إرشاد العقول إلى مباحث الأصول - ج1

- محمد حسين الحاج العاملي المزيد...
608 /
503

كالشيخ الأنصاري ومثبت كالمحقّق الخراساني.

استدلّ الشيخ على عدم إمكان انعقاد الإطلاق في مفاد الهيئة بوجهين :

الأوّل : أنّ الصيغة موضوعة لمصاديق الطلب الحقيقي المنقدح في نفس الطالب لا لمفهوم الطلب ، فانّ الفعل لا يتّصف بالمطلوبية إلاّ بواسطة تعلّق واقع الإرادة وحقيقتها به لا بواسطة مفهومها ، ومن المعلوم أنّ الفرد الحقيقي المنقدح في نفس الطالب جزئي لا يقبل فيه التقييد والإطلاق ، فلا معنى للتمسّك بإطلاق الصيغة لكون الواجب نفسياً لا غيرياً. (1)

وأورد عليه المحقّق الخراساني : بأنّ مفاد الهيئة ليس الفرد الحقيقي من الطلب بل مفادها هو مفهوم الطلب كما عرفت تحقيقه في وضع الحروف ولا يكاد يكون مفادها ، الفرد الحقيقي من الطلب ، أعني : ما يكون بالحمل الشائع طلباً ، وإلاّ لما صحّ إنشاؤه بها ضرورة انّه من الصفات الخارجية الناشئة من الأسباب الخاصة.

نعم ربما يكون هو ( الطلب الحقيقي ) هو السبب لإنشائه ، بل المنشأ هو الطلب الإنشائي والوجود الإنشائي لكلّ شيء ليس إلاّ قصد مفهومه بلفظه. (2)

الظاهر وجود الخلط في كلام العلمين.

أمّا الأوّل : فلأنّ ما ذكره الشيخ من أنّ الصيغة موضوعة لمصاديق الطلب الحقيقي المنقدح في نفس الطالب لا لمفهوم الطلب ، أمر غير صحيح ، فانّ الأُمور التكوينية كالطلب الحقيقي الذي هو عبارة أُخرى عن الإرادة التكوينية ـ لاتحّاد الطلب والإرادة الحقيقيتين ـ غير قابلة للإنشاء ، وإنّما القابل للإنشاء هو المفهوم لا المصداق الحقيقي ، فالزوجية التكوينية كالعينين والأُذنين بما انّهما ظاهرة تكوينية

____________

1 ـ مطارح الأنظار : 67.

2 ـ كفاية الأُصول : 1/173 ـ 174.

504

غير قابلة للإنشاء اللفظي ، وإنّما القابل للإنشاء الزوجية الاعتبارية فبالإنشاء يصيران زوجين رجل وامرأة اعتباراً ، وهذا ما نبّه به المحقّق الخراساني.

وأمّا الثاني : فلأنّ المحقّق الخراساني وإن أصاب في نفي كون الموضوع له هو الطلب الحقيقي ، لأنّه غير قابل للإنشاء لكنّه أخطأ في قوله في أنّ الموضوع له هو الطلب الكلي ـ أي مفهوم الطلب الذي هو مفهوم اسمي ـ لما عرفت من أنّ الموضوع له في الحروف والهيئات مصاديق الطلب الكلي ، فانّ القابل للإنشاء هو الفرد لا المفهوم الكلي بقيد انّه كليّ ، وقد أوضحنا ذلك عند البحث عن المعاني الحرفية.

وأمّا إمكان تقييد الجزئي فقد مرّ أنّ الجزئي وإن كان غير قابل للتقييد من حيث الأفراد لكنّه قابل للتقييد من حيث الأحوال ، فانّ الطلب المنشأ وإن كان جزئياً لكن لها سعة من حيث الأحوال فيقال في المقام الوجوب ثابت ، سواء أوجب شيء أم لا.

الثاني : ما أفاده المحقّق العراقي : انّ المعاني الحرفية وإن كانت كلّية إلاّ أنّها ملحوظة بتبع لحاظ متعلّقاتها ، أعني : المعاني الاسمية لكونها قد اتخذت آلة لملاحظة أحوال المعاني الاسمية ، وما كان هذا شأنه فهو دائماً مغفول عن ملاحظته بخصوصه ، وعليه فكيف يعقل توجّه الإطلاق والتقييد إليه لاستلزامه الالتفات إليه بخصوصه في حال كونه مغفولاً عنه بخصوصه ، وهذاخلف. (1)

يلاحظ عليه : بأنّ كون المعاني الحرفية معان آلية غير كونها مغفولاً عنها ، وقد عرفت فيما سبق أنّ الغرض ربّما يتعلّق بتفهيم المعاني الحرفية وتكون هي المقصد الأصلي في الكلام ، كما في قولك : « زيد على السطح » أو « الماء في الإناء » فالغرض

____________

1 ـ بدائع الأفكار : 1/373.

505

الأصلي هو كينونة زيد على السطح والماء في الإناء ، فكيف يكون مفهوماً مغفولاً عنه ؟

وقد تبيّن من ذلك انّ المنشأ قابل لانعقاد الإطلاق وليست الجزئية ـ كما في كلام الشيخ ـ ولا الآلية ـ كما في كلام المحقّق العراقي ـ مانعين لانعقاد الإطلاق.

أدلّة المتمسّكين بإطلاق الهيئة

إذا كان الشيخ والمحقق العراقي ـ (قدس سره)ما ـ من نفاة إمكان انعقاد الإطلاق في الهيئة بالدليلين السابقين ، فانّ هناك من يصحح إمكان انعقاد الإطلاق في مفاد الهيئة وانّ نتيجة الإطلاق كون الواجب نفسيّاً مستدلّين بما يلي :

الأوّل : ما ذكره المحقّق الخراساني من أنّ الهيئة وإن كانت موضوعة لما يعمهما إلاّ انّ إطلاقها يقتضي كونه نفسياً ، فانّه لو كان شرطاً لغيره لوجب التنبيه على المتكلم الحكيم.

يلاحظ عليه : أنّ كلاً من الواجب الغيري والنفسي يشاركان في أصل الوجوب ويمتازان بشيء آخر ، والفصل المميّز لهما هو كون الوجوب في الأوّل « لنفسه » وفي الآخر « لغيره » فكلّ منهما يحتاج إلى بيان زائد وراء بيان أصل الوجوب ، ولو كان النفسي نفس الوجوب لزم كون القسم نفس المقسم.

الثاني : ما أفاده المحقّق البروجردي من أنّ الصيغ الإنشائية قد وضعت للبعث والتحريك نحو متعلّقاتها ، والبعث الغيري المتعلّق بالمقدّمات ليس في الحقيقة بعثاً نحوَ المتعلّق وإنّما هو تأكيد للبعث المتعلّق بذيها ، فالكلام يُحمل على ظاهره وهو البعث الحقيقي نحو ما تعلّق به. (1)

____________

1 ـ نهاية الأُصول : 1/170.

506

يلاحظ عليه : أنّ ما ذكره إنّما يتمّ إذا كان دليل المقدّمة إرشاداً إلى الشرطية مثل قوله : « لا صلاة إلاّ بطهور » ، وأمّا إذا كان بلسان الأمر المولوي بالمقدّمة فلا وجه لإنكار البعث نحوها كما في الآيتين التاليتين :

1. ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيديَكُمْ إِلَى المَرافِق ). (1)

2. ( يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْركُمْ فانْفِروا ثُبات أَوِ انْفِرُوا جَميعاً ) (2). (3)

والآية الأُولى تؤكد على الوضوء وتبيّـن كيفيته ، ومعه كيف يقال : ليس فيه بعث نحوه ، كما أنّ الآية الثانية تأمر بحفظ الحذر وتبيّـن كيفية النفر ، ومعه كيف يقال : ليس في الأمر الغيري بعث إلى المقدّمة ؟

وكون البعث إلى المقدّمة لأجل ذيها شيء ، و عدم البعث إلى المقدّمة شيء آخر ، والصحيح هو الأوّل دون الثاني.

وممّا يدلّ على وجود البعث الأكيد إلى المقدّمة في الآية الثانية قوله سبحانه في سورة أُخرى :

( يا أَيّها الّذين آمنوا مَـا لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُـمُ انْفِرُوا فـي سَبيـلِ اللّهِ اثّاقَلْتُـمْ إِلَى الأرْض أَرَضيتُمْ بِالحَياة الدُّنيا مِنَ الآخِرَة ). (4)

الثالث : ما اخترناه وحاصله : انّ هناك فرقاً بين الثبوت والإثبات ، فالواجبان : النفسي والغيري يشاركان في أصل الوجوب ويتميّزان بفصل قوله :

____________

1 ـ المائدة : 6.

2 ـ النساء : 71.

3 ـ والحذر الآلة التي بها يتقى الحذر وهو كناية عن السلاح ، والثبات جمع « ثبة » جماعات في تفرقة ( مجمع البيان : 2/73 ).

4 ـ التوبة : 38.

507

« لنفسه » و « لغيره ».

وأمّا في مقام الإثبات فكأنّ أحد القسمين في نظر العرف يحتاج إلى بيان زائد دون الآخر ، فالأمر بالشيء والسكوت عن القيد ( لنفسه أو لغيره ) كاف في بيان الأمر النفسي ، ولا منافاة بين كون الشيء مركباً في عالم الثبوت وبسيطاً في عالم الإثبات ، وقد مرّ توضيح ذلك في أوائل الأوامر عند البحث في حمل الأمر على الوجوب.

الرابع : بناء العقلاء على حمل الواجب على كونه نفسياً والقيام به وإلغاء احتمال كونه غيرياً الذي لو اعتمدنا عليه لا يجب القيام بالفعل ، وذلك لأنّ الأمر عند العقلاء يحتاج إلى جواب فلا يصحّ للعبد ترك المأمور به باحتمال انّه غيري ولم يثبت وجوب ذيه بعد فلا يصحّ تقاعس العبد عن الامتثال باحتمال كونه غيرياً.

الخامس : التمسّك بإطلاق دليل الواجب كالصلاة ، إذ لو كان الأمر بالوضوء واجباً غيرياً يلزم تقييد الواجب ـ أعني : الصلاة ـ به ، بخلاف ما إذا كان نفسياً فإطلاق دليل الواجب ـ أعني : الصلاة ـ يثبت كون الوضوء واجباً نفسياً بناء على حجّية الأُصول المثبتة اللفظية.

والفرق بين هذا الوجه والوجوه الأربعة السابقة هو أنّ التمسّك فيها بإطلاق هيئة الأمر المشكوك كونه نفسياً أو غيرياً ، وأمّا المقام فالتمسّك هنا بمادة الأمر الغيري الذي نحتمل أن يكون الأمر المشكوك ، مقدمة له.

يلاحظ على ذلك الوجه : أنّ كون الأمر غيرياً لا يستلزم تقييد الواجب النفسي مطلقاً وإنّما يقتضيه إذا كان الأمر الغيري قيداً للواجب النفسي ومأخوذاً فيه تقيّده به كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة ، وأمّا نصب السلّم وسائر المعدّات التي هي واجبات غيرية فليست مأخوذة في متعلّق الأمر النفسي.

508

فتلخّص من هذا البحث الضافي أنّ مقتضى الأُصول اللفظية كون الأمر المشكوك نفسياً أو غيرياً هو النفسية ، فلو اقتنع المجتهد بأحد هذه الوجوه لما تصل النوبة إلى الأصل العملي ، وأمّا لو افترضنا أنّ الهيئة غير قابلة لانعقاد الإطلاق فيها كما عليه العلمان : الأنصاري والعراقي ، فلابدّمن الرجوع إلى الأُصول العملية ، وهذا ما نذكره في البحث التالي :

المقام الثاني : في مقتضى الأصل العملي

وقبل أن نذكر مقتضى الأصل العملي نشير إلى الصور الثلاث المذكورة في « الكفاية » منطوقاً ومفهوماً.

1. الشكّ في النفسية والغيرية مع العلم بوجوب الغير.

2. الشكّ في النفسية والغيرية مع الشكّ في وجوب الغير.

3. الشكّ في النفسية والغيرية مع العلم بعدم وجوب الغير.

وإليك تفاصيل هذه الصور :

الأُولى : إذا تردد وجوب الوضوء أنّه نفسي لأجل النذر أو غيري لأجل الصلاة الواجبة ، فلا شكّ أنّ مقتضى الأصل هو الإتيان به للعلم بوجوبه فعلاً وإن لم نعلم جهة وجوبه.

هذا ما ذكره المحقّق الخراساني ، ولكنّه لم يركّز على المقصود الأصلي في هذا الفرع إذ لا شكّ في وجوب الإتيان بالوضوء ، إنّما الكلام في تعيين محلّه ، فهل هو مختار بين الإتيان به قبل الصلاة وبعدها كما هو مقتضى النفسية ، أو انّه يأتي به قبل الصلاة قطعاً لا بعدها كما هو مقتضى النفسية ؟ مقتضى الاشتغال اليقيني هو الإتيان به قبل الصلاة ، لأنّ الإتيان به بعدها يلازم الشكّ في الامتثال ،

509

فالاشتغال اليقيني بوجوب الإتيان بالوضوء ، امّا قبل الصلاة متعيّناً أو قبل الصلاة وبعدها متخيراً يقتضي الإتيان به على نحو يعلم بفراغ الذمة عمّا اشتغلت به وليس هو إلاّ الإتيان قبلها.

ثمّ إنّ المحقّق النائيني ذهب إلى أنّ المرجع في المقام هو البراءة وانّه يكون مختاراً بين الوقتين قائلاً : بأنّ مرجع الشكّ في المقام إلى الشكّ في تقييد الصلاة بالوضوء وانّه شرط لصحتها ، فيرجع الشك بالنسبة إلى الصلاة إلى الشك بين الأقل والأكثر الارتباطي ، وأصالة البراءة تقتضي عدم شرطية الوضوء للصلاة ، فتكون النتيجة ، النفسية. (1)

يلاحظ عليه بوجهين :

أوّلاً : أنّ الأصل مثبت حيث إنّ إجراء البراءة عن تقييد الصلاة بالوضوء لا يثبت كون الأمر المشكوك واجباً نفسياً إلاّ بالقول بالأصل المثبت فانّ كون الأمر المشكوك نفسياً لازم عقلي لعدم تقييد الصلاة بالوضوء.

ثانياً : انّ اجراء الأصل في ناحية المتعلّق ( الصلاة ) لا يؤثر في انحلال العلم الإجمالي فانّه يعلم بوجوب الوضوء إمّا غيرياً أو نفسياً ، ولكلّ من الغيرية والنفسية أثر شرعي ، إذ على الغيري يجب تقديمه ، وعلى النفسي مخيّر بين الأمرين. فمقتضى هذا العلم الإجمالي هو لزوم الامتثال اليقيني وهو فرع الإتيان بالعمل قبل الصلاة.

الثانية : إذا دار أمر وجوب الوضوء بين كونه نفسيّاً أو غيرياً لكن وجوب الغير بعدُ لم يثبت فما هو مقتضى الأصل ؟ والظاهر أنّ مقتضاه هو البراءة ، إذ لو كان وجوبه غيرياً لم يجب الآن لعدم وجوب ذيه فبقي كونه واجباً نفسياً وهو

____________

1 ـ فوائد الأُصول : 1/223.

510

مشكوك ، وإلى ما ذكرنا يشير المحقّق الخراساني حيث قال : « وإلاّ فلا ، لصيرورة الشكّ فيه بدوياً » (1) ، إذ لو كان وجوبه غيرياً لا يجب لعدم وجوب الصلاة ظاهراً بمقتضى البراءة فيصير كونه واجباً نفسياً مشكوكاً مجرى للبراءة.

وأورد عليه المحقّق النائيني قائلاً : بأنّ الأقوى وجوبه ، لأنّ المقام من قبيل العلم الإجمالي بوجوب الأقلّ أو الأكثر ، إذ كما أنّ العلم بوجوب ماعدا السورة مع الشكّ في وجوبها يقتضي امتثال ما علم ولا يجوز البراءة فيه ، مع أنّه يحتمل كون ما عدا السورة واجباً غيرياً ومقدّمة للصلاة مع السورة فكذلك المقام ، من غير فرق بينهما سوى تعلّق العلم بمعظم الواجب في مثل الصلاة بلا سورة ، وفي المقام تعلّق بمقدار من الواجب كالوضوء فقط ، وهذا لا يصلح لأن يكون فارقاً. (2)

يلاحظ عليه : أوّلاً : بأنّ العلم التفصيلي بأنّ الأقل واجب على كلّ تقدير معلول العلم الإجمالي بأنّ الأقلّ إمّا واجب نفسي أو واجب غيري ، وعند ذلك كيف يمكن الأخذ بالأقل بادّعاء أنّه معلوم الوجوب تفصيلاً ، مع إجراء البراءة عن وجوب الأكثر ( الصلاة مع السورة ) والقول بانحلال العلم الإجمالي إلى تفصيلي وبدوي وليس هذا إلاّ نظير الأخذ بالمعلول مع اعدام العلة ؟

ونظيره المقام فانّ الجمع بين القول بوجوب الوضوء وإجراء البراءة عن وجوب الصلاة المتقيّدة بالوضوء يشبه بالأخذ بالمعلول مع نفي علّته ، وذلك لأنّ العلم التفصيلي بوجوب الوضوء رهن العلم الإجمالي بكونه واجباً إمّا نفسياً أو غيريّاً ، فكيف يمكن القول بوجوبه تفصيلاً مع إجراء البراءة عن الوجوب الغيري « وجوب الصلاة المقيدة بالوضوء » ، مع أنّ حفظ العلم التفصيلي رهن حفظ العلم الإجمالي بكلا طرفيه لا حفظ طرف واحد ؟!

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/175.

2 ـ فوائد الأُصول : 1/223.

511

وثانياً : وجود الفرق بين المقام والأقل والأكثر الارتباطيين ، وذلك لأنّ الأقل في الارتباطي واجب بالوجوب النفسي لما سيوافيك أنّ الأجزاء واجبة بالوجوب النفسي غير أنّ الشكّ يدور بين كون وجوبه قصيراً لقلة أجزائه أو طويلاً لكثرة أجزائه ، وعلى كلّ تقدير فقد أحرز وجوب الأقل نفسياً.

وهذا بخلاف الوضوء في المقام فانّه إمّا واجب نفسي أو واجب غيري ، وعلى فرض كونه قيداً للصلاة يصبح وجوبه غيرياً لا نفسياً لكونه خارجاً عن ماهيّة الصلاة ، ويعُد من المقدّمات الخارجة عنها.

الثالثة : إذا تردد أمر الوضوء بين كونه نفسيّاً أو غيرياً لواجب يعلم قطعاً بعدم وجوبه ، كما هو الحال في الحائض إذا دار حكم الوضوء بين كونه واجباً نفسيّاً أو غيرياً للصلاة التي تعلم أنّها غير واجبة في حقّها ، فلا شكّ أنّه لا يجب عليها التوضّؤ بل هو مجرى للبراءة لكون الشكّ في وجوبه بدوي ، فتلخص انّ المرجع في الفرع الأوّل هو الاحتياط ، وقد عرفت أنّ معناه تقديم الوضوء على الصلاة وفي الأخيرين هو البراءة.

وينبغي التنبيه على أُمور :

الأوّل : في ترتّب الثواب على امتثال الواجب الغيري

لا شكّ في ترتّب الثواب على امتثال الواجب النفسي إذا قصد به القربة ، كما أنّه لا شكّ في ترتّب العقاب على ترك الواجب النفسي ، لأنّه يعدّ تمرّداً على المولى وخروجاً عن رسم العبودية وزيّ الرقية.

هذا كلّه في الواجب النفسي ، وأمّا الواجب الغيري فلا شكّ أنّ تركه بما هو هو لا يوجب العقاب ، نعم لما كان تركه منتهياً إلى ترك الواجب النفسي

512

فالعقاب على ترك ذيه لا على نفسه.

هذا كلّه لاكلام فيه وإنّما الكلام في أمر رابع وهو ترتّب الثواب على الواجب الغيري وعدم ترتبه ، وقبل الخوض في صلب الموضوع نشير إلى مسألة كلامية وهي هل الثواب في مطلق الواجبات من باب الاستحقاق أو من باب التفضّل ؟

ذهب المحقّق الطوسي في « التجريد » وتبعه شارحه العلاّمة في « كشف المراد » إلى أنّ ترتّب الثواب على امتثال الواجبات من باب الاستحقاق ، وذهب الشيخ المفيد إلى أنّه من باب التفضّل ، فلندرس أدلّة القولين :

أدلّة القائلين بالاستحقاق

استدلّ القائل بالاستحقاق بوجهين :

الأوّل : انّ التكليف مشقّة ، وكلّ مشقة بلا عوض ظلم ، فينتج أنّ التكليف بلا عوض ظلم. (1)

ويظهر من المحقّق الخراساني ارتضاؤه حيث قال : لا ريب في استحقاق الثواب على امتثال الأمر النفسي وموافقته ، واستحقاق العقاب على عصيانه ومخالفته عقلاً. (2)

يلاحظ عليه : أنّ الصغرى والكبرى مخدوشتان.

أمّا الصغرى ، وهو انّ التكليف مشقة فلا يخلو من ضعف ، فانّ التكاليف الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد ، ومعها كيف يمكن وصف التكليف بالمشقة ،

____________

1 ـ كشف المراد : 262 ، المقصد السادس في المعاد ، المسألة الخامسة ، في الوعد والوعيد.

2 ـ كفاية الأُصول : 1/175.

513

فانّ التكاليف الشاقة وإن كان بظاهرها شاقة لكن وراء التكاليف مصالح لازمة التحصيل ، أو مفاسد واجبة التحرّز ، ومثل التكاليف الشاقة كشرب الدواء المر أو تحمّل الكي بالنار ، فانّ الجميع بظاهرها شاق ولكنّها في الباطن تعدّ من أسباب السعادة والسلامة.

وأمّا الكبرى ، فنمنع كلّيتها فانّه إنّما يُعد قبيحاً إذا لم يكن الغير مملوكاً للآمر والمفروض أنّه مملوك له.

وبذلك تبيّن أنّ القول بالتفضّل أوضح من القول بالاستحقاق ، وذلك لأنّ كلّ ما يملكه العبد من حول وقوّة وما يصرفه في طريق الطاعة كلّه ملك للّه سبحانه وليس للعبد دور سوى صرف نعمه سبحانه في موارد يرتضيها ، وعندئذ كيف يكون مستحقاً للأجر مع أنّه لم يبذل في طريق الطاعة شيئاً إلاّ ما أعطاه المولى ، يقـول سبحانـه : ( يأَيُّهَا النّـاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلى اللّهِ وَاللّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَميد ). (1)

قال العلاّمة الطباطبائي : وما يعطيه تعالى من الثواب للعبد تفضّل منه من غير استحقاق من العبد ، فإنّ العبد وما يأتيه من عمل ، ملك طلق له سبحانه ملكاً لا يقبل النقل والانتقال ، غير أنّه اعتبر اعتباراً تشريعيّاً ، العبدَ مالكاً وملّكه عمله ، وهو المالك لما ملّكه وهو تفضّل آخر ثمّ اختار ما أحبّه من عمله فوعده ثواباً على عمله وسمّاه أجراً وجزاء وهو تفضّل آخر ، ولا ينتفع به في الدنيا والآخرة إلاّ العبد. قال تعالى : ( للّذينَ أَحسنُوا مِنهُم واتّقَوا أجرٌ عَظِيم ) (2) ، وقال : ( إِنَّ الّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون ) (3) ، وقال بعد وصف الجنّة

____________

1 ـ فاطر : 15.

2 ـ آل عمران : 172.

3 ـ فصّلت : 8.

514

ونعيمها : ( إِنّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكوراً ) (1) ، وما وعده من الشكر وعدم المنّ عند إيتاء الثواب تمام التفضّل. (2)

فالقول بالتفضّل أوضح برهاناً وأوفق بالقرآن الكريم كما سيوافيك.

الدليل الثاني : ما تكرر في الذكر الحكيم من التعبير عن الثواب ، بالأجر للعمل وهو آية الاستحقاق ، كاستحقاق العامل لراتبه في آخر الشهر ، قال سبحانه : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرةٌ وأَجرٌ كَبير ). (3)

وقال تعالى : ( وَاصْبر فَإِنَّ اللّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنين ) (4) إلى غير ذلك ممّا يعدّ الثواب أجراً وهو تعبير آخر عن الاستحقاق.

يلاحظ عليه : أوّلاً : أنّ التعبير بالأجر فيها كالتعبير بالاستقراض في قوله سبحانه : ( منْ ذَا الَّذي يُقْرِضُ اللّهَ قَرضاً حَسناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيم ) (5) فانّ التعبير بالاستقراض لغاية الحثّ على ما ندب إليه القرآن من الإنفاق حتّى شبّه إنفاقه بأنّه قرض يقرضه اللّه سبحانه وعليه ان يردّه ، ونظيره التعبير بما يتفضّل بالأجر ، فانّه لإيجاد الرغبة إلى الإنفاق وانّه لايذهب سدى ، بل يقابل بالأجر الكريم على اللّه العزيز الذي لا يبخس أحداً.

وثانياً : أنّ هنا آيات تدلّ على أنّ الثواب إنّما هو بالوعد والمواضعة كقوله : ( وَكُلاً وعدَ اللّهُ الحُسْنى ) (6) وقوله سبحانه : ( وَعَدَ اللّهُ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالحات لَهُمْ مَغْفِرةٌ وَأَجْرٌ عَظِيم ) (7)فلو كان هناك استحاق في الثواب ، لما كان هناك حاجة بالجعل ، وهذا كاشف عن الثواب ليس إلاّ تفضّلاً منه سبحانه.

____________

1 ـ الإنسان : 22.

2 ـ الميزان : 19/176.

3 ـ فاطر : 7.

4 ـ هود : 115.

5 ـ الحديد : 11.

6 ـ النساء : 95.

7 ـ المائدة : 9.

515

نعم لا يصحّ له أن يتخلّف بعدما وعد ، لاستلزامه الكذب لو أخبر عن الثواب ، أو لاستلزامه تخلّف الوعد ، لو أنشأه ، وكلا الأمرين قبيح.

الثواب والعقاب من لوازم الأعمال التكوينية

قد عرفت اختلاف المتكلّمين في أنّ ترتّب الثواب على العمل من باب الاستحقاق أو من باب التفضّل ، وعلى كلا الأمرين فالثواب فعله سبحانه وعطاء منه بالنسبة إلى المطيعين من عباده استحقاقاً أو تفضّلاً ، و هناك من يقول بأنّ الثواب والعقاب من لوازم الأعمال بوجوه ثلاثة :

1. الصلة بين العمل والثواب توليدية

إنّ الصلة بين العمل والثواب صلة توليدية ، وانّ العمل الدنيوي يزرع في الدنيا ويحصد نتائجه في الآخرة ، فالعمل علّة ، والثواب والعقاب ثمار العمل يترتّب عليه ترتّب الفرع على الأصل ، وربما يستظهر من قوله (عليه السلام) : « العمل الصالح حرث الآخرة ». (1)

2. الثواب تمثّل العمل بوجوده الأُخروي

إنّ صاحب القول الأوّل كان يتبنّى الاثنينية ، وانّ هناك عملاً وثواباً ، والعمل بذر ينمو ويتبدّل إلى الثمر سواء أكان حلواً أو مرّاً ، لكن صاحب هذا القول ينكر الاثنينية ويقول : إنّ الثواب هو نفس العمل ، غير أنّ للعمل ظهورين : ظهوراً دنيوياً وهو ما نراه من العمل الحسن والسيء ، وظهوراً أُخرويّاً وهو الثواب

____________

1 ـ نهج البلاغة ، الخطبة 22 ، ط عبده.

516

والعقاب ، وهذا هو القول المعروف بتجسّم الأعمال وتمثّلها ، ويستظهر ذلك المعنى من بعض الآيات :

1. قوله سبحانه : ( يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا مَا كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُون ). (1)

فقوله سبحانه : ( هذا ما كنزتم ) يشير إلى الجزاء الذي يُواجَه به الإنسان في الآخرة ، وأنّ هذا الجزاء ليس شيئاً سوى نفس العمل الدنيوي ولذلك وصفه بقوله : ( هذا ما كنزتم لأنفسكم ) ، فالكنز له وجودان : وجود دنيوي وهو الدنانير الصفراء التي تسرّ الناظرين ، ولكنه في الآخرة نفس الدينار المحمّر الذي بها تكوى الجباه والجنوب وغير ذلك.

2. قوله سبحانه : ( ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً ولا يظْلِمُ ربُّكَ أحَداً ) (2) فما يحضر في الآخرة هو نفس ما عمله في الدنيا.

3. قوله سبحانه : ( يَومَ تَجِدُ كُلُّ نفس ما عَمِلتْ مِنْ خَير مُحْضَراً ). (3)

إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على أنّ الجزاء هو التمثّل الملكوتي وانّ رابطة الثواب والعقاب مع العمل ليست رابطة توليدية كما في القول الأوّل بل من قبيل ظهور الشيء في كلّ ظرف بثوبه المناسب.

3. الثواب فعل النفس

إنّ كلا من القولين الأوّلين يتبنّى للعمل أصالة ، فتارة يُتصوّر أنّ الصلة بين الفعل والثواب من مقولة التوليد والانتاج ، وأُخرى أنّ الصلة بينهما صلة ظهور

____________

1 ـ التوبة : 35.

2 ـ الكهف : 49.

3 ـ آل عمران : 30.

517

الشيء بوجودين حسب اختلاف ظروف العمل ، إلاّ أنّ هذا القول يتبنّى أنّ الثواب والعقاب من أفعال النفس فهي بما اكتسبت من العقائد الصحيحة أو الفاسدة وما أتت من الأعمال الحسنة والقبيحة تكتسب استعداداً وملكة خاصة تقدر معها على إنشاء صور مناسبة لتلك الملكة فهي إمّا تتنعّم بالصور أو تتأذّى بها.

وبالجملة : الإنسان في ظل العقائد الصحيحة والفاسدة والأعمال الحسنة والسيئة يكتسب ملكة خاصّة تكون مع الإنسان ، خلاّقة للصور التي تناسبها ، وهذا ليس أمراً بعيداً ، فمن يتملّك ملكة العدالة في هذه النشأة لم يزل يتصوّر أُموراً تناسبها ، ومن يمتلك ملكة الفسق والجور لم يزل يتصوّر صوراً تناسبها ، فنفس هذه الملكة فعّالة في يوم القيامة فتخلق الصور البهية أو الصور الموحشة ، ويعبّر عن الأوّل بالجنة وعن الثاني بالجحيم.

وهذه الآراء الثلاثة لعرفاء الإسلام ، والتسليم بها رهن دراستها صحّة وفساداً في محلّها ، غير أنّ القول الثالث إذا كان بصدد حصر الجنة والجحيم بالصور المخلوقة للنفس فتعارضها الآيات والأخبار القطعية على أنّ الجنة أمر منفصل عن النفس وكذلك الجحيم. ولو لم يكن بصدد الحصر فلا مانع من القول بالجنتين المتصلة بالنفس والمنفصلة عنها ، وإن كان الظاهر من القائل هو الحصر. (1)

إلى هنا تمّت الآراء في كيفية ترتّب الثواب والعقاب. فلندخل في صلب الموضوع وهو :

____________

1 ـ الأسفار الأربعة : 9/131 ، فصل « في الشقاوة التي بازاء السعادة ».

518

ترتّب الثواب على الواجب الغيري

هل يترتب الثواب على امتثال الواجب الغيري أو لا ؟ فيه أقوال :

1. يترتّب الثواب على النفسي دون الغيري ، وهو خيرة المحقّق الخراساني والسيد الإمام الخميني ـ (قدس سره)ماـ.

2. يترتّب الثواب على الغيري كالنفسي ، لكن إذا كان واجباً أصلياً لا تبعياً أي مدلولاً لخطاب مستقل ، لا ما إذا فهم وجوبه على نحو التبعية بإحدى الدلالات : الالتزامية الإيماء والاقتضاء ، وهو خيرة المحقّق القمي.

3. يترتّب الثواب على الواجب الغيري بشرط قصد التوصّل به إلى ذيها ، وهو خيرة المحقّق النائيني وتبعه صاحب المحاضرات.

4. يترتّب عليه الثواب ـ مضافاً إلى قصد التوصّل ـ كون المقدّمة موصلة بأن تنتهي إلى الإتيان بذيها.

وهذه الأقوال مبنيّة على القول بأنّ الثواب من باب الاستحقاق فيبحث عن حدود الاستحقاق ، وانّها هل تعمّ الغيري أو تنحصر بالنفسي ؟ وأمّا على القول المختار من أنّ الثواب في الواجب النفسي من باب التفضّل ، فعندئذ يجب أن تتفحّص في الكتاب والسنّة هل هناك ما يدلّ على ترتّب الثواب على الواجب الغيري أو لا ؟ إذ ليس عندئذ لكشف الثواب طريق وراء النقل.

إذا عرفت ذلك فلندرس أدلّة الأقوال الأربعة ، وإن كان الأساس مرفوضاً.

الاستدلال على القول الأوّل

استدلّ للقول الأوّل بوجهين :

519

الأوّل : ما استدلّ به المحقّق الخراساني على عدم ترتّب الثواب على الواجب الغيري باستقلال العقل بعدم الاستحقاق إلاّ لعقاب واحد أو لثواب كذلك فيما خالف الواجب ولم يأت بواحدة من مقدّماته على كثرتها ، أو وافقه و أتى به بماله من المقدمات. (1)

يلاحظ عليه : كيف يستقلّ العقل بوحدة الثواب مع أنّ الموضوع لترتّب الثواب هو إطاعة المولى والمفروض وجود ذلك الملاك في امتثال الواجب الغيري أيضاً ولا يقاس الثواب بالعقاب ، لأنّ الثواب على الطاعة والمفروض انّها متعدّدة حيث إنّه أطاع أمر المولى في مورد الغيري ثمّ أطاع أمره في مورد النفسي ، فالطاعتان مختلفتان ويتبع تعدّدَ الطاعة ، تعدّدُ الثواب ، وأمّا العقاب فهو مترتب على التمرّد والخروج عن رسم العبودية وزيّ الرقية. وليس في ترك الواجب إلاّ تمرّد واحد حسب العقل.

فإن قلت : إنّ الثواب فرع كون العمل مقرِّباً من المولى ، وهو فرع كون المتعلّق محبوباً وحسناً بالذات ، والمفروض أنّ الواجب الغيري ليس محبوباً بالذات ، بل محبوب بالعرض فكيف يترتب عليه الثواب ؟

قلت : إنّ الثواب يترتّب على إطاعة أمر المولى سواء أكان المتعلّق محبوباً بالذات أو محبوباً بالعرض.

وإن شئت قلت : إنّ الثواب يترتّب على كون حركة العبد حركة إلهية وعملاً يُتطلب به امتثالُ أمر المولى سواء أكان المتعلّق محبوباً بالذات أو لا ، وعلى ضوء ذلك يكفي في ترتّب الثواب انصباغ العمل بصبغة إلهية ، وعندئذ يستقل العقل بترتّب الثواب عليها على القول بالاستحقاق.

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/174.

520

الثاني : ما استدلّ به السيد الأُستاذ ، فقال : إنّ الاستحقاق إنّما هو على الطاعة ، ولا يعقل ذلك في الأوامر الغيرية ، لأنّها بمعزل عن الباعثية ، لأنّ المكلّف إمّا أن يكون قاصداً لامتثال الأمر النفسي أو لا. فعلى الأوّل فالأمر النفسي داع وباعث إلى الإتيان بالمقدّمة من دون حاجة إلى باعثية الأمر الغيري ، وعلى الثاني فلا يكون الأمر الغيري باعثاً لأنّ المفروض أنّه راغب عن ذي المقدّمة ، فكيف يكون الأمر الغيري باعثاً ؟

والحاصل : انّ ملاك الاستحقاق هو الطاعة ، وهي فرع كون أمره داعياً وباعثاً والمفروض انّه ليس بباعث في حالة من الحالات. (1)

يلاحظ عليه : أنّ الأمر النفسي والغيري في الباعثية وعدمها سيّان ، فإن أُريد بها الباعثية التكوينية فليس واحد منهما باعثاً تكوينياً ، بل الباعث إلى الطاعة هو رجاء الثواب والخوف من العقاب.

وإن أُريد الباعثية الإنشائية فكلّ من الأمرين صالح لذلك. وما ذكره من الاستدلال إنّما يتمُّ إذا أُريد من الباعثية ، القسم التكويني منها ، وقد عرفت انتفاءها فيهما معاً.

إلى هنا تبيّن أنّ القول الأّوّل ـ على القول بالاستحقاق ـ غير تام برهاناً.

وأمّا القول الثاني (2) : وهو التفصيل بين امتثال الأمر الغيري الأصلي وامتثال الأمر الغيري التبعي ، فليس له دليل صالح بعد قيام الدليل على حجية خطابات المولى ، أصلياً كان الخطاب أو تبعياً ، وسيمرّ في باب المفاهيم أنّ دلالة الاقتضاء والإيماء من الدلالات الصالحة للاحتجاج.

____________

1 ـ تهذيب الأُصول : 1/249.

2 ـ مرّ القول الأوّل ، ص 518.

521

وأمّا القول الثالث : فهو قول متقن ، وإن كان القول الرابع أتقن منه ، والجامع بين القولين هو أن يكون الباعث لامتثال الأمر الغيري هو قصد التوصّل بالواجب النفسي لكن بشرط أن يكون الامتثال موصلاً لامتثال الأمر النفسي على القول الرابع ، وأمّا إذا خلا عن هذين الأمرين كما إذا امتثل الأمر الغيري لغاية الهوى والهوس لا لقصد التوصّل أو لم يكن في الواقع موصلاً إلى ذيها للانصراف عن الامتثال عمداً فلا يعدّ ممتثلاً حتى يترتّب عليه الثواب ، وهذا أشبه بمن يقوم بتناول الغذاء في السحر دون أن يصوم.

هذه الأقوال كلّها مبنية على القول بالاستحقاق ومع رفض المبنى لايبقى للبناء قيمة ، والحقّ ما اخترناه من أنّ ترتّب الثواب على العمل الصالح من باب التفضّل ، وعند ذلك لا طريق لترتّبه وعدمه إلاّ الرجوع إلى النقل من القرآن الكريم ، والسنّة المطهرة.

ومن حسن الحظ أنّ المصدرين صريحان في ترتّب الثواب على امتثال الأمر الغيري إذا كان بقصد التوصّل لذيها ، وإليك بعض ما يدلّ على ذلك في المصدرين.

قال سبحانه : ( مَا كانَ لأهْلِ الْمَدينَةِ وَمَنْ حَولَهُمْ مِنَ الأعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَلا يرغَبُوا بِأَنفسهِمْ عَنْ نَفْسهِ ذلكَ بانَّهُمْ لا يُصيبُهُمْ ظَمأٌ ولا نَصبٌ وَلا مَخْصَمة في سَبيلِ اللّهِ وَلا يَطَئُونَ مُوطِئاً يَغِيظُ الكُفّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوّ نيلاً إلاّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِين ). (1)

والآية المباركة تخبر عن أنّه سبحانه يكتب للمجاهدين في مقابل كلّ

____________

1 ـ التوبة : 120.

522

خطوة يخطونها إلى الجهاد وما يقابلون من ظمأ وعطش ، ونصب وتعب ، ومخمصة وجوع ، عملاً صالحاً لا ينفك عن الأجر كما يقول سبحانه : ( كُتِبَ لَهُمْ بهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنّ اللّهَ لا يُضيعُ أَجرَ الْمُحسِنين ) ومن المعلوم أنّ ما وصف كلّها واجب غيري مقدمي.

ونظير الآية ما تضافر من ترتّب الثواب على كلّ خطوة يخطوها زائر الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام). (1)

وعلى ضوء ما ذكرنا يمكن الحدس بأنّ امتثال الأمر الغيري كامتثال الأمر النفسي إذا كان في سبيل التوصّل إلى امتثال الأمر النفسي يعد طاعة ويثاب الفاعل.

محاولة المحقّق الخراساني لتفسير ما دلّ على ترتّب الثواب

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني لمّا أنكر ترتّب الثواب على امتثال الأمر الغيري وواجهه ما ورد في الشرع من ترتّب الثواب على امتثال الأمر الغيري حاول توجيه الآيات والروايات بوجهين :

الأوّل : لا بأس بزيادة المثوبة على الموافقة فيما لو أتى بالمقدّمات بما هي مقدّمات له من باب أنّه يصير حينئذ من باب أفضل الأعمال ، حيث صار أشقّها وعليه ينزل ما ورد من الثواب على المقدّمات.

وحاصله : انّ كثرة المقدّمات تجعل العمل من الأعمال الشاقة ويكون الثواب المترتّب على ذيها أكثر من غير المشتمل عليها ، وعلى هذا يكون الإتيان

____________

1 ـ كامل الزيارات : 133.

523

بالمقدّمة للّه علّة لترتب الثواب الكثير على ذيها.

يلاحظ عليه : بأنّ التأويل يخالف ظاهر الآية والرواية ، فالآية ظاهرة في ترتّب الثواب على نفس طي الأرض والسفر إلى أرض المعركة وما يقابل في طريقه من الظمأ والنصب والمخمصة ، يقول سبحانه : ( كتب لهم به عمل صالح ) لا على الجهاد ، من جانب المقدّمة.

الثاني : انّ امتثال الأمر الغيري بما أنّه يُعد شروعاً في امتثال الأمر النفسي يترتّب عليه الثواب المترتب على الأمر النفسي.

يلاحظ عليه : أنّه لا يصحّ إلاّ في المقدّمات الداخلية التي قد عرفت خروجها عن حريم النزاع ، لا في مثل الشرائط والمعدّات. إذ كيف يعد الوضوء شروعاً في الصلاة مع أنّ الثواب مترتّب على الإتيان بالواجب لا على الشروع فيه ؟!

وهذا البحث الضافي حول ترتّب الثواب على الأمر الغيري وعدمه يرجع إلى القولين : الاستحقاق أو التفضّل ، وأمّا على القول بأنّ الثواب نتيجة العمل أو تمثّل ملكوتي له أو غيره فلا يصحّ لنا إبداء النظر فيه لعدم العلم بحدوده وخصوصياته فهل الثواب نتيجة كلّ واجب أو خصوص الواجب النفسي ؟ ومثله نظرية التمثّل ، فهل يعمّ كلّ الأعمال والواجبات أو يختصّ بالواجبات النفسية ؟ فالأولى على هذا المذهب هو السكوت.

524

التنبيه الثاني

إشكالات الطهارات الثلاث

قد وقعت الطهارات الثلاث مورداً للإشكال من جهات ثلاثة :

الأوّل : اتّفقت كلمة الفقهاء على أنّ الآتي بها يثاب ، مع أنّ الأمر الغيري لا يترتّب عليه ثواب.

الثاني : اتّفق الفقهاء ـ غير أبي حنيفة ـ على أنّ الطهارات الثلاث أخذت مقدّمة للصلاة بما هي عبادة يتقرّب بها إلى اللّه تعالى ، مع أنّ الأوامر المتعلّقة بها أوامر غيرية وهي توصلية دائماً لا تُصحّح عبادية متعلّقاتها ، إذ ليست المقدّمة محبوبة للمولى إذ لو أمكنه الأمر بذيها بدون التوصّل بها ، لأمر ، فالأمر بها من باب اللابدية ومثل هذا لا يصلح للمقربية.

وإن شئت قلت : إنّ الأوامر الغيرية أوامر توصلية ، وهي لا تكون منشأ لعبادية المتعلّق.

الثالث : انّ الطهارات الثلاث ، إنّما أخذت مقدّمة للصلاة بما انّها عبادة ، وليس حالُـها حالَ بقيّة المقدّمات في كون مطلق وجودها في الخارج مقدّمة ، سواء أتي بها عبادة أم لا ، فحينئذ لا إشكال في توقّف الأمر الغيري على عباديتها ، فلو توقفت عباديتها على الأمر الغيري ، لزم الدور.

وبعبارة أُخرى : انّ الأمر الغيري يتعلّق بما يتوقّف عليه الواجب ، والمفروض

525

أنّ الطهارات الثلاث بعنوان كونها عبادة ، مقدّمة ، وعليه فالأمر الغيري المتعلّق بها بطبيعة الحال ، يتعلّق بها بعنوان انّها عبادة ، ومعه كيف يعقل أن يكون الأمر الغيري منشأ لعباديتها ؟

وإليك دراسة الإشكالات واحداً بعد الآخر.

دراسة الإشكال الأوّل

إنّ الإشكال الأوّل ليس بمهم ، لأنّه إن قلنا بأنّ الثواب بالاستحقاق فقد تقدّم انّه يترتّب على إطاعة أمر المولى من غير فرق بين كونه نفسياً أو غيرياً ، غاية الأمر يشترط في امتثال قصد الأمر الغيري كون الامتثال بقصد التوصّل إلى ذيه.

وأمّا لو قلنا بأنّ الثواب بالتفضّل ولا طريق إلى تحقيق الحال إلاّ بالرجوع إلى الكتاب والسنّة ، فلو دلّ الدليل على ترتّب الثواب على امتثال الأمر الغيري بالطهارات الثلاث فيؤخذ به.

إنّما المهم الإشكال الثاني والثالث حيث كان الثاني يركّز على أنّ الطهارات الثلاث أخذت مقدّمة للواجب ، وليس المقدّمة إلاّ العبادة منها ، فحينئذ يُسأل عن ملاك العبادة فهل هو وجود الملاك فيها ؟ فهو مردود بأنّ المقدّمة غير مطلوبة بالذات فكيف يكون فيها الملاك ، أو قصد الأمر الغيري وهو أمر توصلي لا يصحّح العبادة.

كما أنّ الإشكال الثالث يركّز على الدور ، لأنّ الأمر الغيري تعلّق بالوضوء العبادي ، فيجب أن يوصف بالعبادة قبل تعلّق الأمر ، فلو كانت عبادية الوضوء رهن قصد الأمر الغيري ، فيدور.

526

دراسة الإشكالين الثاني والثالث

قد أجيب عن الإشكالين بأجوبة أربعة :

الأوّل : انّ الطهارات الثلاث بنفسها مستحبة

ذهب المحقّق الخراساني بأنّ المقدّمة فيها بنفسها مستحبة وعبادة ، وغاياتها ( كالصلاة وقراءة القرآن ) إنّما تكون متوقّفة على إحدى هذه العبادات ، فلابدّ أن يؤتى بها عبادة ، وإلاّ فلم يؤت بما هو مقدّمة لها ، فقصد القربة فيها لأجل كونها في نفسها أُموراً عبادية ، ومستحبات نفسية لا لكونها مطلوبات غيرية. (1)

وهو(قدس سره) بهذا البيان دفع الإشكالين ( الأخيرين ) ، أمّا الأوّل فلأنّ عباديتها بالأمر النفسي لا بالأمر الغيري ، كما دفع إشكال الدور لأنّ عبادة الوضوء إنّما هو بالأمر النفسي المتعلّق بها ، فصار الوضوء عبادة قبل تعلّق الأمر الغيري ، فالأمر الغيري موقوف على الموضوع ، والموضوع ( أي كون الوضوء عبادة ) غير موقوف على الأمر الغيري.

وأورد عليه المحقّق النائيني بوجوه ثلاثة :

1. انّه لا يتم في خصوص التيمّم الذي لم يدلّ على كونه مطلوباً في حدّ ذاته.

2. انّ الأمر النفسي الاستحبابي ينعدم بعروض الوجوب.

3. انّه يصحّ الإتيان بجميع الطهارات بقصد الأمر النفسي المتعلّق بذيها ، من دون التفات إلى الأمر النفسي المتعلّق بها. (2)

وحاصله : انّ الأمر النفسي المتعلّق بها مغفول عند الناس ، فكيف يكون

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/177.

2 ـ أجود التقريرات : 1/175.

527

ملاكاً لتصحيح العبادية ؟! وسيوافيك مراده من قصد الأمر النفسي في الجواب الثاني.

يلاحظ على الأوّل : بأنّ المرتكز في أذهان المتشرّعة أنّ الطهارات الثلاث حتّى التيمّم عبادة في ظرف خاص.

وأمّا من حيث سعة الغاية وضيقها فلو قلنا بأنّ التيمّم رافع للحدث فالتيمّم والوضوء سيّان ، فيجوز لفاقد الماء أن يتيمّم لأجل مسح المصحف أو المكث في المسجد وغير ذلك.

وأمّا لو قلنا بأنّه مبيح للصلاة فتكون عباديته منحصرة بهذا الظرف.

ويلاحظ على الثاني : بأنّ الأمر الوجوبي القربي لا يزاحم الأمر النفسي الاستحبابي ، وذلك لاختلاف متعلّقهما ، فالأمر الاستحبابي تعلّق بذات الطهارات الثلاث ، وأمّا الأمر الوجوبي الغيري فقد تعلّق بالطهارات بما هي مستحبة نفسياً.

وبعبارة أُخرى : الوضوء بما هو هو مستحب نفسي ومتعلّق للأمر النفسي ، والوضوء بما أنّه مستحب نفسي متعلّق للأمر القربي.

نظير ذلك : لو نذر صلاة الليل ، فالأمر الاستحبابي تعلّق بذات صلاة الليل ، والأمر النذري الوجوبي تعلّق بالوفاء بالنذر ، ولا يتحقّق الوفاء إلاّ بالإتيان بصلاة الليل على وجه الاستحباب.

ويلاحظ على الثالث : بما ذكره المحقّق الخراساني بقوله : والاكتفاء بقصد أمرها الغيري ، فإنّما هو لأجل انّه يدعو إلى ما هو كذلك في نفسه ، حيث إنّه لا يدعو إلاّ إلى ما هو مقدّمة. (1)

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/178.

528

وحاصله : انّ الأمر النفسي المتعلّق بالوضوء مثلاً وإن كان مغفولاً عنه لكن قصد الأمر الغيري المتعلّق به يغني عن قصد الأمر النفسي ، لأنّه يدعو إلى ما هو مقدّمة بالحمل الشائع ، والمفروض أنّ المقدّمة بالأمر الشائع هو الوضوء الذي تعلق به الأمر النفسي.

ولكن الحقّ أنّ الإشكال الثالث للمحقّق النائيني بعد باق بحاله ، لأنّه إذا كان الأمر النفسي هو المقوّم لعبادية الوضوء ، فكيف يكفي قصد الأمر الغيري ؟ ومجرّد كون ذاك الأمر داعياً إلى ما هو عبادة لا يكفي في عبادية الوضوء ، والشاهد على ذلك انّه لو صلّى أحد الظهرَ بنيّة الأمر الغيري أي بما انّها مقدّمة للعصر لا يغني عن قصد الأمر النفسي ، مع أنّ الأمر الغيري المتعلّق بالظهر يدعو إلى ما هو مقدّمة بالحمل الشائع ، وليس هو إلاّ الظهر الواجب نفسيّاً.

إلى هنا تم الجواب الأوّل عن الإشكالين ، وقد عرفت كيفية الذب عن الإشكالات التي أوردها المحقّق النائيني إلاّ ثالثها فهو باق على حاله ، فلندرس سائر الأجوبة.

الثاني : انّ ملاك العبادية هو الأمر النفسي المتعلّق بذيها

ذهب المحقّق النائيني إلى أنّ منشأ عبادية الطهارات الثلاث هو الأمر المتعلق بالصلاة المتقيّدة بالطهارة ، وحيث إنّ الطهارة ممّا أخذت في متعلّق الأمر النفسي ، فيصلح أن يكون الأمر النفسي مصحّحاً للطهارات الثلاث ، قال في توضيحه : لا وجه لحصر منشأ عبادية الطهارات الثلاث في الأمر الغيري ، ولا في الأمر النفسي المتعلّق بالشيء ( المقدّمة ) ، بل هناك أمر ثالث وهو الموجب لكونها عبادة ، فانّ الأمر النفسي المتعلّق بالصلاة ، كما أنّ له تعلّقاً بأجزائها وهو موجب

529

لكونها عبادة لا يسقط أمرها إلاّ بقصد التقرّب ، فكذلك له تعلّق بالشرائط المأخوذة فيها ، فلها أيضاً حصة من الأمر النفسي وهو الموجب لعباديتها ، فالموجب لعباديتها في الأجزاء والشرائط واحد. (1)

يلاحظ عليه : أنّ ما ذكره خلط بين الجزء والشرط ، فالجزء مأخوذ في الواجب النفسي قيداً وتقيّداً ، فيصحّ الإتيان به بالأمر النفسي المتعلّق بالمركب ، وهذا بخلاف الشرط فالتقيّد مأخوذ في متعلّق الأمر النفسي كالطهارة في الصلاة لكن القيد من المقدمات الخارجة عن المركّب ، فلا يصحّ إتيانه بالأمر النفسي المتعلّق بالمركب ، لأنّ القيد خارج عن المتعلّق.

الثالث : كفاية قصد التوصّل في العبادية

ذهب المحقّق البروجردي إلى أنّه يكفي في إضفاء العبادية على الطهارات الثلاث قصد التوصّل بها إلى الأمر النفسي المتعلّق بالغاية ، يقول : يكفي في عبادية الشيء أن يأتي به المكلّف تارة بقصد أمره النفسي الاستحبابي ، وأُخرى أن يأتي به بقصد التوصّل به إلى إحدى غاياته. وحينئذ يكون الداعي إلى إيجاده هو الأمر النفسي المتعلّق بالغاية المطلوبة من الصلاة والقراءة ونحوهما.

والحاصل : انّ المصحّح لعبادية المقدّمات هو قصد الأمر المتعلّق بذيها ، من غير حاجة إلى قصد الأمر النفسي أو الغيري المتعلّق بأنفسها. (2) ولعلّه إلى ذلك الجواب يشير المحقّق الخوئي على ما في محاضراته حيث قال : إنّ منشأ عبادية الطهارات أحد أمرين على سبيل منع الخلو : أحدهما قصد امتثال الأمر النفسي ، وثانيهما قصد التوصّل بها إلى الواجب ، فانّه أيضاً موجب لوقوع المقدّمة عبادة ولو

____________

1 ـ أجود التقريرات : 1/175.

2 ـ نهاية الأُصول : 1/174 ـ 175.

530

لم نقل بوجوبها شرعاً. (1)

يلاحظ عليه : أنّه إن أراد انّ الأمر المتعلّق بذي المقدّمة يدعو إلى الإتيان بالمقدّمة ، فهو خلاف التحقيق ، لأنّ كلّ أمر لا يتجافى عن متعلّقه ولا يدعو إلى الخارج عنه والشرائط من الأُمور الخارجة عنه.

وإن أراد انّ الإتيان بالشيء للتوصّل به إلى العبادة كاف في تعنون المقدّمة بالعبادية ، ففيه أنّه غير تام بشهادة أنّ الإتيان بالستر وطهارته إذا قصد به التوصّل إلى الصلاة لا يوصفان بالعبادة ، فلابدّ ـ وراء التوصّل إلى العبادة ـ من شيء آخر كما سيوافيك في الجواب الرابع.

الرابع : كفاية قصد الإتيان للّه

إنّ إضفاء وصف العبادية على الطهارات الثلاث وحلّ الإشكالين الأخيرين يتحقّق بوجهين آخرين :

1. انّ الشيء إذا كان صالحاً للعبادة فيكفي في إضفاء وصف العبادة عليه الإتيان به للّه سبحانه ، من دون حاجة إلى قصد الأمر النفسي ولا الغيري ، بل إذا كان لشيء في حدّ نفسه صالحاً للتعبّد وجاء به المكلّف للّه سبحانه يوصف بالعبادة ، والطهارات الثلاث من هذا القبيل ، فقد اتّفق العلماء على كونها صالحة للعبادة ، فمع إحراز هذه الصلاحية يكفي الإتيان بها للّه سبحانه في تعنونها بالعبادة من دون نظر إلى الأمر النفسي المتعلّق بها أو الأمر النفسي المتعلّق بذيها أو الأمر الغيري المتعلّق بها ، وعلى ضوء هذا ينحل الإشكالان.

____________

1 ـ لاحظ المحاضرات : 2/401.

531

أمّا الثاني وهو تعيين مصحّح العبادة فقد مرّ أنّ المصحّح عبارة عن أمرين تاليين :

أ. كون الشيء صالحاً للتعبّد.

ب. الإتيان به للّه سبحانه.

وكلا الأمرين متحقّقان.

وأمّا الإشكال الثالث ، وهو انّه يشترط قبل تعلّق الأمر الغيري كون الطهارات الثلاث موصوفة بالعبادة ، والمفروض انّ الطهارات الثلاث قبل تعلّق الأمر الغيري موصوفة بها لما عرفت من أنّ ملاك العبادية هو صلاحية الفعل لها بشرط الإتيان به للّه سبحانه.

أضف إلى ذلك أنّه لا حاجة بعد اتّصافها بالعبادية إلى الأمر الغيري حتّى يتوجّه الإشكال.

2. إضفاء وصف العبادة على الطهارات الثلاث من جانب الأمر الغيري فيمكن أن يقال انّ قصد الأمر الغيري كالأمر النفسي مصحح للعبادية ، ولا فرق فيه بين قصد الأمر النفسي أو الغيري ، ولا كون المتعلّق محبوباً بالذات أو محبوباً بالعرض ، فما اشتهر بين الأساطين من التفريق بين النفسي والغيري وإن الأوّل أمر قربي دون الثاني ، لا يرجع إلى محصل ، لأنّ الأمرين وإن كانا مختلفين في الغاية والمقصد لكن محصِّل القرب ، هو كون الحركة لأجل امتثال أمره كائناً ما كان ، وبذلك يظهر أنّ الإتيان بالواجب الغيري بنيّة امتثال أمره ، موجب لاستحقاق الثواب على القول بأنّه أمر استحقاقي ولا يختصّ ذلك بامتثال الأمر النفسي.

وعندئذ ينحل الإشكالان : أمّا الأوّل فلماعرفت من أنّ قصد الأمر الغيري

532

يضفي القربية على المتعلّق إذا أتى به امتثالاً لأمره.

وأمّا الإشكال الثاني ، فيظهر حاله بما قدّمناه في أخذ قصد الأمر في متعلّقه ، وحاصل ما يمكن أن يقال هنا :

إنّ الأمر الغيري يتعلّق بالوضوء بما هو صالح للعبادة ولا يعتبر فيه كونه عبادة بالفعل.

نعم إذا أتى به بقصد الأمر الغيري يكون عبادة بالفعل ، فالأمر الغيري موقوف على ما هو عبادة شأناً ، والعبادة الفعلية موقوفة على تعلّق الأمر الغيري وقصده.

ولكن الحقّ في الجواب ما قدّمنا من الوجه الأوّل.

تطبيقات

الأوّل : إذا توضّأ المكلّف قبل الوقت بداعي أمره النفسي ـ على القول به ـ صحّ وضوؤه وصلاته لو صلّى به بعد دخول الوقت ، لحصول المقدّمة العباديّة.

الثاني : لو توضّأ قبل الوقت متقرباً به إلى اللّه ، صحّ وضوؤه وصلاته ، إذا صلى بها بعد دخول الوقت ، لما عرفت من صلاحية العمل للعبادة ، فإذا انضم إليها كونه للّه سبحانه تحصل المقدّمة العباديّة.

الثالث : لو توضّأ قبل الوقت بداعي التوصّل إلى امتثال أمر الواجب النفسي الذي لم يدخل وقته ، فهل يصحّ وضوؤه وصلاته إذا صلّى به بعد دخول الوقت أو لا ؟ اختار سيد مشايخنا المحقّق البروجردي الثاني قائلاً بأنّها لا يصحّ ولا يجوز الدخول معه إلى الصلاة ، لعدم تحقّق الأمر النفسي بعد ، فكيف يكون

533

الأمر المعدوم داعياً ؟! فليس للأمر المعدوم امتثال حتى يقال انّ المقدّمة واقعة في طريقه. (1)

يلاحظ عليه : بأنّه ليس الداعي وجود الأمر ثبوتاً وان لم يعلم به المكلّف ، بل الداعي هو علمه به سواء أكان الأمر موجوداً بالفعل ، أم لا ، فإذا كان المكلّف على ثقة بأنّه يدرك فعلية الأمر بعد ساعة ، فيكفي في الداعوية العلم بوجوده في ظرفه فيأتي بالوضوء للتوصّل إلى امتثال النفسي الذي سيتوجه إليه.

وبعبارة أُخرى : إذا لم يكن للمكلّف داع إلى إتيان الوضوء الاستحبابي قبل الوقت لكن لما رأى أنّ الصلاة ـ بعد دخول الوقت ـ مشروطة به ، قام فتوضّأ لأجل ذلك فيكفي ذلك في الداعويّة.

وإن أبيت إلاّ عن شرطية الأمر الفعلي في الداعوية ، فنقول إنّ هذا القسم يدخل في الوجه الثاني ، من الوجهين لحلّ الإشكالين لأنّ التوضّؤ ـ أعني : امتثال الواجب في المستقبل ـ لا ينفك عن كون الحركة ، حركة إلهية بداعي التقرّب إليه سبحانه بعمله ، فإذا ضمّ هذا إلى وجود القابلية في العمل ، تحصل المقدّمة العبادية ، ومع حصولها يجوز الدخول في الصلاة بعد دخول الوقت.

الرابع : إذا توضّأ بعد دخول الوقت بقصد أمره النفسي الاستحبابي ، فهل يصح وضوؤه ويجوز له الدخول في الصلاة أو لا ؟ نقول :

إنّ للفرع صورتين :

أ : لو توضّأ بقصد امتثال أمره النفسي ، مع القول بعدم وجوبه غيريّاً لأجل إنكار وجوب الغيري مطلقاً في عامّة المقدّمات كما سيوافيك برهانه فيصحّ

____________

1 ـ نهاية الأُصول : 176.

534

الوضوء ويدخل معه الصلاة ، إذ لا وجه لسقوط الأمر الاستحبابي الثابت له قبل الوقت.

ب : تلك الصورة مع القول بالوجوب الغيري ، كسائر المقدّمات فالصحة وعدمها مبنيّان على جواز اجتماع الأمر الاستحبابي مع الوجوب الغيري وعدم جوازه وبالتالي سقوط الأمر الاستحبابي.

وربّما يقال بجواز الاجتماع لأنّ الأمر النفسي تعلّق بذات الوضوء والأمر الغيري به بعنوان كونه مقدمة ، فاختلف المتعلقّان.

يلاحظ عليه : بما مرّ من أنّ عنوان المقدّمة ، عنوان تعليلي لا تقييدي ، و في مثله يكون المتعلّق واقعاً هو ذات الوضوء ، وتكون المقدّمية علّة لعروض الحكم لا موضوعاً له فيتّحد متعلق الأمر الاستحبابي والوجوب الغيري.

الخامس : إذا توضّأ بعد دخول الوقت بنيّة الأمر الغيري صحّ وضوؤه ويصحّ معه الدخول فيها ، لما عرفت من أنّ الإتيان بالشيء بنيّة امتثال أمره يضفي على العمل عنوان العبادة إذا كان الشيء في حدّ ذاته صالحاً للعبادة ، من غير فرق بين الأمر النفسي والغيري ، إذ الميزان كون الحركة للّه سبحانه ، أو بداعي امتثال أمره ، وكون الشيء في ذاته محبوبا أو لا ، لا مدخلية في تحقق التقرّب إذا أتى الشيء بامتثال أمره إذا كان المأتي به صالحاً للعبادة. وبما ذكرنا يعلم حال ما ذكره السيد الطباطبائي في الوضوءات المستحبة ، المسألة 6 من العروة الوثقى فلاحظ.

535

من تقسيمات الواجب

تقسيمه

إلى الأصلي والتبعي

لما كان الأمر الرابع (1) معقوداً لبيان أقسام الواجب كان اللازم على المحقّق الخراساني بيان هذا التقسيم في هذا الأمر ولكنه أخّره إلى مقام آخر وتبعه السيّد الأُستاذ (قدس سره) ، في درسه الشريف.

وقد اختلفت كلمة الأُصوليّين في ملاك هذا التقسيم ، فهل هو بلحاظ الثبوت أو بلحاظ الإثبات ؟ والأوّل هو خيرة المحقّق الخراساني ، والثاني مختار المحقّق القمّي.

نظرية المحقّق الخراساني

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ ملاك التقسيم هو مقام الثبوت ، وانّ الشيء تارة يكون متعلّقاً للإرادة مستقلاً لأجل الالتفات إليه تفصيلاً ، وأُخرى يكون متعلّقاً للإرادة تبعاً لإرادة غيره لأجل كون إرادته لازمة لإرادته ، وذلك لعدم الالتفات إليه تفصيلاً.

وعلى هذا فلا شكّ في أنّ الواجب الغيري يُوصف بالأصلي والتبعي ، حيث إنّ المولى تارة يلتفت تفصيلاً إلى المقدّمة فيريدها كذلك ، فتكون غيرياً أصلياً ،

____________

1 ـ كان الأمر الثالث لبيان أقسام المقدّمة ، والرابع لتقسيم الواجب.

536

وأُخرى لا يلتفت إليها تفصيلاً فتتعلّق إرادته بها تبعاً لإرادة غيره فيكون غيرياً تبعياً.

وأمّا الواجب النفسي فلا يوصف إلاّ بالأصالة لا بالغيرية ، ضرورة أنّ ما فيه مصلحة في نفسه تتعلق به الإرادة مستقلاً كان هنا شيء آخر أو لم يكن ، فلا تكون إرادته تبعية لغيره.

يلاحظ عليه : بأنّه لو كان الملاك كون الشيء متعلّقاً للإرادة على وجه الاستقلال وعدمه يجب أن يلتزم بأحد الأمرين.

أمّا انّ النفسي كالغيري يوصف بالأصالة والتبعية أيضاً.

وأمّا أنّ الغيري لا يوصف إلاّ بالتبعية مطلقاً.

لأنّه إن أراد من الاستقلال الذي هو ملاك الأصالة ، الالتفاتَ التفصيلي في مقابل الالتفات الإجمالي ، ففيه انّ النفسي أيضاً تارة يكون تبعياً بهذا المعنى ، كما إذا كان ولد المولى مشرفاً على الغرق والتفت إليه العبد دون المولى ، فانقاذ ولده واجب تبعي لا أصلي ، لعدم الالتفات إليه على وجه التفصيل حتّى تتعلّق به إرادته التفصيلية ، بل تعلّقت إرادته الإجمالية في ضميره بحفظ ما يتعلّق به من النفس والنفيس والأعراض والأموال ، فيكون إنقاذ الولد واجباً نفسياً تبعياً لعدم الالتفات إليه تفصيلاً.

وإن أراد من الاستقلال عدم تبعيّة إرادة الشيء لإرادة أُخرى في مقابل ما تكون إرادته تابعة لأُخرى ففيه انّ الواجب الغيري يكون تبعياً في جميع الأحوال لأنّ ماهيته هو التبعية لكونه مطلوباً لأجل ذيه.

وثمة إشكال آخر وهو أنّ عامّة التقسيمات الماضية كانت بملاك الإثبات والدلالة ، فلماذا خرج هذا التقسيم عن تحت هذه الضابطة وصار الملاك فيه إرادة الشيء مستقلاً أو غير مستقل دون مقام الدلالة ؟

537

نظرية المحقّق القمي

ذهب المحقّق القمي إلى أنّ ملاك التقسيم هو مقام الإثبات والدلالة ، وبيانه أنّه إذا كان الوجوب مفاد خطاب مستقل ، ومدلولاً بالدلالة المطابقية ، فالواجب أصلي ، سواء أكان نفسياً أم غيرياً. وإن فهم بتبع خطاب آخر ، ومدلولاً بالدلالة الالتزامية ، فالواجب تبعي ، سواء أكان نفسياً أم غيرياً ، وعلى هذا ينقسم النفسي إلى الأصلي والتبعي أيضاً كالغيري ، وذلك لأنّ كون الشيء ذا مصلحة نفسية لا يستلزم أن يكون مدلولاً لخطاب مستقل ومستفاداً من الدلالة المطابقية ، بل ربّما تقتضي المصلحة تفهيمه بالدلالة الالتزامية وبتبع خطاب آخر. (1)

نعم على هذا لا يكون التقسيم حاصراً ، لأنّ من أقسام الواجب ما لا يكون مدلولاً لخطاب أصلاً لا أصالة ولا تبعاً ، كما إذا كان مدلولاً لدليل لبّي من الإجماع والعقل.

ويمكن أن يقال انّ هذا التقسيم ليس لمطلق الواجب ، بل الواجب الذي عليه دليل لفظي ، فالواجب المستفاد من الإجماع والعقل خارج عن المقسم.

إذا دار أمر الواجب بين الأصلي والتبعي

إذا دار أمر الواجب بين الأصلي والتبعي ، فهل يمكن إحراز أحد الأمرين بالأصل أو لا ؟

ذهب المحقّق الخراساني إلى الأوّل وأنّ نتيجة الأصل كون المشكوك واجباً تبعياً ، لأنّ الأصل عدم تعلّق إرادة مستقلّة به ، ويترتّب عليه آثار التبعية لو كان له

____________

1 ـ قوانين الأُصول : 1/102.

538

أثر شرعي كسائر الموضوعات المتقوّمة بأُمور عدمية كالماء القليل إذا قلنا إنّه عبارة عن الماء الذي لم يكن كرّاً.

نعم لو كان الواجب التبعي أمراً وجودياً خاصّاً غير متقوّم بعدمي وإن كان يلزمه لما يثبت بالاستصحاب لأنّ الأصل مثبت. (1)

يلاحظ عليه : أنّ الأصل مثبت مطلقاً حتّى وإن قلنا إنّ الواجب التبعي أمر عدمي ، وذلك لاختلاف القضية المتيقّنة مع القضية المشكوكة ، فالمتيقّنة سالبة محصلة ، والمشكوكة موجبة معدولة.

أمّا القضية المتيقّنة فبيانها أن يقال : لم يكن قبل تشريع الشرائع هناك أيّة إرادة متعلّقة بهذا الشيء ، ولأجل ذلك يصدق انّه لم تتعلّق به إرادة مستقلة بهذا الشيء ولو لأجل عدم وجود الإرادة أصلاً ، وهذا ما عبّرنا عنه بالسالبة المحصّلة الصادقة ( عدم الاستقلال ) بعدم الموضوع ( عدم الإرادة ).

وأمّا المشكوك فهو يغاير المتيقّن ، بل هو عبارة عن قضية ، تحقَّقَ موضوعها وتعلّقت الإرادة بالشيء ، إنّما الكلام في وصفها ، فهل هو استقلالي أو تبعي ؟ فاستصحاب القضية الأُولى التي كانت صادقة مع عدم الموضوع وإثبات وصف القضية المشكوكة ( عدم الاستقلال ) لموضوع محقّق من أوضح مصاديق الأصل المثبت.

وبعبارة أُخرى : القضية المتيقّنة عبارة عن الواجب الذي لم تتعلّق به إرادة مستقلة ، والقضية المشكوكة عبارة عن الواجب بإرادة غير مستقلة ، وصدق الأوّل لا يتوقّف على وجود الموضوع ، بخلاف الثاني فهو فرع وجود الموضوع.

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/195.

539

الأمر الخامس

وجوب المقدّمة تابع لوجوب ذيها

إطلاقاً واشتراطاً

إذا قلنا بوجوب المقدّمة ، يتّبع وجوبُها وجوبَ ذيها في الإطلاق والاشتراط ؛ فإذا كان وجوب ذيها مشروطاً بشيء ، كالوقت في الصلاة ، والاستطاعة في الحجّ ، يكون وجوبها مشروطاً بها ؛ ولو كان وجوب ذيها مطلقاً بالنسبة إلى شيء كوجوب الظهر بالنسبة إلى إتيانها بالجماعة ، يكون وجوب المقدّمة كالطهارة بالنسبة إليه كذلك.

ويمكن الاستدلال على التبعية بوجهين :

الأوّل : انّ إرادة المقدّمة ناشئة من إرادة ذيها فلا محالة يكون وجوبُها في الإطلاق والاشتراط تابعاً لكيفية وجوب ذيها.

يلاحظ عليه بما مرّفي البحوث السابقة : أنّ نشوء إرادة من إرادة أُخرى ممّا لا حقيقة له ، لأنّ إرادة ذيها ليست علّة فاعليّة لإرادة المقدّمة ، بل هي غاية لإرادتها ، ولكلّ من الإرادتين ، مبادئ ومقدّمات إذا حصلت ، ظهرت الإرادة في لوح النفس ، وعلى ذلك ففاعل الإرادة وموجدها في الذهن هو النفس ، فإذا بطل نشوء إرادة عن أُخرى بطل ما رتب عليه من حديث التبعيّة.

540

الثاني : انّ إرادة المقدّمة وإن لم تكن ناشئة من إرادة ذيها ، لكن الثانية غاية لإرادة المقدّمة ، فلا معنى لأن يكون ذو الغاية ( وجوب المقدّمة ) أوسع من الغاية ، وقد ثبت في محلّه انّ الأفعال الاختيارية تتضيق ضيقاً ذاتياً حسب غاياتها ، فلا يطلب العاقل شيئاً أوسع من الغاية التي يطلبه لأجلها.

وهذا القول غير القول بأنّ وجوب المقدّمة مشروط بوجوب ذيها ، إذ هو أمر باطل ، بل متضيق بالذات.

541

الأمر السادس

ما هو الواجب من المقدّمة ؟

لو قلنا بوجوب المقدّمة ، فقد اختلفت كلمتهم في ما هو الواجب منها إلى أقوال ستة :

1. وجوب مطلق المقدّمة.

2. وجوب المقدّمة حين إرادة ذيها.

3. وجوب المقدّمة بشرط إرادة ذيها.

4. وجوب المقدّمة التي يتوصل بها إلى ذيها.

5. وجوب المقدّمة الموصلة إلى ذيها في نفس الأمر.

6. وجوب المقدّمة في حال الإيصال.

وإليك دراسة الأقوال واحداً بعد الآخر.

القول الأوّل : وجوب مطلق المقدّمة

إنّ دليل إيجاب المقدّمة لملاك رفع الاستحالة وهو موجود في عامّة المقدّمات من دون تقييد بشيء من القيود من الأقوال الخمسة.

وهذا القول هو المشهور ، على القول بوجوب المقدّمة ، ويُعلم حاله بدراسة سائر الأقوال.

542

القول الثاني : وجوب المقدّمة حين إرادة ذيها

يظهر هذا القول من صاحب المعالم في مبحث الضد حيث قال : وأيضاً حجّة القول بوجوب المقدّمة على تقدير تسليمها إنّما تنهض دليلاً على الوجوب في حال كون المكلّف مريداً للفعل المتوقّف عليها.(1)

وإنّما صار إلى هذا القول لأجل تصحيح العبادة إذا ابتلى بالأهم كالصلاة بالنسبة إلى الإزالة ، إذا ترك الثانية وأقام الأُولى.

توضيحه : أنّه استدلّ القائل ببطلان الصلاة بأنّ ترك الضد ـ الصلاة ـ مقدّمة لفعل الأهم ( الإزالة ) ، فإذا كان الترك واجباً ، كان الفعل محرّماً ، وحرمة العبادة تلازم بطلانها.

هذا دليل القائل بالبطلان ، ولكن صاحب المعالم قبل المقدّمتين ، وهما :

1. انّ ترك الضد مقدّمة لفعل الضد.

2. إذا كان الترك واجباً ، يكون الفعل حراماً.

ولكن منع أن يكون ترك الضد واجباً مقدّمة مطلقاً ، بل إنّما يكون واجباً حين أراد أن يأتي بالأهم ، وأمّا إذا كان هناك صارف بالنسبة إليه ـ كما في المقام ـ حيث إنّ المفروض انّ المكلّف ترك الإزالة وتوجّه إلى الصلاة فلا يكون مثل هذا الترك واجباً في هذه الحالة ، وبالتالي لا يكون فعله حراماً ، وعندئذ تصح الصلاة لعدم حرمتها.

يلاحظ عليه : أنّ تضييق وجوب المقدّمة بما إذا أراد ذيها ، يستلزم أن يكون

____________

1 ـ معالم الأُصول : 74.

543

إيجابها حينئذ أمراً لغواً ، لأنّ الغاية من إيجاب المقدّمة إيجاد الداعي بالنسبة إلى إتيانها ، فلو أراد إتيان ذيها ، عن جدّ فهو لا محالة يأتي بالمقدّمة ، فلا وجه لإيجاب المقدّمة.

القول الثالث : وجوب المقدّمة بشرط إرادة ذيها

وقد نسب هذا القول إلى صاحب المعالم ولم يعلم مصدره ، والفرق بين هذا والقول الثاني هو الفرق بين الحينية والمشروطة.

فلو قلت : كلّ كاتب متحرك الأصابع حين هو كاتب ، فالقضية حينيّة.

ولو قلت : كلّ كاتب متحرك الأصابع ما دام كاتباً ، فالقضيّة مشروطة.

والقضيتان تشتركان في أنّ تحرك الأصابع لا يعدو عن حالة الكتابة إلاّ قولنا : « حين هو كاتب » في القضية الأُولى وإن لم يكن قيداً لكن القضية لا تصدق إلاّ في هذه الصورة ، فلها ضيق ذاتي بالنسبة إلى غير هذه الصورة ، بخلاف إذا قلنا : « مادام كاتباً » فهو قيد وشرط له وإيجاد ضيق في مقام الدلالة والإثبات.

وعلى كلّ تقدير فالقول المزبور باطل ، وذلك :

يلاحظ عليه أوّلاً : انّه لاينطبق على عبارة المعالم بل عبارته تنطبق على القول الثاني السابق.

وثانياً : إنّ إرادة ذي المقدّمة إمّا شرط لوجوب المقدّمة ، أو شرط لوجوب المقدّمة ووجوب ذيها.

أمّا الأوّل : فيرد عليه إشكالان :

1. انّ القول باشتراط المقدّمة بإرادة ذيها فقط يخالف ما مرّ من أنّ وجوب المقدّمة تابع لوجوب ذيها إطلاقاً واشتراطاً ، فكيف يكون وجوب المقدّمة مشروطاً

544

بإرادة ذيها دون وجوب ذي المقدّمة.

2. يلزم التفكيك بين وجوب ذيها ووجوب المقدّمة عند عدم إرادة ذيها ، حيث تلزم فعلية وجوب ذي المقدّمة في ظرف عدم وجوب المقدّمة لأجل عدم وجود شرط وجوبها وهو إرادة ذيها.

أمّا الثاني : فيرد عليه أيضاً إشكالان :

1. لو كان وجوب ذيها مشروطاً بإرادة ذي المقدّمة يلزم أن يكون إيجابه لغواً ، لأنّ الإيجاب لأجل جعل الداعي إلى العمل في نفس المكلّف ، فإذا كان الداعي موجوداً في نفس المكلّف حيث إنّ المفروض إرادته لفعل ذي المقدّمة ، يلزم أن يكون إيجاب ذيها لغواً.

2. يلزم أن يكون وجوب الشيء تابعاً لإرادة المكلّف وهو كما ترى.

القول الرابع : وجوب المقدّمة بشرط التوصّل إلى ذيها

قد نسب هذا القول إلى الشيخ الأعظم (قدس سره) ، ولكن عبارة مقرّره مضطربة للغاية ومحتملة لوجوه مختلفة نذكر منها ما يلي :

الأوّل : قصد التوصّل قيد لحصول الامتثال

قد استظهر السيد الأُستاذ (قدس سره) من أنّ مراد الشيخ هو أنّ قصد التوصل شرط لحصول الامتثال وتحقّقه ، وليس قيداً لوجوب المقدّمة ولا قيداً لذات المقدّمة ، وعلى ذلك فقول الشيخ هو قول المشهور في مقدار ما هو الواجب في المقدّمة ، غير أنّه أضاف بأنّ قصد الامتثال للأمر الغيري رهن قصد التوصّل وهو ليس بأمر بديع.

545

ويدلّ على ذلك التفسير قول المقرر : الحق عدم تحقّق الامتثال بالواجب الغيري إذا لم يكن قاصداً للإتيان بذلك ، إذ لا إشكال في لزوم قصد عنوان الواجب فيما إذا أُريد الامتثال. (1)

ومن الواضح انّ قصد التوصّل يتحقّق بأحد أمرين :

أ. الإتيان بالمقدّمة كالوضوء لقصد إيقاع الصلاة.

ب : أن يأتي بالوضوء بقصد أمرها الغيري.

وهذا التفسير ينطبق مع بعض كلمات المقرّر كما تقدّم.

الثاني : قصد التوصّل شرط لرفع الحرمة عند التزاحم

وهذا القول نقله المحقّق النائيني (قدس سره) عن أُستاذه المحقّق الفشاركي (قدس سره) وهو أنّ قصد التوصّل شرط لرفع حرمة المقدّمة عند التزاحم مع واجب أهم ، مثلاً : إذا توقّف إنقاذ الغريق على اجتياز أرض مغصوبة فلا توصف المقدّمة بالوجوب إلاّ إذا قصد باجتيازه إنقاذَ الغريق وإلاّ فلو اجتاز لا لهذا القصد بل للتنزّه والتفرّج فلا يوصف الاجتياز بالوجوب بل يبقى على حرمته. (2)

ويؤيد ذلك قول الشيخ في بيان وجه الثمرة لمختاره :

تظهر الثمرة في جهة بقاء الفعل المقدّمي كالدخول في الأرض المغصوبة على حكمه السابق ، فلو قلنا بعدم اعتبار قصد التوصّل في وقوع المقدّمة على قصد الوجوب لا يحرم الدخول في ملك الغير إذا كان مقدمة لإنقاذ غريق ، وإن لم يقصد إنقاذه ، بخلاف ما لو اعتبرناه ، فهو حرام ما لم يكن قاصد لإنقاذه. (3)

____________

1 ـ مطارح الأنظار : 72 ـ 76.

2 ـ فوائد الأُصول : 1/289.

3 ـ مطارح الأنظار : 74.

546

يلاحظ عليه : أوّلاً : انّ كلام الشيخ أعمّ من صورة التزاحم ، بشهادة أنّه أفتى ـ فيما إذا كان على المكلّف فريضة فائتة فتوضّأ قبل الوقت غير قاصد لأدائها ولا لغاية من غايات المقدّمة ـ انّه لا يجوز له الدخول به في الصلاة الحاضرة ، ولا الفائتة ، فلو كان منحصراً بصورة المزاحمة لما كان وجه لعدم صحّة الوضوء مع عدم قصد التوصّل. (1)

وثانياً : انّه إذا كان الملاك لوجوب المقدّمة هو رفع الاستحالة وتمكين المكلّف من امتثال الأهم فلا يفرق بين كونه قاصداً للتوصّل أو غير قاصد ، إذ الملاك لارتفاع الحرمة وانقلابها إلى الوجوب إنّما هو رفع الاستحالة ، وهو محفوظ وموجود في كلتا الصورتين.

الثالث : قصد التوصّل جزء الموضوع

إنّ القول بأنّ الواجب هو خصوص ما أتى به بقصد التوصّل هو المعروف عن الشيخ الأعظم ، وانّه ذهب إلى أنّ موضوع الوجوب مركّب من ذات المقدّمة وقصد التوصّل.

ويدلّ عليها بعض تعبيرات المقرّر حيث قال :

وهل يعتبر في وقوعه على صفة الوجوب أن يكون الإتيان لأجل التوصّل إلى الغير أو لا ؟ وجهان ، أقواهما الأول ، وتظهر الثمرة فيما إذا كان على المكلّف فائتة فتوضّأ قبل الوقت غير قاصد لأدائها ولا لإحدى غاياتها ، فعلى المختار لا يجوز الدخول به في الصلاة الحاضرة ولا الفائتة ؛ وأيضاً تظهر من جهة بقاء الفعل

____________

1 ـ مطارح الأنظار : 74.

547

المقدّمي على حكمه السابق ، فلو قلنا بعدم إنشاء قصد التوصّل في وقوع المقدمي على صفة الوجوب لا يحرم الدخول في ملك الغير إذا كانت مقدمة لإنقاذ غريق وإن لم يترتّب عليه ، بخلاف ما لو اعتبرناه ، فهو حرام ما لم يكن قاصداً لإنقاذه. (1)

وأورد عليه المحقّق الخراساني : بأنّ ملاك الوجوب هو التوقّف وانّه به ترتفع الاستحالة ، وعلى ذلك فلا فرق بين أن يقصد التوصّل أو لا يقصده ، ولا معنى لأخذ ما لا مدخلية له في موضوع الوجوب.

تأييد لمقالة الشيخ

ثمّ إنّ المحقّق الاصفهاني نصر الشيخ الأعظم بالبيان التالي : وهو مبني على مقدّمتين :

أ. انّ الحيثيات التعليلية في الأحكام العقلية راجعة إلى الحيثيات التقييدية ، فإذا كانت مطلوبية المقدّمة لا لذاتها بل لحيثية مقدّميتها والتوصّل بها ، فالمطلوب الجدّي ، والموضوع الحقيقي للحكم العقلي هو نفس التوصّل.

ب. انّ الشيء لا يقع على صفة الوجوب ومصداقاً للواجب بما هو واجب ، إلاّ إذا أُتي به عن قصد وعمد حتّى في التوصّليات ، لأنّ البعث ـ توصّلياً كان أم تعبّدياً ـ لا يتعلّق إلاّ بالفعل الاختياري ، فالغسل الصادر بلا اختيار ، وإن كان مطابقاً لذات الواجب ومحصّلاً لغرضه ، ولكنّه لا يقع على صفة الوجوب ومصداقاً للواجب بما هو واجب.

ثمّ استنتج من هاتين المقدّمتين انّ اعتبار قصد التوصّل في وقوع المقدّمة على صفة الوجوب مطلقاً ، وذلك من جهة انّ المطلوب الحقيقي بحكم العقل ،

____________

1 ـ مطارح الأنظار : 74.

548

هو التوصّل حسب المقدّمة الأُولى ، ومن جهة انّه ما لم يقع الواجب على وجهه المتعلّق به الوجوب وهو كونه عن قصد وعمد ، لا يقع مصداقاً للواجب حسب المقدّمة الثانية. (1)

يلاحظ عليه : انّ ما ذكره في المقدّمة الأُولى أمر صحيح لا غبار عليه ، إنّما الكلام في المقدّمة الثانية فقد أفاد فيها انّ الواجب هو نفس التوصّل الصادر من المكلّف باختياره ، فنقول : إنّ الواجب في مقام التشريع وإن كان هو عنوان التوصّل لكن الامتثال يتحقّق بمصداقه وهو نفس الدخول إلى الأرض المغصوبة أو نفس الوضوء والغسل ، ويكفي في امتثال الأمر المقدّمي قصد نفس الدخول بما هو هو أو الوضوء كذلك ، حتّى يكون فعلاً اختياريّاً ، وأمّا القصد الزائد على هذا ، أعني : قصد الدخول لغاية التوصّل إلى إنقاذ الغريق أو إيقاع الصلاة فلم يدلّ عليه دليل.

وإن شئت قلت : إنّ المكلّف في مقام الامتثال يجب أن يقصد مصداق ما يتوصّل به حتّى يكون الفعل اختيارياً ، لما عرفت من أنّ المطلوب هو الفعل الصادر عن المكلّف باختيار. فعلى ضوء هذا فالواجب عليه هو الدخول والورود عن اختيار ، فلو دخل الأرض المغصوبة نائماً أو توضّأ غير قاصد للوضوء فلا يسقط الأمر المقدّمي.

وأمّا لزوم كون الدخول الاختياري لغاية الإنقاذ أو لغاية الصلاة فلا دليل عليه ، فالذي يستنتج من المقدّمتين هو الإتيان بالمقدّمة عن قصد لا إتيانها منضماً إلى قصد ثان وهو التوصّل إلى الواجب.

____________

1 ـ لاحظ نهاية الدراية : 1/204 ـ 205.

549

ثمّ إنّ المحقّق العراقي اعترض على بيان المحقّق المحشّي وحاصل. اعتراضه يتلخّص في وجهين :

الوجه الأوّل : إنّا لا نسلم انّ الجهات التعليلية في الأحكام العقلية جهات تقييدية ، لوضوح أنّ العقل يرى لحكمه موضوعاً وعلّة.

الوجه الثاني : لو صحّ ما ذكره ، فإنّما هو في الأحكام العقلية المحضة لا الشرعية المستكشفة كما في المقام ، فانّ الوجوب فيه بحكم الشارع ولا دخل للعقل فيه إلاّ بنحو الكاشفية. (1)

وإلى الوجه الثاني يشير المحقّق الخوئي في تعليقته على تقريرات أُستاذه حيث قال : مغالطة نشأت من خلط الحكم الشرعي المستكشف من حكم عقلي ، بالحكم العقلي الثابت لجهة تعليلية ، ومن الواضح انّ كون الجهات التعليلية في الأحكام العقلية ، جهات تقييدية ، أجنبي عن كون الجهات في الأحكام الشرعية جهات تقييدية ولو كانت مستكشفة من طريق العقلي. (2)

والظاهر ضعف الإشكالين :

أمّا الأوّل : فانّه نابع من خلط مقام الثبوت بالإثبات ، فما ذكره من أنّ للعقل حكماً وموضوعاً وعلّة ، صحيح في مقام الإثبات ، فيقال : الكذب قبيح لأنّه مضر للمجتمع ، وأمّا في مقام الثبوت فليس هناك إلاّ شيئان : الحكم والموضوع ، والموضوع عند العقل في مقام الثبوت هو الإضرار ، والكذب محكوم بالقبح لا بالذات بل لكونه من مصاديق الإضرار.

____________

1 ـ بدائع الأفكار : 1/387.

2 ـ أجود التقريرات : 1/233.

550

ونظيره قولنا : الظلم قبيح لكونه مفسداً للمجتمع ، ففي مقام الإثبات أُمور ثلاثة ، وأمّا مقام الثبوت فليس هناك إلاّ موضوع ، وهو المفسد ، وحكم ، وهو القبح ، وأمّا الظلم فليس موضوعاً للقبح بالذات ، بل لأجل كونه داخلاً تحت عنوان المفسد.

وأمّا الثاني : فلا فرق بين الحكم العقلي والحكم الشرعي المستكشف من الحكم العقلي ، إذ لا معنى لأن يكون المعلول ( الحكم المستكشف ) أوسع من علّته أي الحكم العقلي.

نعم يمكن أن يكون ملاك الحكم الشرعي في الواقع أوسع من ملاك الحكم العقلي ، إذ ليس للعقل الإحاطة بعامّة الملاكات ، بخلاف الشرع فانّه محيط بعامّة الملاكات ، ولكنّه لا يوجب أن يكون الحكم الشرعي المستكشف في مقام الإثبات ، أوسع من الحكم العقلي الذي هو بمنزلة العلّة له.

القول الخامس : وجوب المقدّمة الموصلة

قد اختار صاحب الفصول أنّ الواجب هو المقدّمة الموصلة بقيد الإيصال ، وتحليل هذا القول يتوقّف على الكلام في مقامات ثلاثة :

1. أدلّته.

2. إشكالاته.

3. ثمراته.

وقد خالف المحقّق الخراساني النظامَ الطبيعي للبحث فقدّم الإشكالات على الأدلة ، وما صنعناه أحسن.

وإليك الكلام في كلّ منها :

551

المقام الأوّل

أدلّة القول بوجوب الموصلة

قد استدلّ صاحب الفصول على وجوب المقدّمة الموصلة بوجوه ثلاثة ندرسها واحداً بعد الآخر.

الدليل الأوّل : انّ الحاكم بالملازمة بين الوجوبين هو العقل ، ولا يرى العقل إلاّ الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب ما يقع في طريق حصول الشيء وسلسلة وجوده ، وفيما سوى ذلك لا يدرك العقل أية ملازمة بينهما. (1)

وأورد عليه المحقّق الخراساني : بأنّ العقل الحاكم بالملازمة دلّ على وجوب مطلق المقدّمة لا خصوص ما إذا ترتّب عليها الواجب فيما لم يكن هناك مانع عن وجوبه ( كالأرض المغصوبة ) لثبوت مناط الوجوب حينئذ في مطلقها وعدم اختصاصه بالمقيّد بذلك منها. (2)

وأجاب عن إشكال المحقّق الخراساني ، تلميذُه الجليل المحقّق الاصفهاني بقوله : ليس التمكّن من ذي المقدّمة ملاكاً لوجوبها ، فانّ التمكّن من ذيها حاصل بصرف التمكّن من المقدّمة وإن لم يأت بها. نعم تتوقّف فعلية ذيها على فعلية مقدّمته ، ويتوقّف تحقّقه على تحقّقها ، بل الملاك هو إيصالها إلى الواجب حيث إنّ الاشتياق إلى شيء لا ينفك عن الاشتياق إلى ما يقع في سلسلة علل

____________

1 ـ الفصول الغروية : 87 ، ط تبريز.

2 ـ كفاية الأُصول : 1/188.

552

وجوده دون ما لا يقع في سلسلتها. (1)

إنّ هذه الكلمات تدور حول محور واحد ، وهو أنّ الملاك لوجوب المقدّمة هل هو التوقّف أو التوصّل ؟ وكل يدّعي واحداً منهما من دون أن يقيم برهاناً عقلياً قاطعاً للنزاع.

والذي يمكن أن يحسم به النزاع هو تشخيص الغاية الذاتية عن العرضية في المقام بما قرر في الفلسفة وهو :

إنّ الإجابة بالغاية الذاتية تقطع السؤال ، بخلاف الإجابة بالغاية العرضيّة فانّها لا تقطع ، بل للسائل أن يسأل عن وجه تحصيل الغاية العرضيّة أيضاً ، وقبل أن نميّز الغاية العرضية عن الذاتية في المقام نطرح مثالاً لينجلي فيه الموضوع.

إنّ طالب العلم يتحمّل مشقّة وعناءً في سبيل التعلم ، فلو طرحنا عليه السؤال التالي :

1. لماذا تدرس وتتحمل كلّ هذا العناء ؟

لأجاب : أدرس بغية النجاح في الامتحان.

2. ولماذا تريد النجاح في الامتحان ؟

لأجاب : لنيل الشهادة.

3. لماذا تريد نيل الشهادة العلميّة ؟

لأجاب : للارتزاق بها في حياتي.

فعندئذ تنتهي الأسئلة المتواردة ، فلو سألته بقولك لماذا تريد الارتزاق؟ يكون السؤال غلطاً ، لأنّ الارتزاق من ضروريات الحياة ، وهي غاية ذاتية لا تنفك عنها.

____________

1 ـ نهاية الدراية : 205.