كلمة التقوى - ج5

- الشيخ محمد أمين زين الدين المزيد...
421 /
401

(المسألة 21):

لا يصح الإقرار بالمال لبهيمة من البهائم أو لحيوان من الحيوانات، فإنها غير قابلة لتملك المال أو الاختصاص به فيكون الإقرار لها بالمال باطلا، إلا في موارد نادرة يمكن تصورها و قد لا يتفق وجودها و مثال ذلك أن يكون المال منذورا أو موصى به لعلف خيل المجاهدين، أو لانعام الصدقات و ما أشبه ذلك، فيمكن أن يحصل الاختصاص بها في هذه الموارد و يصح الإقرار لها.

و لا يصح الإقرار لشخص بشي‌ء لا يثبت له تملكه في الإسلام، و مثال ذلك ان يقر الرجل لرجل مسلم بخمر أو خنزير.

(المسألة 22):

إذا أقر الرجل على نفسه بحق من الحقوق اللازمة غير المالية كحق القصاص في النفس، أو بإحدى الجنايات التي توجب القصاص في الطرف، أو الضمان للدية أو الأرش، فالمقر له هو الإنسان الذي يثبت له ذلك الحق، و الحق نوع من الملك فلا يثبت لغير الإنسان، و إذا أقر على نفسه بما يوجب الضمان لبهيمة قد غصبها أو أتلفها أو أحدث فيها عيبا، أو نقصا أو كسرا، فالمقر له هو مالك البهيمة.

(المسألة 23):

إذا أقر الإنسان لعبد مملوك بمال يملكه العبد في ذمة المقر أو يعين في يده فالمقر له هو العبد نفسه، و الأحوط له أن يستأذن من مالك العبد في دفع المال اليه و إذا أقر بجناية جناها على العبد فالمقر له هو مالك العبد، فلا يكفى أن يرضي العبد أو أن يسقط العبد حقه من الجناية ما لم يرض المالك أو يسقط حقه.

(المسألة 24):

لا يعتبر في صحة الإقرار من الإنسان أن يكون المقر له شخصا معينا غير‌

402

مردد في الإقرار، و لا ان يكون فردا معلوما غير مجهول، فإذا قال الرجل: هذه الأرض التي بيدي مملوكة اما لزيد أو لعمرو قبل منه إقراره، ثم ألزم بأن يعيّن المالك الحقيقي للأرض من الرجلين اللذين أقر لهما، فإذا عيّنه و قال: مالك الأرض المذكورة هو زيد، و صدقه الشخص الآخر و هو عمرو في تعيينه أو رضي بقوله و لم ينازع، قبل منه الإقرار و التعيين، و عليه أن يدفع الأرض لزيد، و إذا أنكر عمرو تعيين المقر، و لم يقبل به وقعت المخاصمة بين المقر و هو المدعي و بين عمرو و هو المنكر.

و كذلك إذا قال الرجل: الدار التي بيدي لرجل من أهل هذه القرية أو لرجل من بنى هاشم، فيقبل منه الإقرار و يلزم شرعا بأن يعين الرجل المقصود من أهل القرية أو من بني هاشم، فإذا عيّنه قبل تعيينه، و دفعت الدار المقر بها اليه، و إذا ألزم بتعيين الرجل الذي يملك الدار، فقال: لست اعلم به حتى أعيّنه لم يلزم بذلك، و إذا ادعى عليه أحد الطرفين أو أحد الأطراف الذين أقر لهم بأنه يعرف شخص المالك الحقيقي للدار، و أنكر المقر معرفته على الخصوص أحلف على عدم العلم، و سقط عند الإلزام.

(المسألة 25):

إذا أقر الإنسان لأحد بحق لازم من الحقوق المالية أو غيرها فقال: ان سعدا يملك علىّ حق الشفعة في الحصة التي اشتريتها من شريكه، أو قال انه يملك حق الخيار في الدار التي اشتريتها منه و لما سمع المقر له و هو سعد قوله جحد ذلك و قال: ليس لي هذا الحق عندك، أو قال: لست أملك عليك حقا اطالبك به، برئت ذمة المقر من ذلك الحق الذي اعترف به.

و إذا أقر للغير بمال أو بدين في ذمته فقال: يملك إبراهيم في ذمتي مائة دينار‌

403

و لما سمع المقر له أنكر أن الرجل مدين له بالمبلغ الذي ذكره، أو قال: ليس لي في ذمة هذا الرجل شي‌ء، أو قال: ليس لي عنده قليل و لا كثير، برئت ذمة المقر ظاهرا من هذا الدين، فلا يحق للمقر له أن يطالب المقرّ بالدين بعد إنكاره، و لم تبرأ ذمته إذا كان مدينا له في الواقع، فيجب عليه ان يوصل الدين اليه و لو من حيث لا يعلم أو يصالحه عنه.

و إذا رجع المقر له عن إنكار الدين، فقال: فحصت دفاتري فلم أجد ذكرا للدين، و لذلك أنكرته، ثم وجدته في دفتر مخصوص، جازت له المطالبة به و أخذه من المقر إذا دفع المال اليه، و هذا إذا كان المقر بالدين لا يزال مقرا به، و إذا رجع عن إقراره الأول أشكل الحكم بوجوب الدفع إليه في هذه الصورة.

(المسألة 26):

إذا أقر إنسان لغيره بعين موجودة في يده، فقال: ان هذا المتاع أو هذا الجهاز أو هذه الدار التي بيدي مملوكة لإبراهيم و لما سمع المقر له بذلك أنكر قوله و قال ان الرجل مخطئ و ليست العين التي ذكرها مملوكة لي، أصبحت العين المقر بها مجهولة المالك بحسب ظاهر الحال، فيستولي عليها الحاكم الشرعي، أو من يعتمد عليه، لتحفظ عنده حتى يتبين أمرها و يعلم مالكها، و يجوز للحاكم إبقاؤها في يد المقر نفسه إذا اطمأن على حفظها مع بقائها في يده، و تراجع المسألة الحادية عشرة فقد بينا فيها بقية متعلقات المسألة و أحكامها.

و إذا رجع المقر له و هو إبراهيم عن إنكاره لتملك العين و اعترف بها جرى فيه نظير الحكم الذي ذكرناه في المسألة المتقدمة، في فرض الإقرار بالدين إذا أنكره المقر له، ثم رجع بعد ذلك عن إنكاره، فليلاحظ ليطبق هنا.

404

(المسألة 27):

إذا أقر شخص لغيره بدين عليه، أو بمال في يده، فقال: ان سعدا يملك الدين أو المال، و ذكر في إقراره ان مقدار ذلك الدين، أو المال الذي يملكه الرجل المقر له عنده، مردد بين ان يكون مائة دينار فقط و ان يكون مائة و خمسين دينارا، و هو لا يدري بمقداره على التعيين، أجزأ المقر أن يدفع له أقل الأمرين، و هو المائة دينار و لم يجب عليه دفع الزائد.

(المسألة 28):

إذا أقر الشخص لغيره بدين مؤجل إلى أجل مسمى ثبت للمقر له ذلك الدين الى ذلك الأجل المعين، فلا يحق له أن يطالب المقر بالدين قبل حضور ذلك الوقت و إذا أقر له بدين مؤجل و قال في إقراره: ان الدين الذي يملكه الرجل في ذمتي مؤجل اما الى شهر واحد و اما الى شهرين، و لست أعلم بمقدار الأجل على وجه التعيين، ثبت الدين للرجل المقر له إلى الأجل الأبعد منهما، فلا تحقّ له المطالبة بالدين قبل ذلك، و كذلك إذا أقر له بدين، و تردد في أمر الدين بين ان يكون حالا في الوقت، و أن يكون مؤجلا إلى شهر مثلا، فيؤخذ بإقراره و يثبت الدين للمقر له مؤجلا و لا تجوز له المطالبة بالدين قبل حلول الأجل الذي ذكره.

405

الفصل الثاني في بعض ما يلحق الإقرار و يتبعه.

(المسألة 29):

إذا أقر الرجل لأحد بأنه يملك في ذمته مبلغا معينا من النقود، و أطلق قوله و لم يعين نقدا خاصا، فالمراد به النقد الموجود في بلد المقر، سواء كان النقد الموجود فيه من الذهب أم من الفضة أم من غيرهما، و سواء كان خالصا في جنسه أم مخلوطا من جنسين أو أكثر، و كذلك إذا أقر له بمبلغ من العملة الورقية، و أطلق القول و لم يعين عملة خاصة منها، فيكون المراد من إقراره العملة الدارجة في بلد المقر من اي فئة كانت، فإذا قال الرجل: يملك عبد اللّه في ذمتي مائة دينار، فالمراد هو الدينار الموجود في بلد الرجل المقر، فإذا كان من أهل العراق مثلا كان مضمون إقراره أنه مدين لعبد اللّه بمائة دينار من العملة الموجودة في العراق و يجزيه أن يؤديها للمقر له من أي الفئات الموجودة في البلد، فله ان يفي دينه من الفئة ذات الدينار الواحد أو الخمسة دنانير أو العشرة أو الأكثر، بل و يجوز له ان يدفع الدين من الفئة ذات النصف دينار أو الربع الموجودة في البلد.

و هذا إذا كان الحق الذي أقر به أمرا كليا كالدين و ثمن المبيع و ما يشبه ذلك:

و إذا كان المال المقر به وديعة، فلا بد له من أن يدفع العين المودعة بذاتها إذا كانت موجودة في يده.

و إذا أقر له بالمبلغ، و كان في بلد المقر نوعان من النقد الذي أقر به، فالمراد‌

406

في إقراره هو النقد الغالب في المعاملات الجارية بين الناس من أهل البلد و لا يجزيه أن يدفع الحق من النقد غير الغالب، و لا يحق للمقر له أن يطالب المقر به الا إذا اتفق الجانبان على الاكتفاء به، و إذا أقر له بالحق و عين في إقراره، نقدا خاصا لزمه ان يدفع للمقر له ذلك النقد الذي عينه، و ان كان من غير الغالب أو من نقد غير البلد.

و إذا وجد في البلد نقدان مختلفان و هما متساويان في معاملة الناس بهما و لا غلبة لأحدهما على الثاني رجع الى المقر نفسه في تعيين النقد الذي اراده في إقراره.

(المسألة 30):

إذا أقر الإنسان لأحد بحق، و كان الحق الذي أقر به مما يوزن أو يكال، فان عين في إقراره وزنا أو كيلا خاصا ثبت ما عينه، و لزم العمل به، و ان لم يكن متعارفا في البلد، و إذا أطلق إقراره بالحق و لم يعيّن شيئا فالمراد الوزن و الكيل الموجود ان في بلد المقر، و يجرى فيه التفصيل الذي تقدم في النقد، و تلاحظ المسألة السابقة.

(المسألة 31):

إذا أقر أحد لغيره بشي‌ء و ذكر أن الشي‌ء مودع في ظرف، ثبت إقراره بالشي‌ء المظروف وحده و لا يكون اخباره به إقرارا بالظرف معه، فإذا قال: عندي لسعيد عشرة دنانير في محفظة نقود كان قوله إقرارا لسعيد بالدنانير العشرة و حدها و ليس إقرارا بالمحفظة معها، و إذا قال: له عندي عشرة أمنان من الحنطة في اكياس كان إخباره إقرارا بأمنان الحنطة لا بالاكياس مع الحنطة، فلا يحق لسعيد أن يطالبه بالمحفظة أو بالاكياس و ما فيها، الا ان توجد قرينة تدل على ارادة الظرف مع المظروف، فيقول مثلا: لسعيد عندي عشرة دنانير مع محفظتها، أو عشرة أمنان من‌

407

الحنطة مع اكياسها فيكون إقرارا بالأمرين.

و كذلك لا حكم في العكس، فإذا أقر الشخص لغيره بالظرف لم يكن ذلك إقرارا له بالشي‌ء المودع فيه، و مثاله ان يقول: لسعيد عندي عشرة اكياس فيها حنطة، أو له عندي محفظة فيها نقود، فقوله إقرار لسعيد بالظروف خاصة و لا يعد إقرارا بالحنطة مع الأكياس أو بالنقود مع المحفظة، الا مع وجود قرينة ظاهرة تدل عليه فيكون إقرارا بهما، و لا اعتبار بالاحتمال.

(المسألة 32):

إذا أقر الرجل بشي‌ء ثم أقر بعده إقرارا أخر، و عطف إقراره الثاني على الأول بكلمة (بل) اتبع في إقراره ما يظهر عند أهل العرف و اللسان من مجموع قوله في الاخبار عن ذلك، و له عدة صور كما سيأتي:

(الصورة الأولى): أن يقر الإنسان لأحد بشي‌ء، ثم يقر لذلك الرجل أيضا بشي‌ء أخر يختلف عن الشي‌ء الأول، و مثاله أن يقول: يملك عبد اللّه في ذمتي منا من الحنطة، بل يملك فيها منا من الأرز، و الظاهر من هذا القول في متفاهم أهل العرف: انه قد أقر لعبد اللّه بالاقرارين كليهما، فهو يملك في ذمة المقر من الحنطة و من الشعير فيلزمه أن يدفع للمقر له كلا المنّين، و يصح لعبد اللّه أن يطالبه بهما و هذا هو الأقوى الا ان تدل قرينة قوية الظهور على أن كلمة (بل) في الإقرار الثاني كانت للإضراب عن إقراره الأول، و انه قد غلط في هذا القول، أو توهم فأقر إقراره الثاني ليصحح غلطه، فيكون هذا هو الثابت.

و يجري هذا في كل مورد يقول الإنسان فيه مثل هذا القول، و يكون الشي‌ء الثاني المقر به مختلفا عن الشي‌ء الأول في الجنس، فإن إخباره كذلك يكون إقرارا بالشيئين معا، و يلزمه دفعهما الى المقر له، الا إذا ثبت غلطه و اضرابه عن الإقرار‌

408

الأول بوجه ظاهر عند أهل العرف.

و كذلك إذا قال الرجل مثل هذا القول و أقر مثل هذا الإقرار بشيئين معينين في الخارج فقال مثلا: يملك سليمان هذا الدكان الذي بيدي بل هذا الدكّان، أو قال:

يملك هذا المتاع بل هذا المتاع، فيجري فيه نظير الحكم المتقدم.

(المسألة 33):

الصورة الثانية: ان يقر الرجل لغيره بمقدار من الجنس، ثم يقر لذلك الشخص نفسه بأكثر من ذلك المقدار من الجنس الأول، و يعطف الإقرار الثاني على الأول بكلمة (بل) فيقول مثلا: لسليمان عندي أو في ذمتي من واحد من الحنطة بل له عندي منّان من الحنطة، أو يقول: له عندي خمسة دنانير بل عشرة دنانير و الظاهر من هذا القول انه يقر لسليمان بالعدد الأكثر من ذلك الجنس، فهو يملك عند المقر منّين من الحنطة في المثال الأول و يملك عنده عشرة دنانير في المثال الثاني، و لا يكون إقرارا بكلا العددين: الأقل و الأكثر معا كما في الصورة الأولى.

و كذلك الحكم إذا قدم العدد الأكثر في الذكر على العدد الأقل فقال: له عندي أو في ذمتي منّان من الحنطة بل من واحد منها: أو قال له عندي عشرة دنانير بل خمسة دنانير فيكون قوله إقرارا بالعدد الأكثر في المثالين و لا يكون إقرارا بثلاثة أمنان من الحنطة أو بخمسة عشر دينارا. و أوضح من ذلك في الظهور أن يقر كذلك في عين خارجية فيقول: له هذه الغرفة من الدار بل له الدار كلها.

(المسألة 34):

(الصورة الثالثة): ان يقر لأحد بشي‌ء معين موجودة في الخارج يكون في يد المقر، ثم يقر بذلك الشي‌ء المعين نفسه لشخص آخر غير الأول فيقول مثلا: هذه الدار التي بيدي مملوكة لزيد بل هي مملوكة لعمرو، و الظاهر أن ما قاله المخبر في‌

409

هذه الصورة يحتوي على إقرارين لازمين له، و لذلك فيلزمه أن يدفع الدار المعينة نفسها للشخص الذي أقر له أولا و هو زيد، و ان يدفع قيمة الدار للشخص الثاني و هو عمرو، و إذا كانت العين التي أقر بها للرجلين من المثليات كما إذا قال: هذه الأمنان من الحنطة مملوكة لزيد، بل هي مملوكة لعمرو، لزمه ان يدفع العين ذاتها و هي أمنان الحنطة التي وقع عليها الإقرار- لزيد المقر له أولا، و أن يدفع مثلها لعمرو و إذا كان الشي‌ء الذي أقر به للرجلين من الأمور الكلية، كما إذا قال: يملك زيد في ذمتي مائة دينار، بل يملك المائة في ذمتي عمرو، لزمه أن يدفع لكل واحد من الرجلين مائة دينار عما في ذمته فلا يكون أحدهما أصلا و الثاني بدلا عنه.

(المسألة 35):

إذا أقر الرجل للشخصين اللذين ذكرهما على الوجه المتقدم في المسألة السابقة بأحد تلك الإقرارات أو بما يماثلها، و أنكر أحد الشخصين المقر لهما قول الرجل المقر و جحد أن يكون له حق أو ملك في العين أو الدين الذي أقر به، سقط حقّ هذا المنكر، و برئت ذمة المقر منه ظاهرا، فلا يحق لهذا الشخص ان يطالب بالحق بعد إنكاره و على المقر أن يدفع العين أو الدين المقر بهما للشخص الآخر.

(المسألة 36):

إذا أقر الإنسان لغيره بشي‌ء و تم اخباره به، و دل ظاهر كلامه على الإقرار بالشي‌ء عند أهل اللسان و العرف، ثبت إقراره شرعا و لزمته أحكامه و إثارة، فإذا عقب على قوله المتقدم بقول آخرينا في قوله الأول بظاهره و يبطله لم يقبل القول الثاني و لم يؤثر على إقراره شيئا الا ان تكون دلالة الثاني على المعنى أقوى و أتم بحيث يزول بالثاني ظهور الكلام الأول في متفاهم أهل اللسان، و في محاوراتهم العرفية، و يعدونه قرينة معتبرة على ان المراد خلاف ذلك الظاهر.

410

و من الأمثلة المعروفة للمسألة بين الفقهاء أن يقول الرجل: ان لزيد عندي وديعة من المال، ثم يقول بعده: و قد تلفت الوديعة في يدي، فيثبت بهذا القول إقرار الرجل لزيد بالوديعة، و لا يبطل هذا الإقرار باخبار الرجل بأن الوديعة قد تلفت، فان قوله له عندي وديعة نام الدلالة و الظهور في أن الوديعة عنده، و لم تزل، و لو انها تلفت لم تكن عنده، فيؤخذ بإقراره، و يلزم بدفع الوديعة لزيد أو يثبت تلفها بحجة شرعية مقبولة.

و لو انه قال: كانت لزيد عندي وديعة، ثم قال و قد تلفت الوديعة في يدي صح قوله الثاني و قوله الأول، و لم يكن تناف بين القولين، و كان قوله يشتمل على إقرار منه بالوديعة و دعوى منه بتلفها، فيثبت إقراره و يؤخذ به، و على المقر و المقر له إذا أحبا أن يرجعا الى الحاكم الشرعي ليفصل بينهما دعوى تلف الوديعة أو يرجعا إلى المصالحة بينهما.

و من الأمثلة المعروفة للمسألة، أن يقول الرجل: يملك فلان عندي عشرة دنانير، ثم يقول: لا بل تسعة، فلا يقبل منه قوله الثاني بالنفي و يلزم بإقراره الأول بالعشرة، و من أمثلة ذلك أيضا أن يقول: يملك فلان عندي مائة دينار، ثم يقول: و هي ثمن خمر أو ثمن خنزير أو من لعب قمار، فيثبت إقراره بالمال، و يلزم بدفعه لمن أقر له، و لا يسمع منه قوله الثاني.

(المسألة 37):

الاستثناء في اللغة العربية احد مقومات الدلالة على المراد في الجملة التي يقع فيها الاستثناء، و لذلك فلا يتم ظهور الجملة في المعنى المراد منها الا به و ليس هو من تعقيب الكلام بكلام أخر ينافيه و يبطل ظهوره، كما في الأمثلة التي ذكرناها و تعرضنا لبيان حكمها في المسألة الماضية، و من القواعد المعروفة بين‌

411

أهل العربية ان الاستثناء إذا وقع من كلام مثبت يكون نفيا للمستثنى، و إذا وقع من كلام منفي يكون إثباتا للمستثنى، و كل هذا واضح لا يشك فيه احد من أهل اللغة و يجرى عليه حتى العامة من أهل العرف العربي الدارج، فإذا قال القائل منهم:

زارني أهل القرية إلا موسى، عرف الجميع من قوله ان أهل القرية، كلهم قد جاؤوا الى زيارته و ان موسى وحده لم يزره، و إذا قال: لم يدخل المسجد أحد في هذا اليوم الا عبد اللّه، فهموا من خبره ان الجميع لم يدخلوا المسجد في ذلك اليوم، و قد دخله عبد اللّه وحده.

و على مجرى هذه الأمور الواضحة فإذا قال الرجل: يملك زيد في ذمتي مائة دينار الا خمسة دنانير فقد أقر في قوله هذا بان لزيد في ذمته خمسة و تسعين دينارا فله الحق في ان يطالب المقر بهذا المبلغ و لا يحق له في أن يطالبه بالخمسة دنانير التي تكمل بها المائة دينار، إلا إذا أثبت استحقاقه إياها بحجة شرعية.

و إذا قال: ليس لزيد عندي حق الا عشرة دنانير، فقد أقر لزيد بأن له عنده عشرة دنانير، فله أن يطالبه بها و يأخذها منه، و لا يحق له أن يطالب بأكثر من العشرة و لا بغيره من الحقوق الا أن يثبته بوجه شرعي، و إذا قال: ليس لي في ذمة زيد سوى مائة دينار، فقد أقر لزيد بان المقر لا يستحق في ذمته غير المائة، فلا يجوز له أن يطالب زيدا بأكثر منها، و هو يدعي في ضمن إقراره بان له في ذمة زيد مائة دينار فعليه أن يثبت صحة دعواه بها إذا أراد ذلك.

و إذا قال: لي عند زيد مائة دينار إلا عشرة دنانير، فقد ادّعى أنه يستحق عند زيد تسعين دينارا، و أقر لزيد في ضمن ادّعائه عليه بان المقر لا يستحق عنده العشرة التي تكمل بها المائة فيؤخذ بما أقرّ، و يحتاج في تصحيح دعواه إلى الإثبات.

412

(المسألة 38):

يدخل الاستثناء في الأعيان الخارجية و في الاجزاء من الأشياء المركبة الموجودة في الخارج كما يدخل في الأعداد من المعدودات، فإذا قال الرجل:

يملك إبراهيم هذه الدار التي بيدي الّا الحجرة التي تقع على يمين الدّاخل من باب الدار، أو إلّا الموضع الذي أعدّ لاستقبال الضيوف من الرجال فقد أقر لإبراهيم بأنه يملك جميع الدار التي ذكرها عدا ما استثناه من أجزائها و إذا قال: يملك إبراهيم جميع ما في هذه الدار من أثاث و أمتعة و حوائج الا الفراش الذي أغلقت عليه الحجرة الخارجية المعينة، فقد أقرّ له بجميع ما تحتويه الدار من الأعيان الموجودة فيها غير الفراش الذي ذكره، و هكذا.

و يجري في هذه الاستثناء ان نظير ما سلف في المسألة المتقدمة من الأمثلة و الصور المتعلقة بالمقر نفسه أو بالمقر له في كل من النفي و الإثبات.

413

الفصل الثالث في الإقرار بالنسب أو بالميراث

(المسألة 39):

إذا أقر الرجل بطفل صغير أو بصبي لم يبلغ الحلم، فقال: هذا الصبي ولد شرعي لي، أو قال: انه صحيح الولادة مني، أو قال: قد ولدته أمه مني، أو على فراشي و كان إقراره جامعا للشرائط التي تعتبر في صحة الإقرار، ثبت النسب بين الرجل المقر و الصبي المقر به، و قد سبق منا ذكر الأمور التي يشترط وجودها في المقر بالنسب و غيره، و يشترط في صحة الإقرار بالنسب مضافا الى ذلك: (1): أن تكون ولادة الصبي المقر من الإنسان المقر ممكنة غير ممتنعة بحسب العادة المألوفة في تولد الإنسان من الإنسان، (2): أن يكون لحوق هذا الوليد بنسب المقر صحيحا غير ممنوع في حكم الإسلام، (3): ان لا يكون للمقر منازع في دعوى النسب بالصبي.

فإذا توفرت هذه الشروط صح الإقرار و ثبت النسب بين الرجل و الصبي بأصوله و فروعه، فيكون الرجل المقر أبا شرعيا للصبي، و يكون أبو المقر جدا للصبي، و أم المقر جدّة له، و أولاد المقر اخوة له و أخوات، و اخوان المقر أعماما و عمات، و تكون أولاد الصبي المقر به إذا كبر و تزوج و أعقب أحفادا للمقر و اسباطا، و هكذا في جميع الفروع، و ثبتت أحكام النسب بين جميع أولئك في النكاح و جواز النظر للمحارم، و في الولايات و النفقات و المواريث و غيرها من‌

414

اللوازم و الآثار التي تكون للنسب، حتى في الوقف على الذرية و الأقارب، و الوصية لهم، و لا فرق في الحكم المذكور بين الطفل الصغير كما قلنا و الصبي المراهق للبلوغ، و لا بين المميز و غيره، و لا بين الصبي و الصبية.

(المسألة 40):

يشترط في لحوق الصبي غير البالغ بنسب الإنسان الذي أقر به- كما ذكرنا في المسألة المتقدمة أن تتوفر أمور ثلاثة عرضناها بنحو الاختصار، و لا بد من ذكرها بوجه أكثر بسطا و توضيحا:

الأمر الأول: ان يكون تولد الصبي من ذلك الشخص الذي أقر به ممكنا بحسب العادة المعروفة في ولادة الإنسان، فلا يصح إقرار المقر و لا يثبت به نسب الصبي إليه إذا كانت ولادة الصبي منه مما يمتنع بحسب هذه العادة الجارية، و مثال ذلك: أن يكون المقر في وقت انعقاد نطفة الصبي في بطن امه غير بالغ الحلم، و ان بلغ في وقت ولادة الطفل أو في وقت إقراره به، كما إذا تأخر زمان الإقرار عن وقت الولادة مدة، فيكون تولده منه ممتنعا و عادة لا يمكن الحاقه به في النسب.

و من أمثلة ذلك ان يكون المقر غائبا عن المرأة في وقت انعقاد الجنين في بطنها، أو يكون مريضا شديد المرض، أو سجينا فلا يستطيع الوصول إليها و مقاربتها لتحمل منه، بالصبي أو يكون تاركا لمقاربة المرأة لسبب آخر.

الأمر الثاني: أن يكون إلحاق الصبي بنسب الرجل المقر صحيحا في حكم الشريعة الإسلامية، فلا يصح إقرار الرجل به و لا يثبت بالإقرار نسب الطفل إليه إذا كان الطفل ملحقا في الشريعة بنسب شخص أخر لوطي شبهة مثلا، أو كان الحاقه بنسب المقر ممنوعا، و مثال ذلك: ان تحرم المرأة على الرجل لرضاع، أو لعان، أو لسبب أخر من موجبات التحريم، فلا يصح الإلحاق و لا يصح الإقرار بالصبي.

415

الأمر الثالث: ان لا يكون للرجل المقر بالطفل منازع في نسبه، و مثال ذلك أن يدعى شخص آخر نسب الطفل إليه أيضا فيقر به كما أقر به الأول، أو يدعي هذا الشخص الآخر عدم صحة نسب الأول و كذبه في إقراره، فيكون المورد من التنازع بين الرجلين، فلا يسمع إقرار المقر، و يلزم الرجوع الى الحاكم الشرعي ليحل الخصام و يفصل النزاع.

و لا يشترط في صحة الإقرار بالصبي و ثبوت نسبه به ان يصدق الصبي قول المقر و ان كان مميزا أو مراهقا و لا يشترط كذلك ان يصدقه و يعترف بأبوته بعد البلوغ، و إذا أقر الرجل بالصبي و تمت الشروط المذكورة و ثبت النسب بينهما بموجب ذلك، ثم أنكر الصبي النسب بعد ان بلغ الحلم لم يسمع منه إنكاره.

(المسألة 41):

إذا أقر الرجل بنسب ولد كبير قد بلغ الحلم أو تجاوز البلوغ، و لم يكن قد أقر به في طفولته على الوجه المتقدم، فقال عن الولد الكبير: هذا ولد شرعي لي، أو قال:

هو صحيح النسب لي أو قال ولدت هذا امه على فراشي، و قد اجتمعت في إقراره به جميع الشروط التي ذكرناها لم يلحق الولد بنسب المقر حتى يصدقه الولد و يقر بنسبه اليه و يعترف بأبوته، فإذا أقر الطرفان كذلك مع اجتماع الشرائط المتقدمة فيهما يثبت النسب بينهما و ثبتت احكامه و آثاره لهما و لجميع أصول النسب و فروعه على النهج الذي فصلناه في الولد الصغير.

و كذلك إذا ابتدأ الولد فأقر بنسبه للرجل، و قال: انه أبي الشرعي و قد ولدتني أمي على فراشه، و صدق الرجل إقراره، و اعترف به على الوجه السابق بيانه و اجتمعت الشروط في الجانبين، فيثبت النسب، و يعم و تترتب اللوازم و الاحكام لهما، و لجميع أصول النسب و فروعه.

416

(المسألة 42):

إذا أقر الرجل بالولد الكبير و لم يصدقه الولد، أو أقر الولد بالنسب و لم يصدقه الرجل، نفذ الإقرار على المقر خاصة، و لم ينفذ على الثاني الذي لم يقر و لم يثبت النسب بينهما، و لا بين طبقات النسب الآخرين و لم تترتب احكامه عليهم و لزمت المقر أحكام إقراره التي تكون عليه من حرمة نكاح، و وجوب نفقة و ميراث و غيرها، و لم تترتب عليه الأحكام الأخرى التي تكون للمقر، و لا الاحكام التي تكون على الطرف الثاني.

(المسألة 43):

إذا مات الصبي و هو مجهول النسب، ثم أقر الرجل بعد موت الصبي بأنه ولد شرعي له، و كان إقرار الرجل به جامعا للشرائط التي بيناها أنفا نفذ إقراره بالطفل بعد موته، كما ينفذ في حياته و ثبت به نسبه اليه، و ترتب الممكن من أحكام النسب بينهما فتجب على الرجل نفقة تجهيزه و دفنه، و إذا كان للطفل مال ورث منه نصيبه لأنه أبوه شرعا.

(المسألة 44):

لا يثبت النسب بالإقرار في غير الولد الصغير أو الكبير، إذا جرى على الوجه الذي سبق بيانه، فإذا أقر الرجل لصبي أو شاب انه ولد ولده أو انه أخوه في النسب لم يثبت بذلك نسبه له، و انما تترتب على قوله أحكام الإقرار فيؤخذ الرجل بأحكام هذا الإقرار و لوازمه في ما يكون على المقر من هذه الاحكام و اللوازم لا في ما يكون له، و لا في ما يكون على غير المقر، فإذا قال الرجل هذا الصبي أو هذا الشاب ولد ولدي نفذ هذا الإقرار على الرجل، فتجب عليه نفقة الولد إذا كان فقيرا، و ليس له منفق أقرب من الرجل، و يحرم عليه الزواج بها إذا كانت أنثى، و يرثه الولد إذا‌

417

مات هو و لا وارث له سوى الولد.

و إذا أقر بولد الولد و كان بالغا و صدقه ولد الولد في قوله نفذ الإقرار في حقهما معا، فيرث أحدهما من الأخر إذا مات قبله، و لم يكن له وارث أقرب منه، و تجب نفقة الفقير منهما على الآخر إذا كان قادرا و لا منفق أقرب منه، و هكذا في بقية لوازم الإقرار، و لا يثبت به النسب و لا يقع به التوارث بين غيرهما من الأقارب.

و كذلك الحكم إذا أقر الرجل بشخص أنه اخوه أو عمه أو قريبه في النسب فينفذ إقراره عليه خاصة، و تلزمه أحكام الإقرار التي تكون عليه لا على الآخرين و إذا صدقه الثاني في قوله نفذت عليهما أحكام الإقرار، و لا تنفذ على غيرهما لا في المواريث و لا في غيرهما من الاحكام و الآثار.

(المسألة 45):

إذا أقر الإنسان بشخص أنه أخوه في النسب أو ابن أخيه أو قريبه و صدقه الشخص المقر به، و اعترف بالقرابة التي ذكرها، نفذ الإقرار عليهما كما تقدم و ورث أحدهما صاحبه إذا مات قبله، و لم يكن له وارث أخر سواه، و إذا مات أحدهما و له وارث أخر غير المقر ففي ثبوت التوارث بينهما اشكال، و لا يترك الاحتياط بالرجوع إلى المصالحة، و كذلك الإشكال إذا أقر الرجل بأخ أو ابن أخ أو عم أو قريب في النسب ثم نفاه بعد الإقرار به، فلا يترك الاحتياط المذكور.

(المسألة 46):

يثبت النسب بين الشخصين المشكوك نسب أحدهما إلى الآخر بشهادة رجلين عادلين لهما بولادة أحدهما من الآخر، أو بولادتهما من شخص ثالث بغير واسطة أو بواسطة واحدة أو بأكثر مع وجود القرابة بينهما عرفا، سواء كان الشاهدان قريبين من الشخصين المشهود لهما بالنسب، أم بعيدين عنهما، و يثبت بإقرار‌

418

الرجل بالولد على الوجه الذي تقدم بيانه في المسائل الماضية من هذا الفصل، و لا يثبت النسب بغير ذلك، و اثر ثبوت النسب بالوجهين المذكورين أن تجرى جميع أحكام النسب بين الشخصين أحدهما مع الثاني و بين كل واحد منهما مع أقرباء الثاني و بين اقربائهما بعضهم مع بعض ممن يتصل بهما في نسبه، فتجري جميع أحكام النسب بين هؤلاء كافة في النكاح و جواز اللمس و النظر الى المحارم و في الولايات و الميراث و الحجب و غيرها و قد أشرنا الى هذا في ما سبق.

(المسألة 47):

إذا مات رجل و له ولدان معلومان و لا وارث له غيرهما ظاهرا، فأقر الولدان كلاهما بولد ثالث للميت غيرهما، و قالا: هذا أخ ثالث لنا و هو شريكنا في الميراث من أبينا، نفذ الإقرار عليهما و قسمت تركة الميت بينهم أثلاثا و أخذ كل واحد منهم ثلثا، و ان لم يعرفه احد من الأقرباء الآخرين. و إذا أقر به احد الولدين المعلومين للميت و أنكره الثاني نفذ إقرار المقر منهما على نفسه فيقسم المال نصفين و يأخذ الولد الذي أنكر أخاه، و لم يعترف به نصف المال تاما، و يأخذ الثاني الذي أقر به الثلث، و يدفع الباقي من المال و هو السدس الى الثالث، و هو الذي اعترف به أحد الأخوين و أنكره الآخر.

(المسألة 48):

إذا مات رجل و ترك بعده وارثا واحدا معلوما، فهو الذي يستحق الميراث كله في ظاهر الأمر، فأقر هذا الوارث بوارث أخر أولى منه بميراث الميت، لزمه الإقرار و وجب عليه أن يدفع التركة كلّها للوارث الذي أقر به، و مثال ذلك أن يترك الميت بعده أخا لا غيره، و يقر هذا الأخ الوارث ظاهرا بولد للميت أو بولد ولد فيقول: هذا ولد أخي أو ولد ولده، و هو أولى بميراث أبيه مني، فيؤخذ بإقراره‌

419

و عليه أن يدفع الميراث كله للوارث الذي أقر به، لأنه أولى به كما قال.

و إذا أقر الوارث الواحد بوارث أخر يساويه في الاستحقاق، و في مقدار النصيب فعليه ان يقتسم تركة الميت معه بالمساواة، و مثال ذلك: ان يقر أخو الميت في المثال السابق بأخ ثان له و للميت، فإذا كان الميت قد ترك مأة دينار اقتسمها اخوه الأول الوارث مع الثاني الذي أقر به، فلكلّ واحد منهما خمسون دينارا، و إذا أقر بأخت له و للميت اقتسم التركة معها بالمثالثة، فدفع لها ثلثا و أخذ ثلثين.

(المسألة 49):

إذا كان الوارث الوحيد ظاهرا هو عم الميت مثلا، و لما دفعت اليه تركة الميت قال هذا زيد و هو أخو الميت فهو أدنى قرابة للميت و أولى مني بميراثه، ثم قال هذا خالد و هو ولد الميت أو هو ولد ولده، و هو اولى بميراثه منى و من أخيه، أخذ العم بالاقرارين كليهما فعليه أن يدفع التركة نفسها لزيد أخي الميت بسبب إقراره الأول، و يدفع لخالد ابن الميت مثل التركة، إذا كانت مثلية و قيمتها إذا كانت قيمية بسبب إقراره الثاني.

و إذا كان زيد أخو الميت قد صدق العم في إقراره بالولد دفع المال الى الولد و لا شي‌ء لزيد على العم بسبب إقراره الأول له.

و إذا دفعت تركة الميت لعمه في المثال الذي ذكرناه لأنه وارثه الوحيد ظاهرا، فأقر العم بزيد أخي الميت، و قال: هو أولى مني بالإرث، و لما أخبر زيد بذلك قال الأخ: هذا خالد ولد الميت، فهو أولى بميراث أبيه مني و من عمه، دفع المال الى الولد و لا شي‌ء على العم.

(المسألة 50):

إذا أقر الإنسان لأحد بان له في ذمته مائة دينار مثلا أخذ بإقراره، و لزمه أن‌

420

يدفع المبلغ للشخص الذي أقر له، فإذا مات المقر قبل أن يؤدي الدين وجب على ورثته أن يؤدّوا الدين من أصل تركة الميت، و إذا مات الرجل فأقر جميع الورثة بأن لزيد في ذمة مورثهم مبلغا معيّنا من المال لزمهم ذلك، و وجب عليهم أن يؤدّوا الدين الذي أقرّوا به على مورثهم من أصل تركته، فإذا بقي من التركة شي‌ء بعد وفاء الدين اقتسموه بينهم.

و إذا أقر بعض الورثة بالدين على الميت، و أنكره بعضهم وجب على من أقر بالدين منهم أن يؤدي المقدار الذي يصيب حصة في الميراث من ذلك الدين، فإذا كانت تركة الميت خمس مائة دينار و كان الوارثون خمسة أولاد ذكور فنصيب كلّ واحد منهم من تركة أبيه مائة دينار، و إذا فرض أن مقادر الدين المقر به مائتا دينار أصاب نصيب كل واحد منهم أربعون دينارا من الدين، فعلى كل واحد ممن أقر بالدين أن يؤدي هذا المقدار، و لا يتعين عليه ان يؤدي هذا من حصته الموروثة له و يجوز له ان يدفعه من مال أخر.

(المسألة 51):

إذا تنازع الرجلان بينهما فقال أحدهما للثاني: انك قد أقررت لي بمبلغ مائة دينار في ذمتك، أو بالحاجة المعينة التي في يدك و أنكر الثاني أن يكون أقر له بشي‌ء مما ذكر، فالقول قول المنكر، و عليه أن يحلف للمدعي على عدم الإقرار، و كذلك إذا اختلفا في مقدار ما أقرّ به فقال الأول للثاني: انك أقررت لي بمائة دينار و قال الثاني: انما أقررت لك بخمسين دينارا و أنكر الزيادة على ذلك، فالقول قول منكر الزيادة مع يمينه، ما لم يثبت المدعى صحة قوله بإقامة البيّنة على ما يدعيه.

و الحمد للّه رب العالمين حمدا يرضاه لنفسه، و يفوق جميع حمد الحامدين من عباده و مخلوقاته، و الصلاة و السلام على سيد خلقه، محمد‌

421

و المطهرين من آله، صلاة لا حدّ لها و لا عدّ، يبلغهم بها آمالهم، و يقر بها أعينهم و يؤمن بها خوف الخائفين و يكشف بها ضر المضطرين، و يقرن ببركتها و يمنها لنا و للمؤمنين سعادة الدنيا و الدين، و يضاعف بها لنا توفيقه و نعمته و هداه و رحمته الى منتهى آجالنا انه ارحم الراحمين.