و لم يرضوا بالمناوبة، فلا بد من تقسيم الماء بينهم بالاجزاء، فيسدّ النهر من أخره بصخر أو حديد أو غيرهما، فلا يخرج الماء المملوك من النهر، و توضع للماء في السّد أنابيب متساوية في الحجم و السعة ليخرج الماء منها بمقدار واحد، و تعين بذلك الحصص المملوكة منه و تشخص مقاديرها في القسمة.

فإذا كان النهر و الماء مشتركين بين مالكين بالمناصفة بينهما، وضعا في السد‌

224

أنبوبين متساويين في الحجم، و كان لكل واحد من الشريكين أنبوب منهما فيجري ماء انبوبه في ساقية يختص بها، و يتصرف بمائها حيث ما يشاء، و إذا كان الماء مشتركا بين ثلاثة أشخاص بالتساوي جعلوا في السدة ثلاثة أنابيب متساوية في السعة، و اختص كل شريك بواحد من الأنابيب و صنعوا كما تقدم، و هكذا إذا كان الشركاء أكثر من ثلاثة و كانوا متساوين في الحصص، فيجعل في السّد بعدد الشركاء أنابيب متساوية و يكون لكل واحد منهم أنبوب يختص بمائه.

و إذا كان الشركاء مختلفين في مقادير حصصهم التي يملكونها من الماء بسبب اختلاف مقادير حصصهم من النهر المملوك وضعوا في السدة أنابيب متساوية الحجم بمقدار أقلهم حصة و بعدد مجموع حصصهم فإذا كان الشركاء ثلاثة كما ذكرنا في المثال المتقدم و كان أحدهم يملك النصف من الماء، و الثاني يملك الثلث منه، و الثالث يملك الباقي و هو السدس، جعلوا في سدة النهر ستة أنابيب متساوية السعة و الحجم، فكان لمالك النصف ثلاثة أنابيب منها، يتصرف بالماء الذي تخرجه هذه الأنابيب من النهر كيف ما يشاء، و كان لمالك الثلث أنبوبان يفعل بمائهما بما يريد، و لصاحب السدس أنبوب واحد يصرف ماءه في ساقية خاصة إذا شاء فيسقي به مزرعته أو أرضه أو يتصرف فيه بوجه أخر.

(المسألة 127):

و يتطور الزمان و تتطور الوسائل الحديثة معه لتقسيم الماء بالوزن و الكيل و تجعل له الموازين الدقيقة لضبط المقادير و الأعداد و تحديد ما يراد منه من الحصة أو الحصص، فيكون الرجوع إليها أيسر و أسهل، و الاعتماد عليها في التقسيم و تعيين مقادير الحقوق أكثر ضبطا و أوفر دقة، و أحرى في براءة الذمم بين الشركاء.

225

(المسألة 128):

يجوز للشركاء في ماء النهر أن يقتسموا الماء بينهم بالمهاياة و المناوبة كما ذكرنا في المسألة المائة و الخامسة و العشرين، فإذا كانت حصصهم في الماء متساوية قسموه بينهم بالساعات إذا شاؤوا أو بالأيام المتساوية، فيكون جميع ماء النهر لأحدهم خمسة أيام مثلا يتصرف فيه كما يريد، ثم تنتقل النوبة بعده الى الشريك الثاني فيتصرف في جميع ماء النهر خمسة أيام أيضا كما يريد، ثم تكون للثالث، و هكذا حتى يتم الدور بينهم جميعا على السواء، ثم يستأنف عليهم من جديد.

و إذا كانت حصص الشركاء في ماء النهر مختلفة في مقاديرها كما في المثال الذي تقدم ذكره قسموا الماء بينهم بالمناوبة كذلك حسب ما يقتضيه اختلاف حصصهم، فيكون جميع ماء النهر لشريك الأول الذي يملك النصف ثلاثة أيام يتصرف فيه، ثم يكون بعده للشريك الثاني الذي يملك الثلث فيتصرف في جميع ماء النهر مدة يومين، ثم تنتقل النوبة للثالث و هو الذي يملك السدس فيتصرف في جميع ماء النهر يوما واحدا.

(المسألة 129):

القسمة بالمناوبة و المهاباة بين الشركاء متقومة بالتراضي و المسالمة ما بينهم، و لذلك فلا تكون قسمة إجبار و لا تكون لازمة، و معنى ذلك ان الشريك لا يجبر عليها إذا امتنع عن قبولها من شريكه، و يجوز للشركاء فسخ هذه القسمة بعد النوبة الأولى أو الثانية، و متى ما أرادوا. و يجوز للشركاء ان يقتسموا الماء بينهم بالاجزاء على النهج الذي أوضحناه في المسألة المائة و السادسة و العشرين و ما‌

226

بعدها، و القسمة بالاجزاء كذلك قسمة إجبار، فإذا طلبها بعض الشركاء وجبت على شركائه الآخرين اجابته، و إذا امتنع بعضهم عن قبولها أجبر الممتنع، و إذا وقعت القسمة بينهم على الوجه المذكور كانت لازمة لا يجوز لأحد منهم فسخها.

(المسألة 130):

إذا اقتسم الشركاء الماء المشترك بينهم بالمهاياة جاز لكل واحد من الشركاء ان يفسخ القسمة متى أراد، فإذا أراد أحد الشركاء فسخ القسمة، بعد ان استوفى نوبته من القسمة و قبل أن يستوفي شركاؤه الآخرون نصيبهم منها جاز له ذلك، و إذا فسخ القسمة ضمن لشركائه حصصهم من الماء الذي استوفاه في نوبته، فإن أمكن العلم بمقدار ما يستحقونه من الحصص في نوبته ضمنه، و وجب أن يدفع لكل واحد منهم مثل حصته التي استوفاها، و إذا تعذر العلم بذلك ضمنه لهم بالقيمة، و يرجع الى الصلح في ذلك.

(المسألة 131):

المياه المباحة الأصلية كما قلنا في أول هذا الفصل مشتركة بين جميع الناس على السواء، و لا فرق بين المسلمين و غيرهم في ذلك، فإذا اتفق وجود جماعة من أصحاب الاملاك و المزارع على بعض هذه الموارد المباحة ليسقوا أملاكهم و مزارعهم منه كان لهم الحق في ذلك، فإذا كان المورد الذي اجتمعوا حوله وافيا بحاجة الجميع في أي وقت أرادوا، و مثال ذلك: أن تكون أملاكهم و مزارعهم حول نهر من الأنهار الكبيرة التي تكفيهم لذلك متى شاؤوا، فالنتيجة واضحة لا ريب فيها، فيصح لكل فرد منهم أن يستوفي حقه من الماء تاما متى أراد، فإن المفروض انه باستيفاء حقه لا يمنع و لا يزاحم حقوق الآخرين و لا يضعف‌

227

حصصهم من الماء.

(المسألة 132):

لا يحق لأحد من الناس في الصورة المتقدمة أن يشق له نهرا كبيرا في أرض يملكها أو في أرض ميتة فيتملك به ذلك الماء المباح كله، أو يستولي به على أكثره بحيث لا يكون الباقي من الماء وافيا بحاجة الآخرين. و لا يمنع الرجل من ان يشق لنفسه نهرا يملك فيه بعض الماء إذا كان لا يمنع حقوق الباقين و لا حق بعضهم و لا يوجب له قلة في الماء.

(المسألة 133):

إذا كان الماء المباح الذي اجتمع عليه أصحاب الأملاك و المزارع لا يكفى لسقاية أملاكهم و مزارعهم دفعة واحدة، و مثال ذلك: أن تكون الأملاك و المزارع المذكورة حول غدير في البادية يجتمع فيه ماء المطر: أو واد من أوديتها ينحدر اليه ماء السيل، أو حول عين نابعة في الأرض الميتة، فإذا قسم أصحاب الأملاك الماء الموجود عليهم، لم يف بحاجتهم مجتمعين، و وقع النزاع و التخاصم بينهم في من يتقدم أو يتأخر منهم في السقاية.

فإن علم من هو الأسبق في إحياء ملكه أو مزرعته قبل الآخرين من أصحابه قدم الأسبق، فيسقى من ذلك الماء قبل غيره، ثم يقدم السابق في الاحياء من بعد الأول، و هكذا حتى تتم سقايتهم أو ينتهي الماء الموجود.

و إذا لم يعلم السابق من اللاحق في إحياء لملكه، قدم الأعلى في السقاية من الماء، و المراد بالأعلى من يكون ملكه أو مزرعته أقرب الى أول الماء المباح الموجود، فيسقى ملكه أولا فإن كان نخلا حبس له الماء في أرضه الى أن يبلغ في‌

228

ارتفاعه الى الكعب، و الكعب هو المفصل ما بين الساق و القدم، و ان كان شجرا حبس له الماء حتى يبلغ الى القدم، و ان كان زرعا حبس الماء لسقايته حتى يبلغ الى الشراك، فإذا استوفى من هو أقرب الى أول الماء حقه من السقاية بذلك، أرسل الماء من بعده الى من يليه فسقي كما تقدم، ثم أرسل الماء الى من بعده، و هكذا حتى تتم السقاية للجميع أو ينتهي الماء الموجود كله.

(المسألة 134):

إذا وجد جماعة من الناس على ماء مباح، فشق كل واحد منهم له نهرا في ملكه الخاص به، أو في أرض ميتة، أمكن لهم أن يجروا الماء في أنهارهم التي شقوها من ذلك الماء المباح الذي اجتمعوا عليه، و يملك كل واحد منهم الماء الذي أجراه في نهره و قد تقدم بيان هذا.

فان كان الماء المباح الموجود لديهم يكفي لحاجتهم جميعا لكثرته فيما لا الأنهار كلها في زمان واحد، و لا يمنع بعضهم بعضا و لا ينقص حقه، اشتركوا في الحق على السواء و فعلوا بالماء ما أرادوا.

و ان كان الماء المباح الموجود لديهم لا يفي بحاجتهم جميعا في وقت واحد، و وقع التخاصم بينهم في من يتقدم أو يتأخر في الاستحقاق، جرى فيه نظير الحكم الذي ذكرناه في سقاية الأملاك، فيقدم منهم من علم أنه أسبق في إحياء نهره من غيره فيجري الماء في نهره قبل الآخرين، ثم يكون الحق للسابق في الاحياء من بعد الأول: و هكذا.

و ان لم يعلم السابق منهم قدّم في الحق من يكون نهره الذي أحياه أقرب الى أول الماء المباح، فيجري الماء في نهره، ثم يكون الحق من بعده لمن يليه، و هكذا‌

229

على الترتيب كما تقدم.

(المسألة 135):

إذا كان النهر المملوك مشتركا بين جماعة متعددين، و احتاج الى تنقيه من رواسب الرمل و الطين المجتمعة فيه، أو من النباتات التي تخرج في قاعه، و تعيق جريان الماء فيه، أو احتاج الى مزيد من الحفر أو التوسعة، أو الى إصلاح بعض الخروق و الخلل فيه أو في جوانبه، فللمسألة صور لا بدّ من ملاحظتها لتطبيق أحكامها.

(الصورة الأولى): أن يكون الشركاء في النهر كلهم كاملين رشيدين و يتفقوا في ما بينهم على أن يقوموا بما يحتاج اليه النهر من إصلاح و تنقية، فإذا أرادوا القيام بالأمر في هذه الصورة فعليهم أن يقتسموا العمل في النهر أو يقتسموا النفقة عليه بنسبة ما يملكه كل فرد منهم من الحصة في النهر، فعلى مالك نصف النهر أن يقوم بنصف العمل فيه، أو يقوم بدفع نصف نفقاته، فيستأجر بها من يقوم بالعمل، و على مالك ثلث النهر أو ربعه أو ثمنه أو عشرة مثلا أن يقوم بنسبة حصته المذكورة من النهر فيتولى مقدارها من العمل، أو يدفع مقدارها من النفقة.

و كذلك الحكم إذا الزمتهم الدولة بأن يقوموا بتنقية النهر و إصلاحه، فعليهم أن يتولوا القيام بالأمر بنسبة ما يملكه الفرد منهم من الحصة في النهر، فيعمل في إصلاحه بنفسه أو يدفع من النفقة بذلك المقدار و هذه هي الصورة الثانية. بل و كذلك إذا ألزم الحاكم الشرعي بذلك، كما إذا كان النهر مشتركا بين ملاك قاصرين و كانت مصلحتهم تحتم تعمير النهر و إصلاحه، فيجب على الأولياء الشرعيين للقاصرين أن يقوموا بما تقتضيه المصلحة، فيدفعوا نفقة العمل و الإصلاح من أموال‌

230

القاصرين أنفسهم، فإذا لم يفعل الأولياء ذلك ألزمهم الحاكم الشرعي به، و اقتسموه بحسب الحصص كما تقدم، و هذه هي الصورة الثالثة.

(المسألة 136):

الصورة الرابعة أن يختلف الشركاء في النهر في ما بينهم، و هم جميعا كاملون رشيدون، فيعزم بعضهم على أن يقوم بإصلاح النهر المشترك و تنقيته، و يترك بعضهم فلا يقوم بشي‌ء، و لا يجبر الممتنعون من الشركاء على الاشتراك في العمل أو في النفقة، و إذا قامت الجماعة الأولى بإصلاح النهر أو بالإنفاق عليه أو بشي‌ء منهما، فلا يحق لهؤلاء أن يطالبوا شركاءهم الممتنعين بمقدار نصيبهم من المئونة إلا إذا كان الممتنعون قد طلبوا من شركائهم العمل في النهر و تعهّدوا لهم ببذل ما ينوبهم من النفقة، فيجوز لهم المطالبة بها بعد هذا الطلب و هذا التعهد.

(المسألة 137):

(الصورة الخامسة) أن يكون النهر مشتركا بين فريقين من الملاك، فبعض الشركاء فيه قاصرون غير رشيدين، و لذلك فلا يصح التصرف في حصصهم الا من أوليائهم الشرعين، و بعض الشركاء في النهر كاملون يصح لهم التصرف، و لكنهم يعجزون عن القيام بإصلاح النهر إلا بمعونة شركائهم القاصرين لضعفهم في المال أو لسبب أخر.

فإذا كانت للشركاء القاصرين مصلحة تقتضي إصلاح النهر المشترك وجب على أوليائهم الشرعيين ان يبذلوا حصص القاصرين من مئونة إصلاح النهر ليتمكن شركاؤهم من القيام بالعمل و يتم الإصلاح المطلوب، و الحصص التي يبذلها الأولياء من أموال القاصرين أنفسهم، و إذا لم تكن للقاصرين مصلحة في إصلاح‌

231

النهر لم يجب على الأولياء البذل.

(المسألة 138):

إذا أذن مالك النهر لغيره أن يغرس لنفسه على حافة النهر نخيلا أو شجرا فغرس الشخص المأذون له ذلك، فلا يجوز لمالك النهر بعد ثبات الغرس ان يحول النهر الى موضع لا يصل منه الماء الى النخيل أو الشجر المغروس باذنه، و كذلك الحكم إذا أذن له فنصب رحى في مجرى النهر لطحن الحبوب، فليس لمالك النهر أن يحوله فلا ينتفع المأذون له برحاه، و يجوز له تحويل النهر إذا أذن له صاحب الغرس و صاحب الرحى بتحويله.

(المسألة 139):

النبات يتبع الأرض التي تنبته في الحكم، فإذا كانت الأرض مملوكة لأحد من الناس كان النبات الذي تخرجه مملوكا لصاحب الأرض، سواء كان مما تخرجه الأرض بنفسها أم خرج فيها بزرع زارع أو غرس غارس، و سواء كان مما يأكله الناس أو الأنعام أم كان مما لا يؤكل، فلا يجوز لأحد أن يتصرف فيه الا بإذن مالك الأرض، و إذا وضع يده عليه أو تصرّف فيه بغير رضا مالكه كان غاصبا اثما في فعله.

و إذا كانت الأرض مواتا غير مملوكة لمالك كان النبات الذي تخرجه بحكمها، فهو من المباحات الأصلية فتشترك فيه الناس عامة، و إذا سبق إليه أحد من الناس فحازه لنفسه ملكه بالحيازة، و كان مختصا به، الا أن يحدث ما يوجب الاشتراك في الملكية، و لا تختص هذه الاحكام بالكلاء و ما تأكله الأنعام و الدواب و الحيوان بل تشمل العقاقير و الأدوية و الزهور و ما يأكله الإنسان من النباتات، و ما ينتفع به في مأكولاته و مشروباته من التوابل و الأبزرة و المطيّبات و المشهيات، و ما ينتفع به‌

232

في غير ذلك كالحطب و الخشب و القصب و البردي و غيرها.

(المسألة 140):

ذكرنا في المسألة التاسعة عشرة ان المسلم إذا سبق الى قطعة من الأرض الميتة فوضع يده و استولى عليها لينتفع بما فيها من كلاء و نبات أو ماء عذب أو حطب أو قصب أو نحو ذلك من المباحات العامة الموجودة في الأرض كان هذا السابق أولى بتلك القطعة التي استولى عليها و بمنافعها ما دامت يده مستولية عليها، و ان لم يحي الأرض و لم يحجرها، فلا يجوز لأحد غيره من الناس أن يضع يده على تلك الأرض، و لا على كلائها و نباتها و منافعها إلا باذنه، و كذلك إذا سبق إلى الأرض الميتة كافر ذمي أو معاهد ممن تكون يده محترمة في شريعة الإسلام لذمته أو معاهدته.

233

الفصل التاسع في المعادن

(المسألة 141):

المعادن بقاع مخصوصة من الأرض تكون أجزاء الأرض فيها ذات خصوصيات مرغوبة عند أفراد الإنسان، و هو يطلبها لتلك الخصوصيات و لكثرة افادته منها، و قد يكون بعض تلك البقاع للخصوصيات الموجودة فيها سببا لتحويل المياه و الأبخرة و شبهها إذا اجتمعت فيها الى مواد ذات قيمة، بل و الى ذات ثروة كبيرة يتنافس عليها الناس، كالنفط و الكبريت، و القار و الملح و الزيبق و الزرنيخ. و كالذهب و الفضة و النحاس و الحديد و الرصاص، و كالزمرد و الزبرجد و الفيروزج و العقيق و الياقوت، و أمثال ذلك من المعادن النفيسة و غير النفيسة، و المألوفة و غير مألوفة بين الناس، و قد تعرضنا لذكر المعادن و الأحجار الكريمة في كتاب الخمس من هذه الرسالة و في مبحث ما لا يصح السّجود عليه من كتاب الصلاة.

(المسألة 142):

يقول جماعة من الفقهاء (قدس اللّٰه أرواحهم): تنقسم المعادن الى نوعين النوع الأول المعادن الظاهرة على وجه الأرض، كالملح و الكحل و القار و الموميا و هذا النوع كسائر المباحات الأصلية يملك بالأخذ و الحيازة، فإذا أخذ الإنسان‌

234

منه شيئا ملك ما أخذه و بقي الباقي الذي لم يأخذه من المعدن مشتركا بين عموم الناس، و النوع الثاني المعادن الباطنة في الأرض، و هذا النوع انما يملك بالتعمير و الاحياء.

و الظاهر أن هؤلاء الأجلة (تغمدهم اللّه برضوانه) يريدون من النوع الأول:

المعادن التي تكون جاهزة بنفسها، فيمكن للرجل ان ينتفع بها بالفعل، سواء كانت ظاهرة على وجه الأرض أم كانت بحكم الظاهرة، و هي التي يستولي عليها الإنسان بعد حفر يسير في الأرض، كمعادن الجص و النورة و الموميا و الكبريت و الفيروزج و المرمر التي تستخرج و يستولي عليها بعد ازالة الرمل و التراب من وجه الأرض.

و الحكم في هذه المعادن الجاهزة بنفسها كما أفاده هؤلاء الأجلة (رضي اللّه عنهم) فهي مما يملكه الإنسان بالحيازة، فإذا أخذ منهما شيئا كثيرا أو قليلا ملكه سواء أخذه من ظاهر الأرض أم استولى عليه بعد الحفر كما قلنا و لا ينافي ذلك أن بعض هذا النوع يحتاج إلى الإحراق كالجص و النورة، و بعضه يحتاج الى نشره بالمناشير و الى تسوية وجوهه بالآلات كالمرمر، فان هذا المقدار من العمل لا يخرجها عن حكم المباحات العامة، و لا تكون بسببه من النوع الثاني الذي لا يملك إلا بالاحياء، و يبقى الباقي الذي لم يأخذه الرجل من المعدن مباحا لغيره من الناس، بل و له متى شاء.

(المسألة 143):

النوع الثاني: المعادن التي لا تكون جاهزة بالفعل ليستفيد الإنسان منها فوائدها المطلوبة متى أخذها، بل تفتقر حتى تبلغ هذه الغاية إلى إجراء أعمال و تعمير و احياء كمعدن العقيق و الياقوت و الزبرجد و نحوها من الأحجار الكريمة‌

235

فهي تتوقف على حك و تصفية حتى تصبح جواهر نافعة، و كمعدن الزيت و النفط فإنه يحتاج الى حفر آبار و استخراج و تصفية بآلات و أجهزة معقدة متنوعة حتى تنتج أنواع الزيت المطلوبة، و كمعادن الذهب و الفضة و النحاس و الحديد و الرصاص فإنها تفتقر إلى إعمال كثير من الوسائل في العمارة و الاحياء. و الحكم في هذا النوع من المعادن انها لا تكون مملوكة للإنسان إلا بالتعمير و الاحياء، و لا فرق فيها بين أن تكون ظاهرة على وجه الأرض و أن تكون مستورة في باطنها أو في اعماقها فتحتاج الى تنقيب و حفر آبار و اعداد اجهزة و وسائل معقدة.

و إذا حفر الإنسان البئر و لم يحيى المعدن بالفعل لم يملكه، و كان حفره للبئر و تعيين الموضع تحجيرا يثبت به للحافر حق الأولوية من غيره، و قد سبق نظير هذا الحكم في من حفر له بئرا في أرض ميتة و لم ينبع ماؤها، أو حفر له فيها عينا و لم يخرج ماؤها فلا يكون ذلك إحياء للبئر أو العين و لا يملكها بذلك و يكون حفرهما تحجيرا للموضع من الأرض الميتة تثبت للمحجر به الأولوية.

(المسألة 144):

إذا سبق إنسان الى احد المعادن التي لا تملك إلا بالاحياء و شرع في مقدمات إحيائه ثم تركه و أهمله، خيّره الولي العام للمسلمين بين أن يتم احياء المعدن، و أن يرفع يده عنه لمن يريد إحياءه من الناس و أجبره على أن يختار أحد الأمرين، و إذا اعتذر عن تعطيل العمل بعذر مقبول عند العقلاء أمهله ولي المسلمين مدة يزول فيها عذره فإذا انقضت المدة ألزمه بأن يختار أحد الأمرين و يتولى الحاكم الشرعي ذلك في عصر غيبة الإمام (ع) و سبق نظير هذا الحكم في المسألة التاسعة و الخمسين.

236

(المسألة 145):

إذا أحيى انسان قطعة من الأرض الموات فوجد في الأرض المحياة: بعض المعادن ملك الأرض بالاحياء و ملك المعدن الذي وجده فيها بتبع الأرض، سواء وجد المعدن ظاهرا على وجه الأرض أم عثر عليه في باطنها، و مثال ذلك: أن يشق له في الأرض نهرا أو يحفر بئرا فيجد المعدن في أثناء حفره، فيملكه لأنه جزء من أرضه، و من توابعها و إذا كان المعدن في الأعماق البعيدة عن وجه الأرض بحيث لا يعدّ عرفا من اجزاء الأرض و لا من توابعها لم يملكه الرجل مع الأرض بإحيائها و من أمثلة ذلك: آبار النفط و شبهه مما يحتاج في استخراجه الى حفر كثير في الأعماق فلا يملك مثل هذا المعدن بإحياء الأرض، و انما يملك بإحياء المعدن نفسه على الوجه الذي تقدم بيانه.

(المسألة 146):

يجوز للإنسان أن يستأجر أجيرا لاستخراج المعدن من موضعه في الأرض بأجرة معلومة بينهما، و يجوز له أن يستأجره لإحياء المعدن إذا كان محتاجا الى الاحياء، و كان العمل المستأجر عليه معلوما بين المتعاقدين، و الأحوط أن يكون مقدارا في المدة، و لا تصح الإجارة إذا كان بدل الإجارة مجهولا، و مثال ذلك: أن يستأجر العامل يستخرج المعدن بربع ما يخرجه منه أو بثلثه، و يمكن للمتعاقدين إذا فقد بعض شروط الصحة في الإجارة أو شكّا في تحقق شرط منها أن يوقعا المعاملة بينهما على وجه الصلح.

(المسألة 147):

لا يجوز للإنسان أن يضع يده على مقاطعة كبيرة لا يستطيع إحياءها بنفسه‌

237

من الأرض الموات ثم يقسم المقاطعة بين أفراد متعددين من عشيرته أو غيرهم ليحيى كل فرد منهم حصته و يكون الرجل الأول هو صاحب الحق و الاستيلاء على الأرض كلها، فإذا أخذ كلّ فرد من العشيرة حصته من الأرض و أحياها ملكها هذا الفرد المحيي و لا حق للأول في شي‌ء منها.

و أولى من هذا الفرض بالمنع و عدم الجواز أن يضع الأول يده على مقدار كبير من المياه المباحة أو المعادن المشتركة و يصنع فيها كما تقدم ذكره من التقسيم على أفراد العشيرة.

(المسألة 148):

إذا أحيى رجل أرضا ميتة ملك الأرض بالاحياء، و إذا وجد في الأرض بعض الآثار القديمة التي يعتبرها الناس ذات قيمة تاريخية أو مالية فهي ملك لمحى الأرض و يملكها بتبع الأرض المحياة، و كذلك إذا اشترى أرضا أو انتقلت إليه بأحد الأسباب الموجبة لتملكها شرعا، فإذا عثر فيها على بعض الآثار للأمم السابقة فهي ملك له لأنها من أجزاء أرضه.

(المسألة 149):

إذا وقف الرجل شارعا عاما من أرضه المملوكة و سبله للناس و عين للشارع أرصفة لمرور المشاة فيها وجب اتباع ما عيّنه الواقف، فلا يجوز المرور و الاستطراق في الأرصفة لركبان الدواب و وسائط النقل، و لا يجوز وقوف السيارات أو الدواب أو وسائط النقل الأخرى فيها، و خصوصا إذا أوجب ذلك منعا أو مزاحمة لمرور المشاة الموقوف عليهم.

238

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

239

كتاب المزارعة و المساقاة

240

كتاب المزارعة و المساقاة و تفصيل البحث في هذا الكتاب يكون في ستة فصول:

الفصل الأول في المزارعة و شروطها

(المسألة الأولى):

الزراعة أحد الأعمال التي تأكد استحبابها في شريعة الإسلام، و قد تعددت النصوص الواردة عن الرسول «ص» و عن الأئمة من أهل بيته الطاهرين «ع» الدالة على ذلك، و تنوعت في البحث و التأكيد عليه، ففي الحديث عن يزيد بن هارون الواسطي قال: سألت جعفر بن محمد «ع» عن الفلّاحين، فقال: هم الزارعون كنوز اللّه في أرضه، و ما في الأعمال شي‌ء أحب الى اللّه من الزراعة، و ما بعث اللّه نبيا الا زارعا، إلا إدريس «ع» فإنه كان خيّاطا) و في رواية أخرى عنه، قال سمعت أبا عبد اللّه «ع» يقول: (الزارعون كنوز الأنام يزرعون طيبا أخرجه اللّه (عز و جل) و هم يوم القيامة أحسن الناس مقاما، و أقربهم منزلة يدعون المباركين)، و عن سيابة عنه «ع» قال: سأله رجل، فقال له: جعلت فداك، أسمع قوما يقولون: أن الزراعة مكروهة، فقال له: (ازرعوا و اغرسوا فلا و اللّه ما عمل الناس أحل و لا أطيب منه) و عنه «ع» (أن اللّه عز و جل اختار لأنبيائه الحرث و الزرع كيلا يكرهوا شيئا من قطر السماء)، و بمضمونها روايات عديدة أخرى.

241

(المسألة الثانية):

المزارعة معاملة تكون ما بين مالك الأرض و شخص أخر يتفقان بينهما على أن يقوم الشخص بزرع الأرض لمالكها بحصة من نتاج الزراعة، و لا ريب في شرعية هذه المعاملة إذا توفرت فيها شروط الصحة و سيأتي بيانها مفصلا.

و يسميها بعض اللغويين و علماء الحديث مخابرة، بملاحظة أن كلّ واحد من المتعاقدين في المعاملة يستحق خبرة من نتاج الزرع و الخبرة هي النصيب المعيّن، أو بملاحظة أن الخبير اسم يطلق في اللغة على الأكّار نفسه.

و قد روى الصدوق في كتابه معاني الأخبار (أن النبي «ص» نهى عن المخابرة)، و هذا الخبر محمول على صورة وجود تنازع و تشاجر في المعاملة بين المتعاقدين، فلا نهي و لا كراهة في المزارعة إذا لم تؤد الى ذلك.

(المسألة الثالثة):

المزارعة معاملة معلومة تجري بين عامة الناس، و هي عقد من العقود يجري بين الطرفين المتعاملين، و لذلك فهي لا تتم و لا تنفذ إلا بإيجاب و قبول بينهما و يجوز فيها أن يكون الإيجاب من مالك الأرض و يكون القبول من الزارع، و يمكن أن يقع الإيجاب من الزارع، و يقع القبول من صاحب الأرض، و يصح أن يقع الإيجاب من أحدهما بأي لفظ يكون دالا على إنشاء عقد المزارعة بينهما بحصة معينة من حاصل الزراعة، فيجوز للموجب منهما أن ينشئ، العقد بصيغة الفعل الماضي، و بصيغة الفعل المضارع، و بصيغة فعل الأمر، و بالجملة الاسمية فيقول مالك الأرض للزارع: سلّمت إليك ارضي المعلومة لتزرعها حنطة مثلا و يكون لي النصف أو الثلث من الحاصل الذي ينتج من الزرع و لك الباقي منه، أو يقول له‌

242

ازارعك في ارضي على كذا، و يذكر له القيود و الشروط، أو يقول له: ازرع لي هذه الأرض بالحصة المعيّنة و هكذا في أي لفظ يكون دالا على إيجاد المعاملة المقصودة بينهما دلالة ظاهرة يعتمد عليها أهل اللسان، و أن كان ظهوره بسبب قرينة موجودة تدل على المراد، سواء وقع من مالك الأرض أم من الزارع.

و لا يتعين أن يكون إنشاء العقد بلفظ عربي، فيصح أن يقع إنشاؤه بأي لغة أخرى تكون دالة عليه في عرف أهل ذلك اللسان، و يجوز أن يكون القبول كذلك بأي لفظ يكون دالا على رضى القابل بالمعاملة و بشروطها التي اتفق عليها الطرفان سواء وقع من الزارع أم من صاحب الأرض.

(المسألة الرابعة):

يجوز أن ينشأ عقد المزارعة بالمعاطاة الدالة على المعاملة المقصودة، فإذا دفع المالك أرضه إلى الزارع ليزرعها له بحصة معلومة من حاصل الزراعة و قصد بدفعه الأرض إنشاء المعاملة، ثم قبض الزارع الأرض منه بقصد إنشاء القبول على الشروط المتفق عليها بينهما، صحت المعاملة و نفذت، و كانت لازمة على الأقوى و سيأتي ذكر ذلك في موضعه، و انما تجري المعاطاة بعد أن يعين بين الطرفين ما يحتاج الى تعيينه و يشترط ما اتفقا على اشتراطه، ثم ينشأ العقد بالمعاطاة مبنيا على ذلك، فتكون القيود و الشروط بذلك بحكم المذكورة في العقد.

و يجوز أن يكون العقد مؤلفا فيكون الإيجاب باللفظ و القبول بالفعل و بالعكس و يصح أن يقدم القبول على الإيجاب على الوجه الذي يأتي إيضاحه و قد سبق نظير ذلك في بعض العقود.

(المسألة الخامسة):

243

لا ريب في أن الأرض مملوكة لمالكها الشرعي، و يتبعها في ذلك نماؤها و جميع ما يحصل منها من فائدة و منفعة، فلا يحق للزارع أن يتصرف في الأرض الا بإذن مالكها، و لا يستحق من نمائها و فوائدها شيئا إلا بتمليكه، و لا ريب كذلك في أن عمل العامل الحر ملك خالص له، و لا سلطان لأحد غيره على عمله، و لا على شي‌ء من نتاجه و فوائده الا بتمليكه.

و من أجل ذلك كانت المزارعة عقدا لا يتم إلا بإيجاب و قبول من المتعاملين و من أجل ذلك صح أن يقع الإيجاب فيها من مالك الأرض و من الزارع، و يكون القبول من الطرف الثاني منهما، فإذا قال مالك الأرض للزارع: سلمت إليك ارضي المعلومة لتزرعها حنطة و يكون لك النصف أو الثلث مما تنتجه الأرض من حاصل هذه الزراعة، و يكون لي الباقي من حاصلها، أو قال له: زارعتك على أن تزرع ارضي حنطة و يكون حاصل زراعة الأرض بيننا على النهج المذكور، كان مالك الأرض هو الموجب في المعاملة، و لا يتم العقد و لا ينفذ الا بقبول الزارع بعد أن يتم الإيجاب، و يجوز أن يقدم القبول قبل الإيجاب، فيقول الزارع لمالك الأرض و قبل إيجابه: رضيت بالمزارعة التي تنشئها على الشروط التي اتفقنا عليها ما بيننا و يصح العقد منهما على كلا الوجهين.

و إذا ابتدأ الزارع بالإيجاب فقال لمالك الأرض: استلمت منك أرضك المعلومة لأزرعها و تكون الحصص بيني و بينك بالمناصفة مثلا في نتاج الزراعة، أو على النهج المعين الذي اتفقنا عليه فيكون الزارع هو الموجب، و لا يتم العقد و لا ينفذ الا بقبول المالك بعد هذا لإيجاب، و يصح للمالك أن يوقع القبول سابقا على الإيجاب، فيقول للزارع قبل إيجابه رضيت بمزارعتك التي تنشئها، على‌

244

الوجه و القيود التي اتفقنا عليها و الشروط التي اردناها.

(المسألة السادسة):

يشترط في صحة عقد المزارعة أن يكون صاحب الأرض بالغا، و عاقلا و مختارا في فعله، فلا يصح عقده إذا كان صبيا غير بالغ أو كان مجنونا، أو كان مكرها أو مقسورا على الفعل، و أن يكون قاصدا لما ينشئه، فلا يصح عقده إذا كان سكران أو غاضبا غضبا يسلبه القصد لما يقول، أو كان هازئا أو هازلا غير جادّ في قوله و فعله، و أن يكون رشيدا غير محجور عليه لسفه، سواء كان سفهه موجبا للحجر عليه في ماله خاصة أم في جميع تصرّفاته، و قد ذكرنا تفصيل هذا في كتاب الحجر، و أن يكون غير محجور عليه في ماله لفلس، و أن يكون مالكا للتصرف في ماله من الجهات الأخرى، فلا يصح عقده إذا كان غير نافذ التصرّف فيه لبعض الموانع منه.

و مثال ذلك: ما إذا كانت منفعة الأرض مملوكة لغيره بإجارة و شبهها، أو كانت الأرض مرهونة عند غيره على دين لذلك الغير، أو كانت قد تعلق بها حق أخر يمنع المالك من التصرف فيها أو في منفعتها.

و يشترط في صحة العقد كذلك أن يكون الزارع جامعا للشرائط المذكورة كلها على النحو الذي ذكرناه في صاحب الأرض، نعم، لا يضر في صحة المزارعة أن يكون الزارع مفلسا، إذا كانت مزارعته لا تستلزم تصرفا في أمواله الموجودة لديه و التي قد تعلق الحجر بها لحقوق الغرماء.

(المسألة السابعة):

245

يشترط في صحة عقد المزارعة أن يجعل في العقد جميع ما يحصل من زراعة الأرض مشاعا بين المتعاقدين، فلا يصح العقد إذا جعل نماء الزراعة كله لأحد الطرفين دون الآخر، و لا يصح إذا اشترط أن يكون لأحد المتعاقدين مقدار معين من الحاصل يختص به، فيشترط صاحب الأرض على الزارع أو يشترط الزارع على صاحب الأرض أن تكون له عشرة أمنان من الحنطة الحاصلة من الزراعة يختص بها دون صاحبه، و لا يعلم بأن ما يحصل من نتاج الزرع يفضل عن ذلك المقدار أم لا، فيبطل العقد في هذه الصورة، و يبطل أيضا إذا جعل الباقي من الحاصل إذا اتفق وجوده خاصا بالثاني منهما أو جعل مشتركا بين الطرفين فيكون العقد في جميع هذه الصور، و تلاحظ المسألة الخامسة و العشرون الاتية.

و لا يصح العقد إذا اقتسما الحاصل من الزراعة بينهما بحسب الزمان فاشترطا مثلا أن يكون ما تنتجه الزراعة في أول الوقت يختص بأحد هما، و ما تنتجه في أخر الزمان يكون للثاني، أو اقتسما النتاج بحسب الأمكنة من الأرض فما تنتجه القطعة الأولى المعيّنة من الأرض يكون لأحد هما و ما تنتجه القطعة الثانية يختص بالاخر.

و لا يصح العقد إذا اقتسما الحاصل بحسب النوع الذي تنتجه الزراعة، فما تنتجه الزراعة من الحنطة مثلا يكون مملوكا لأحدهما، و ما تنتجه من بقية أنواع الحبوب أو المخضرات يكون مملوكا للثاني، فيبطل عقد المزارعة في جميع هذه الفروض، و تصح المعاملة فيها إذا أنشئت على نحو المصالحة عليها بين الطرفين.

(المسألة الثامنة):

246

يشترط في صحة عقد المزارعة زائدا على الشروط المتقدم ذكرها: أن تجعل في العقد لكل واحد من المالك و الزارع حصة معلومة المقدار من مجموع حاصل الزراعة، النصف منه أو الثلث أو الربع أو الخمس أو غير ذلك من الكسور، حسب ما يتفق عليه المتعاملان، سواء تساوت الحصتان المجعولتان لهما في المقدار أم تفاوتتا، فيكون المجموع بينهما حصتين على المناصفة أو على المثالثة، فلأحدهما ثلث الحاصل و للآخر ثلثاه، أو على غير ذلك، فلأحدهما ربع النتاج و للثاني ثلاثة أرباعه، و هكذا.

ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه «ع» قال: (لا تقبّل الأرض بحنطة مسماة، و لكن بالنصف و الثلث و الربع و الخمس لا بأس به)، و قال «ع»: (لا بأس بالمزارعة بالثلث و الربع و الخمس)، و في صحيحة أبي الربيع الشامي عنه «ع»، انه سئل عن الرجل يزرع أرض رجل أخر، فيشترط عليه ثلثا للبذر و ثلثا للبقرة فقال «ع»: (لا ينبغي أن يسمي بذرا و لا بقرا، و لكن يقول لصاحب الأرض: ازرع في أرضك و لك منها كذا و كذا، نصف أو ثلث أو ما كان من شرط و لا يسمّ بذرا و لا بقرا، فإنما يحرم الكلام)، و بمضمونها أدلة معتبرة اخرى.

فلا يصح العقد إذا لم يعين مقدار الحصة كذلك، فقال له مثلا: زارعتك على أن تكون لك حصة من الحاصل نتفق على تقديرها في ما بعد، أو على أى مقدار تريده أو على ما يعينه لك فلان.

(المسألة التاسعة):

إذا ذكر المتعاقدان للمزارعة بينهما مدة وجب عليهما أن يعيّنا للمدة أمدا محدودا بالأشهر أو السنين، فيقول الموجب من الطرفين لصاحبه: أسلمت إليك‌

247

هذه الأرض لتزرعها لي مدة ثلاث سنين مثلا أو أربع، على أن يكون لي الثلث من الحاصل الذي تخرجه الزراعة كل سنة من هذه المدة و لك الثلثان منه، و يقول الآخر: قبلت المزارعة في هذه المدة المعيّنة على الشرط الذي ذكرت.

و إذا ذكرا للمزارعة مدة و لم يجعلا لها أجلا مسمّى بطل العقد بينهما و مثال ذلك أن يقول الموجب لصاحبه: سلمت إليك الأرض لتزرعها مدة من الزمان، فيكون لي الثلث من ناتج الزراعة و لك الباقي منه، فيبطل العقد لعدم التعيين، و إذا ذكر للمزارعة مدة و عيّناها لزم أن يكون الأجل المعيّن بمقدار يحصل فيه الزرع، و يتم إدراكه بحسب العادة المتعارفة لذلك الزرع، فلا يصح العقد إذا كان الأجل أقلّ من ذلك.

و يكفي في صحة العقد أن تعين المدة فيه على وجه الإجمال، فإذا قال المالك لصاحبه أسلمت إليك الأرض لتزرعها حنطة في هذا العام، و يكون لي الثلث من حاصل الزرع و لك الثلثان صح العقد، و تكون المدة من أول الوقت المتعارف لابتداء زراعة الحنطة في أثناء العام الى حين إدراكها، و كذلك إذا عين مبدأ الشروع في الزرع فقال له: أسلمت الأرض إليك لتزرعها حنطة من أول شهر كذا، فيصح العقد و يحمل الآخر على الوقت الذي يتم فيه ادراك الزرع بحسب العادة، و ترتفع بذلك الجهالة.

(المسألة العاشرة):

يشترط في صحة المزارعة أن تكون الأرض التي تقع عليها المعاملة قابلة للزراعة المقصودة، فلا يصح العقد إذا كانت الأرض غير صالحة لذلك مطلقا و مثال ذلك: أن تكون الأرض سبخة مالحة يمكن علاجها و الإنبات فيها، أو يكون‌

248

وجهها مكسوا بالصخور و الصلدة و الحجارة الملساء، فلا تثبت فيها الجذور و لا تنمو فيها البذور، أو تكون مغمورة بالمياه، فلا يستطاع تجفيفها ليقوم فيها زرع أو يثمر فيها نبت، أو تكون قد استولت عليها الرمال الكثيفة الناعمة و تراكمت على وجهها فلا يقدر على إزالتها، أو تكون بعيدة عن منابع الماء و موارده، و عن مساقط الغيث و القطر فلا تمكن سقايتها، و لذلك فلا ينبت فيها زرع و لا ينمو فيها عود.

و تصح المزارعة على الأرض إذا أمكن الزرع فيها بالعلاج و الإصلاح فكان ما لك الأرض قادرا على إصلاحها و تسليمها بعد الإصلاح للزارع قابلة للزرع و الإنبات، أو كان الزارع نفسه قادرا على أن يصلح الأرض حتى تصبح قابلة لذلك و لو باستخدام الآلات و الوسائل الحديثة المعدّة لمثل ذلك، و لا ريب في أن ذلك يتبع الشرط بينهما، فإذا شرط مالك الأرض على العامل أن يقوم بإصلاح الأرض و كان العامل قادرا على القيام به، أو شرطه العامل على مالك الأرض، وجب على المشروط عليه أن يفي بالشرط، و صحت به المعاملة، و ان احتاج الإصلاح إلى مدة طويلة، سنة أو سنتين أو أكثر، مع ذكر ذلك في العقد، و تلاحظ المسألة التاسعة و الستون.

(المسألة 11):

إذا اتفق المتزارعان بينهما على ارادة نوع خاص من الزرع في الأرض: حنطة أو شعير أو غيرهما من أنواع المزروعات و قصداه معا في نفسيهما حين إجراء المعاملة، تعين ذلك النوع في المعاملة الجارية بينهما، و وجب على الزارع و مالك الأرض اتباعه و الوفاء به، و كفى ذلك عن الاشتراط الصريح في العقد، و يكفي أيضا‌

249

عن الاشتراط الصريح في العقد أن يكون ذلك النوع الواحد من الزرع هو المتعارف بين عامة الناس في ذلك البلد لمثل هذه الأرض و من ذلك العامل، و هو الذي ينصرف إليه الإطلاق بينهم، فيتعين الإتيان بذلك النوع، و يكون الانصراف اليه كالشرط الصريح في العقد.

و إذا كانت الأرض صالحة لعدة أنواع من الزرع فيها، و علم من القرائن الموجودة: أن مالك الأرض و زارعها كليهما قد قصدا في نفسيهما التعميم لجميع الأنواع التي تمكن زراعتها في الأرض، صح العقد، و كان العامل مخيرا في الزراعة بين جميع الأنواع المقصودة لهما، فأي الأنواع منها أتى به كان وفاء بالعقد، و إذا كانت الأرض قابلة لعدة أنواع من الزرع فيها، و لم يقصد المالك و الزارع العموم لتلك الأنواع، و لم يتفقا على ارادة نوع معين منها، و لم ينصرف الإطلاق عند العقلاء من الناس في البلد الى نوع مخصوص من الزرع فيها، وجب على المتعاقدين أن يعيّنا النوع الذي يريدان في المعاملة بينهما من أنواع الزرع، و إذا هما لم يعيّنا نوعا خاصا منها بطل العقد.

(المسألة 12):

المزارعة كما قلنا أكثر من مرة معاملة تتضمن أن يسلّط المالك العامل على أرضه ليتصرف فيها و يزرعها له، و أن يملكه حصة معينة من الحاصل الذي تخرجه الأرض بسبب الزراعة، و لذلك فلا بد من فرض وجود ارض تتعلق بها المعاملة المذكورة، و يتعلق بها العمل من الزارع، و يحصل منها النتاج، و بدون هذا الفرض لا يمكن أن تتحقق المعاملة الخاصة و العقد بين الطرفين، و هو أمر في غاية الوضوح و الجلاء.

250

و الأرض التي تتعلق بها المزارعة قد تكون مفروضة الوجود في الخارج و قد تكون كلية موصوفة، يلتزم بها المالك في ذمته أن يسلمها للعامل كما وصف و يتعاقد معه على زراعتها، و إذا كانت مفروضة الوجود في الخارج فقد تكون متشخصة فيه متميزة بوجودها الخاص عن غيرها، و قد تكون على وجه الكلي في المعيّن، فهي على ثلاث صور مختلفة.

(الصورة الاولي): أن تكون الأرض التي تتعلق بها المعاملة مفروضة الوجود في الخارج، و أن تكون متشخصة متميزة بوجودها الخاص عن سواها، و الأحوط في هذه الصورة أن يعين في عقد المزارعة مقدار الأرض و حدودها بين المتعاقدين فتكون معينة غير مبهمة لديهما، و بذلك يصح العقد عليها من غير ريب، و إذا أهمل ذلك و دار أمر الأرض بين الأقل و الأكثر بطل العقد على الأحوط.

و كذلك الحكم إذا كان للمالك أكثر من أرض واحدة و كانت اراضيه مختلفة في المقادير و الحدود و أراد أن يزارع العامل على واحدة منها، فالأحوط له أن يعيّن الأرض التي يجري عليها المعاملة و يعين مقدارها و حدودها، و بدون ذلك يبطل العقد على الأحوط، و خصوصا إذا كانت أراضيه مما تختلف حصة العامل في زراعتها عند أهل العرف من البلاد.

(المسألة 13):

(الصورة الثانية): أن تكون الأرض مفروضة الوجود في الخارج و أن تتساوى أجزاء الأرض في صلاحها للزرع و الإنتاج، ثم ينشأ عقد المزارعة بين مالك الأرض و زارعها على مقدار جريب منها بحصة معلومة من حاصل زراعتها، و لا ينبغي الريب في صحة المزارعة على هذا الوجه، و يكون من العقد على الكلي‌