كلمة التقوى - ج5

- الشيخ محمد أمين زين الدين المزيد...
421 /
351

الموجودة في الأرض قبل المغارسة عليها، بالإضافة إلى حصته من الأصول التي غرسها، و هذا على ما هو متعارف بين الناس في المغارسات الدارجة في ما بينهم.

و قد اشتهر بين أصحابنا (قدس اللّٰه أرواحهم) القول ببطلان المغارسة و عدم نفوذها، و اشتهرت بينهم دعوى قيام الإجماع على عدم الصحة، و لعل المقصود من ذلك أن المعاملة المذكورة لا تكون من المساقاة المصطلحة بين العلماء، و لا تشملها الأدلة الخاصة الواردة في المساقاة، و ليس مرادهم أن المغارسة باطلة لا تصح على الإطلاق، و لا ريب في بطلان المغارسة التي ذكرناها إذا أجراها المتعاقدان و قصدا بها المساقاة المصطلحة.

(المسألة 159):

إذا أوقع مالك الأرض مع العامل صورة المغارسة التي بيناها و قصدا بها معاملة المساقاة المصطلحة كانت المغارسة باطلة بلا ريب كما قلنا في المسألة المتقدمة، و بطل كل ما يذكر في ضمنها من الشروط، فإنها شروط في ضمن عقد فاسد، فلا يجب السقي و لا العمل في الأرض على العامل، و لا يملك حصة من الثمر و لا من النخيل و الشجر التي يغرسها، و لا من الأرض و الأصول الموجودة فيها من قبل إذا اشترط له ذلك فيها.

فإذا غرس العامل في الأرض المدفوعة اليه نخيلا أو شجرا، فالنخيل و الشجر التي غرسها تكون جميعا مملوكا لمالكها فسيلا و وديا قبل أن تغرس، فان كانت قبل غرسها مملوكة لصاحب الأرض كما إذا اشتراها أو تملكها بسبب شرعي أخر لتغرس في أرضه، و كما إذا أخذها فسيلا أو وديا من أصول مملوكة له في تلك الأرض، أو في أرض له اخرى، كانت جميعا بعد غرسها باقية على ملكه، و لا حصة‌

352

و لا حق للعامل الغارس فيها.

و إذا كان مالك الأرض و العامل فيها يعلمان ببطلان هذه المعاملة الجارية بينهما، و علم العامل بان غرسه و تصرفه في الفسيل و في الأرض محرم عليه من حيث انه تصرف في مال الغير بغير اذنه، تنجز عليه التكليف بحرمته و حرم عليه أخذ الأجرة على الغرس و العمل في الأرض، لأنه من الأجرة على العمل المحرم فان مالك الأرض انما اذن له في التصرف في أرضه و في ملكه إذا كانت المعاملة صحيحة شرعية و لم يأذن له في التصرف إذا كانت باطلة.

و إذا علم من القرائن أو من القول الصريح بان مالك الأرض قد اذن للعامل إذنا مطلقا بالتصرف في الأرض، و في الفسيل و الودي المملوك له، و لم يقيد اذنه له بالمعاملة الصحيحة استحق العامل على المالك اجرة المثل على عمله في الغرس و الأرض.

(المسألة 160):

إذا جرت المغارسة بين الرجلين على الوجه المتقدم الذي قلنا ببطلانه و كان الفسيل و الودي الذي غرسه العامل مملوكا له قبل الغرس، كما إذا اشتراه من قبل ليغرسه أو أخذه من نخيل و شجر يملكه ثم غرسه في الأرض بقي مملوكا للعامل خاصة و لم يملك صاحب الأرض منه شيئا.

فإذا كان مالك الأرض انما اذن للعامل في التصرف في أرضه و غرسها إذا كان التصرف بوجه شرعي صحيح و كانت المعاملة الواقعة بينهما صحيحة شرعية و لم يأذن له بذلك إذا كانت المعاملة باطلة، فلا يستحق مالك الأرض على العامل في هذه الصورة اجرة لأرضه عن تصرفه فيها في المدة الماضية، و يجوز للمالك أن‌

353

يأمر العامل بقلع ما غرسه في الأرض من شجر و نخيل، و يجوز له أيضا أن يأذن للعامل بإبقاء ما غرسه في الأرض مجانا أو مع اجرة المثل للأرض مدة بقاء المغروسات فيها، و هذا إذا رضي العامل بالإبقاء، و ليس للمالك أن يجبره عليه بأجرة أو بغير اجرة.

و إذا أمره المالك أن يقلع ما غرسه في الأرض وجب على العامل أن يقلعه و يطم الحفر التي تحدث في الأرض بسبب الغرس أو القلع، و إذا حدث في المغروسات نقص أو عيب أو كسر بسبب قلع العامل إياها لم يضمن المالك له أرش ذلك.

و إذا أمر المالك العامل أن يقلع ما غرسه في الأرض فامتنع العامل جاز للمالك أن يقلعه بنفسه، فإذا انكسرت الشجرة أو النخلة أو عابت بسبب قلع مالك الأرض لها ضمن للعامل أرش هذا النقص أو العيب الحادث فيها بفعله، و أرش النقص أو العيب هو التفاوت في المقلوع منها ما بين قيمته صحيحا و قيمته مكسورا أو معيبا و لا يضمن للعامل تفاوت ما بين قيمتها و هي ثابتة في الأرض و مقلوعة منها.

(المسألة 161):

إذا كانت المغارسة بين الشخصين على الوجه المتقدم الذي حكم الشارع فيه بالبطلان و عدم النفوذ، و كان الودي و الفسيل الذي غرسه العامل في الأرض بسبب هذه المعاملة على قسمين، فمنه ما هو مملوك لصاحب الأرض من قبل غرسه، و منه ما هو مملوك للعامل، جرى في كل واحد من القسمين ما يخصه من الاحكام التي أوضحناها في المسائل المتقدمة من الملك و الضمان و الآثار‌

354

الأخرى، فليلاحظ ما سبق بيانه فيها لتطبيق حكم كل قسم منهما في مورده و لا موجب للتكرار.

(المسألة 162):

يمكن للمتعاملين أن يوقعا المغارسة بينهما على انها معاملة مستقلة بنفسها عن سائر المعاملات، و عقد من العقود المتعارفة بين العقلاء و أهل العرف و الشائعة بينهم، فتكون بذلك معاملة صحيحة و نافذة على الأقوى، تشملها العمومات و الإطلاقات الدالة على وجوب الوفاء بالعقود من الكتاب الكريم و السنة المطهرة و ذلك بان يتفق مالك الأرض مع العامل على أن يغرس العامل له أرضه نخيلا و شجرا معلومة، و يعمل له في الأرض و في الغرس حتى تنمو المغروسات و تثبت و تثمر، و يلتزم الجانبان بينهما بان يملك مالك الفسيل و الودي منهما صاحبه نصف الفسيل و الودي الذي يراد غرسه في الأرض أو ربعه مثلا على نحو الشركة و الإشاعة، فإذا كان مالك الفسيل و الودي هو مالك الأرض، ملك العامل الحصة المعينة منها و جعل ذلك عوضا له عما يقوم به من الغرس و العمل في الأرض، و إذا كان مالكها هو العامل، ملك الحصة منها لصاحب الأرض، و جعل ذلك عوضا له عن تصرف العامل في أرضه و انتفاعه بها.

فإذا اتفق الطرفان على ما ذكرناه واقعا الإيجاب و القبول الدالين على الاتفاق و التمليك المذكورين و الالتزام بموجبهما صحت المعاملة، و شملتها الأدلة العامة و المطلقة الدالة على صحة العقود و وجوب الوفاء بها، و يمكن لهما أن يشترطا في ضمن هذا العقد أن يملك صاحب الأرض العامل حصة معلومة المقدار مشاعة من رقبة الأرض، و من الأصول الموجودة فيها قبل المغارسة، فيصح الشرط و ينفذ فإنه‌

355

شرط سائغ وقع في ضمن عقد لازم.

(المسألة 163):

يكفي في صحة عقد المغارسة الذي ذكرناه أن يعلم الطرفان مقدار الأرض التي تجري المعاملة عليها، و مقدار ما تحتاج اليه من المغروسات من النخيل و الشجر، و مقدار الحصة التي تجعل للعامل و المالك من الأرض و من الأصول بالمشاهدة الرافعة للجهالة و بتقدير المطلعين من أهل الخبرة و المعرفة فترتفع بذلك الجهالة التي تضر بمثل هذا العقد، و يكفى الاعتماد على ما هو المتعارف و المعتاد بين عامة أهل البلد في تعيين أنواع المغروسات من الشجر و النخيل و أصنافها، و إذا اختلف الأمر في ذلك، و لم يثبت المتعارف شيئا، أو اختلف المقصود بين المالك و العامل، فلا بد من تعيين النوع و الصنف الذي يراد غرسه و لا بد من تعيين كل قيد أو شرط أو أمر يكون الجهل به موجبا للتنازع بين الطرفين.

(المسألة 164):

إذا كان الفسيل و الودي الذي يرام غرسه في الأرض مشتركا على سبيل الإشاعة التامة بين مالك الأرض و العامل فيها، و مثال ذلك أن يشترى أحدهما جميع ذلك بالأصالة عن نفسه و بالوكالة عن الأخر، على ان يكون جميع ما يشتريه منها مشتركا مشاعا بينهما مع التساوي في الحصة، أو مع التفاوت فيها حسب ما يتراضيان عليه فإذا تم الاشتراك فيه بين الطرفين كذلك، أمكن لهما أن يوقعا معاملة المغارسة بينهما بصورة الإجارة على الوجه الاتى.

فيستأجر صاحب الأرض العامل ليقوم بغرس حصة صاحب الأرض من الفسيل و الودي المشترك في الأرض و سقيها و العمل فيها في مدة معلومة، و يجعل‌

356

للعامل عوضا عن عمله في ذلك أن يغرس العامل حصته المشتركة في الأرض و ينتفع بها في تلك المدة المعلومة، أو يضيف الى ذلك ان شاء الطرفان أن يملك العامل معها حصته من الأرض.

و يمكن أن يتولى العامل إنشاء عقد الإجارة، فيؤجر نفسه لصاحب الأرض ليغرس له حصته من الفسيل و الودي في الأرض و يعمل فيها و يذكر المدة و العوض و الشرط حسب ما بيناه فإذا وقع الإيجاب و القبول في الصورتين صحت المعاملة و ثبتت لوازمها و آثارها و لا تصح الإجارة إذا لم تعين المدة أو لم تحدد المنفعة المستأجر عليها.

(المسألة 165):

إذا كان جميع الفسيل و الودي الذي يراد غرسه في الأرض مملوكا لصاحب الأرض أمكن له أن يجرى المغارسة بينه و بين العامل على الصورة الاتية و هي أن يملك العامل من الفسيل و الودي المذكور حصة معلومة النسبة له على سبيل الإشاعة التامة: النصف منه مثلا أو الثلث أو الربع، فيملكه ذلك بمصالحة أو ببيع أو بغيرهما من العقود اللازمة و يجعل عوض تمليك الحصة أن يغرس العامل حصة المالك من الفسيل و الودي في الأرض و يسقيها و يعمل فيها إلى مدة معينة، و يشترط المالك على نفسه في العقد أن يغرس العامل حصته التي ملكه المالك إياها من الفسيل في الأرض و يبقيها فيها الى آخر المدة المعينة للمغارسة بغير اجرة على غرسها و لا على بقائها من العامل، أو يشترط على نفسه مع غرس العامل حصته من الفسيل في الأرض أن يملك العامل حصة معينة من رقبة الأرض: النصف أو الربع مثلا على وجه الإشاعة فيها.

357

و إذا كان الفسيل و الودي كله مملوكا للعامل أمكن له أن يجرى المغارسة أيضا، فيملك العامل صاحب الأرض حصة معلومة النسبة كذلك من الفسيل و الودي بمصالحة أو بيع أو غيرهما كما سبق في نظيره، و يجعل عوض تمليكه الحصة أن يغرس العامل حصته من الفسيل و الودي في أرض المالك بغير اجرة و يستوفي بذلك منفعة الأرض إلى مدة معينة، و يشترط العامل على نفسه في ضمن العقد أن يغرس لصاحب الأرض حصته التي ملكه إياها من الفسيل و الودي، و يسقيها و يعمل فيها الى انتهاء المدة، و يمكن له أن يجعل من العوض أن يملكه مالك الأرض نصف رقبتها أو ربعها، فتصح المعاملة و تنتج نتيجة المغارسة إذا جرى عليها الإيجاب و القبول.

(المسألة 166):

إذا أنشئت المغارسة بين العامل و مالك الأرض على انها معاملة مستقلة بذاتها، و ليست من المساقاة و لا من سائر المعاملات، و قد مر تفصيل بيان ذلك في المسألة المائة و الثانية و الستين، ثم وقع النزاع بين المتعاقدين فادعى أحدهما أن المعاملة تمت بينهما على الوجه المطلوب فالمغارسة صحيحة نافذة، و قال الثاني انها كانت فاقدة لبعض المقومات أو لبعض الشروط فهي باطلة و لا اثر لها، قدم قول من يدعى الصحة منهما الا أن يثبت الثاني صحة ما يقول ببينة شرعية.

و كذلك إذا أنشئت المغارسة بينهما بصورة الإجارة، أو على وجه تمليك الحصة من الفسيل و الودي، كما فصلناه في المسألتين السابقتين ثم ادعى احد الرجلين أن المعاملة صحيحة و قد جرت على وفق ما يرام، و ادعى الثاني بطلانها فالقول قول من يدعى الصحة.

358

و إذا وقعت المغارسة بينهما، فادعى احد الشخصين أن المعاملة أنشئت، بينهما و تمت على انها من المساقاة المصطلحة فتكون باطلة على ما سبق بيانه.

و قال الأخر منهما: اننا قد أجرينا المغارسة بيننا على انها معاملة مستقلة فهي صحيحة نافذة، أشكل الحكم بتقديم قول من يدعى الصحة، لعدم إحراز العنوان الذي وقعت عليه المعاملة، و لذلك فلا يترك الرجوع فيها الى الاحتياط بالمصالحة و التراضي بين المتداعيين‌

359

كتاب السبق و الرماية

360

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

361

كتاب السبق و الرماية و هو يحتوي على فصلين:

الفصل الأول في السبق و شروطه و أحكامه

(المسألة الأولى):

السبق بفتح السين و سكون الباء مصدر من قولنا: سبق الرجل الى المكان أو الى الغاية بمعنى تقدم على غيره في الوصول إليهما، و منه حق السبق الى الموضع من المسجد، و الى الموضع في السوق، و السبق أيضا كما يقول بعض اللغويين مصدر ثان من قولهم سابقه مسابقة اي غالبة في أمر يريد كل واحد من الرجلين أن يتقدم فيه على صاحبه، و المعنيان للسبق متغايران، فالسبق الأول يدل على تقدم فعلي من الرجل السابق، و ان لم تكن بينه و بين غيره منافسة أو مغالبة، و السّبق الثاني يدل على المسابقة في الأمر بين الرجلين أو الرجال، و لا يدل على تقدم واحد منهم بالفعل، و السبق بالمعنى الثاني أقرب الى المعنى الاصطلاحي الذي يبحث عنه الفقهاء في هذا الكتاب و السبق بفتح السين و الباء هو العوض الذي‌

362

يجعل أو يبذل لمن يسبق في الحلبة مكافأة له على سبقه و فوزه، و يقال له أيضا:

الخطر بفتح الخاء و الطاء، و يسمى كذلك الرهن و منه تسمية المسابقة بالمراهنة.

(المسألة الثانية):

السبق أو المسابقة المبحوث عنها في الكتاب هي إجراء الخيل و ما يشبهها من الدواب ذوات الحافر و هي البغال و الحمير، و من ذوات الخف و هي الإبل و الفيلة في حلبة لتعرف السوابق الجياد من المركوبات، و الأشد حذاقة و معرفة و الأقدر على الفروسية و المران من راكبيها، و لتمرن الدواب على الجري و العدو و الوقوف و الاندفاع حسب الإشارة و الأمر و الزجر، و يمرّن الراكب على أنواع الحذق و الفروسية و التبصر في فنونها و التصرف كما تقتضي الحال و القدرة عليها و يدخل ذلك في أعداد القوة الذي أمر اللّه به في صريح الكتاب و متواتر السنة.

و لا ريب في مشروعية السبق و محبوبيته في الإسلام دين الجدّ و الجهاد و الاجتهاد، و المسابقة بعد ذلك كله معاملة شرعية ثابتة تقع بين المتسابقين يدفع فيها للسابق عوض مخصوص مكافأة له على سبقه و حذاقته، و ليشجع على المضي في سيرته، و ليندفع غيره الى الاقتداء به، و التحليق معه أو الارتفاع عنه في الأشواط المقبلة و المسابقات الآتية.

(المسألة الثالثة):

المسابقة عقد شرعي مخصوص يقع على اجراء الخيل، و على اجراء البغال أو الحمير ليعرف السابق من غيره بعوض يعين للسابق واحدا كان أم أكثر بحسب ما يتفق عليه المتعاقدان أو المتعاقدون في الحلبة، و يصح أن يجرى العقد لإجراء ذوات الخفّ من الإبل أو الفيلة، و يجري نظيره أيضا في الرماية و سيأتي بيانه ان‌

363

شاء اللّه تعالى.

و الظاهر أن العقد الشرعي الذي ذكرناه انما يجرى في المسابقة بين الدّواب إذا كانت من نوع واحد، فلا يصح في المسابقة بين الخيل و البغال مثلا أو بين البغال و الحمير، و تصح المعاملة فيها إذا أجويت على وجه آخر من المعاملات كالجعالة و الصلح و شبههما.

و لا يجري العقد الشرعي المخصوص في المسابقات في الأعمال الأخرى و ان كانت مباحة صحيحة الغرض، بعيدة عن اللعب و اللهو، بل و ان كانت من الأمور الراجحة في الدين أو الدنيا، و يمكن أن تجرى المعاملة فيها على وجه شرعي أخره و سنتعرض لذلك ذلك في موضع يأتي من الكتاب ان شاء اللّه تعالى.

و لا تجوز المعاملة في الأمور التي تكون من اللهو و اللعب و المقامرة، و لا يجوز فعل هذه الأمور، و أن خلت من الأعواض عليها و بذل المال فيها، و إذا بذلت فيها الأعواض و الأموال كان تحريمها أشد و العقاب عليها أشق، و خصوصا إذا كان دفع العوض و المال بقصد التمرين و التشجيع على مزاولة الفعل المحرم في الإسلام، من المرديات المهلكات و من كبائر الكبائر.

(المسألة الرابعة):

يجوز لأحد الرجلين أو الرجال المشتركين في المسابقة أن يبذل مبلغا من ماله أو عينا معلومة من مملوكاته و يجعل ذلك عوضا في المسابقة بينه و بين أصحابه، ليدفع لمن يسبق منهم جزاء له على سبقه، و يصح أن يكون العوض الذي يبذله الباذل دينا له في ذمة أحد من الناس، فيقول: جعلت المبلغ الذي أملكه في ذمة زيد عوضا لمن يسبق في هذه الحلبة، و يصح أن يجعله دينا يبقى في ذمته‌

364

للسابق، و يجوز أن يشترك المتسابقان كلاهما في بذل العوض، فيبذل كل واحد منهما مبلغا من ماله، أو عينا معلومة من مملوكاته، أو دينا له على احد، أو دينا يبقى في ذمته، كما ذكرنا في الفرض المتقدم، و يجوز لكل فرد من المتسابقين إذا كانوا أكثر من اثنين أن يفعل كذلك، و يجوز أن يبذل بعضهم دون الآخرين، و يصح أن يكون العوض المجعول في المسابقة من شخص أخر لم يشترك في المسابقة، فيبذله من ماله عينا أو دينا كما في الفروض المتقدمة، و يجوز للولي العام على أمور المسلمين أن يدفع عوض المسابقة من بيت مال المسلمين، فإنها من مصالحهم العامة التي يصح الإنفاق فيها من بيت المال، و لا فرق بين أن تكون المسابقة عامة أو خاصة، إذا كانت مما تدخل عرفا في الجهة التي يدعوا إليها الإسلام.

و يجوز أن تقع المسابقة و الرماية بين المتسابقين و المناضلين من غير عوض، فلا تكونان حين ذلك عقدا من العقود، و يصح أن يدفع للسابق فيهما بعض المال بعد سبقه من غير عقد أو معاملة سابقه، و يكون ذلك نوعا من التجلة و التكريم له على سبقه و فوزه.

(المسألة الخامسة):

العقد المخصوص في المسابقة أن يلتزم كل واحد من المتسابقين للثاني سواء كانا شخصين أم كانا فريقين بالمسابقة بينهما و بقيودها و شروطها حسب ما يتفقان عليه، و باستحقاق من يسبق منهما بالفعل للعوض المبذول و دفعه اليه، و أن يعينا كل أمر يفتقر التعيين في المعاملة، و يكون إهماله و عدم تعيينه موجبا للنزاع، فإذا تمّ الاتفاق بينهما على جميع ذلك أجريا صيغة العقد بينهما بأي لفظ‌

365

يكون دالا على اتفاقهما المذكور و التزامها بالمقصود، سواء كانت دلالته بظهور اللفظ بنفسه أم بسبب قرينة موجودة توجب الظهور في المعنى المراد، فإذا حصل الإيجاب من أحد الجانبين و القبول من الجانب الثاني تم العقد و وجب الوفاء به بينهما.

و لا يتعين في عقد المسابقة أن يكون الموجب فيه هو باذل العوض، بل يتخير الجانبان في أن يكون الإيجاب من أيهما أرادا، و إذا تعدّد المتسابقون و كلّ احاد الفريق و أحدا منهم أو من غيرهم لينشئ الإيجاب بالوكالة عنهم، و وكل أفراد الفريق الثاني أحدا منهم أو من غيرهم لينشى القبول كذلك و يجوز إنشاء العقد بالمعاطاة.

(المسألة السادسة):

يشرط في صحة عقد المسابقة أن تجتمع في الموجب و القابل جميع الشروط العامة التي تشترط في صحة العقود و المعاملات الشرعية، فيجب في كل منهما أن يكون بالغا عاقلا مختارا قاصدا للمعنى المراد غير محجور عليه حجرا يمنعه عن التصرف، فلا يصح عقده إذا كان صبيا أو كان مجنونا، أو كان مكرها على فعله، أو كان هازئا أو هازلا في قوله، أو سكر أن أو غضبان ليس له قصد، أو كان سفيها سفها يحجره عن مطلق التّصرف، و لا يجوز له أن يبذل العوض من ماله إذا كان سفهه يحجره عن التصرف في ماله إلا إذا أذن له وليه بالبذل، و لا يجوز له البذل من أمواله الموجودة إذا كان مفلسا إلا إذا أذن له الغرماء أصحاب الديون عليه، و يصح إذا كان العوض المبذول منه دينا يبقى للسابق في ذمته، فإنه لا يزاحم حقوق الغرماء.

(المسألة السابعة):

366

يجب تحديد المسافة التي تقع فيها المسابقة من أول بداءتها الى نهايتها على الأحوط لزوما بل لا يخلو ذلك عن قوة، و يجب أيضا تعيين العوض الذي يجري عليه العقد في جنسه و مقداره، و تبيين انه عين مشخصة في الخارج أو دين يثبت للسابق في الذمة، و إذا كان دينا فهل هو حال أو مؤجل، و لا بد من تعيين الدابة التي يسابق عليها بمشاهدة يرتفع بها الغرر و الجهل، أو بوصف يكون بمنزلة المشاهدة و منها ما إذا كانت الفرس التي يسابق عليها مشهورة الوصف معلومة الحال عند الطرفين، فيكفي ذلك في صحة العقد، و ان لم يشاهدها غير صاحبها من المتسابقين.

و إذا كانت المسابقة بين الطرفين لا تشتمل على عقد، لم يجب فيها تعيين المسافة، و لا تعيين العوض و أن كان بعض الأطراف عازما من أول الأمر على أن يدفع من ماله عوضا في المسابقة، فإذا أجريت المسابقة و علم السابق فيها جاز لذلك الشخص أن يدفع له اي مقدار يريد.

(المسألة الثامنة):

يشترط في صحة العقد في المسابقة أن يجعل العوض الذي يراد دفعه فيها لمن يسبق من المشتركين في الحلبة، و يجوز أن يجعل منه نصيب لمن كان مصليا أو ثالثا، و لا يصح العقد إذا اشترط فيه أن يكون العوض كله أو بعضه لشخص لم يشترك في المسابقة و ان اشترك في تنظيمها، أو في بعض مقدماتها، و لا يصح العقد إذا اشترط فيه أن يكون العوض كله أو بعضه للمسبوق المغلوب في المسابقة، و يجوز للسّابق بعد أن يتملك العوض في المسابقة و يقبضه، من باذله، أن يتبرع به أو ببعضه للمسبوق أو لشخص لم يشترك في المسابقة.

367

(المسألة التاسعة):

يشترط في صحة العقد أن يكون كل واحد من المتسابقين قادرا على المسابقة غير عاجز عنها، فلا يصح العقد إذا علم أن الفارسين الراكبين عاجزين عن المسابقة أو كان أحدهما عاجزا كذلك، و لا يصح العقد إذا علم أن الدابتين اللتين يقع السباق عليهما ضعيفتان لا تقويان على المسابقة، أو علم أن أحدهما لا تطيق ذلك، و المراد بهذا الشرط أن يكونا قادرين على المسابقة في وقت المسابقة لا في وقت العقد، فإذا اجرى العقد و كانا قادرين عليها في ذلك الحال ثم عجزا أو عجز أحدهما في حين المسابقة بطل العقد.

(المسألة العاشرة):

لا يمنع من اشتراك غير البالغ في المسابقة نفسها إذا كان قادرا على الركوب و الدخول في المسابقة فيصح منه ذلك، و لا يمنع المجنون من الاشتراك فيها أيضا إذا كان قادرا عليها، و كان جنونه لا يمنعه من ذلك، و لا يخشى أن يؤدّي به أو بدابته الى ما لا يحمد، فيصح اشتراكه في المسابقة نفسها، و يجب أن يكون الاشتراك بإذن ولي الصبي و ولي المجنون، و لا بد و أن يكون اجراء عقد المسابقة من الوليين نفسهما، و قد سبق في المسألة السادسة أن العقد لا يصح الا من البالغ العاقل.

(المسألة 11):

ليس من المسابقة المبحوث عنها أن يرسل كل واحد من الرجلين فرسه أو دابته من غير أن يركبها فتستبق الدابتان بينهما من غير فارس أو راكب، فلا يكون ذلك مسابقة، و لا يصح عليه عقد و لا يحلّ به أخذ عوض، إلا إذا دفعه الباذل الى‌

368

مالك الفرس السابق من باب التبرع له، و كذلك الحكم إذا ركب أحد المتسابقين دابته و أرسل الآخر دابته فاستبقت مع الأول، فلا يكون ذلك من المسابقة، و لا تجرى عليها الأحكام.

(المسألة 12):

يصح أن تجري المسابقة بين شخصين، و أن يقع بينهما عقد المسابقة و تترتب بينهما ما للعقد من أحكام و أثار، و يستحق السابق منهما العوض كلّه إذا كان مبذولا للسابق، و أن أتى الثاني بعده مصليا، فلا يستحق من العوض شيئا، سواء بذله أحدهما، أم بذله كلاهما، أم بذله شخص ثالث لم يشترك في المسابقة معهما و لا يشترط في صحة المسابقة بينهما أن يدخل معهما شخص ثالث محلل يتسابق معهما كما يراه جماعة، و إذا اشترط المتسابقان في العقد أن يدخل المحلل معهما لزم الشرط و وجب الوفاء به، فان عيّنا له في ضمن العقد حصة معلومة من العوض تكون له إذا سبق تعينت له تلك الحصة، و مثال ذلك: أن يشترطا في ضمن العقد أن يكون له ربع العوض أو ثلثه إذا هو سبق في الحلبة، فإن هو سبق أخذ تلك الحصة خاصة، و ان لم يشترطا ذلك أخذ العوض كله، و إذا سبق مع غيره اقتسم معه العوض بالسوية.

(المسألة 13):

المحلل كما بيّنا شخص ثالث يدخل مع الشخصين المتسابقين إذا هما اشترطا في ضمن العقد وجوده في المسابقة، فيتناوله العقد للشرط المذكور و يجرى فرسه معهما في الحلبة، و لا يبذل مع المتسابقين شيئا من العوض، و قد بيّنا في المسألة الماضية مقدار ما يأخذه من العوض إذا سبق.

369

(المسألة 14):

إذا تساوى المتسابقان و المحلل في وصولهم جميعا إلى الغاية و لم يسبق منهم أحد لم يستحقوا جميعا من العوض المبذول شيئا و رجع كل مال الى باذله سواء كان البذل من بعضهم أم من الجميع أم من شخص لم يشترك معهم في المسابقة.

و إذا بذل العوض أحد المتسابقين في الحلبة، ثم سبق الباذل فيها و لم يشاركه في السبق غيره رجع اليه العوض الذي بذله، فإنه لا يستحق على نفسه شيئا و هذا هو المراد باستحقاق العوض في هذه الصورة من الإطلاق الذي ذكرناه في المسألة الثانية عشرة.

و كذلك إذا بذل معه صاحبه المسبوق عوضا أخر أو اشترك معهما شخص ثالث فبذل كل واحد منهم عوضا فإذا سبق أحد الباذلين و لم يسبق معه غيره استحق هذا السابق العوض الذي بذله الآخران و رجع اليه العوض الذي بذله هو لأنه لا يستحق على نفسه شيئا و هذا الأمر واضح و انما يذكر للتنبيه لئلا يلتبس الأمر.

و تراجع المسألة السابعة عشرة في حكم ما إذا كان المتسابقون كثيرين.

(المسألة 15):

إذا بذل كل واحد من الشخصين المتسابقين من ماله عوضا لمن يسبق في الحلبة، ثم سبق احد الباذلين للعوض و سبق معه المحلل و تساويا هو و المحلل في الوصول إلى الغاية و تأخر الآخر المسبوق عنهما، استحق السابقان العوض الذي بذله المسبوق و كان بينهما بالمناصفة، و أشكل الحكم في العوض الذي بذله‌

370

السابق، و قد ذهب جمع من العلماء الى أن هذا العوض يرجع الى باذله السابق و لا يستحق المحلل منه شيئا، و هو مشكل كما ذكرنا و لا يترك الاحتياط فيه بالرجوع إلى المصالحة بين الباذل و المحلل.

و كذلك إذا بذل كل من المتسابقين عوضا، أو بذله أحدهما خاصة، و بذل معهما أجنبي لم يشترك في المسابقة ثم سبق في الحلبة أحد الباذلين و سبق معه المحلل، فيتقسم السابق الباذل و المحلل كلا من العوض الذي بذله الأجنبي و العوض الذي بذله المسبوق بينهما بالمناصفة، و يشكل الأمر في العوض الذي بذله السابق كما تقدم و يجرى فيه الاحتياط المذكور.

و نظيرهما في الاشكال ما إذا بذل الأول العوض و لم يبذل معه غيره ثم سبق في الحلبة و سبق معه المحلّل، فذهب أصحاب ذلك القول الى أن العوض المبذول يرجع الى باذله و لا يستحق المحلل منه شيئا، و لا يترك الاحتياط الذي ذكرناه و الفروض المذكورة في المسألة كلها من مأخذ واحد.

(المسألة 16):

إذا بذل شخص أجنبي عوضا من ماله في المسابقة و شرط في بذله أن يكون عوضه لزيد خاصة إذا سبق على غيره، و أن لا يدفع الى السابق إذا كان غير زيد، أو شرط أن يكون العوض كله لزيد وحده إذا سبق، و ان سبق معه غيره و ساواه فلا يدفع من العوض شي‌ء للسابق الآخر، أو شرط أن يكون العوض الذي بذله كله لزيد سواء كان غالبا أم مغلوبا، لم يصح ذلك إذا كان دفعه بنحو العوض المعلوم في العقد الشرعي المخصوص، فيرجع الى باذله، و يصح ذلك منه إذا كان دفعه للمال على وجه التبرع لزيد على النحو الذي تبرع به.

371

(المسألة 17):

السابق من فرسان الحلبة هو الذي يتقدم حصانه على خيل المسابقة بالعنق و الكتد أو بأكثر من ذلك، و يراد بالكتد عظم مرتفع يقع بين عنق الحصان و ظهره و يسمى السابق أيضا بالمجلى، و الثاني من فرسان الحلبة هو المصلى و هو الذي يأتي حصانه بعد السابق، و يحاذي رأسه صلوى السابق أو يتقدم عليها و لا يصل الى الكتد، و المراد بالصلوين من الحصان عظمان يقعان عن يمين ذنبه و يساره، ثم يأتي الثالث من فرسان الحلبة، ثم الرابع و هكذا، و لها أسماء خاصة في اللغة تعرف بها.

فإذا كان العوض الذي بذله مالكه في المسابقة قد اشترط فيه باذله أن يكون للسابق اختص به الأول المجلى إذا كان واحدا، و أخذه وحده، و إذا كانت الحلبة كثيرة العدد و سبق منهم اثنان أو ثلاثة فوصلوا إلى الغاية متساوين في السبق اقتسموا العوض المبذول للسابق بينهم بالمساواة فإن كانا اثنين اقتسماه بالمناصفة و ان كانوا ثلاثة فبالمثالثة، و لم يستحق الثاني المصلى من هذا العوض شيئا، و إذا كان باذل العوض قد جعله حصصا متعددة فللسابق حصة معينة و للمصلي حصة أخرى و للثالث حصة ثالثة، وزع العوض بينهم حسب ما عينه الباذل.

(المسألة 18):

إذا بذل الباذل من المتسابقين أو من غيرهم عوضا في المسابقة و أطلق بذل ماله و لم يجعله حصصا على مراتب المتسابقين كما بيناه في المسألة المتقدمة كان جميع العوض للسابق الأول سواء كان واحدا أم متعددا، و لا حق فيه للثاني المصلى و لا لغيره و قد فصلنا ذكر هذا، و كذلك إذا بذل الجميع من أموالهم أعواضا‌

372

في المسابقة و أطلقوا بذلهم و لم يذكروا حصصا، فيكون الجميع نصيبا للسابق المجلى و ان كان واحدا و كان المبلغ كثيرا، و انما يستحق المصلى أو الثالث أو غيرهما شيئا إذا صرح الباذل فجعل في عوضه الذي بذله حصة للمصلي أو لغيره.

و نتيجة لهذا التفصيل فإذا بذل كل واحد من الشخصين المتسابقين من ماله عوضا و أطلقا بذلهما ثم تسابقا مع المحلل، فسبق أحدهما و صلى المحلل و تأخر الثالث أخذ السابق جميع العوض و لم يستحق المحلل منه شيئا و ان كان مصليا.

(المسألة 19):

إذا تم عقد المسابقة بين الشخصين أو الأشخاص و أجريت الخيل أو الدّواب و تحقق السبق من بعضهم ملك السابق العوض المبذول و ان تأخر قبضه لبعض الموانع التي أوجبت التأخير، فإذا كان العوض عينا و حصل منها نماء أو نتاج بعد التحقق السبق كان النماء و النتاج الحاصل منها مملوكا للسابق بتبع ملكه للعين.

(المسألة 20):

لا يصح أن يجعل العوض في المسابقة لشخص لم يشترك في السباق، و من أمثلة ذلك أن يقول بعض المتفرجين في حفلة السباق للبعض الآخر منهم: أراهنك على سبق هذه الفرس و هي فرس زيد، فان سبقت هي على غيرها من الخيل فعليك أن تدفع لي عشرة دنانير مثلا و أن سبقها غيرهما فعلىّ أن أدفع لك مثل هذا المبلغ فلا يصح مثل هذا الرهن و لا يحلّ أخذ المال بسببه، و يكون من المقامرة المحرمة و أشدّ من ذلك حرمة و أنكى أن يجرى مثل هذا الرهان بين المتفرجين على الألعاب‌

373

الرياضية و شبهها مع فرض كونها ألعابا.

(المسألة 21):

لا يحل أن يقول احد المتسابقين في الحلبة لشخص ثالث لم يشترك: أراهنك على فوزي في المسابقة، فإن غلبني صاحبي و فاز بالسبق علي دفعت إليك عشرين دينارا، فلا يحل لذلك الشخص أن يأخذ المبلغ من القائل إذا غلبه صاحبه و دفع مبلغ الرهان اليه، و يكون ذلك من المقامرة المحرمة.

(المسألة 22):

قد تقع المسابقة بين الشخصين أو الأشخاص، و تجرى فيها الخيل أو الدواب لغير الوجه الشرعي الذي أراده الإسلام من المسابقة و دعا اليه و حث المسلمين عليه، و شرع له احكامه، و هو اعداد القوة لقتال الأعداء و التمرين على الفروسية للجهاد في سبيل اللّه، و بسط العدل في الأرض، و إعلاء كلمة اللّه، فتقام المسابقة لغير ذلك من المقاصد و الغايات.

فان كان الوجه الذي تقام له هذه المسابقات مقصدا، صحيحا راجحا أو مباحا يرغب فيه العقلاء المتزنون و لا يعدّونه من اللهو و اللعب، كانت كسائر المسابقات التي تجريها العقلاء لمثل هذه الغايات الراجحة في الدين أو المطلوبة في أمور الدنيا، و سيأتي أن شاء اللّه تعالى بيان الحكم فيها.

و أن أقيمت بداعي اللهو و اللعب و قتل الوقت كما يقول البعض أو بداعي تحصيل المال، و ان كان تحصيله بوسيلة غير شرعية، شملتها أدلة تحريم اللهو و اللعب، فيحرم إجراؤها و ان كانت بغير عوض، و إذا كانت مع الأعواض فهي أشد حرمة و أمض عقوبة من اللّه.

374

(المسألة 23):

تحرم الأعمال التي تعدّ من اللعب و اللهو عرفا، و تكون هذه الأعمال مع الاجتماع لها لهذه الغاية أشد حرمة و جرما، ثم هي مع استصغار أمرها و الاستهانة بنهي اللّه عنها تكون أشد من ذلك تحريما و مقتا و عقوبة عند اللّه، فإذا تعاظم الاستصغار لها و بلغ إلى درجة الإصرار على معصية اللّه و التمرن و الاعتياد عليها اشتد الأمر فيها و تعقد و تلبّد و كلما ازداد الإصرار و الاعتياد كبرت الجريمة و العقوبة و المقت من اللّه سبحانه ثم يكون تأثيرها أشد و أعمق و جرحها أنكى و أمض إذا هي وقعت في أدوار الشباب، و هي زهرة الحياة و أيام التفتح و البناء النافع المجدي للشخصية المؤمنة المتكاملة، فلا بدّ من اليقظة، و لا بد من الوعي و لا بد من الحذر، و خصوصا في العصور التي كثرت فيها الدعايات لهذه الأمور و تنوّعت أسباب الإغراء و الفتنة بها و أساليب الدعوة إليها (إِنَّ الشَّيْطٰانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا، إِنَّمٰا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحٰابِ السَّعِيرِ).

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَ صٰابِرُوا وَ رٰابِطُوا، وَ اتَّقُوا اللّٰهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.

(المسألة 24):

يجوز التنافس في الأعمال الراجحة في الحياة الدنيا، و في الأعمال المباحة فيها من اللّه (عز و جل) و لم يرد فيها منه نهي و لا تحريم، و يجوز التسابق فيها مع العقلاء، فالتنافس و التسابق إذا كان صحيحا مستقيما في اساليبه و غاياته فهو وسيلة كبرى من وسائل الابداع في الفكر، و الارتقاء في الحياة و الابتكار في الأمور و الاعتماد على النفس و الذكاء و المواهب، و التحرر الذاتي عن التبيعات و النفع الكبير الكثير للنفس و للإخوان من بني الإنسان، شريطة أن لا يشغل المؤمنون‌

375

و المسلمون بهذا التنافس و التسابق عما هو أكبر و أعظم و أجدى لهم و أنفع، و هو ابتغاء مرضاة اللّه و السعي في طلب نائلة، و التوكل الكافي عليه، و شريطة أن لا يشغل المؤمنون و المسلمون بسبب ذلك في ما بينهم، فتتولد الفروق و الا حن و الحزازات، و يبعدون عن الغاية و هم يرومون القرب إليها، فإن مكائد الشيطان و اساليبه في صرف المؤمن عن رضى ربه، و عن سبيل الحق لن تعد و لن تحصى، و التنافس و التسابق إذا لم يكن صحيحا، و لم يكن مستقيما مع المبادئ الصحيحة السوية كان وسيلة من وسائل الشيطان للتفرق و الشقاق و الشقاء.

يجوز التسابق و التنافس في الأعمال التي ذكرناها إذا خلت عن المحاذير التي يمقتها الله، و يبغض وقوعها من الإنسان الذي كرمه و فضله، و من المسلم و المؤمن على الخصوص، و يجوز دفع العوض من الأموال للسابق فيها إذا كان دفع المال اليه من باب الجعالة له على فعله الذي سبق فيه، و يجوز التبرع له بذلك بقصد التشجيع و التكريم له لسبقه أو لابتكاره أو للمزية التي امتازها على أقرانه.

و لا يجري فيها العقد الشرعي المتقدم ذكره، فإنه يختص بمسابقة ذوات الحافر أو الخف، و بالرماية للنصوص الخاصة، و منها قول الرسول (ص): (لا سبق إلا في حافر أو نصل أو خف).

(المسألة 25):

تصح المسابقة على الظاهر بين الشخصين في العدو على الأقدام، و في السباحة، و في السفن الشراعية و نحو ذلك إذا تعلق بمثل هذه المسابقات غرض يعده الناس العقلاء صحيحا متعارفا لهم، و لم تكن من اللعب و اللهو في نظر أهل العرف، و يجرى فيها البيان الذي تقدم في المسألة الماضية.

376

(المسألة 26):

من السبق المطلوب الراجح أن يتقدم الطبيب في صناعته حتى تكون له الأولية و التفوق الكبير على أقرانه في كشف الأمراض الخبيثة و المستعصبة، و علاج المصابين بها من بني الإنسان، و ازالة الأوباء و الاخطار بذلك عن حياة كثير من الموبوئين و المعذبين في هذه الحياة، و من السبق المرغوب فيه أن يتقدم السابق فيه في علوم الصيدلة فيكتشف العقاقير و الأدوية الحاسمة للأدواء المتوطنة المزمنة، و التي تزيل البؤس و النعاسة عن نفوس بائسة يائسة، و تعيد لها نضرة الحياة و بهجة الأمل، و من السبق المهم أن يتقدّم الصانع في صنعته و يفوق أقرانه و زملاؤه فيها، و يصبح قدوة و مثلا عاليا لهم في إتقان العمل، و دقة الصنعة و كثرة الإنتاج، و من السبق أن يبرع الخطاط و يبدع في جمال خطّه، و دقي فنّه و يحرز الأولية، و الفوز بين زملائه و هكذا في كل مجال من الصناعات و العلوم و الفنون المباحة و النافعة في هذه الحياة فيمكن فيه السبق و يجوز فيها التسابق و إحراز الفوز و الأولية و تجرى فيها الاحكام التي تقدمت في المسألة الماضية.

(المسألة 27):

الإسلام دين الجد و التكامل و الارتقاء الاختياري في كلّ المجالات التي يمرّ بها المسلم منذ نعومة أظفاره، فهو يجب للتلميذ الصغير من أبنائه منذ مراحله الاولى أن يتقدم في تعلّمه و تلقيه، و يسبق على اترابه، و يجوز الأولية في جميع أشواطه، و يجب للشاب في مراحله المتوسطة أن يتقدم كذلك حتى يبذ أقرانه و يكون السبق له عادة مستمرة، و يحب له في مراحله المنتهية أن يصبح السعي و الجد المتفوق على الآخرين عادة مستقرة في أعماقه، فلا يقر و لا يهدأ حتى ينال‌

377

الأولية في كل شوط ممكن.

و الإسلام بالإضافة إلى الطلاب من أبنائه في مدارسهم الدينية، و تعلّمهم فيها، و تكاملهم و ارتقائهم في مناهجها أشد رغبة لهم في أن يتقدموا و يحرزوا الفوز و السبق في اشواطهم في العلم، و اشواطهم في العمل، و اشواطهم في الخلق و اشواطهم في التربية، و أدب النفس، و متممات السعادة لهم و للآخرين من تلاميذهم، و المتبعين لإرشادهم و السائرين على هديهم، و الإسلام بالإضافة الى جميع أبنائه المتبعين لحكمه و حكمته يريد منهم التقدم و السبق في التعلم و التعليم و في الأدب و في زكاة النفس و بناء الشخصية فهو يحب حبا عميقا و يرغب رغبة ملحة للمتعلم و المعلم و للأديب و للخطيب و للمرشد و للمسترشد في أن يسبقوا و يتقدموا و يحلقوا في مجالاتهم، حتى يصل دين اللّه بهم الى الغاية التي أرادها لهم، و هي السعادة العامة المتكاملة الحلقات و المجتمع الفاضل المتراصّ البناء المنير الأجواء.

و الإسلام يهيئ نفوس اتباعه و قلوبهم و طباعهم لكل ذلك بمناهجه و تعاليمه، و يفتح أبواب المشاريع له في أنفسهم و أموالهم، فيأمرهم بالاستباق الى الخير و التعاون على البر و التقوى، و يعدّ لهم الضمانات الاجتماعية الكفيلة بذلك و غيرها مما يطول شرحه، و يضيق هذا المجال عن بيانه، و النصوص التي تدعم كلّ هذه الجهات كثيرة وفيرة.

(المسألة 28):

يجري في هذه المسابقات كلها ما ذكرناه في المسألة الرابعة و العشرين فيجوز دفع العوض للسابق فيها بعنوان الجعالة له على ما قام به من علم، و يجوز دفع‌

378

العوض له من باب التبرع له، مكافأة على سبقه و تميّزه، و مساهمة من المتبرع في بناء المجتمع المسلم، و خدمة للإسلام في تحقيق بعض اهدافه و غاياته و يصح أن يدفع العوض له من باب الاستباق الى الخير، و التعاون على البر، بل و يستحب الاعداد لإجراء هذه المسابقات و دفع الأعواض للسابقين فيها، لما ذكرناه من الوجوه، و للمشاركة في الضمان الاجتماعي الذي يعدّه دين اللّه العظيم لأتباعه، و لا يجري فيها العقد الشرعي المخصوص في المسابقة، و قد بينا وجه ذلك في المسألة المشار إليها.

(المسألة 29):

يحسن إنشاء هذه الرغبة في نفوس التلاميذ الصغار من المؤمنين و بعث الشوق في قلوبهم، بإجراء المسابقة بينهم في حفظ بعض السور من الكتاب الكريم فيمرنون فيها على التلاوة الصحيحة، و يرغبون في حفظ السور منه، و يحرّضون على التسابق في ذلك، و يوعد السابق منهم بالمكافاة له على سبقه، فمن كانت تلاوته أصح و حفظه أتم فهو السابق الأول، و له التكريم في الدرجة الاولى و العوض التام المعيّن في المسابقة، و من كان أدنى من ذلك فهو في الدرجات اللاحقة من السبق، و له الحصة الثانية أو الثالثة من العوض، و يبتدأ معهم بالسور الصغيرة و يكبر التمرين معهم كلما كبر سنهم، و ازدادت قوة حفظهم و نشطت ملكات إدراكهم، ثم يزادون مادة من التفسير الواضح و معاني الكلمات المفردة في اللغة.

و يمكن أن تكون الدربة لهم مع تقدم السن بحفظ بعض النصوص المنتخبة من الحديث النبوي الشريف، و من خطب نهج البلاغة و كلمات بعض المعصومين (ع) مع اضافة بعض الشرح و بعض الإيضاح، و يعد للسابق جزاؤه و للاحق‌

379

مكافأته على النهج المتقدم في سبقهم في حفظ القران.

الفصل الثاني في الرماية و ما يتعلّق بها

(المسألة 30):

يراد بالرماية هنا المسابقة بين شخصين أو بين فريقين في الرمي ليعرف من هو أدقّ في إصابة الغرض، و أكثر في عدد الإصابة من غيره، و تسمى أيضا بالمناضلة، و تطلق الرماية أيضا على المناضلة بالسيوف و الرماح و الحراب من ذوات النصل، و ان كان الضرب بالسيف أو بالرمح لا يسمّى رميا، و الرماية كالمسابقة بين ذوات الحافر و الخف و نظيرتها في الشرعية و الأحكام، فالحث و التأكيد الشرعي في النصوص وارد فيهما على السواء، و هما معا من أعداد القوة المستطاعة لقتال من يجب قتاله و ارهابه من أعداء الإسلام، و لتأديب من يجب تأديبه من غيرهم، و يصح في الرماية أيضا ان تكون بعوض و ان تقع بغير عوض و تطلق كلمة الرماية أيضا على العقد الشرعي المخصوص للمسابقة بين الطرفين و العقد الشرعي المذكور يجري في كل من المسابقتين.

(المسألة 31):

يشترط في صحة المناضلة في الرمي شرعا جميع ما يشترط في مسابقة ذوات الخف و الحافر فلا بد فيها من تعيين المسافة بين موقف الرامي و الغرض الذي ترام اصابته، و لا بد من تعيين العوض الذي يجعل للسابق، و يجري عليه العقد بين الطرفين على النحو الذي بيناه في المسألة السابعة، و لا بدّ من تعيين عدد الرمي‌

380

و تعيين عدد الإصابة و صفتها كما سيأتي، و لا بد من تماثل الصنف في إله الرمي فتكون إله كل من المتناضلين من السهام، أو من الحراب أو من السيوف مثلا، فلا تصح المناضلة إذا اختلفت آلاته، و يعتبر في صحتها أن يكون المتناضلان قادرين عليها، فلا يصح العقد بين عاجزين و لا بين قادر و عاجز، و تلاحظ المسائل المتعلقة بهذه الشروط من الفصل الأول.

(المسألة 32):

يجرى العقد الشرعي المخصوص في الرماية كما يجري في السبق و يتحدان في نحو إنشاء العقد، و في ما يعتبر في صحة العقد من الشروط، و في ما يصح من العوض فيه، و من يبذله، و لا اختلاف بينهما في شي‌ء من ذلك، بل الظاهر أن العقد في كلا الموردين عقد واحد، و تفصيل ما يتعلق به في المورد الأول يغني عن اعادته هنا فليرجع الى الفصل الأول من يريد التطبيق هنا.

(المسألة 33):

الرشق بكسر الراء و سكون الشين هو عدد الرميات الذي يعينه المتناضلان للنضال بينهما فيرمي كل واحدا منهما ذلك العدد، و الناضل أو السابق في المناضلة هو من يكون أكثر و أدق اصابة للغرض في ذلك العدد المعيّن.

و الغرض هو رقعة معيّنة يقصد الطرفان اصابتها بالرمي، و قد يجعلان الغرض دائرة أو نصف دائرة و يجعلان في وسطها نقطة معيّنة تسمى في عرف الرماة بالخاتم و يشترطان في السابق أن يصيب أي جزء اتفق من الدائرة أو يشترطان أن يصيب النقطة المعينة في وسطها، و الهدف موقع المرتفع عن وجه الأرض من تراب أو حائط أو غيرهما يجعل عليه الغرض لتتبين رؤيته و تمكن اصابته.

381

و للسهم في عرفهم أيضا أوصاف كثيرة يعدّدهما علماء اللغة و يذكرون للسهم أسماء باعتبار تلك الأوصاف فمن السهام مثلا ما يصطدم بالأرض ثم يتنقّل و هو بسرعته على وجهها حق يصل الى الغرض، و منها ما يصيب الهدف و لا يصل الى الغرض نفسه، و منهما ما يضرب وجه الغرض فيخدشه خدشا و لا يثبت فيه و منها ما يخرقه و ينفذ منه، و هكذا، و ليس في ذكر هذه الأوصاف و تعداد أسمائها كبير فائدة في البحث المطلوب، و المدار في صدق السبق على ما يعدّ اصابة للغرض في نظر أهل العرف، فيكون هذا هو المتبع، و إذا لم يوجد بين أهل العرف شي‌ء يمكن التعويل عليه ليتبع في ذلك، فلا بد من التعيين و الاشتراط في العقد بين المتناضلين، و إذا أهملا ذلك و لم يعينا شيئا يكون العقد باطلا.

(المسألة 34):

تصح المسابقة في الرمي على الأقوى بآلات الرمي الحديثة، و بأسلحة الحرب الموجودة في الأزمنة الحاضرة، و يجوز بذل العوض للسابق فيها إذا كان دفعه اليه بعنوان الجعالة على ما قام به من عمل للإسلام، أو من التبرع له مكافأة له على فوزه و نجاحه في بلوغ الغاية المطلوبة، أو من السبق الى الخير و التعاون على البرّ إذا كانت المسابقة لإعداد القوة للجهاد في سبيل اللّه، و قتال أعداء الإسلام و ارهابهم، و لا يجري فيها العقد الشرعي الخاص للمسابقة على الأحوط.

(المسألة 35):

إذا جرى عقد المسابقة في الرمي بين الطرفين و حصلت المناضلة بينهما و علم سبق السابق فيها ملك للسابق العوض المجعول له في العقد كما تقدم في نظيرتها، و لا يملك العوض بنفس العقد و تلاحظ المسألة التاسعة عشرة.

382

(المسألة 36):

إذا تم عقد السبق أو الرماية، و جرت المسابقة أو المناضلة و تبيّن سبق السابق، و لما أراد الباذل دفع العوض المعيّن اليه ظهر أن العوض المعين له مغصوب من مالكه الشرعي، كان الأمر في العوض راجعا للمالك، فان شاء أجاز بذل العوض فيصح للسابق أخذه، و يكون الباذل من المالك و ان شاء لم يجز البذل فيصح له أن يأخذ عين ماله من الباذل، و يلزم الباذل أن يدفع مثل العوض أو قيمته للسابق وفاء بالعقد.

و إذا قبض السابق العوض بعد أن تبين سبقه ثم علم بالغصب بعد ذلك جاز للمالك أن يأخذ عين ماله من يد السابق، و إذا أخذه منه و كان الباذل قد غره فدفع العوض المغصوب اليه جاز له أن يرجع على الباذل بمثل العوض إذا كان مثليا و بقيمته إذا كان قيميا، و إذا كان السابق عالما بغصب العوض و لم يكن مغرورا بقبضه لم يرجع على الباذل بشي‌ء.

(المسألة 37):

إذا بطل عقد السبق أو الرماية بسبب عروض لبعض الطواري، فأوجبت فساد العقد بعد ان كان صحيحا لم يستحق السابق العوض المعين، و كذلك إذا تبين بعد العقد و المسابقة فساد العقد من أصله، فلا يستحق السابق العوض، و لا يترك الاحتياط بان تدفع له أجرة المثل بمصالحة أو غيرها في الصورتين.

(المسألة 38):

إذا اختلف السابق و الباذل في مقدار العوض المعين للسابق في عقد المسابقة فقال السابق: أن العوض ستون دينارا، و قال الباذل: بل هو خمسون لا أكثر قدم قول من ينكر الزيادة مع يمينه، الا أن يثبت الآخر صحة دعواه ببينة شرعية.

383

كتاب الإقرار

384

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

385

كتاب الإقرار و بيان البحث في هذا الكتاب يقع في ثلاثة فصول:

الفصل الأول في الإقرار و لوازمه و شروطه

(المسألة الأولى):

الإقرار هو أن يخبر الرجل على وجه قاطع جازم، لا تردّد له فيه و لا احتمال بثبوت حق لشخص أخر يلزم المخبر الوفاء به لذلك الشخص الآخر، أو يخبر كذلك بنفي حق له يلزم ذلك الشخص أن يفي به للمخبر، و من الإقرار أيضا أن يخبر الإنسان بوجود شي‌ء يستلزم وجوده ثبوت حق للغير يلزم على المخبر نفسه أن يفي به، أو يستلزم ثبوت حكم يجب على المخبر امتثاله، و من الإقرار أن يخبر بنفي شي‌ء يستلزم نفيه انتفاء حق للمخبر على الغير.

و مثال الفرض الأول أن يقول المخبر لرجل أخر: لك في ذمتي مائة دينار و أن يقول مشتري الدار: أن بائع هذه الدار قد اشترط علي أن يكون له خيار فسخ البيع إذا هو ردّ الثمن بعد مضي سنة من حين وقوع البيع، فهو يملك حق الخيار على رأس السنة إذا ردّ الثمن، و مثال الفرض الثاني أن يقول الشخص للمدعي: لا حق لي في الدار التي تدعى ملكها، و أن يخبر الشريك بأنه لا يستحق الشفعة على المشتري في الحصة التي اشتراها من شريكه.

و مثال الفرض الثالث أن يقول الرجل: إن فاطمة بنت زيد زوجته نفسها‌

386

و مكنته من حقوق الزوجية، فان ذلك يستلزم ثبوت حق النفقة لفاطمة على المخبر، و ثبوت حق القسمة لها في الليالي، و يستلزم أيضا حرمة زواجه بأختها حتى يطلّقها، و حرمة بنتها عليه إذا كان قد دخل بالأم، و حرمة الزواج بامرأة خامسة إذا كانت فاطمة هي الرابعة من زوجاته، و مثال الفرض الأخير ان تقول المرأة المطلقة:

ان الزوج الذي طلقها لم يرجع بها حتى انقضت عدة الطلاق، فلا يجوز لها بعد إقرارها بذلك ان تطالب الزوج بحق الإنفاق عليها، و ليس لها أن تمكنه من الاستمتاع بها، أو تنظر اليه أو تلمسه بشهوة إلا بعد عقد جديد.

و قد ذكرنا في أول المسألة أن اخبار الإنسان بحصول الأمر المذكور فيها أو بنفيه انما يكون إقرارا لذا وقع منه على نحو الجزم به، و لهذا التقييد فإذا أخبر الإنسان بحصول الأمر و هو يظن حصوله، أو على نحو الشك و التردد فيه لم يكن اخباره إقرارا، و لم تترتب عليه آثاره.

و المتبع في تبيّن ذلك هو ظهور اللفظ الذي نطق به و دلالته في متفاهم أهل اللغة و اللسان، و ان لم تكن دلالة قطعية أو كانت الدلالة بسبب وجود قرينة عامة أو خاصة من حال أو مقال، فإذا دل اللفظ كذلك على حصول الشي‌ء، أو نفيه و دل على ان القائل كان جازما بخبره، و ليس ظانا و لا شاكا فيه، كان هذا الاخبار منه إقرارا بالمضمون، و لا اعتبار به إذا لم يكن للفظ ظهور في المعنى المراد، و كان أهل المحاورة يحتملون ان المراد منه شي‌ء يخالف ذلك.

(المسألة الثانية):

يعتبر في الإقرار أن يكون المخبر عارفا باللفظ الذي نطق به، و عارفا بمعناه الذي يدل عليه عند أهل اللغة، و بالقرينة الموجودة الموجبة لظهور اللفظ في المعنى المراد إذا كان الاعتماد في الظهور على القرينة، فإذا نطق هذا المخبر باللفظ‌

387

المذكور كان مقرا بمضمونه، سواء كان اللفظ عربيا أم غير عربي، و سواء كان المخبر من أهل تلك اللغة أم من غيرهم.

و بحكم اللفظ الإشارة المفهمة للمعنى، فإنها ان لم تكن إقرارا حقيقيا فهي بمنزلة الإقرار، فإذا سأل سائل من بائع الدار بعد تمام العقد بينه و بين المشتري فقال له: هل اشترطت لنفسك خيار فسخ البيع إذا أنت رددت ثمن الدار على المشتري؟ فأشار البائع اشارة واضحة تدل على عدم الاشتراط، كانت إشارته بمنزلة الإقرار على نفسه بنفي حق الخيار له، و إذا سئل الرجل: هل تزوجت هندا؟

فأشار بالإيجاب كانت إشارته بمنزلة الإقرار على نفسه بزوجية المرأة، و إذا أشار بالنفي، كانت إشارته بمنزلة الإقرار بعدم الزوجية، فتلزمه أحكام الإقرار في الأمثلة المذكورة.

(المسألة الثالثة):

إذا وقع الاخبار من المخبر على الوجه الذي أوضحناه كان إقرارا من المخبر على نفسه بمضمون الخبر، و ان لم يكن قاصدا للإقرار على نفسه، فإذا سأله أحد هل استدنت من زيد مائة دينار؟.

فقال نعم، كان قوله: نعم إقرارا منه بأن ذمته مشغولة لزيد بالمبلغ المذكور و صح للسامع أن يشهد على إقراره به، و كذلك إذا قال و هو في أثناء حديثه مع بعض الناس: يمكنك أن تنكر دين فلان عليك و لا بينة له عليك، كما أنكرت انا دين زيد عليّ فلا يستطيع إثباته، فيكون قوله هذا إقرارا يمكن لمن سمعه منه أن يشهد عليه، و ان لم يكن قاصدا للإقرار، و مثل ذلك أن يدعي عليه المدّعي و يقول له هذه الدار أو هذه الأرض التي بيدك مملوكة لي و ليست لك، فيقول له انني قد اشتريتها منك، فيكون اخباره بشراء الدار منه إقرارا منه بأن المدّعي يملك الدار و دعوى منه‌

388

بان الدار انتقلت اليه بالبيع، فيؤخذ بإقراره، و عليه أن يثبت صحة ما يدعيه من البيع بإقامة بيّنة و نحوها.

(المسألة الرابعة):

إذا قال المدعي للإنسان الذي يدعي عليه: ان لي في ذمتك مائة دينار، أو قال له ماذا صنعت بالمبلغ الذي استحقه في ذمتك؟ أو قال له: ان الدين الذي استحقه عليك قد حضر ميعاده، فقال له الرجل: سأدفعه إليك، أو قال له: إنك ذكرتني به و قد نسيته، أو قال له: سيدفعه لك وكيلي فلان، فقد أقر له بالحق، و بمقداره في المثال الأول، و أقرّ له بالحق في المثال الثاني، و أقر له بالحق و بحضور وقته في المثال الأخير.

و لا فرق في الإقرار بين أن تكون دلالة القول عليه بالمطابقة أو بالالتزام و الأمثلة التي ذكرناها في المسألة من القسم الثاني و قد تقدمت لذلك عدة من الأمثلة أيضا.

و إذا أخبر الإنسان بثبوت حق لغيره على نفسه، و علّق في اخباره ثبوت الحق على وجود شي‌ء معين فقال: ان لزيد عندي أو في ذمتي مائة دينار إذا أنا وجدت المبلغ المذكور مسجلا في دفتري الخاص بالديون، لم يكن ذلك منه إقرارا، فلا ينفذ و لا يثبت له أثر، و نظير ذلك أن يقول لشخص: لك في ذمتي خمسون دينارا، إذا أنا قبضت مثل هذا المبلغ من زيد، فلا يكون إخباره إقرارا، و قد سبق منا أن الإقرار هو الاخبار بثبوت الحق على نفسه على وجه الجزم، و لذلك فيعتبر في الإقرار أن يكون الاخبار بثبوت الحق أو بنفيه منجزا غير معلّق على وجود شي‌ء أو على عدمه.

(المسألة الخامسة):

389

قد تصحب اخبار المخبر قرينة خاصة تدل على ما يخالف الظاهر من لفظه الذي تكلم به، فلا يتم ظهور اللفظ و لا دلالته على المعنى عند أهل العرف بسبب وجود تلك القرينة، و ان كان اللفظ ظاهرا أو صريحا في معناه لو لم توجد تلك القرينة، فلا يكون خبره خبرا و لا إقراره إقرارا بسببها.

و مثال ذلك أن يخبر بخبره و هو يضحك من ذلك القول أو يبتسم ابتسامة هازئة أو ساخرة أو يتكلم بلهجة تدل على التهكم و الإنكار للخبر، أو يصحب قوله بحركة رأس أو يد أو عين أو مطّ شفة تدل على شي‌ء من ذلك، فلا يكون خبره خبرا كما قلنا و لا إقراره إقرارا، و مثل ذلك إذا كان اخباره بالشي‌ء بإشارة مفهمة لثبوته أو نفيه، أو بقول: لا، أو نعم، بعد سؤال السائل عن وجود الحق أو بغير ذلك مما تقدم ذكره فلا يثبت خبره و لا إقراره مع وجود شي‌ء من هذه القرائن، و هو أمر معلوم لا يرتاب فيه عاقل، و انما يذكر للتنبيه، و لكي لا تلتبس الحقائق أو الأحكام في بعض الموارد لغفلة و نحوها.

(المسألة السادسة):

إذا أقر الرجل على نفسه بثبوت حق لبعض الناس عليه أو بنفي حق للمخبر على بعض الناس الآخرين، أو أقر بوجود شي‌ء يستلزم وجوده ثبوت حق على المخبر، أو انطباق حكم شرعي ملزم عليه، أو أقرّ بعدم شي‌ء يستلزم عدمه مثل ذلك، و كان إقراره جامعا للشرائط المعتبرة فيه لزمه الأمر الذي أقرّ به، و لا ريب في هذا الحكم، بل و لا اشكال فيه بين عامة العقلاء و المشرّعين، و لا الاختلاف في نظرات المشرعين انما حصل لاختلافهم إزاء الشروط التي يعتبرونها في صدق الإقرار، و في ثبوت لوازمه على المقر عندهم.

و الشروط المعتبرة شرعا في تحقق الإقرار و لوازمه متنوعة، فبعض هذه‌

390

الشروط يجب توفره في الأمر المقرّبة، و بعضها يعتبر اجتماعه في الشخص المقر نفسه، و بعضها يلزم وجوده في الذات أو الجهة المقرّ لها، و سنوضح كلّ قسم منها في موضعه من المسائل الآتية ان شاء اللّه تعالى.

(المسألة السابعة):

الحق الذي يقر به الإنسان لغيره على نفسه فيلزم المقر أداؤه إليه يصح ان يريد به واحدا معينا من الأشياء التي يمكن للإنسان تملكها، فيعمّ ما إذا كان الشي‌ء عينا موجودة في الخارج، و مثال ذلك ان يقول الرجل: الدار أو الأرض التي بيدي مملوكة لزيد، أو يقول: نصف هذه الدار أو الأرض مملوك له.

أو كان عينا كلية تشتغل بها الذمة، و مثاله أن يقول: يملك زيد في ذمتي ألف دينار، أو مائة من الحنطة، أو كان منفعة خاصة لعين مملوكة للمقر، و مثاله أن يقول:

فلان يملك حق السكنى في داري هذه مدة سنة، أو يقول: انني أجرت فلانا أحد هذه الدكاكين المعينة التي بيدي، فهو يملك الاتجار في واحد منها مدة ستة أشهر و يصح أن يكون الدكان المستأجر واحدا في الذمة فيكون الحق المقر به منفعة كلية في الذمة، أو كان عملا من الأعمال، و مثاله، أن يقول: يملك فلان علي أن اعمل له في مزرعته أو ضيعته مدة ستة أشهر، أو كان حقا من الحقوق التي تجوز لصاحبها المطالبة بها، و مثال ذلك ان يقول: لزيد علي حق الشفعة في الأرض التي اشتريتها من شريكه، أو يقول: له علي حق الخيار في الدار التي اشتريتها منه.

و كذلك الحال عند ما يقرّ الرجل بنفي حقه عن رجل أخر، فان الحق المنفي يمكن ان يراد به أيّ واحد معيّن من الأشياء التي تقدّم ذكرها.

و قد يكون المقرّ به امرا خارجيا إذا كان الإقرار به يستتبع ثبوت حق لأحد على المقر، أو يستتبع حكما شرعيا ملزما له، و مثال ذلك أن يقر الرّجل بنسب ولد‌

391

فيتبع ذلك إلحاق الولد بنسبه و ميراثه منه بعد موته، و أن يقرّ بزوجية امرأة، فيتبع ذلك ثبوت نفقتها عليه و حرمة زواجه بأختها.

و نظير ذلك ما إذا أخبر الرجل بنفي شي‌ء خارجي، و كان نفيه يستتبع سقوط حق للمقر على غيره أو يستتبع حكما شرعيا ملزما للمقر، و قد ذكرنا في ما مضى أمثلة لذلك.

(المسألة الثامنة):

يشترط في صحة الإقرار و في نفوذه على الشخص المقر أن يكون ثبوت الأمر الذي يقرّ به مما يوجب دخول نقص عليه أو شي‌ء يضرّ به، كما في الأمثلة الماضية، فإن وجوب حق للغير على المقرّ أو تعلق حكم شرعي ملزم به و ما يشبه ذلك: من الأمور التي تكلّفه و توجب عليه الثقل أو تسبب له تضررا ماليا أو خسارة أو تحمّله كلفة و مؤنة في ماله أو بدنه أو في نفسه، أو في بعض الاعتبارات المتعلقة به، أو تلقى عليه مسئوولية خاصة.

و لذلك فلا ينفذ الإقرار في ما يكون فيه نفع للمقر، و لا ينفذ في ما كون مضرا بالغير، أو مثبتا للحق أو الحكم عليه، و إذا كان ثبوت الشي‌ء المقرّ به مضرا بالمقر من ناحية أو مضرا بغيره من ناحية أخرى، نفذ الإقرار و ثبت أثره على المقر فيجب عليه تحمل الضرر الذي يلم به، و لم ينفذ و لم يترتب أثره على الشخص الآخر فلا يجب عليه تحمل شي‌ء، إلا إذا صدق ذلك الشخص إقرار المقر و شاركه في الاعتراف بما قال، فإذا أقر الرجل بنسب الولد اليه، و اعترف بأنه ولد شرعي له وجب على الرجل المقر أن ينفق على الولد من ماله إذا كان الولد فقيرا محتاجا، و كان الرجل غنيا قادرا على الإنفاق، و لم يجب على الولد أن ينفق على الرجل إذا انعكس الأمر، فكان الولد غنيا متمكنا، و كان الرجل المقر هو المحتاج، و استحق‌

392

الولد نصيبه من الميراث إذا مات الرجل الذي أقربه قبله، و لا يرث المقر من مال الولد شيئا إذا مات الولد قبل الرجل، إلا إذا صدّق الولد إقرار الرجل بالنسب و اعترف بأبوته، فيثبت وجوب الإنفاق و التوارث من الجانبين، و سيأتي تفصيل الحكم ان شاء اللّه تعالى.

و إذا أقر الرجل بامرأة أنها زوجته شرعا لزمه الإنفاق عليها، و لم يجب عليها أن تمكنه من الاستمتاع بها، و استحقت هي نصيبها من الميراث إذا مات الرجل قبلها، و لم يستحق هو شيئا من ميراثها إذا ماتت قبله، الا إذا أقرأت به زوجا و صدقته في قوله فتثبت الحقوق و الأحكام من الجانبين.

(المسألة التاسعة):

لا يشترط في صحة الإقرار بالشي‌ء أن يكون المقرّ به أمرا معينا أو أمرا معلوما فيصح الإقرار به إذا كان شيئا مبهما أو مرددا غير معين، و يصح الإقرار به إذا كان مجهولا غير معلوم، فإذا قال الرجل لشخص أخر: لك عندي بعض الأشياء، أو لك عندي حاجة، أو أحتفظ لك بشي‌ء، صح الإقرار منه، و نفذ عليه شرعا، و ألزم على الأحوط بأن يبيّن مراده من اللفظ الذي تكلّم به، و أن يرفع الإبهام و اللبس عنه، فإذا هو بيّن المراد و كان بيانه يتطابق عند أهل العرف و اللسان مع القول الذي نطق به، و يصلح لأن يكون مدلولا له، و يصح أن يكون ذلك المدلول مما يلتزم به مثل هذا المقر لمثل ذلك الشخص، و يكون على عهدته كما هو ظاهر قوله: (لك عندي) قبل منه تفسيره لمقصده و ألزم بأدائه للمقرّ له، و ان كان ما ذكره قليلا، أو كان مما لا يعد مالا، و إذا لم يصلح ما ذكره أن يكون تفسيرا، للفظ الذي نطق به، أو لم يصح أن يكون على عهدة مثله في منزلته و مقامه الاجتماعي لم يقبل تفسيره و لزمه أن يتخلص من تبعة إقراره بوجه صحيح من مصالحة أو نحوها.

393

و إذا قال للمقر له: لك في ذمتي شي‌ء، وجب أن يكون المدلول الذي يفسّره به مما يصلح أن يكون في الذمة و تشتغل به، و إذا قال: لك عندي مال، وجب ان يكون الأمر الذي يفسره به مما يعد مالا عند أهل العرف و في حكم الشرع، فلا يقبل منه إذا فسره بخمر أو بخنزير أو بنحوهما مما لا مالية له في حكم الإسلام، و لا يقبل منه إذا فسّره بحفنة من التراب، أو بخرقة بالية أو بحبة حنطة مما لا يعد ما لا في العرف.

(المسألة العاشرة):

إذا قال الرجل لآخر: لك في ذمتي من واحد ذمتي من الحنطة أو من واحد من الأرز مثلا على نحو التردد بين الجنسين، صح إقراره بالمن المردد و نفذ عليه و الزم المقر على الأحوط بأن يعيّن ما في ذمته منهما و يزيل الإبهام عنه، و إذا هو استجاب و عيّن أحدهما، فقال لصاحبه: الذي تملكه في ذمتي هو منّ الحنطة مثلا قبل تعيينه و لزمه اداؤه، و إذا دفعه الى صاحبه المقر له و رضي به برئت ذمة المقر ظاهرا، و إذا تذكر بعد أن دفع إليه الحنطة أن ما في ذمته للمقر له هو الأرز و ليس هو الحنطة أعلم صاحبه بغلطه في التعيين، و استرد منه ما دفعه اليه و أعطاه الشي‌ء الثاني، و لا تبرأ ذمته بدفع الأول الا إذا تصالحا، فجعلا ما في ذمة أحدهما عوضا عما في ذمة الآخر، أو أبرأ كل واحد منهما ذمة الثاني، و أسقط حقه عنه.

و إذا عين المقر أحد الأمرين الذين تردد بينهما في إقراره و قال لصاحبه: ان الشي‌ء الذي لك في ذمتي هو من الحنطة، و أنكر المقر له ذلك، و لم يرض بتعيينه و قال: لست أملك في ذمتك من الحنطة، سقط حقه ظاهرا بسبب إنكاره لإقرار المقر، فلا تجوز له المطالبة به، و لم يسقط حقه واقعا، و لذلك فيجب على المقر- مع الإمكان أن يوصل حقه اليه، و لو بدسه في ماله في الخفاء أو يصالحه عنه.

394

و إذا طلب من المقر أن يعيّن الشي‌ء الذي أقرّ به لصاحبه من الأمرين، فقال:

لست أعلم به على التعيين، و صدقه صاحبه في دعوى عدم العلم، فالأحوط لهما أن يرجعا إلى المصالحة بينهما، و إذا أقيمت بينة شرعية على تعيين أحد الأمرين لزم العمل بها، أو رجعا إلى المصالحة إذا شاءا.

(المسألة 11):

إذا كان في يد الإنسان شيئان معلومان من الأعيان الخارجية و لنفرض أحدهما دارا معينة و الآخر بستانا معلوما، فقال صاحب اليد لشخص أخر: انك تملك أحد هذين الشيئين، أما الدار و اما البستان صح إقراره بالشي‌ء المردد بينهما و ألزم على الأحوط بأن يعين مراده من الشي‌ء الذي أقرّ به، و يزيل التردد فيه كما سبق في نظيره، فإذا استجاب المقر و عيّن أحد الشيئين، و قال لصاحبه: الشي‌ء الذي تملكه منهما هي الدار مثلا، فان صدقه المقرّ له في تعيينه، أو رضي به من غير تصديق، صح تعيينه، و الزم بدفع الدار في المثال للشخص المقر له، و إذا جحد المقر له ما قاله المقر، و لم يرض بتعيينه، و استمر المقر على إقراره و تعيينه، الأول و أصر المقرّ له على جحوده للتعيين، و إنكاره كان ما عينه المقر و هي الدار في المثال الذي ذكرناه من مجهول المالك ظاهرا، فتولى الحاكم الشرعي المحافظة عليها، أو سلمها بيد ثقة يأتمنه على حفظها حتى يتبين أمرها ببينة أو غيرها و يمكن للحاكم الشرعي ان يبقيها في يد المقر إذا كان ثقة مأمونا لا تخشى خيانته فإذا يئس الحاكم من استيضاح الأمر، و لم يمكنه إيقاع المصالحة بين المقر و المقر له عليها، صرفها في باب مجهول المالك.

و إذا أقر الإنسان لغيره بأنه يملك احد الشيئين، الدار أو البستان كما في المثال المتقدم، و جهل المقرّ و المقرّ له أي الأمرين هو الذي يملكه المقرّ له، و لم يعلما‌

395

من ذلك شيئا، و لم يمكنها التعيين و لا إقامة البينة، تخلصا من الإشكال بالمصالحة بينهما.

(المسألة 12):

يشترط في صحة الإقرار: أن يكون المقر بالغا، فلا يصح الإقرار و لا ينفذ إذا صدر من الصبي قبل أن يبلغ الحلم، و ان كان إقراره بإذن وليه الشرعي، و كان مميزا رشيدا، و حتى إذا أكمل السنة العاشرة من سني عمره و كان إقراره في ما يصح منه فعله و إيقاعه، و هو الوصية بالمعروف و وجوه الخيرات و المبرات على الأحوط في الإقرار الأخير.

و يشترط في صحته أن يكون المقر عاقلا، فلا يصح إقرار المجنون سواء كان جنونه مطبقا أم ذا أدوار، و كان إقراره في دور جنونه، و يصح إقراره إذا وقع في دور إفاقته.

و يشترط في صحته أن يكون المقر قاصدا للمعنى المراد في اخباره و مختارا فيه، فلا يصح الإقرار إذا كان المقر سكران في حال إقراره أو غضبان لا قصد له لشدة غضبه، أو كان هازلا غير جاد في خبره، أو ساهيا أو غافلا ينطق بدون وعي كامل، أو كان مبرسما، و المبرسم هو من تصيبه بعض الحميات أو الأمراض الحادة، فيفقد شعوره و ينطق من غير قصد، و لا يصح إقراره إذا كان مكرها لا اختيار له.

(المسألة 13):

إذا أخبر الصبي عن نفسه بأنه قد بلغ، لم يثبت بلوغه باخباره، سواء قصد بذلك ان يرفع عن نفسه الحجر و يتسلم أمواله و يتخلص من ولاية الولي، أم أراد بذلك الإقرار على نفسه ليثبت عليه حدا شرعيا عن ذنب قد ارتكبه و يتخلص من‌

396

تأنيب الضمير، و قد سبق في المسألة السابقة أن إقرار الصبي غير نافذ ما لم يثبت بلوغه، فإذا هو ادعى البلوغ بنبات الشعر الخشن في موضع العانة من جسده، فحص عن ذلك ليعلم بالاختيار صحة قوله، و إذا ادعى البلوغ بإكمال السنة الخامسة عشرة من عمره طلب منه إقامة البينة الشرعية على صحة دعواه، و إذا ادعى البلوغ بالاحتلام أشكل الحكم بثبوت دعواه بمجرد قوله مع اليمين و بغير يمين.

(المسألة 14):

يشترط في صحة الإقرار أن يكون المقر رشيدا غير محجور عليه، فلا يصح إقراره إذا كان سفيها، فان كان سفهه مختصا بالتصرفات المالية لم يصح إقراره إذا كان متعلقا بالمال، و يصح منه الإقرار المتعلق بغير المال من التصرفات الأخرى كما إذا أقر بطلاق زوجته أو بجناية على غيره توجب القصاص في بدنه، و كما إذا أقر على نفسه بأحد الإقرارات التي توجب الحدّ كالزنا و القذف و شرب الخمر.

و إذا أقر السفيه المحجور عليه في المال على نفسه بالسرقة و شبهها من الأمور التي تشتمل على الضمان المالي، و على غيره نفذ إقراره في غير جهة المال، فيقام عليه الحد الشرعي إذا أقر بالسرقة، و لا يقبل إقراره في جهة المال، و هكذا إذا أقر بخلع زوجته، فيقبل إقراره و ينفذ عليه بفراق الزوجة و بينونتها منه، و لا ينفذ في الفدية، و تراجع المسألة الحادية و الأربعون من كتاب الحجر من هذه الرسالة.

و إذا كان سفه السفيه عاما يوجب الحجر عليه في جميع التصرفات المالية و غيرها، لم يصح إقراره في الجميع، و يلاحظ ما حررناه في مبحث الحجر على السفيه من الرسالة.

397

(المسألة 15):

يصح الإقرار إذا صدر من المفلّس المحجور عليه، و لا يكون الحجر عليه مانعا من نفوذ إقراره على نفسه، من غير فارق بين أنواع الإقرارات، فإذا هو أقر بعد تحقق فلسه و الحجر عليه في أمواله بأن لزيد عليه دينا في ذمته سابقا على تاريخ الحجر عليه، صح منه هذا الإقرار و نفذ عليه، و نفذ على الديان الغرماء، فيكون زيد الذي أقر له بالدين شريكا معهم في الاستحقاق، و يضرب معهم في الأموال التي تعلّق بها الحجر، و يأخذ من الأموال بنسبة مقدار دينه الى مجموع الديون، و تثبت له فيها حصة من الحصص و قد ذكرنا هذا في المسألة الثانية و الستين من كتاب الحجر.

و إذا أقر المفلس بعد الحجر عليه فقال: ان لزيد علي دينا حادثا قد استدنته منه بعد وقوع الحجر، صح الإقرار و نفذ عليه كذلك و لكن هذا الدائن الجديد لا يشارك الغرماء السابقين، فلا يضرب معهم في الأموال الموجودة و التي تعلق بها الحجر فيبقى دينه الى ما بعد ارتفاع الحجر، و تلاحظ المسألة الثالثة و الستون من كتاب الحجر.

و ذا أقر المفلس بعد الحجر عليه و منعه من التصرف في أمواله الموجودة، فقال: ان هذه العين الخاصة من الأموال الموجودة التي بيدي ليست ملكا لي بل هو مملوكة لزيد، نفذ إقراره على نفسه، و لم ينفذ على الغرماء، فإذا اتفق ان العين التي أقربها بقيت في يده حق استوفيت ديون الغرماء، و ارتفع الحجر عنه لزمه أن يدفع العين المذكورة لزيد الذي أقر له بملكها، و إذا لم تسدّد الديون و لم تسقط حقوق الغرماء أشكل الحكم في العين المقر بها، و لا بد فيها من مراعاة الاحتياط.

(المسألة 16):

إذا أقر العبد الملوك على نفسه بمال لغيره، فقال: ان لزيد في ذمتي مائة دينار‌

398

أو قال: ان هذه العين التي بيدي مملوكة لزيد، و صدّقه مالكه في ما قاله، نفذ الإقرار عليه، و لزمه الوفاء به بالفعل، و لم ينتظر به الى ما بعد العتق، و كذلك إذا أقر على نفسه بما يوجب عليه الحد أو التعزير الشرعي أو بجناية على غيره توجب القصاص من المقر في نفسه، أو في بعض أعضائه، أو توجب عليه الدية في ماله و صدّقه مالكه في مال قال، فينفذ إقراره بالفعل و يؤخذ به، و لا ينتظر الى ما بعد العتق.

و إذا أقر لغيره بمال في ذمته أو بعين أو منفعة في يده، أو أقر بما يوجب عليه الحد الشرعي أو التعزير، أو القصاص أو الدية، و لم يصدقه مولاه في قوله، لم ينفذ إقراره عليه بالفعل، لأنه إقرار في حق مالكه، فإذا أعتقه مولاه أو انعتق العبد بسبب أخر يوجب الانعتاق، نفذ عليه الإقرار بعد العتق، و لزم العمل بموجبه.

(المسألة 17):

يصح لمالك العبد ان يجعله وكيلا عنه في التجارة للمالك نفسه، و ان يجعله مطلق الحرية في التصرف في ما يتعلق بهذه التجارة من البيع و الشراء، و الأخذ و الرد و البيع نقدا و في الذمة و الشراء كذلك، حسب ما تقتضيه قوانين التجارة و قواعدها المألوفة بين الناس، فإذا و كله في التجارة على هذه الوجه، و اذن له في جميع ذلك كان هذا العبد الوكيل نافذ الإقرار و التصرف في ما يتعلق بتجارته و بعمله فيها سواء أقر بثبوت حق للآخرين عليه أم بنفي حق له على الآخرين، و لا يعم اذن المالك له غير هذه التجارة، فإذا أقر بمال أو بأمر يتصل بها لم ينفذ إقراره إلا إذا صدقه سيده، فان هو لم يصدقه فيه لم ينفذ الإقرار بالفعل، و اتبع به بعد ان يعتق أو ينعتق بسبب يوجب ذلك.

و يصح لمالك العبد ان يأذن له في ان يتجر لنفسه لا للمولى، و يأذن له بجميع‌

399

التصرفات التي تتعلق بعمله و معاملته في التجارة على نهج ما تقدم في الفرض السابق، فيجري فيه مثل تلك الأحكام، و تنفذ إقراراته التي تتعلق بتجارته بموجب هذا الاذن العام في كل ماله و ما عليه، و لا يصح تصرفه و لا ينفذ إقراره في غيرها إلا بإذن من مولاه، و إذا لم يأذن له المولى و لم يصدقه في الإقرار اتبع به بعد العتق.

(المسألة 18):

يشكل الحكم بالصحة في أن يسقط المولى عن عبده المملوك له وجوب الاستئذان منه في جميع تصرفاته و إقراراته التي يوقعها، أو أن يأذن له في ذلك إذنا عاما يفعل فيه ما يشاء كما يشاء، و لا يحتاج الى الاذن من السيد في الموارد الخاصة التي تجد له ما دامت الحياة، بل الظاهر عدم صحة ذلك، فان العبد مملوك لا يقدر على شي‌ء، و هذا حكم من أحكام العبد المملوك اللازمة له، و ليس حقا من حقوق المولى و لذلك فلا يصح بل لا يمكن للمولى أن يسقطه الا بالعتق فإنه يرفع الموضوع.

(المسألة 19):

يصح إقرار المريض و ان كان في مرض موته، و ينفذ عليه كما ينفذ إقرار الصحيح السليم، سواء أقر لبعض وارثيه أم لشخص لا يرثه، و سواء أقر له بدين في ذمته أم بعين موجودة في يده.

و إذا أقر بذلك ثم مات في مرضه، و لم يكن متهما في إقراره نفذ الإقرار منه و لزم على الوصي أو الوارث أن يدفع المال الذي أقر به ذلك الميت قبل موته من أصل تركته، و إذا كان متهما نفذ الإقرار منه كذلك و يدفع المال الى المقرّ له من ثلث تركة الميت المقرّ، و إذا قصر ثلثه و لم يكف للوفاء بالمال المقر به لم ينفذ الإقرار في المقدار الزائد من المال على الثلث، فينفذ الإقرار في البعض و يسقط في البعض.

400

و المراد بالمريض المتهم هنا هو من تدل القرائن على أنه يريد تخصيص الشخص الذي أقر له بالمال الذي أقر به أو يريد ان يحرم الورثة الآخرين منه.

(المسألة 20):

يشترط في صحة الإقرار بالمال أن يكون المقر له ممن له قابلية تملك المال أو الاختصاص به كالإنسان مثلا، فإنه ممن ثبتت له هذه القابلية، سواء كان كبيرا أم صغيرا، و ذكرا أم أنثى، و عاقلا أم مجنونا، و لذلك فيصح الإقرار للإنسان بجميع الأقسام المذكورة، سواء كان المقر له واحدا أم متعددا، و مثال ذلك أن يقول المقر:

يملك زيد في ذمتي عشرين دينارا مثلا، أو يقول: يملك زيد و عمرو في ذمتي عشرين دينارا، أو لهما عندي هذا المبلغ، أو يقول: يملك أولاد عبد اللّه الثلاثة أو الأربعة هذه الدار التي بيدي، أو هذا البستان، أو لهم عندي مبلغ مائة دينار.

و يصح ان يقرّ الرجل لعنوان عام ينطبق على كثير من الافراد، فيقول: للفقراء عندي أو في ذمتي ألف دينار، أو يقول: عندي للفقراء من بني هاشم أو للفقراء من أهل هذا البلد مبلغ كذا من المال.

و إذا أقر الرجل بالمال لعنوان كثير الافراد أو قليلها، فعليه ان يعين ان المال المقر به لافراد هذا النوع أو هذا الصنف كلهم على وجه الاستيعاب لكل فرد فرد منهم، أو هو لهم على نحو التقسيم فيهم، و لو على بعضهم.

و يصح للرجل ان يقر بالمال لمسجد أو لمشهد أو لمدرسة أو مقبرة أو رباط معينة أو غير معينة، فإن المال قد يكون منذورا لينفق في هذه الجهات، و قد يكون من غلة أرض موقوفة عليها، أو من مال اوصى به الموصى لينفق فيها و لذلك، فيصح الإقرار به، و ينفذ على المقر، و عليه أن يفي بما أقر به و يقوم بأدائه حسب ما يعين في إقراره.