كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء - ج3

- الشيخ جعفر كاشف الغطاء المزيد...
527 /
57

و تُعتبر مظنّة دوام الاستقرار، فما كان معرّضاً للاضطراب بمنزلة المضطرب.

و لا فرق بين المضطرب لنفسه أو لعارض من هواء و نحوه.

و لو أمكنَ الخروج إلى الجدد بلا عسر، وجب. و لو عدلَ عن القبلة مع توجّهه إليها أو عن الوجه الذي توجّه إليه إلى غيره لا للعود إلى القبلة بطلَت صلاته.

و الجزائر العظام المتحدّرة في الماء لتكوّنها من النبات و نحوه بمنزلة الأرض، دون الصغار المضطربة.

و لو دخلَ فيها أو ركب حيواناً مثلًا قبل دخول الوقت أو بعده مع الاطمئنان بإدراك الأرض ثمّ تعذّر عليه، فلا شيء عليه، و بعد الدخول مع اليأس لا يبعد المنع.

و السفينة و الحيوان مع أمن الحركة بمنزلة الأرض.

السابع: أ لا يجب عليه الكون في غيره للصلاة أو لغيرها،

لإدخاله في عهدٍ أو نَذرٍ أو نحوهما، مع وحدة الوقت، و تعذّر الجمع، فلو صلّى فيه و الحال هذه عصى، و صحّت صلاته بناءً على عدم فساد الضدّ الخاصّ بالنهي عنه لضدّيته.

و يحتمل الفرق بين ما يكون لأمرٍ شرعي و حقّ مخلوقي؛ نظراً إلى أنّ المنفعة في الثاني مملوكة، فلا تُستعمل في غير وجه.

و لو نذرَ أن لا يكون في مكان، أولا يصلّي فيه لكراهة الصلاة فيه، كحمّام أو مقبرة أو نحوهما، إذا أجزنا النذر و شبهه، عصى، و بطلت صلاته مع مضادّةٍ (1) لتخصيص أو عموم. و إذا أطلق الوقت فلم تكن مُضادّة، فلا معصية، و لا فساد.

و لو عيّن الصلاة أو الوقت فجاء بأُخرى، أو في آخر، صحّت صلاته. و لو نذر موضعاً بهيئة خاصّة أو مقيّد بمكان خاصّ، أو وقعت كذلك، فأتى به ناوياً أداء النذر به، عصى و فسد عمله.

و نهي المولى و مفترض الطاعة للمطيع عن الضد الخاصّ يفسده. فإذا عيّن له مكاناً للفعل منه و فعل غيره في غيره، عصى و فسد.

____________

(1) في «ح» زيادة: الوقت.

58

الثامن: على قول أن لا يتقدّم و لا يساوي في صلاة فريضة أو توابعها أو نافلة أو صلاة جنازة قبر نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الأئمّة (عليهم السلام)،

دون باقي الأنبياء، سوى من جمع منهم بين النبوّة و الإمامة، و لا يساوي و لا يصلّي على القبر و لا يسجد عليه و في إلحاق قبر الزهراء (عليها السلام) وجه قويّ فلا يصلّي بين يديه، و لا مع المساواة إذا صلّى إلى أحد جانبيه، بل يتأخّر و لو يسيراً.

و مع الفاصلة من جدار أو باب أو سقف تكون فوق القبر أو تحته أو ارتفاع أو انخفاضٍ أو بُعد لا يصدق فيه اسم التقدّم يرتفع المحذور. و في عدّ الشبابيك، و الصناديق و لا سيّما المخرّمة و حَجب حيوان أو إنسان فواصل وجه قريب.

و يسري الحكم إلى الركعات الاحتياطيّة، و الأجزاء المنسيّة، و سجود السهو، دون سجود الشكر و التلاوة.

و في تسريته إلى الأذان، و الإقامة، و الأذكار، و الدعوات المتّصلة وجهان، أوجههما العدم.

و لا فرقَ في الحُكم بين الابتداء، و الاستدامة. فلو شَرَعَ ثمّ تقدّم أو ساوى، جرى عليه حكمهما.

و لو تقدّم أو ساوى بإحدى رجليه دون الأُخرى، عُدّ متأخراً.

و لو اشتبه مَحلّ القبر، و دار بين محصور، كقبر الزهراء (عليها السلام) بين الأمكنة الثلاثة، اجتنب الجميع.

و يقوى القول بناءً على الشرطيّة أنّه من العلميّة دون الوجوديّة.

و مع التقيّة الموجبة يجب التقدّم، و لو خالفَ، بطلت صلاته. و لو اندفعت به و بالمساواة، قوي ترجيحها عليه.

و يستحبّ وضع الخدّ الأيمن عليه و الالتصاق به.

و الظاهر أنّ هذا الحكم من أصله مَبنيّ على الاستحباب؛ (لأنّ قولهم (عليهم السلام): «لأنّ الإمام لا يُتقدّم و لا يُساوى» إن أُخذ على ظاهره، عمّ الحيّ و الميّت، و لا يخفى

59

بُعده في القسم الأوّل، و إن أُريد به الإشارة إلى إمام الجماعة، و أنّ إمام الأصل أولى بالملاحظة، فلا يتوجّه إلا على الندب، و تركه في عدّ الشرائط في كلام المعظم شاهد على ما تقدّم) (1).

و ينبغي الوقوف للصّلاة في مَقام لا يحاذي فيه الحديد إن تيسّر له ذلك.

التاسع: أن لا يصلّي الفريضة الواجبة بالأصالة أو بالعارض اختياراً في بطن الكعبة، أو على ظهرها؛

لأنّ الخارج يُعدّ مستقبلًا، و لو كان إلى قليل منها، و الداخل فيها ظهراً و بطناً ليس كذلك، و إن توجّه إلى معظمها.

فإذا اضطر إلى أحدهما، قدّم الباطن على الظاهر، في وجه.

و الأحوط الوقوف مُتّصلًا ظهره بحيطانها؛ ليكون متوجّهاً إلى معظم فضائها، و الكون على حدّ الوسط، فإن تعدّى، فالأحوط جعل بعض من السطح أمامه.

و لو جعل لها جناح ممّا يساوي البطن أو الظهر، فخرج منه إليه شيء من بدنه في شيء منها اختياراً، أو كان فرضه الاضطجاع فأخرج بعض رأسه أو رجليه اختياراً (زائداً على الشّاذَروَان) (2) بطلت. و تصحّ مع الاضطرار لضيق وقت أو إلجاء مُلجئ.

و تصحّ النافلة اختياراً أو اضطراراً. و لو وجبت في الأثناء، أتمّ و لم يجب القطع، و لا يجب الخروج و إن اتّسع الوقت.

و تُستحبّ صلاة الجماعة للمضطرّين، و يُجعل ما قابل الإمام أضيق ممّا قابل المأمومين أو مساوياً. و الأحوط المساواة و الاشتراك بالوقوف على ابتداء الحدّ.

و يجوز دورهم كالحلقة، فتكون بعض الوجوه مقابلة لمثلها، (و في إجزاء مثل ذلك في جهة الماشي و الراكب و نحوهما، بناءً على أنّها قبلتهم، لا أنّ القبلة ساقطة عنهم) (3) و في تجويز جعل الظهور إلى الظهور أو الجوانب هنا بخلاف الخارج وجه.

و لو استقبل جهة العلوّ أو السفل، لم يكن مستقبلًا.

و يتمشّى الحكم إلى جميع ما يُعتبر فيه الاستقبال، كالذّبح فيها مع أمن التلويث،

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

(2) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

(3) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

60

و وضع الميّت، إن أوجَبنا الاستقبال في جميع أحواله.

و يقرُب القول بتحريم التخلّي مع الأمن من التلويث؛ لجرى حكم الاستقبال فيه، و لا يتحقّق هنا انحراف عن القبلة.

و في لزوم الدوام على ما استقبل حال الابتداء وجه، و في دخول مسألة استقبال باب الكعبة في مسألة كراهة استقبال الباب المفتوح وجه قوي.

و يتحقّق حكم الاستقبال و ثوابه بالنسبة إلى الأذان و الإقامة و الأذكار و الدعاء و نحوها، و أنحاء الجلوس و الاضطجاع و نحوهما. و يحتمل التسرية إلى جميع ما (1) يحرم أو يكره.

العاشر: ما قيل: أن لا يجتمع فيه مُصلّيان، ذكر و أُنثى، أو خنثى مُشكل أو ممسوح، أو أُنثى كذلك (2)،

أو ممسوح و ممسوح أو خُنثى، أو خُنثى و خُنثى مشكلين، عالمين أو جاهلين بالحكم أو بالموضوع أو بهما، أو مُختلفين، بالغين أو غير بالغين أو مُختلفين، أعميين أو مبصرين أو مختلفين، مفترضين أو متنفّلين أو مختلفين، في ظلمةٍ كانا أو في ضياء أو مختلفين، مشتملَين على علاقة الزوجيّة أو المَحرميّة أو خاليين، دون ما إذا كانا غير مُصلّيين أو مُختلفين.

و حالهما في الركعات الاحتياطيّة و الأجزاء المنسيّة و سجود السهو دون التلاوة و الشكر كحالهما مُصلّيين.

و صلاة الجنازة و التأذين و الإقامة و المقدّمات القريبة ذوات وجهين، أقواهما العدم.

فإن حصل الاقتران في الابتداء اشتركا في البطلان، و إن دخل أحدهما في الأثناء اختصّ السابق و لو بتكبيرة الإحرام أو بالشروع فيها بالصحّة، إلا أن يكون من الابتداء إلى الانتهاء بينهما حجاب من حيوان أو إنسان أو جماد غير الثياب تمنع رؤية الناظر المتوسّط.

____________

(1) في «م»، «س» زيادة: لا.

(2) يعني: أُنثى و خنثى مشكل أو ممسوح.

61

و الأقوى الاكتفاء بغير الحاجب لقصر أو غيره مع تسميته حاجباً. أو تكون متأخّرة عنه بكلا (العقبين أو أحدهما) (1) أو ببعضهما معاً أو بعض أحدهما في أحد الوجهين. أو يكون بينهما مسافة عشر أذرع بذراع اليد من مستوي الخلقة، لأمن المصلّي، كائناً ما كان المحدود، ابتداء و انتهاءً بما بين المِرفَق و أطراف الأصابع، المقدّر طولًا بأربع و عشرين إصبعاً عرضاً من أصابع المستوي الخلقة. أو يكون المركّب من هذه الأقسام من الاثنين أو الثلاثة.

و لو كان أحدهما غير مصلّ قائماً أو قاعداً أو نائماً، أو صلاته فاسدة (كما إذا علم فقد شرط) (2) من شروطها فلا بأس.

و الفساد الطارئ أو العلم به كذلك لا يقضي بالصحّة مع العلم بالاقتران ابتداء، و إلا أغنى مجرّد حصوله.

و لا يجوز لأحدهما التعويل على الأصل في تأخير الأخير عنه، إلا إذا علم في الأثناء بصلاة صاحبه أو بعد الفراغ و جهل تاريخ ابتدائه، و مع علم تاريخ أحدهما يحتمل تخصيص الصحّة به. و لو علم بالمقارنة بعد الانتهاء، بطلت.

و لو شكّ بعد الانتهاء أو في الأثناء، قوي الإلحاق بمسألة الشك بعد الفراغ أو الانتهاء، و تختص بالبطلان صلاة المأموم منهما على الأقوى.

و لو تنازعا في السبقِ في المشتركات العامّة، من وَقفٍ و نحوه، كان البناء على القُرعة. و إن رجح المجتهد أحدهما، ترجّح. و في ترجيح الرجل وجه.

و لو كانت بين مُفترض و مُتنفّل أو بين من صلاته أشدّ وجوباً و عكسه، احتمل تقديم الأوّلين في أحد الوجهين.

و لو ارتفع المسوّغ في الأثناء، جعل غيره. و يحتمل البطلان؛ لخلوّ جزء منها منه.

و هو على تقدير القول به من الشرائط الوجوديّة، دون العلميّة، فيستوي العالم و الجاهل، حكماً و موضوعاً، و العالم و الغافل.

____________

(1) في «م»، «س»: الصفتين أو إحداهما.

(2) بدل ما بين القوسين في «م»: فقد شرطاً.

62

و الظاهر أنّ أصل الحكم مبنيّ على الندب، فتجوز لهما الصلاة مع عدم الشرط، و يجب عليهما معاً الصلاة مع المقارنة مع ضيق الوقت، و عدم إمكان حصوله.

و الأولى اختيار مقارنة المحتمل من خُنثى أو ممسوح على المتيقّن للمتيقّن و المحتمل؛ لجريان الصحّة فيه في صورتين للمحتمل على المتيقّن، و على الوجوب ربّما يقال بالوجوب.

الحادي عشر: أن يجمع شرائط موضع السجود من الجبهة،

و هي أُمور:

الأوّل: عدم ارتفاع مقدار ما يجزي من الجبهة كلا أو بعضاً على وجه القيام دون التسريح،

فإنّه لا بأس به على الأصحّ على موضع القدمين، أو بعضهما، أو قدم واحد، أو بعضه و في الاكتفاء بمقدار المجزي منهما وجه بعيد، قياماً لو صلّى قائماً، و الأحوط مراعاة ذلك سجوداً و جلوساً بعده، و في الجلوس لو صلّى جالساً، و إلحاق الانخفاض بالارتفاع و الاضطجاع، و الاستلقاء في اعتبار الرأس و القدمين و اعتبار الكفّين احتمال يقوى في الأوّل دون البواقي بمقدار لَبِنَة، عبارة عن أربع أصابع عرضاً من مستوي الخلقة. و مع الشكّ يقوى عدم المنع و إن كان الاحتياط فيه.

و لا يُشترط ذلك بين القدمين أو الجبهة و باقي المساجد، و لا بينها بعض مع بعض على أصحّ الوجهين.

و أولى من ذلك ما لم يشترط فيه اتصال البدن.

و القولُ بالاستحباب في الجميع غير خالٍ عن القوّة.

و يرعى في الجلوس حال الوقوف أو حال السجود أو حال الاستقرار. و في الاضطجاع و نحوه حاله أو حال الجلوس أو القيام، لو أجرينا الحكم فيها وجوه.

و يسقط الحكم فيمن فرضه القيام حال السجود، أو المشي، أو الركوب. (و في لزوم مراعاة النسبة في الخارج عن الاعتدال طولًا و قصراً وجه) (1).

و المقطوع القَدَم يلحظ الباقي من العقب أو ما زاد عليه مع الجبهة.

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

63

و لو كان محلّ أحدهما مرتفعاً حين الوضع فهبط أو منخفضاً فارتفع، قوي البطلان.

و من كانا على حقوٍ واحد يَعتبران الجبهة الخاصّة و القدمين المشتركين.

و يقوى أنّه من الشرائط الوجوديّة، فتفسد الصلاة مع الغفلة و النسيان و سعة الوقت (لو حصل في كلتا السجدتين على الأقوى) (1).

و لو خلا بعض الجبهة دون بعض عن المانع، صحّ في الأصحّ؛ لحصول الشرط في المجزي.

و لو حصلت الجبهة على مرتفع (و أمكن جرّها جرّها، و إلا رفعها قليلًا و وضعها) (2)، و يجري الحكم في الفرض، و النفل، و صلاة الاحتياط، و سجود السهو لو أجرينا الحكم في الجلوس، دون سجود الشكر و التلاوة.

و لو علم المانع بعد الدخول، فإن كان له مندوحة و لو بالمشي قليلًا مع عدم الإخلال ببعض الشروط وجب. و لو تعذّر مع السعة لا مع الضيق، بطل. و لا بأس بالعلوّ التسريحي.

الثاني: أن يكون على ما يصحّ السجود عليه من الأرض مطلقة يصحّ إطلاق الاسم عليها، من دون إضافة، و لا قرينة

فلو خرجت عن المصداق مطلقاً أو مطلقة، أصالة أو بعارض كالاستحالة معدناً أو ملحاً أو جواهر غير منطبعة أو منطبعة، أو رماداً أو مأكولًا أو ملبوساً أو نحوهما لم يجز السجود عليها.

أو من نبات ينبت في أرض أو عليها أو على الماء، أو في بعض المعادن؛ إذ المدار على اسم النبات ممّا لا يؤكل عادة.

فلا يصحّ السجود على ما خرج عنهما، و لا يحسن إطلاقهما عليه مطلقاً بحسب الذات: من صوف، أو شعر، أو جلد، أو أبعاض حيوان، أو لؤلؤ، أو حرير.

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

(2) بدل ما بين القوسين في «ح»: زائد على المقدار، فإن شاء رفعها و إن شاء جرّها، و يقتصر في قدر الرفع على ما يحصل به قدر الحاجة، بخلاف ما إذا وضع على ما لا يصحّ السجود عليه أو يعسر، و كان أنقص من المقدار، فإنّه يتخيّر بين الرفع مع عدم التجاوز، و الجرّ، و تعيين الجرّ مع إمكانه في المقامين أحوط.

64

أو بسبب الاستحالة؛ من قير، أو كبريت، أو مِلح، أو رَماد، أو من ذَهب، أو فِضّة، أو نُحاس، أو صُفر، أو حديد، أو شبهها من الجواهر المنطبعة، أو عقيق، أو بلور، أو ياقوت، أو مرجان، أو نحوها من غير المنطبعة.

أو بالخاصيّة و ربّما رجعت إلى الاستحالة كالمغرة (1)، و الطين الأرمني، و السريش، و الصمغ، و الدرّ، و نحوها.

و في الجَصّ و النّورة و لا سيّما المطبوخين و حجر النار، و الرحى، و الخزف، و الآجُر، و الفحم وجهان، أقواهما الجواز.

و لا على ما كان نباتاً أو مأخوذاً منه، و كان مأكولًا بالعادة من البقول: كالفُجل، و الكرّاث، و الفوم، و البَصل، و نحوها.

أو الحبوب: كالحنطة، و الشعير، و نحوهما، باقية على حالها أو مطبوخة، أو مخبوزة أو مطحونةً.

و لا بأس بالقشور منفصلة، دون المتّصلة.

أو الثمار؛ من تَمر، و عِنَب، و رُمّان، و لَوز، و فُستُق و جَوز، و بُندُق، و نحوها.

و لا بأس بالمنفصلة من نوى التمر، و حَصَى الزّبيب، و قشر الرّمان، و ما بعده على إشكال.

و لا بأس بالسجود على الثمار الغير المأكولة، كالعَفص، و الخرنوب (2)، و نحوهما. و الظاهر إلحاق الشّيص و معافارة (3)، و بعض الفواكه المعتادة الأكل نادراً بالمعتادة.

و أمّا الأوراق، و القَصيل، و التّبن و نحوها ممّا لا يُعدّ مأكولًا بالعادة. فلا بأس به. و لا بأس بورق الحِنّاء، و الكَتَم، و خشب الصّندَل و نحوها، مطحونة كانت أولا.

و لا على ما كان ملبوساً بالعادة، و إن دخل في النبات أو فيما أصله منه، كالقُطن و الكَتّان.

____________

(1) المغرة: طين أحمر يصبغ به. لسان العرب 5: 181.

(2) الخرّوب و الخرنوب: شجر في جبال الشام له حب كحب الينبوت يسمّيه صبيان أهل العراق القثاء الشامي، و هو يابس أسود. لسان العرب 1: 351.

(3) المعافارة: رديء التمر، مجمع البحرين 3: 409.

65

و لا بأس بالمأكول أو الملبوس نادراً، ككثير من النباتات، و بعض اللّباس المتّخذ من الخُوص، و اللّيف، و نحوهما.

و المدار في العادة على عادة أهل زمانه، و مكانه، و لا يجب عليه البحث عن عادة غيرهم.

و لو علم اعتياده في إقليم آخر، فالظاهر لحوقه بالمعتاد.

و لو كان معتاداً في زمان دون زمان، احتمل تقلّب العادة، و تقديم زمان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أو الأئمّة (عليهم السلام)، و أخذ كلّ بعادته، و لعلّ الأوّل هو الأقوى.

و هذا شرط وجوديّ في حقّ مَن لم يدخل في ركن، فليزمه العود (و علميّ في حقّ من دخل) (1).

و لو شكّ في كونه في ذاته ممّا يصحّ السجود عليه أولا، بنى على أصل عدم الصحّة. و لو شكّ في عروض المخرج له عن الحال الأُولى، بنى على العدم.

و لو حصل الشك في محصور، لم يصحّ السجود على المشكوك.

و لو سجد على ما كان مقدار منه بقدر المجزي ممّا يصحّ السجود عليه، أجزأ.

و لو وقعت جبهته على ما لا يصحّ السجود عليه و أمكن الجرّ جرّ، و إلا رفع جبهته مقتصراً على أقلّ ما يتحقّق الرفع منه. و يعتبر ذلك في سجود الصلاة، داخلًا في ضمنها أو منفرداً مقضياً، و سجود السهو، دون سجود الشكر و التلاوة.

الثالث: أن يكون المحلّ طاهراً،

فلا يصحّ على النّجس أو المتنجّس مع المباشرة، تعدّت نجاسته أو لا. و لو شكّ في عين النجاسة بطل (2)، و إن لم يحكم بنجاستها، و في المتنجسة صحّ. و لو تعلّق الشكّ بمحصور، لم يجز السجود عليه.

و أمّا باقي الأعضاء؛ فلا بأس بنجاسة محالّها ما لا تلزم السراية مع عدم العفو، و قد مرّ من الكلام في هذا المقام، و في مقام الإباحة ما يغني عن التطويل.

____________

(1) بدل ما بين القوسين في «ح»: ما لم تستلزم صدق تكرر السجود و علمي في حق من استلزم التكرر له.

(2) في «ح» زيادة: اعتباره.

66

الرابع: المباشرة لما يصحّ السجود عليه،

فلو كان هناك حاجب يمنع المباشرة، لم يصحّ السجود. و ما لا يمنع من صدق المباشرة كالدسومة و نحوها لا بأس به.

الخامس: أن يقع ثقل الجبهة في الجملة على محلّ السجود، و مجرّد المماسّة لا يفيد شيئاً.

و الإباحة شرط علميّ مطلقاً، و غيرها كذلك إذا لم يعلم إلا بعد الدخول (في ركن) (1)، و مع العلم قبله وجوديّ.

و في جميع هذه الأقسام إذا حصل العلم بعد الوضع عليها جرّها إن أمكن، و إلا رفعها بأقل ما يتحقّق به الفرض، ثمّ ردّها، و تصحّ صلاته (ما لم يتجاوز قدر اللبنة، فلو وضعها على المتجاوز جاز له الرفع و الجرّ كما مرّ) (2) و في خصوص مسألة الإباحة يتعيّن الرفع.

و ما جرى في الجبهة يجري مثله في بدلها من أحد الجبينين أو غيره.

و لو لم يتمكّن ممّا عداها هَوَى برأسه إلى ما يحاذيها، و في الاكتفاء بالإعادة حينئذٍ وجه.

و لو ألجأه مُلجئ إلى الوضع على أحدها، تخيّر مع الاشتراك في عدم الغصب، و احتمال اختلاف المراتب و لزوم الميزان لا يخلو من وجه.

و إذا خاف من الهَوَامّ في سجوده أو نحوها، انحنى بمقدار الممكن، و رفع المَسجَد (3) إن أمكن.

(و لو دار الأمر بين الوضع على غير المباح أو غير الطاهر مع السراية على وجه لا يتحقّق فيه العفو، ترك الوضع، و أتى بما أمكن من الانحناء مع عدم إمكان الانحراف، و مع ضيق الوقت عن الإعادة؛ و أمّا مع عدمهما فعليه القطع.

____________

(1) بدل ما بين القوسين في «ح»: فيما يتحقق به الخروج عن مقدار ما يجزي من هُويّ السجود.

(2) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

(3) قال ابن دريد: المسجد الإرب الذي يسجد عليه مثل الكفين و الركبتين و القدمين و الجبهة، و قد وردت في القرآن بالكسر، و الأكثر بالفتح تمييزاً لها عن المسجد المكان الذي يصلّى فيه. جمهرة اللغة 1: 447.

67

و لو دار بين الوضع على الحرام، و الوضع على ما عداه ممّا لا يصحّ السجود عليه قُدّم الأخير.

و لو دار بين البواقي، قدّم الطاهر على غيره، ثمّ الكفّ، ثمّ القُطن، و الكَتّان ان، ثمّ ما ليس فيه زهرة الدنيا من المعادن و الملبوس، ثمّ ما فيه ذلك، على تأمّل في بعض المراتب) (1).

المقام الثاني: في مستحبّات الأمكنة

و هي أقسام:

الأوّل: الروضات المُشرّفة للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، أو الزهراء (عليها السلام)، أو أحد الأئمّة (عليهم السلام)،

فإنّ الصلاة فيها على الظاهر أفضل من الصلاة في المساجد.

و تختلف أفرادها باختلاف فضيلة مشرّفها، فروضة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) مُقدّمة على الجميع، ثمّ روضة عليّ (عليه السلام)، ثمّ روضتا الحسنين (عليهما السلام)، ثمّ روضات باقي الأئمّة (عليهم السلام)، ثمّ روضة الزهراء (صلوات اللّه عليها).

و تختلف أجزاؤها، و توابعها في القُرب و البُعد، فكلّما ازداد قُرباً من القبر الشريف ازداد فضلًا. و القريب من التوابع أفضل من البعيد، فالرواق أفضل من الطارمة، و هي أفضل من الصحن، و هو أفضل من باقي البلد، و هي أفضل من باقي الحَرَم، و تختلف فضيلة أبعاضها باختلاف القُرب و البُعد.

و روى: أنّ الصلاة عند قبر عليّ (عليه السلام) بمائتي ألف صلاة (2).

و تُستحبّ الصلاة في بيوتهم أحياء، و لو وضعت فيها المقابر أو الحديد أو الصور؛ فإن أمكن أداء الصلاة بالخالي عن العارض منها، كان أولى. و لو دار الأمرُ بين الالتزام بالكراهة أو الخروج عنها، قدّم الأوّل.

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

(2) انظر الفقيه 1: 147، و التهذيب 6: 31.

68

الثاني: في باقي الأمكنة الشريفة المشتملة على رجحان،

كالمواضع المعظّمةِ، و الأماكنِ المشرّفةِ ممّا عدا المساجد، كحضراتِ الأنبياءِ السابقينَ، و كذا العلماء و الصلحاء.

و تُكره الصلاة مع استقبالهم، و ترتفع الكراهة باندراس قبورهم، و بفصل الضرائح و الصناديق إن شاء اللّه تعالى.

و القول بتقديم الرجحان في هذا الباب غير بعيد عن الصواب، فإنّ الذي يُشمّ من الأخبار أنّ أماكنَ الرحمةِ و المواضعَ الشريفةِ و الأزمنةَ الشريفةِ يتضاعفُ ثوابُ الأعمال و عقابها فيها، و الأراضي الموقوفة، و المدارس، و جميع الموقوفات التي وضعت للّه تعالى، و بيوت الأتقياء، و العلماء، أحياءً و أمواتاً، و كلّ موضِعٍ أُعدّ للعبادةِ، و إن لم يكن مسجداً، أو الأماكن الخالصة من شُبهةِ التحريم، و التنجيس، و حُصول بعض المنافيات الأُخر و إن كانت مجزية، ما لم يخرج فيها عن جادّة الاحتياط، و يدخل في حكم الوسواس (و ربّما يقال باستحباب ترك التقدّم على كلّ معظّم حيّاً أو ميّتاً؛ لموافقة الأدب و الدخول في مكارم الأخلاق) (1).

الثالث في المساجد

و البحث فيها في مقامين:

أحدهما: في بيان فضل الصلاة فيها

و فيه مباحث:

الأوّل: في مُطلق المساجد

تُستحب الصلاة فيها، و إن كانت للعامّة، فقد أُمرنا بتأدية الفريضةِ و النوافلِ في مساجدهم.

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

69

و عنه (عليه السلام) في جوابِ من قال: إنّي أكره الصلاة في مساجدِهم

إنّه لا يكره؛ فإنّه ما من مسجدٍ بُني إلا على قبرِ نبيّ أو وصيّ نبيّ قطرت فيه قطرة من دمه

(1). و روى تشديد الحثّ في حضور المساجد (2) حتّى وَرَدَ أنّه ليوشك أن تُحرق بيوت من لم يحضروها عليهم (3)، و أنّهم لا يؤاكلون، و لا يشاربون، و لا يناكحون، و لا يشاورون، و لا يحاورون، و لا تنالهم الرحمة، و لا يرزقون الجنة، و لا تُقبل لهم صلاة (4).

و رُخّص عند ابتلال النعالِ بالصلاة في الرحال (5)، و إذا لم يكن صحيح المزاج (6).

و إنّ مَن كان القرآن حديثه، و المسجد بيته، بَنى اللّه له بيتاً في الجنّة (7). و أنّ مَن صلّى في بيته جماعة رغبة عن المسجدِ، فلا صلاةَ له، و لا لمن صلّى خلفه (8).

و يُستحب المشي إليها، فقد روي: أنّ من مشى إلى المسجد لم يضع رجلًا على رطبٍ و لا يابسٍ إلا سبّحت له الأرض إلى الأرضين السابعة، و أعطاه اللّه تعالى بكلّ خطوةٍ خطاها حتّى يرجع إلى منزله عشرَ حسناتٍ، و محا عشر سيّئات، و رفع عشر درجات (9).

و يُستحبّ الاختلاف إليها، فإنّ مَن اختلف إلى المسجد أصاب إحدى الثمان: أخاً مستفاداً في اللّه تعالى، أو علماً مُستطرفاً، أو أية محكمة، أو يسمع كلمة تدلّه على هدى، أو رحمة مُنتظرة، أو كلمة تردّه عن ردى، أو يترك ذنباً خشية أو حياءً (10).

____________

(1) الكافي 3: 370 ح 14، التهذيب 3: 258 ح 723، الوسائل 3: 501 أبواب أحكام المساجد ب 21 ح 1 بتفاوت يسير.

(2) انظر الوسائل 3: 480 أبواب أحكام المساجد ب 3.

(3) التهذيب 3: 25 ح 87، الوسائل 3: 478 أبواب أحكام المساجد ب 2 ح 2 و 6.

(4) أمالي الطوسي 2: 308، الوسائل 3: 479 أبواب أحكام المساجد ب 2 ح 9.

(5) الفقيه 1: 246 ح 1099، الوسائل 3: 479 أبواب أحكام المساجد ب 2 ح 4.

(6) الفقيه 1: 245 ح 1.

(7) التهذيب 3: 255 ح 707، ثواب الأعمال: 47 ح 1، أمالي الصدوق: 405 ح 16، النهاية: 108، الوسائل 3: 481 أبواب أحكام المساجد ب 3 ح 2.

(8) أمالي الطوسي 2: 307، الوسائل 3: 480 أبواب أحكام المساجد ب 2 ح 10.

(9) عقاب الأعمال: 343، الوسائل 3: 483 أبواب أحكام المساجد ب 4 ح 3.

(10) الفقيه 1: 153 ح 714، أمالي الصدوق: 318، ثواب الأعمال: 46، الخصال: 409 ح 10، التهذيب 3: 248 ح 681، الوسائل 3: 480 أبواب أحكام المساجد ب 3 ح 1.

70

و إنّ في التوراة مكتوباً: «إنّ من تطهّر، و دخل المسجد فقد زارني، و حقّ على المزور إكرام الزائر» (1).

و روى: أنّ من أراد الغفران فليستغفر في المساجد (2)، و جميع الطاعات يتضاعف أجرها و جميع المعاصي يتضاعف وزرها، إلى غير ذلك من الأخبار (3).

المبحث الثاني: في فضيلة (4) بعض الأصناف الخاصّة

و هي ضروب:

منها: ما كان مجاوراً للمصلّين، فقد روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

أنّه لا صلاة لجار المسجد إلا في مسجده

(5). و عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

لا صلاة لمن لم يشهد الصلوات المكتوبات من جيران المسجد إذا كان فارغاً صحيحاً

(6). و عن عليّ (عليه السلام)

ليس لجارِ المسجد صلاة، إذا لم يحضر المكتوبة في المسجد، إذا كان فارغاً صحيحاً

(7). و عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

على جيران المسجد حضور الصلاة، فإن لم يحضروا لآمرنّ رجلًا من أهل بيتي و هو عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أن يحرق عليهم بيوتهم

(8). و الظاهر أنّ المرجع في صدق الجار إلى العُرف، و تحديده بغير ذلك لا يعوّل عليه، و هذه التشديدات محمولة على تأكد الاستحباب، أو خصوص زمان،

____________

(1) انظر الفقيه 1: 154 ح 721، علل الشرائع: 318، الوسائل 3: 482 أبواب أحكام المساجد ب 3 ح 5.

(2) التهذيب 3: 263 ح 745.

(3) الوسائل 3: 480 أبواب أحكام المساجد ب 3، 4.

(4) في «ح»، «م» زيادة: الصلاة في.

(5) التهذيب 1: 92 ح 244، الوسائل 3: 478 أبواب أحكام المساجد ب 2 ح 1.

(6) التهذيب 3: 261 ح 735، الوسائل 3: 478 أبواب أحكام المساجد ب 2 ح 3.

(7) قرب الإسناد: 68، الوسائل 3: 478 أبواب أحكام المساجد ب 2 ح 5.

(8) المحاسن: 84 ح 20، عقاب الأعمال: 276 ح 2، أمالي الصدوق: 392 ح 14، الوسائل 3: 478 أبواب أحكام المساجد ب 2 ح 2.

71

أو خصوص أقوام.

و منها: المساجد المهجورة؛ فقد روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنّها من الثلاثة التي تشكو عند اللّه تعالى: مسجد خراب لا يصلّى فيه، و عالم بين جهّال، و مصحف معلّق قد وَقَعَ عليه الغُبار لا يقرأ فيه، يقول المصحف: يا ربّ حرفوني و خرقوني، و يقول المسجد: يا ربّ عطّلوني و ضيّعوني، و تقول العترة: يا ربّ قتلونا و طردونا و شرّدونا: قال: «فأجثو للركبتين معهم للخصومة، فيقول اللّه تعالى: أنا أولى بذلك منك» (1).

و منها: جوامع المساجد؛ فإنّ الصلاة في المسجد الجامع بمائة صلاة.

و منها: مساجد القبائل؛ فإنّ الصلاة في مسجدٍ منها بخمس و عشرين صلاة.

و منها: مساجد الأسواق؛ فإنّ الصلاة في مسجدٍ منها باثني عشر صلاة.

المبحث الثالث: في فضيلة المساجد المشخّصة المعيّنة

و هي عديدة:

منها: المسجد الحرام

فإنّ من صلّى فيه مكتوبة، قبل اللّه تعالى منه كلّ صلاة صلاها من يوم كُتبت عليه الصلاة، و كلّ صلاة يصلّيها إلى أن يموت (2)، و الصلاة الواحدة فيه تعدل ألف صلاة في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و تعدل فيه مائة ألف صلاة في غيره من المساجد، و تعدل صلاة ستّين سنة و أشهراً في غيره (3).

و الزيادات فيه منه على الأقوى؛ لأنّهم لم يبلغوا بها على ما روي مسجد إبراهيم (عليه السلام)؛ لأنّ خط إبراهيم ما بين الصفا و المروة، و ما بين الحزورة و المسعى (4).

و أفضله الحطيم حول الباب، بينها و بين الحجر الأسود، ثمّ المقام على ما كان عليه

____________

(1) الخصال: 174 ح 232، الوسائل 3: 484 أبواب أحكام المساجد ب 5 ح 2.

(2) الفقيه 1: 135 ح 579، وص 147 ح 680، الوسائل 3: 536 أبواب أحكام المساجد ب 52 ح 1، 2.

(3) انظر الوسائل 3: 536 أبواب أحكام المساجد ب 52.

(4) انظر الوسائل 3: 541 أبواب أحكام المساجد ب 55.

72

سابقاً، ثمّ لاحقاً، ثمّ الحِجر مقابل الميزاب موضع صلاة شبر و شبير، ثمّ الأقرب فالأقرب إلى البيت (1).

و روي: أنّ الصلاة في الحرمين، و بين مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و المسجد الحرام تعدل ألف صلاة (2).

و منها: مسجد الخيف

أُضيف إلى الخيف لارتفاعه، كما في الرواية (3)، و هو مسجد منى، و مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) منه على عهده عند المنارة التي في وسط المسجد، و فوقها إلى القبلة ثلاثون ذراعاً، و كذا عن يمينها، و شمالها، و خلفها.

و روى: أنّ الصادق (عليه السلام) قال لمعاوية بن عمّار

إن استطعت أن يكون مصك فافعل، فإنّه قد صلّى فيه ألف نبيّ

(4)، و «أنّ من صلّى فيه مائة ركعة عدلت عبادة سبعين عاما» (5).

و يُستحبّ صلاة ستّ ركعات في أصل الصومعة.

و منها: مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

فعنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

الصلاة في مسجدي تعدل عشر آلاف صلاة في غيره من المساجد، إلا المسجد الحرام

(6)، قال: «و بيت عليّ و فاطمة ما بين البيت الذي فيه النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلى الباب الذي يحاذي الزقاق إلى البقيع» (7).

و عن الصادق (عليه السلام)، عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «إنّ الصلاة

____________

(1) انظر الوسائل 3: 538 أبواب أحكام المساجد ب 53.

(2) الخصال: 628، التهذيب 3: 250 ح 686، ثواب الأعمال: 50 ح 1، الوسائل 3: 550 أبواب أحكام المساجد ب 64 ح 1، 2.

(3) الكافي 4: 519 ح 4، الفقيه 1: 149 ح 691، التهذيب 5: 274 ح 939، الوسائل 3: 534 أبواب أحكام المساجد ب 50 ح 1.

(4) الكافي 4: 519 ح 4، الفقيه 1: 149 ح 691، التهذيب 5: 274 ح 939، الوسائل 3: 534 أبواب أحكام المساجد ب 50 ح 1.

(5) الفقيه 1: 149 ح 690، الوسائل 3: 353 أبواب أحكام المساجد ب 51 ح 1.

(6) الكافي 4: 556 ح 10، الوسائل 3: 543 أبواب أحكام المساجد ب 57 ح 4.

(7) الكافي 4: 555 ح 8، التهذيب 6: 8 ح 15، الوسائل 3: 542 أبواب أحكام المساجد ب 57 ح 1.

73

في مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) تعدل عشر آلاف من الصلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام».

و بيوت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و عليّ (عليه السلام) منه، و أفضل.

و أفضله بيت عليّ (عليه السلام) و فاطمة، ثمّ ما بين القبر و المنبر.

و حدّه في الأصل: الأُسطوانة التي عند رأس القبر، إلى الأُسطوانتين من وراء المنبر، إلى الطريق ممّا يلي سوق الليل عن يمين القبلة.

و حدّد بثلاثة آلاف و ستمائة ذراع مكسّرة.

و الظاهر أنّ لأرض المدينة و مساجدها من الفضل و من فضل الصلاة فيها ما ليس لغيرها من البلدان، فقول الصادق (عليه السلام)

الصلاة في المدينة كالصلاة في غيرها من البلدان

(1) محمول على بلدان خاصّة، أو بالنظر إلى مسجدها.

و منها: باقي مساجد المدينة

و أعظمها مسجد قبا؛ فإنّه المسجد الذي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى، و من صلّى فيه ركعتين رجع بعمرة.

ثمّ مسجد الأحزاب، و هو مسجد الفتح.

ثمّ مسجد الفضيخ، و الظاهر أنّه مسجد ردّ الشمس لعليّ (عليه السلام) (2)، و مشربة أُمّ إبراهيم، و قبور الشهداء.

و منها: مسجد الغدير

لقول أبي إبراهيم (عليه السلام): «صلّ فيه، فإن فيه فضلًا، و كان أبي يأمر بذلك» (3).

و عن الصادق (عليه السلام)

أنه تستحبّ الصلاة في مسجد الغدير؛ لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أقام فيه أمير المؤمنين (عليه السلام)، و أظهر فيه الحقّ

(4).

____________

(1) التهذيب 3: 254 ح 701، كامل الزيارات: 20، الوسائل 3: 544 أبواب أحكام المساجد ب 57 ح 9.

(2) في «ح» زيادة: و مسجد زين الساجدين و غيرها.

(3) الكافي 4: 566 ح 1، التهذيب 6: 18 ح 41، الوسائل 3: 549 أبواب أحكام المساجد ب 61 ح 2.

(4) الكافي 4: 567 ح 3، الفقيه 2: 335 ح 1557، التهذيب 6: 18 ح 42، الوسائل 3: 549 أبواب أحكام المساجد ب 61 ح 3.

74

و الظاهر أنّ الميسرة أفضل؛ لأنّ الصادق (عليه السلام) لما نظر إلى ميسرته، قال: «هذا موضع قدم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)» (1).

و منها: مسجد البصرة؛

لأنّه أحد المساجد المعظّمة، و قد صلّى فيه أمير المؤمنين (عليه السلام).

و منها: مسجد المدائن؛

لأنّه أحد المساجد المعظّمة التي صلّى فيها أمير المؤمنين (عليه السلام).

و منها: مسجد بُراثا

فعن جابر بن عبد اللّه الأنصاري: أنّ عليّاً صلّى بنا بعد قدومه من قتال الشراة و نحن زهاء عن مائة ألف رجل ببُراثا، فنزل نصرانيّ من صومعته، فقال: مَن عميد هذا الجيش؟ فقلنا: هذا، فأقبل إليه، و سلم عليه، ثمّ قال: يا سيّدي أنت نبيّ؟ فقال: «لا، النبيّ سيّدي» قال: فأنت وصيّ نبيّ؟ فقال: «نعم» ثمّ قال له: «اجلس، كيف سألت عن هذا؟» فقال: أنا بنيتُ هذه الصومعة من أجل هذا الموضع، و أنا (2) بُراثا، و قرأتُ في الكُتب المنزلة: أنّه لا يصلّي في هذا الموضع بهذا الجمع إلا نبيّ أو وصيّ نبيّ، و قد جئت أُسلم، فأسلم، و خَرَجَ معنا إلى الكوفة، فقال له عليّ (عليه السلام): «فمن صلّى ههنا؟» فقال: عيسى و أُمّه، فقال له: «فأخبرك من صلّى ههنا» فقال: نعم، قال له: «الخليل (عليه السلام)» (3).

و منها: بيت المقدس

فعن أبي جعفر (عليه السلام): «إنّ المساجد الأربعة: المسجد الحرام، و مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و مسجد بيت المقدس، و مسجد كوفان». ثمّ قال: «يا أبا حمزة، الفريضة فيها تعدل حجّة، و النافلة تعدل عمرة» (4).

____________

(1) الكافي 4: 566 ح 2، الفقيه 1: 149 ح 688، التهذيب 3: 263 ح 746، الوسائل 3: 548 أبواب أحكام المساجد ب 61 ح 1.

(2) في المصدر: و هو.

(3) الفقيه 1: 151 ح 699، التهذيب 3: 250 ح 686، الوسائل 3: 549 أبواب أحكام المساجد ب 62 ح 1.

(4) الفقيه 1: 148 ح 683، الوسائل 3: 550 أبواب أحكام المساجد ب 64 ح 1.

75

و عن عليّ (عليه السلام)

إنّ الصلاة فيه تعدل ألف صلاة

(1). و يتبعها البيت المتخذ في الدار للصّلاة، و جعله مسجداً أولى؛ فإنّه يستحقّ بذلك العتق من النار. و المكان الخالي، فقد روي: أنّه من صلّى في مكان لا يراه فيه أحد إلا اللّه، كانت له براءة من النار، و أنّه ينزل إليه سبعون ألف ملك يصلّون وراءه، و يستغفرون له إلى الغد من ذلك اليوم» (2). و الصفة للمرأة، ثمّ صحن الدار.

و منها: مسجد كوفان

فإنّ صلاة الفريضة فيه تعدل ألف صلاة في غيره من المساجد، و صلاة النافلة تعدل خمسمائة صلاة (3).

و في خبر آخر: «إنّ صلاة الفريضة فيه تعدل حجّة مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و صلاة النافلة فيه تعدل عمرة معه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)» (4).

و قد صلّى فيه ألف نبيّ، و سبعون نبيّاً، و ألف وصيّ منهم عليّ (عليه السلام)، و هو أحد المساجد الأربعة، و أحد المساجد الثلاثة التي تُشدّ إليها الرحال. قَصَدَه زين العابدين (عليه السلام) من المدينة و صلّى فيه ركعتين، ثمّ ذهب.

و الصلاة فيه فرداً أفضل من سبعين صلاة في غيره من المساجد.

فيه عصا موسى (عليه السلام)، و شجرة يقطين، و خاتم سليمان، و فيه فار التنور، و مخرق السفينة، و هو صرة بابل، و مجمع الأنبياء، و الجلوس فيه بغير ذكر و لا تلاوة عبادة.

و لو علم الناس ما فيه، لأتوه و لو حبواً.

و من كان من أهل الكوفة، و لم يصلّ كلّ صلاة فيه محروم من الخير.

____________

(1) الفقيه 1: 152 ح 703، التهذيب 3: 253 ح 698، ثواب الأعمال: 51، المحاسن: 55، الوسائل 3: 551 أبواب أحكام المساجد ب 64 ح 2.

(2) تنبيه الخواطر (مجموعة ورّام): 5.

(3) الكافي 3: 490 ح 1، التهذيب 6: 32 ح 62، و ج 3: 250 ح 688، أمالي الصدوق: 315 ح 4، أمالي الطوسي 2: 43، المحاسن 56 ح 86، الوسائل 3: 521 أبواب أحكام المساجد ب 44 ح 3، 4.

(4) التهذيب 6: 32 ح 61، كامل الزيارات: 28، الوسائل 3: 525 أبواب أحكام المساجد ب 44 ح 15.

76

و فيه تُطلب الحوائج.

و فيه بيت آدم، و بيت نوح، و مُصلّى إبراهيم الخليل، و مُصلّى الخضر، و مُصلّى عليّ (عليه السلام).

ميمنته رضوان اللّه، و ميسرته مكر، أي منزل الشيطان، و وسطه روضة من رياض الجنّة.

و لو علمَ الناس ما فيه من البركة، لأتوه من أقطار الأرض، و لو حبواً على الثلج، و يأتي يوم القيامة في ثوبين أبيضين بهيئة المُحرم، فيشفع لأهله، و لمن صلّى فيه، فلا تردّ شفاعته. و لا تعاقب الأيّام و الليالي حتّى ينصب الحجر الأسود فيه.

و هو مُصلّى المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه، و مُصلّى كلّ مؤمن، و البركة فيه على اثنى عشر ميلًا، و في وسطه عين من دهن، و عين من لبن، و عين من ماء شراب للمؤمنين، و عين من ماء طاهر للمؤمنين، منه سارت سفينة نوح، و فيه نسر، و يغوث، و يعوق. ما دعا فيه مكروب في حاجة من الحوائج إلا أجابه اللّه، و فرّج كُربته (1).

و الكوفة أفضل البقاع بعد حرم اللّه تعالى و حرم رسوله؛ فإنّها الزكيّة الطاهرة، فيها قبور النبيّين، و المرسلين، و الأوصياء، و الصادقين، و فيها مسجد سُهيل الذي لم يبعث اللّه تعالى نبيّاً إلا و صلّى فيه، و فيها يظهر عدل اللّه، و فيها يكون قائمه، و القوّام من بعده، و هي منازل النبيّين، و الأوصياء، و الصالحين، و هي حرم اللّه تعالى، و حرم رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و حرم عليّ (عليه السلام).

و قد نقص من مسجدها مقدار ما أُخذ من تربيعه، و كان حدّه آخر السراجين، هكذا خطّه آدم، ثمّ تغيّر بسبب الطوفان، ثمّ غيّره أصحاب كسرى و النعمان، ثمّ غيّره زياد بن أبي سفيان؛. (2)

و روى: أنّ من صلّى في مسجد الكوفة ركعتين يقرأ في كلّ ركعة: الحمد، و المعوّذتين، و الإخلاص، و الكافرون، و النصر، و القدر، و سبّح اسم ربك، فإذا سلّم

____________

(1) انظر الوسائل 3: 520 أبواب أحكام المساجد ب 44 ح 45.

(2) انظر الوسائل 3: 520 أبواب أحكام المساجد ب 44 ح 45.

77

سبّح تسبيح الزهراء (عليها السلام)، ثمّ سأل اللّه تعالى أيّ حاجة شاء قضاها له، و استجاب دعاءه، قال الراوي: سألت اللّه تعالى بعد هذه الصلاة سعة الرزق، فاتّسع رزقي، و حسن حالي، و علّمتها رجلًا مقتراً عليه، فوسّع اللّه تعالى عليه (1).

و أفضله الأُسطوانة السابعة، و هي مقام عليّ (عليه السلام) و الحسن (عليه السلام)، و كان عليّ (عليه السلام) يجعل بينه و بينها مقدار ممرّ عنز، و كان ستّون ألفاً من الملائكة يصلّون عند السابعة، ثمّ لا يعودون إلى السماء (2)، ثمّ الخامسة، ثمّ الرابعة (3).

و روى: أنّ السابعة مقام إبراهيم (عليه السلام)، و الخامسة مقام جبرئيل (عليه السلام) (4).

و روى: أنّ الرابعة أُسطوانة إبراهيم (عليه السلام) (5).

و منها: مسجد سُهيل

و يُسمّى مسجد السهلة، و يُسمّى مسجد بني ظفر، و عند الأئمّة (عليهم السلام) مسجد الثرى.

و فيه بيت إبراهيم الذي خرج منه إلى العمالقة، و فيه بيت إدريس الذي كان يخيط فيه، و فيه مناخ الراكب، و هو الخضر (عليه السلام)، و منه سار داود إلى جالوت، و فيه صخرة خضراء فيها صور جميع النبيين، و تحت الصخرة الطينة التي خلق اللّه منها جميع النبيّين، و فيها المعراج و هو الفاروق الأعظم، و منزل القائم عجل اللّه تعالى فرجه، و فيه ينفخ في الصور، و إليه المحشر، و يحشر من جانبه سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، و فيها زبرجدة فيها صورة كلّ نبيّ و وصيّ.

و ما من مكروب أتاه و صلّى فيه ركعتين بين العشاءين، و دعا اللّه عزّ و جلّ إلا فرّج اللّه كربته (6).

____________

(1) التهذيب 6: 37 ح 76، كامل الزيارات: 29، الوسائل 3: 531 أبواب أحكام المساجد ب 48 ح 1.

(2) كذا، و في الوسائل: ثمّ لا يعود منهم ملك إلى يوم القيامة.

(3) انظر الوسائل 3: 530 أبواب أحكام المساجد ب 47.

(4) الكافي 3: 493 ح 7، التهذيب 6: 33 ح 65، الوسائل 3: 531 أبواب أحكام المساجد ب 47 ح 5.

(5) الكافي 3: 493 ح 6، التهذيب 3: 251 ح 690، الوسائل 3: 530 أبواب أحكام المساجد ب 47 ح 4.

(6) انظر الوسائل 3: 532 أبواب أحكام المساجد ب 49.

78

و عن الصادق (عليه السلام): أنّ زيداً لو صلّى في مسجد سهيل، و استجار اللّه، لأجاره عشرين سنة (1)، و في كثير من الأخبار سنة (2).

(و قد استجرتُ به في سنة الطاعون مع ما يقرب من أربعين شخصاً على الظاهر، و قد أفنى الخلق، ثمّ بعد انقضائه ما فقد منهم أحد على الظاهر) (3).

و منها: المساجد الباقية في الكوفة

فعن أبي جعفر (عليه السلام): أنّ في الكوفة مساجد ملعونة، و مساجد مُباركة، فأمّا المُباركة: فمسجد غني، و اللّه إنّ قبلته لقاسطة، و إنّ طينته لطيّبة، و لقد وضعه رجل مؤمن، و لا تذهب الدنيا حتّى تفجر عنه عينان، و يكون عنده جنّتان، و أهله ملعونون، و هو مسلوب منهم. و مسجد بني ظفر، و هو مسجد السهلة، و مسجد بالحمراء، و مسجد جعفي، و ليس الان مسجدهم.

و أمّا المساجد الملعونة:

فمسجد شِبث بن ربعي، و مسجد الأشعث، و مسجد جرير، و مسجد سماك، و هذه الأربعة بُنيت فرحاً بقتل الحسين (عليه السلام)، و مسجد بالحمراء بني على قبر فرعون من الفراعنة، و مسجد بني السيّد، و مسجد بني عبد اللّه بن دارم، و مسجد ثقيف (4).

و ممّا لا بدّ أن يعلم توجيه تعارض الأخبار في عداد تضاعف الصلوات و الحجّات في الزيارات و الحسنات و السيّئات و نحوها: إمّا بالحمل على مراتب العاملين، أو على اختلاف النيّات، أو اختلاف العوارض، أو قابليّة المخاطبين، أو البناء على الكثير، و هو لا ينافي ثبوت القليل، إلى غير ذلك.

المقام الثاني: في بيان أحكامها

و هي على قسمين عامّة و خاصّة:

____________

(1) الكافي 3: 495 ح 3، التهذيب 3: 252 ح 693، الوسائل 3: 533 أبواب أحكام المساجد ب 49 ح 5.

(2) الكافي 3: 494 ح 1، الفقيه 1: 151 ح 698، الوسائل 3: 533 أبواب أحكام المساجد ب 49 ح 3.

(3) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

(4) هذا مجموع ما روي عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) فيها، انظر الوسائل 3: 519 أبواب أحكام المساجد ب 43.

79

القسم الأوّل: في الأُمور العامّة، و هي عديدة:

منها: أنّ المسجديّة تستدعي وقفاً (حكميّاً جعلًا و قضاءً حتميّا إن كانت من اللّه، كالمسجد الحرام، و مسجد كوفان في رواية (1)، و نحوهما، و في الوضع للعبادة تستدعي وقفاً) (2) عامّاً بالصيغة الموظّفة مع نيّة القُربة، و قصد الدوام لعوده إلى الصلاة، لا إلى المصلّي على الأقوى.

و لو قيّد في الصلاة أو المصلّين أو فيهما على وجه الشرطيّة، احتمل بطلان الوقف، و في الشروط خاصّة، و لعلّه الأقوى، و لو كان على طريق الحكم صحّ الوقف، دونه من غير ريب.

و يُشترط فيها القبض، بمعنى التخلية للمجتهد أو عدول المسلمين مع غيبته. و يقوى الاجتزاء بغير المجتهد في العمل، فلو صلّى مُصلّ فيه ركعة صحيحة أو ركعتين (3) حصل القبض، و الأحوط مُراعاة قبض المجتهد.

و الملك، أو الولاية، و الوكالة، و عدم المانع. و يصحّ فيه الفضولي على الأقوى.

و أن يكون وافياً بتمام بدن المصلّي، و إن كان واحداً، و لا يكتفى ببعضه. و حديث مفحص القطاة (4) منزّل على المثال، و ممّا يرجى وقوع الصلاة فيه، و رجاء صلاة الملائكة و الجن فيه لا يجزي فيه.

و أن تكون الصلاة ملحوظة للواقف منفردة أو مع غيرها من جميع العبادات، أو بعضها، و إن لم تكن ملحوظة صحّ الوقف، و لا مسجديّة، و إن كان له في مزيد فضل الصلاة خصوصيّة.

و منها: أنّ إطلاق الوقف يقتضي بلوغ تُخوم الأرض، و أعلى السماء، فيدخل

____________

(1) الفقيه 1: 150 ح 697، أمالي الصدوق: 189 ح 8، الوسائل 3: 526 أبواب أحكام المساجد ب 44 ح 18.

(2) ما بين القوسين أثبتناه من «ح».

(3) في «ح» زيادة: و يمكن إلحاق باقي العبادات.

(4) الفقيه 1: 152 ح 704، 705، الوسائل 3: 486 أبواب أحكام المساجد ب 8 ح 2 و فيه: من بنى مسجداً كمفحص قطاة بنى اللّه له بيتاً في الجنة. و مَفحَص قطاة: الموضع الذي تفحص فيه التراب أي تكشفه، مجمع البحرين 4: 177.

80

السطح، و المنارة، و البئر، و نحوها. و إن قيّد بالأعلى أو الوسط أو الأدنى أو المركّب من الاثنين قوي الجواز، فيختص الحكم بمحلّ القيد.

و لو انهدم العالي فبقي الهواء، بطل حكمه مطلقاً، أو بقي كذلك، أو عادَ إن عادَ البناء، و خير الثلاثة أوسطها.

و منها: استحباب تفريق الصلاة فيها، كما في غيرها من الفرائض أو النوافل، رواتب أو غيرها، (و يقوى تمشية ذلك إلى غيرها في جميع العبادات، لتعليل شهادة الأرض) (1).

و منها: أنّ ما كان من الجدران و المحاريب موضوعاً قبل الوقف فالظاهر شمول الوقف المطلق لها، و لما تحتها، و ما فوقها. و لو أُخرج شيئاً منها خرج. و لو كان بعده، فإن وضعت على المحلّ أو الموقوف دخلت، و إلا خرجت، إلا بوقف جديد، و تحتمل التبعيّة.

و منها: أنّ الصلاة يتبعّض ثوابها بتبعيضه، كأن يكون بعض من المصلّي في المسجد، و بعض خارجاً، أو يصلّي بعضاً ثمّ يقع الوقف، أو بعضاً خارجاً أوّلًا أو آخراً؛ لأنّ الفاصلة مقدار خطوة، فيتقدّم أو يتأخّر، أولا يعلم بالمسجديّة حين الدخول فعلم في الأثناء.

و منها: أنّ الصلاة إذا عارضت غيرها من العبادات، أو أخلّ بها بعضها، من تدريس و تعليم، أو قراءة قران، أو دعاء، أو ذكر رجّحت على المخلّ. و لو عارضت صلاة فريضةٍ من شخصٍ صلاة نفلٍ من آخر، فالأقوى عدم الترجيح.

و منها: أنّه يجوز أن يتّخذ مكاناً لمتولّي خدمة المسجد، أو لبئره، أو لكناسته، أو لفرشه، و أسبابه، أو لحوض مائه، أو لشجرٍ يظلّله، أو ينتفع به، من ثمرة أو خشبه لمصالحه، من سقفٍ و أعمدةٍ و نحوها، مع الاحتياج و عدم الإخلال بصلاة المصلّين، لضيق أو غيره.

____________

(1) ما بين القوسين زيادة في «ح».

81

و منها: أنّه لا يجوز اتخاذها أو اتخاذ بعض منها مع الإخلال و عدمه سوقاً أو مَعبراً أو طريقاً مُستدامة، أو وطناً و منزلًا، أو محرز الطعام، أو غيره، أو مزرعاً ينتفعون به.

و منها: أنّها إذا تعطّلت، و لم يمكن الانتفاع بها فيما وضعت له، جاز استيجارها من المجتهد، مع ضبط الوثيقة، خشية من غلبة اليد، و لا يجوز نقلها بالملك.

و إنّما يجوز نقل آلاتها مع عدم الانتفاع بها، و صرفها في منافعه. فإن لم يمكن، ففي منافع غيره من المساجد، فإن لم يمكن، ففي غيره من الأوقاف العامّة.

و منها: أنّه لا يجوز للجُنب، و الحائض، و النفساء مكث، و لا وضع شيء فيها، و لا تلويثها بالنجاسة، و لا بأس بالداخلة من دون إصابة، و لا بالمصيبة مع اليبس في الطرفين في وجه قويّ.

و يجب إخراجها فوراً عُرفيّاً على مُدخلها أولًا، و يُجبر على ذلك، فإن امتنع أو تعذّر، وجبَ كفاية. و القول بلزوم الأُجرة على المُدخل غير بعيد.

و في القول بإلحاق القذارات المؤذية أو مطلقاً وجه.

و لو صلّى من وجب الإخراج عليه مع وجودها و العلم بها، صحّت صلاته، و إن كان عاصياً.

و لو توقّفت الإزالة على مكث الجُنب، و نحوه جازَ المكث.

و لو أمكن تخفيف النجاسة كمّاً أو كيفاً، وجب. و لو دار بين إبقاء الغليظة و الخفيفة أو القليلة و الكثيرة، قدّم الأوّل من الأوّل، و الثاني من الثاني، و بين أحد الأوّلين و الثانيين يعتبر الميزان.

و منها: أنّه لا يجوز إخراج التراب أو الحصى منها ما لم تكن من الكناسة أو مضرّاً بها، و على المُخرج ردّها إليه أو الى مسجد آخر. و مع امتناعه أو تعذّره في لزوم الردّ على غيره كفاية إشكال.

و منها: أنّه يجوز هدمها لإصلاحها و توسعتها من الواقف أو الباني الأوّل أو لا، ما لم يدخل الدوام في الشرط على إشكال.

82

و منها: أنّه لا يجوز اتخاذها محلّا للضيافة، و لا بأس بنوم الغرباء فيها، و غيرهم.

و منها: أنّه لا يجوز اتخاذها مقبرة، و لا مطلق الدفن بها. و ما ورد من دفن الأنبياء و الأوصياء في الحجر و نحوه محمول على التخصيص، أو نسخ حكمه.

و منها: أنّها تثبت بالشياع الباعث على المظنّة القويّة، و لا يتوقّف على البيّنة العادلة.

و منها: استحباب بنائها و لو بوضع أحجار، ففي الحديث: «أنّ من بنى مسجداً في الدنيا أعطاه اللّه تعالى بكلّ شبر منه أو قال: بكلّ ذراع منه مسيرة أربعين ألف عام مدينة من ذهب، و فضّة، و درّ، و ياقوت، و زمرّد، و زبرجد، و لؤلؤ» (1). و إنّ العذاب يرتفع عن الناس بثلاثة أصناف: المتحابّين في اللّه، و المستغفرين بالأسحار، و العامرين للمساجد (2).

و منها: التطيّب و لبس الثياب الفاخرة عند التوجّه إليها.

و منها: تعاهد النعلين عند أبوابها.

و منها: كون المنارة مع سطح المسجد.

و منها: كون المطاهر على أبوابها.

و منها: كنسها و إخراج الكُناسة منها؛ فإنّ من كنس مسجداً يوم الخميس ليلة الجمعة فأخرج منه ما يذر في العين، غُفر اللّه تعالى له. و من قمم مسجداً، كتب اللّه له عتق رقبة. و من أخرج منه ما يقذي عيناً، كتب اللّه تعالى له كفلين من رحمته.

و منها: الإسراج فيها؛ فإنّ من أسرج في مسجدٍ من مساجد اللّه تعالى سراجاً لم تزل الملائكة و حملة العرش يستغفرون له ما دام في ذلك المسجد ضوء من السراج.

و منها: تعظيمها؛ لقول الصادق (عليه السلام)

إنّما أُمر بتعظيم المساجد؛ لأنّها بيوت اللّه تعالى في الأرض

(3).

____________

(1) عقاب الأعمال: 339.

(2) ثواب الأعمال: 211 ح 1، علل الشرائع: 521 ح 1، الوسائل 3: 486 أبواب أحكام المساجد ب 8 ح 3، 5.

(3) علل الشرائع: 318، الوسائل 3: 556 أبواب أحكام المساجد ب 70 ح 1.

83

و منها: سبق الناس في الدخول إليها، و التأخّر في الخروج عنها؛ لأنّها خير البقاع، و أحبّهم إلى اللّه تعالى أوّلهم دخولًا و اخرهم خروجاً.

و منها: استحباب صلاة ركعتين لمن دخل فيها، و لا يجعلها كالطريق.

و منها: أنّ السابق إليها مع بقائه فيها، أو بقاء احتياجه إليها أحقّ بها إلى اللّيل، كما في سائر الأُمور العامة من المشاهد، و غيرها.

و منها: أنّ الأعمال بأسرها يتضاعف ثوابها، لكن تضاعف ثواب الصلاة يزيد على تضاعفها (و كذا المعاصي يتضاعف وزرها) (1) كما أنّ كلّ فعل تشتدّ حُرمته لجهة مشتركة بين قويّة و ضعيفة، يكون الإثم فيهما أكثر من القسمين في غيرهما، و كما أن زنا المحصن مثلًا أشدّ حرمة، فنظره و لمسه كذلك. و كذا في باب الدماء و الجروح و المحترمات. و ليس منه لمس المحارم؛ لاختلاف الجهة.

و منها: دخولها على طهارة، و قول: «بسم اللّه، و السلام على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و ملائكته، على محمّد و آل محمّد، و السلام عليهم و رحمة اللّه و بركاته، ربّ اغفر لي ذنوبي، و افتح لي أبواب فضلك» و في الخروج مثل ذلك (2).

أو قول: «اللهم اغفر لي، و افتح لي أبواب رحمتك» حال الدخول، و عند الخروج: «اللهم اغفر لي و افتح لي أبواب فضلك» (3) و الوقوف حال لدعاء، و وَرَدَ من الدعاء غير ذلك (4).

و منها: استقبال القبلة بعد الدخول، ثم الدعاء و السؤال و البسملة و الحمد و الصلاة على النبي و آله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

و منها: الابتداء في الدخول بالرجل اليُمنى، و في الخروج باليُسرى.

و منها: طرد أهل المعاصي عن المساجد.

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

(2) التهذيب 3: 263 ح 744، الوسائل 3: 516 أبواب أحكام المساجد ب 39 ح 4.

(3) التهذيب 3: 263 ح 745، الوسائل 3: 516 أبواب أحكام المساجد ب 39 ح 5.

(4) انظر الوسائل 3: 517 أبواب أحكام المساجد ب 41.

84

و منها: السعي إليها و الإسراع، و دخولها على سكينة و وقار.

و منها: أنّ حريمها أربعون ذراعاً، يعني في الأرض المباحة.

و منها: جواز اتخاذ الكنيف مسجداً بعد تنظيفه، و لو بطرح تراب عليه.

و منها: جواز جعل البِيع و الكنائس مساجد، و جواز استعمال نقضها في المساجد.

و منها: جواز تعليق السلاح فيها، و يكره في المسجد الأعظم مطلقاً، و في القبلة.

و يكره فيها أُمور:

منها: كراهة إنشاد الشعر فيها، روي أنّه يُقال للمُنشد: فضّ اللّه فاك، إنّما نُصبت المساجد للقران (1). و هو منزّل على غير ما كان راجحاً.

و منها: ذكر أحاديث الدنيا، و حبّ الدنيا.

و منها: نقش المساجد بالصور، و تشريفها، بل تُبنى جمّا.

و منها: رطانة الأعاجم فيها، و لعلّ المراد اللسان الذي لا يفهم.

و منها: الوضوء فيها، إلا من حدث صدر فيها.

و منها: سلّ السيف فيها، و عمل الصنائع، حتّى بري النبل.

و منها: إباحة النوم فيها، إلا في المسجدين، فإنّه يكره.

و منها: البصاق مع إصابته، لا في ثوب و شبهه، و لا خارجاً عنه، كما إذا بصق فيه و ألقاه خارجاً. و يتأكد مستقبل القبلة، و يستحبّ دفنه إن وقع، (و ربّما جرى في جميع القذارات) (2).

و منها: التنخّع فيها، و يستحبّ أن يردّها لو تنخّع؛ فإنّها لا تمرّ بِداءٍ إلا بَرَأ.

و منها: دخولها و في فمه رائحة ثوم أو بصل أو كراث أو غيرها من المؤذيات ريحها.

و منها: البيع و الشراء، و جميع النواقل سوى الصدقات.

____________

(1) الكافي 3: 369 ح 5، التهذيب 3: 259 ح 725، الوسائل 3: 492 أبواب أحكام المساجد ب 14 ح 1

(2) ما بين القوسين زيادة في «ح».

85

و منها: تمكين الصبيان و المجانين منها.

و منها: إنفاذ الأحكام، إلا للإمام (عليه السلام).

و منها: رفع الصوت.

و منها: اللغو.

و منها: إقامة الحدود.

و منها: إنشاد الضالّة، و ينبغي أن يقال له: لا ردّها اللّه عليك.

و منها: نصب المحاريب الداخلة فيها، الّتي كأنّها مذابح اليهود.

و منها: الاتكاء و الاحتباء مقابل الكعبة.

و منها: الخروج من المسجد بعد سُماع الأذان إلا بنيّة العَود.

و منها: الخذف بالحصى (1) في المساجد و غيرها، و مَضغ الكُندُر في المساجد، و على ظهر الطريق، و من خذف بحصاة في المسجد لم تزل تلعنه (2).

و منها: كشف السرّة، و الفخذ (3)، و الركبة فيها.

و منها: السفر إليها عدا المسجدين، و مسجد الكوفة.

و روى: أنّ صلاة المرأة في مَخدعِها أفضل من صلاتها في بيتها، و في بيتها أفضل منها في الدار (4).

و روى خير مساجد نسائكم البيوت (5)، و أنّ صلاتها وحدها في بيتها كفضل صلاتها في الجمع خمساً و عشرين درجة (6).

و الظاهر اختلاف الحكم شدّة و ضعفاً، باحتمال الناظر و عدمه، و قلّته و كثرته، و الظلمة و الضوء، و المُماثل و غيره، و المحارم و غيرهم، و المراد المحافظة على الستر.

____________

(1) يقال: خذفت الحصاة و نحوها خذفاً: رميتها بطرفي الإبهام و السبّابة. المصباح المنير: 165.

(2) انظر الوسائل 3: 36 أبواب أحكام المساجد ب 36.

(3) الفخذ من الإنسان و غيره، بكسر الخاء و تسكينها، الجمهرة 1: 582.

(4) الفقيه 1: 259 ح 1178، الوسائل 3: 510 أبواب أحكام المساجد ب 30 ح 1.

(5) الفقيه 1: 154 ح 719، الوسائل 3: 510 أبواب أحكام المساجد ب 30 ح 2.

(6) مكارم الأخلاق: 233، الوسائل 3: 510 أبواب أحكام المساجد ب 30 ح 5.

86

المقام الثالث: في مكروهات أمكنة الصلاة

و هي عديدة:

منها: صلاة الحمّام و توابعها: من ركعات احتياطيّة، و أجزاء منسيّة، و سجود سهو، دون سجود الشكر و التلاوة، و صلاة الجنازة، و يُحتمل جريانها في جميع العبادات البدنيّة.

و كراهة الصلاة: إمّا لتوجّه النهي إليها مُقيّدة به، أو الكون فيه حال فعلها. و هو كالأول لا تكون الكراهة فيه إلا بمعنى أقليّة الثواب فيها بالنسبة إلى ما اقتضته طبيعتها.

و إن جعل متعلّقاً بالتعرّض للنجاسة من جهة الأرض، أو من جهة الداخلين من كفّار غير متشبّثين بالإسلام، أو متشبّثين كالغُلاة، و الخوارج، و النصّاب، أو متعلّقاً بالتعرّض لكشف العورة بارتفاع الإزار، أو عدم التوجّه لغلبة البخار (1) أو بانكشاف الرأس و بعض البدن، أو التعرّض للزلق فلا يبقى على هيئة المصلّي، أو مزاحمة الرجال، فلا يتمكّن من الاستقرار في بعض الأحوال، أو تسلّط الشياطين بدخول العُجب أو الرياء للمتردّدين، أو لترتّب الخلل بفعلها على قضاء مطالبه و استيفاء الغرض من مأربة، أو لنحو ذلك، كانت الكراهة على معناها.

و ربّما تسرّى مثل ما في المكان إلى اللّباس و الزمان (و قد يجعل من باب اختلاف التعلّق بالطبيعيّة و الشخص، و لا مُنافاة عقليّة) (2) و قد يقرّر ما في المكروهات في الأعمال المحرّمات فتختلف الأحكام، و يلزم إمعان النظر في مثل هذا المقام.

و المراد به: البيت الحارّ موضوعاً على الانفراد، أو مع مَسلخ أو غيره. و البيت المتوسّط بينه و بين المَسلَخ يجري عليه حكمه، و التوابع من الأمكنة يجري عليها حكم متبوعاتها.

و المبتدأ قبل الاستعمال و المهجور الخالي عن الماءِ و إن دخلا في اسم الحمّام لا تجري

____________

(1) في «ح» زيادة: أو للغشيان.

(2) ما بين القوسين ليس في «م» و «س».

87

عليهما الأحكام. و متى دخل خارج فيه من مَسلَخ أو غيره، دخل في حكمه؛ و متى خرج داخل عنه، خرج.

و تشتدّ الكراهة حيث نقول بعدم تعلّقها بالذات للذّات، بل لعروض العلل و الصفات باشتدادها، و تضعف بضعفها، و يدور الأمر مدارها وجوداً و عدماً، في حمّام أو غيره.

و لو جُعلت قطعة منه مسجداً، اجتمعت الكراهة و الندب من وجهين. و يُحتمل (بطلان الوقف، و على الأوّل يقوى) (1) ترجيح الأخير على الأخر.

و مع ضيق وقت الفريضة تجب فيه، و ترتفع الكراهة. و أمّا مع ضيق وقت النافلة، فالظاهر تغليب جهة الاستحباب، مع احتمال الخلاف.

و لو وضع بناء على عين حارّة و اشتمل على مثل ما في الحمّام، كان بحكم الحمّام، و تختلف مراتب الكراهة باختلاف أماكن الحمام شدّةً و ضعفاً بحسب الصفات إن جعل المدار عليها.

و منها: ما يُبال فيه من الأمكنة مع التكرار و بدونه أيضاً في وجه، و ما يتغوّط (2) فيه كذلك. و روى: أنّ الملائكة لا يدخلون بيتاً يُبال فيه، أو فيه إناء فيه بول (3)، و لعلّ بول الصبيان خارج عن الحكم.

و منها: المَزبَلَةُ، و هي مجمع القذارات، و الظاهر إلحاق جميع المواضع القذرة.

و منها: المَجزَرَة، و هي مكان الذَّبح المُعدّ له.

و منها: بيوت النّيران و غيرها من معابد أهل الضلال.

و منها: ما فيه خمر أو مُطلق المسكرات المائعة بالأصالة من البيوت، أو مُطلق الأماكن، ما لم يترتّب عليه سراية مُخلّة.

و منها: بيوت المجوس، و تضعف الكراهة مع رشّها و تجفيفها.

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «م» و «س».

(2) التغوّط قضاء الحاجة، و هي كلمة كناية لفعله. العين 4: 435.

(3) الكافي 3: 393 ح 26 ح 27، التهذيب 2: 377 ح 101- 107، الخصال: 138 ح 155.

88

و لا بأس ببيوت اليهود و النصارى، و كنائسهم، و بِيعهم (1). و الأولى أن يكون ذلك بعد الرشّ، و التجفيف.

و الظاهر أنّ مواضع نزول الغضب من بيوت جميع الكفّار و المُبدعين من المسلمين بل فاعلي الكبائر ينبغي تجنّب الصلاة فيها، و الظاهر التمشية إلى سائر العبادات، بل إلى الجلوس فيها لغير سبب.

و منها: مَبارك الإبل، و أشدّها كراهة مَعاطنها؛ و هي مَباركها حول ماء الورد.

و منها: مَعاطن الإبل و البقر و الغنم، إلا مع اليبس و الرشّ بالماء.

و منها: مرابط الخيل، و البغال، و الحمير، كما نقل الإجماع عليه (2). و الظاهر الاختصاص بالأهليّة.

و منها: قُرى النَّمل؛ و هي مجمع بيوتها.

و منها: مجاري المياه، مع وجود الماء و عدمه، و من كان في السفينة لا يدخل في الحكم.

و منها: الأرض السَّبِخَة، و لو كان فيها نبت أو كانت ممّا تستقرّ الجبهة عليها خفّت الكراهة، و تشتدّ الكراهة مع ضعف الاستقرار عليها حال السجود أو غيره، أو اشتداد صفتها من ملوحة و نحوها. و مع عدم حصول الاستقرار بالمرّة يحكم بالبطلان.

و لو عارض الكراهة رجحان روضةٍ أو مسجديّة، عمل على الرجحان. و لا منافاة بين كون الشيء محبوباً مكروهاً من وجهين، فإذا رجح أحدهما، ألغى اعتبار الثاني.

و يمكن توجيه ما ورد «من كون السبَخ و الماء المالح عدوّين لأهل البيت (عليهم السلام)، أو لم يقرّا بالوحدانيّة»، مع أنّ أشرف الأراضي كأرض كربلاء من القسم الأوّل، و ماء النجف و كثير من المياه المتكوّنة في المشاهد المشرّفة، و الأماكن المحترمة كحرم اللّه و حرم رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و حرم الأئمّة (عليهم السلام) من القسم الثاني: بأنّ الصفتين عارضتان لبعض الأسباب، غير موجودتين في مبدأ الخلق

____________

(1) البيعة بالكسر للنصارى، و الجمع بِيَع، مثل سدرة و سدر، المصباح المنير: 69.

(2) الغنية (الجوامع الفقهيّة): 555.

89

(أو أنّه لا منع من اجتماع الجهتين، أو أنّ جهة الشرَفِ غلبت، و يحتمل أنّ سبب العروض ما سبّب غضب اللّه تعالى) (1) أو أنّ العامّ مخصوص.

و منها: الثلج، و إذا اضطرّ بَسَطَ عليه ثوباً، و مع البسط قيل: تخفّ الكراهة، و لا ترتفع (2).

و منها: الرمل إذا لم يكن مُلبّداً (3) و كذا كلّ غير مُلبّد ممّا تصحّ الصلاة عليه.

و منها: ما بين المقابر، و السراديب بحكمها.

و يُعتبر بقاء بعض أعضاء الموتى فيها، فإذا اندرست الآثار، و لم يبقَ سوى علامة المزار، زالَ حُكم الكراهة.

و الظاهر كراهة مُحاذاة القبر مطلقاً.

و تختلف مراتب الكراهة باختلاف جهات القُرب، فما كان من الجهات الأربع أشدّ، ثمّ ما كان من الثلاث، ثمّ ما كان من الاثنين، و أدناها الواحدة. و لا يبعد القول بالتفاوت باعتبار قُرب زمان الدفن و بُعده، و صِغَر الميّت و كِبَره، و بعضه و كلّه، و ما في جهة القبلة أشدّ كراهة من غيره.

و ربّما كان الباعث و اللّه أعلم مع أنّ الذي يجيء في بادئ النظر رجحان ذلك؛ لبعثه على شدّة الخوف من اللّه تعالى، و زيادة التذلّل و الخضوع: أنّ المصلّي إذا رأى ما رأى يشتغل فِكره لدهشته و خوفه عن الصلاة.

أو أنّه ربّما كان الميّت بعيداً عن الرحمة مستحقّاً للعذاب، و تُكره الصلاة في مواضع العذاب، كأراضي الخَسف و نحوها.

أو أنّ المقبرة بنفسها شبيهة بمواضع الهلاك.

(أو لأنّهم كانوا يعبدون القبور، أو لعدم خلوّها غالباً عن الروائح النتنة، أو التعرّض للخبث، أو عدم مساواة الأرض) (4).

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

(2) التهذيب 2: 310 ذ. ح 1257.

(3) الملبّد: الملتصق المجتمع، مفردات الراغب: 446.

(4) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

90

و تتضاعف الكراهة في الصلاة في مقابر المغضوب عليهم، من الكفّار و نحوهم.

و لا ترتفع الكراهة بالحائل، و ترتفع الكراهة بوجود حائل مانع عن البصر مستقرّ، كجدار و نحوه. و تخفّ أو ترتفع بمثل اللّبِنَة (1) أو العَنَزَة (2) أو نحوهما. و الظاهر الاكتفاء في الحيلولة بوقوف إنسان أو حيوان أو فصل عشرة أذرع عن القبر.

و منها: مكان العبور، و ما فيه مظنّة المرور لإنسان أو حيوان، كلب أو غيره، من غير قُرب إلى جدار و نحوه، فيخصّ به، فترتفع الكراهة، و من دون قَلَنسوَة أو عَنَزة أو كومة تراب أو خطّ يكون علامة الاحتجاب، فتخفّ الكراهة، أو ترتفع.

و ينبغي أن يكون بينه و بين الستر ما لا يزيد على مَربض فرس. و أمّا مع أمن المار فلا استتار، و يحتمل ثبوت الاستحباب لنفسه.

و الظاهر اختلاف مراتب الاستحباب باختلاف كيفيّة الاحتجاب قوّة و ضعفاً، فأوّل المراتب الجدار مثلًا، ثمّ مؤخّر الرجل، ثمّ العنزة، ثمّ الحجر، ثمّ السهم (3)، ثمّ الخط.

و منها: الطرق التي يتكرّر الوطء عليها في البلد أو في الصحراء، و لا اعتبار بالمرّة و المرّتين مثلًا. و الظواهر من الجوادّ (4) إذا تكرّر الوطء عليها يجري عليها حكمها. و مع الهجر يلغو الحكم على الأقوى. و في إلحاق الطرق المرفوعة، و بين الدارين مع التكرّر وجه.

و منها: ما يكون إلى المرأة النائمة على ما قيل (5).

و منها: بيت فيه مجوسيّ، و إن كان مع مسلم. و لا بأس باليهودي، و النصراني و المشترك (6).

____________

(1) اللبنة: واحدة اللبن، بكسر الباء، و ما يعمل من الطين و يبنى به، المصباح المنير: 548.

(2) العَنَزة: و هي شبه العُكّازة. أساس البلاغة 2: 143. و قال الخليل: في طرفها الأعلى زُجّ يتوكّأ عليها الشيخ. العين 1: 356.

(3) السهم: واحد من النبل. و قيل: السهم نفس النصل. المصباح المنير: 292.

(4) الجوادّ: جمع جادّة، الطريق. جمهرة اللغة 2: 1038.

(5) الشهيد في الدروس 1: 155.

(6) في «س»: و المشرك.

91

و منها: أن تكون بين يديه نار مُضرمة، و يقرب جري الحكم في غير المضرمة، خصوصاً إذا كان من أولاد عَبَدة النار، أو الأصنام.

و ربّما سَرَى الحكم إلى كلّ مَعبود دون اللّه تعالى. و تشتدّ الكراهة في المستعلية كالمعلّقة. و المدار على ما يصدق فيه أن يقال بين يديه عُرفاً، فلا اعتبار بالبعيدة.

و منها: البيت الذي فيه تصاوير ذوات الأرواح، مُجسّمة أولا، من أيّ جانب كانت.

و الظاهر اشتداد الكراهة فيها لو كانت من جهة القبلة، و لو جُعلت مستورة أو خلفاً، أو تحت القدمين محلّا للوطء، أو في فُرش النساء، أو قطع منها رأس أو غيره من الأعضاء بحيث تُدعى ناقصة، خفّت الكراهة، أو ارتفعت.

و الأولى تجنّب صُور الأشجار، و الأثمار، و النباتات، و نحوها (و الظاهر اشتداد الكراهة في المُجَسّم ذي الروح، ثمّ غير المُجسّم منه، ثمّ المُجسّم من غيره) (1).

و منها: أن يستقبل قراناً مفتوحاً، أو غير مفتوح، و لم يكن في غلاف، أو ينظر إلى شيء مكتوب، من قران أو غيره، من خاتم أو غيره؛ لكراهة ذلك في الصلاة.

و منها: أن يستقبل باباً مفتوحاً لا مصراع فيها، أو فيها مصراع أو مصراعان مفتوحان.

و منها: أن يكون بين يديه إنسان مواجه، من امرأة قائمة أو جالسة، و يدرؤها عن نفسه كما في الخبر (2)، و أُلحق بذلك مُطلق الإنسان.

و منها: استقبال السيف، مُجرّداً أو في غِمده، فإنّ القبلة أمن (3). و الظاهر تمشيته إلى جميع ضروب السلاح؛ لظاهر التعليل.

و في اعتبار الإبصار في كراهة المستقبَلات، أو بعضها وجه قويّ.

و منها: بُيوت الغائط.

____________

(1) ما بين القوسين زيادة في «ح».

(2) قرب الإسناد: 204 ح 789، الوسائل 3: 475 أبواب مكان المصلّي ب 43 ح 3.

(3) انظر الوسائل 3: 472 أبواب مكان المصلّي ب 41.

92

و منها: استقبال الغائط.

و منها: دار فيها كلب برّي، سوى كلب الصيد، مع إغلاق الباب دونه.

و منها: بيت فيه جُنب (1).

و منها: البَيدَرُ المطيّن.

و منها: القتّ، و التبن، و الحنطة، و الشعير، و أشباهها، و إن وضع عليها فراش من حصير أو غيره، و الظاهر خفّتها حينئذٍ.

و منها: أن يكون بين يديه حائط حوله بالوعة ينزّ منها بول، و يَستحبّ ستره.

و منها: وادي ضَجْنَان، و الظاهر أنّ ضَجنَان جبل قُرب مكّة، و حوله وادٍ دون ما يُسمّى بذلك أيضاً، و هو جبل بالبادية (2).

و منها: ذات الصلاصل.

و منها: وادي الشّقرة، و الظاهر أنّ هذه الثلاثة مواضع خسف.

و منها: بابل.

و منها: البيداء، و ذات الجَيش.

و منها: الأماكن التي يكثر العبور فيها.

و منها: الأماكن المشتملة على ما يَشغل البال، من قيل و قال، أو حدوث بعض الأفعال.

و منها: الأماكن الشديدة الحرارة أو البرودة، أو الكثيرة الدُّخان، و نحو ذلك ممّا يشغل البال.

و منها: الأماكن التي فيها شُبهة تحريم، أو نجاسة، أو اضطراب يمنع الاستقرار و نحوها، و لم تبلغ حدّ المنع.

و منها: الأماكن التي فيها شُبهة حصول بعض الأسباب المكروهة.

و منها: استقبال الحديد.

____________

(1) جُنب يطلق على الذكر و الأُنثى، و المفرد و التثنية و الجمع. المصباح المنير: 111.

(2) قال الفيروزآبادي: ضجنان كسكران جبل قرب مكّة، و جبل آخر بالبادية. القاموس المحيط 4: 244.

93

و منها: بطون الأودية، و لو ركد الماء فيها.

و منها: المنازل التي ينزلها الناس فيها أبوال الدواب و السّرجين، و يدخلها اليهودا و النصارى، إلا أن يوضع عليها ثوب.

و تتضاعف الكراهة على اختلاف مراتبها بتضاعف الأسباب، من الاثنين و الثلاثة، و الأربعة و هكذا، و تختلف شدّة و ضعفاً بكثرة السبب و قلّته، أو قوّته و ضعفه.

و لو حَصَلَ التعارض بين الجهات، كان المدار على الترجيحات، و الذي يظهر من تتبع الآثار و إمعان النظر في الأخبار، و رجحان جميع ما يتضمّن تعظيم الصلاة، و جميع ماله مدخليّة في تحقيق العبوديّة، و ما له مدخل في رفع القذارة، أو تعريض النفس لمحالّ العذاب، و نحو ذلك من الأسباب.

و تجري أحكام المكروهات في الرّكعات الاحتياطيّة، و الأجزاء المنسيّة، و سجود السّهو. و في إلحاق صلاة الجنازة و سجود الشّكر و التلاوة، و جميع العبادات الأصليّة البدنيّة وجه قويّ. و في التبعيّة وجه ضعيف.

أحكام النوم و أقسامه

و روى: أنّه يكره النّوم بين صلاة الليل و الفجر، و لكن ضجعة بلا نوم (1). و بين طلوع الفجر و طلوع الشمس؛ لأنّ الملائكة تقسّم الأرزاق في ذلك الوقت، و من نام ذهب سهمه (2). و الظاهر أنّه لا بأس به لمن صلّى نافلة اللّيل، كما يظهر من الخبر (3).

و أنّ نوم الأنبياء على أقفيتهم، و نوم المؤمنين على أيمانهم، و نوم المنافقين على

____________

(1) كما في التهذيب 2: 137 ح 533، 534، و الاستبصار 1: 349 ح 1320، و الوسائل 4: 1062 أبواب التعقيب ب 35 ح 1.

(2) الفقيه 1: 319 ح 1453، 1454، التهذيب 2: 139 ح 540، 541، الوسائل 4: 1063 أبواب التعقيب ب 36 ح 4، 6.

(3) التهذيب 2: 137 ح 533، الاستبصار 1: 349 ح 1320، الوسائل 4: 1063 أبواب التعقيب ب 35 ح 2.

94

شمائلهم، و نوم الشياطين على وجوههم (1)، و أنّه بين العشاءين يحرم الرّزق (2).

و أنّ ثلاثة فيهنّ مقت اللّه: نوم بلا سهر، و ضحك بلا عجب، و أكل على الشّبع (3).

و أنّه لا سهر بعد العشاء الآخرة إلا لأحد الرّجلين: مصلّ أو مسافر (4)، و أنّ كثرة النّوم باللّيل تدع الرّجل فقيراً يوم القيامة (5).

و أنّه ليس في البدن أقلّ شكراً من العين، فلا تُعطوها سؤلها، فتشغلكم عن ذكر اللّه (6)، إذا نام أحدكم فليضع يده اليمنى تحت خدّه الأيمن، فإنّه لا يدري أ ينتبه من رقدته أو لا (7).

و أنّ الأرض تشتكي إلى اللّه من ثلاثة: من دمٍ حرام يُسفك عليها، أو اغتسالٍ من زنا، أو النّوم عليها قبل طلوع الشّمس (8).

و أنّ القيلُولة مأمور بها، و الشّيطان لا يقيل (9).

و أنّ الرّجل إذا رأى ما يَكره في منامه، فليتحوّل عن شقّه الذي كان عليه نائماً، و ليقل إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلّا بِإِذْنِ اللّهِ (10) ثمّ ليقل: عُذت بما عاذت به ملائكة اللّه المقرّبون، و أنبياؤه المرسلون، و عباده الصّالحون، من شرّ ما رأيت، و من شرّ الشّيطان الرّجيم (11).

____________

(1) انظر الوسائل 4: 1067 أبواب التعقيب ب 40.

(2) الفقيه 1: 318 ح 1446، الوسائل 4: 1068 أبواب التعقيب ب 40 ح 4.

(3) الفقيه 1: 318 ح 1448، الخصال: 89 ح 5، الوسائل 4: 1068 أبواب التعقيب ب 40 ح 7.

(4) الخصال: 78 ح 125، الوسائل 4: 1069 أبواب التعقيب ب 40 ح 10.

(5) انظر الوسائل 4: 1068 أبواب التعقيب ب 36 ح 8، 9.

(6) الخصال: 629، الوسائل 4: 1069 أبواب التعقيب ب 40 ح 12.

(7) الخصال: 636، الوسائل 4: 1069 أبواب التعقيب ب 40 ح 12.

(8) الخصال: 141 ح 160، الوسائل 4: 1064 أبواب التعقيب ب 36 ح 7.

(9) يقال: قالَ يقيلُ قيلًا و قيلولة نام نصف النهار، المصباح المنير: 521. و أُنظر الفقيه 1: 319، و الوسائل 4: 1066 أبواب التعقيب ب 39.

(10) المجادلة: 10.

(11) الكافي 8: 142 ح 106، الوسائل 4: 1065 أبواب التعقيب ب 37 ح 1.

95

و أنّ النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال لفاطمة (عليها السلام) في رؤياها التي رأتها: «قولي: أعوذ بما عاذت به ملائكة اللّه المقرّبون، و أنبياؤه المرسلون، من شرّ ما رأيت في ليلتي هذه أن يصيبني منه سوء، أو شيء أكرهه، ثمّ اتفلي عن يسارك، ثلاث مرّات»؛. (1)

خاتمة: في أحكام البيوت و المساكن و ما يتبعها

و ينبغي فيها المحافظة على أُمور:

منها: السّعة؛ فإنّ الصّادق (عليه السلام) قال

ثلاثة للمؤمن فيها راحة: دار واسعة تُواري عَورته و سوء حاله من النّاس، و امرأة صالحة تُعينه على أمر الدّنيا و الآخرة، و ابنة أو أُخت يخرجها من منزله بموت أو تزويج

(2). و عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «من سعادة المسلم: المسكن الواسع، و الجار الصّالح، و المَركَبُ الهنيء» (3).

و منها: تحجير السّطوح.

و منها: كَنس البيوت و الأفنية (4)، و غسل الإناء؛ لأنّها تجلب الرِّزق، و تنفي الفقر (5).

و منها: تنظيف البيوت من حَوك العنكبوت.

و منها: إسراج السّراج قبل غروب الشمس؛ لأنّه ينفي الفقر.

و منها: التحوّل عن الدّار الضيّقة، و إن كان قد اشتراها أبوه.

و منها: جلوس الدّاخل حيث يأمره صاحب البيت.

و منها: التسليم على الأهل حين الدخول؛ فإن لم يكن أهل، فعلى نفسه، و يقرأ «الإخلاص» لنفي الفقر (6).

و منها: إغلاق الأبواب، و تغطية الأواني و إيكاؤها، و إطفاء السّراج و إخراج النّار عند النوم

____________

(1) الكافي 8: 142 ح 107، الوسائل 4: 1066 أبواب التعقيب ب 37 ح 2.

(2) الكافي 6: 525 ح 3، المحاسن: 610 ح 18، الوسائل 3: 557 أبواب أحكام المساكن ب 1 ح 2.

(3) الخصال: 183 ح 252، الوسائل 3: 558 أبواب أحكام المساكن ب 1 ح 8.

(4) الأفنية جمع فناء: الوصيد، و هو سعة أمام البيت، و قيل: ما امتدّ من جوانبه، المصباح المنير: 482.

(5) انظر الوسائل 3: 570 أبواب أحكام المساكن ب 9.

(6) الخصال: 626، الوسائل 3: 575 أبواب أحكام المساكن ب 15 ح 1.

96

و منها: كون الخروج من البيت في الصّيف يوم الخميس أو الجمعة أو ليلتها، و الدّخول في الشتاء من البرد يوم الجمعة أو ليلتها.

و منها: مسح الفراش عند النّوم بطرف الإزار خوفاً من حادث حدث عليه، و قول: اللّهم إن أمسكت نفسي في مقامي هذا، فاغفر لها؛ و إن أرسلتها، فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصّالحين.

و منها: كتابة أية الكرسي على رأس ثمانية أذرع.

و منها: ذبح كبش سمين عند بنائها، و إطعام لحمه المساكين، فيقول: اللهمّ ادحر عنّي مَرَدة الجن و الإنس و الشّياطين، و بارك لي في بنائي، ليرزق ما سأل (1).

و منها: التسمية و قراءة الإخلاص عشراً، و الدّعاء بالمأثور عند الخروج من المنزل حضراً أو سفراً، و عند الدّخول.

و يُكره فيها أُمور:

منها: ضِيق الدار؛ لأنّ النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «الشؤم في ثلاثة أشياء: في الدّابّة، و المرأة، و الدّار؛ ففي المرأة غلاء مهرها، و عُسر ولادتها، و في الدابّة كثرة علفها، و سوء خلقها، و في الدّار ضيقها، و خُبث جيرانها».

و منها: تصوير صور الحيوان في السّقوف و الجدران، لأعلى نحو التجسيم، و إبقاؤها إلا أن تقطع رؤوسها، و محوها أفضل، و الأحوط تجنّبها.

و لا بأس بها للنّساء، أو مع التغطية، و بإبقائها في الفُرش توطأ بالأقدام.

و أمّا تصويرها على نحو الأجسام فحرام، و يجب محوها أو تغييرها.

و لا بأس بصور النّاميات من غير الحيوانات، فضلًا عن الجمادات؛ من فواكه، و أشجار، و نباتات، و نحوها.

و منها: رفع بناء البيوت فوق سبعة أذرع، و رُخّص في الثمانية، فإذا زاد على ذلك

____________

(1) انظر ثواب الأعمال: 221، و الوسائل 3: 590 أبواب أحكام المساكن 29 ح 1.

97

نودي: أين تريد يا أفسقَ الفاسقين (1)؟! و منها: المبيت على سطح غير محجّر، رجلًا كان أو امرأة، و أقلّه ذراعان، أو ذراع و شبر من الجوانب الأربعة؛ فإنّ من نام على سطح غير محجّر فأصابه شيء فلا يلومنّ إلا نفسه، و برئت منه الذمّة.

و منها: مبيت الرّجل أو المرأة على السّطح مع الوحدة.

و منها: البناء مع عدم الحاجة.

و منها: مبيت القُمامَةُ في البيت، خصوصاً خلف الباب؛ لأنّها مأوى الشّياطين، و عن النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «لا تؤوا مِنديل اللّحم في البيت؛ فإنّه مَربِض الشّيطان، و لا تزووا التراب خلف الباب؛ فإنّه مأوى الشّيطان، و لا تتبعوا الصيد؛ فإنّكم على غرّة (2)، و إذا بلغ أحدكم باب حجرته فليسمّ؛ فإنّه يفرّ منه الشّيطان، و إذا دخل أحدكم بيته فليسلّم؛ فإنّه تنزل البركة و تؤنسه الملائكة، و لا يَرتَدِف (3) ثلاثة على دابّة؛ فإنّ أحدهم ملعون، و هو المقدّم، و لا تسمّوا الطريق سكّة، فإنّه لا سكّة إلا سكك الجنّة، و لا تسمّوا أولادكم بالحكم و الحكيم؛ فإنّ اللّه هو الحكم، و لا تذكروا الأُخرى إلا بخير؛ فإن اللّه تعالى هو الأُخرى، و لا تسمّوا العِنَب الكَرم؛ فإنّ المؤمن هو الكَرم، و اتقوا الخروج بعد نومة؛ فإنّ للّه تعالى دوابّ يبثّها يفعلون ما يُؤمرون، و إذا سمعتم نباح الكلب، و نَهيق الحمير فتعوّذوا باللّه من الشّيطان الرّجيم؛ فإنّهم يَرون ما لا تَرون، فافعلوا ما تُؤمرون. و نِعمَ اللهو المغزل (4) للمرأة الصّالحة» (5).

و منها: السّراج في القمر؛ فإنها من الأربعة التي تذهب ضياعاً.

و منها: الأكل على الشّبع، و البذر في السَّبخة، و حُسن الصّنيع مع غير أهله.

____________

(1) المحاسن: 608 ح 7، الوسائل 3: 566 أبواب أحكام المساكن ب 5 ح 7.

(2) الغرّة بالكسر الغفلة، انظر المصباح المنير: 444.

(3) يقال: ردفه و أردفه و أرتدفه و تردّفه: ركب خلفه، أساس البلاغة 1: 333.

(4) قال ابن دريد: المُغزَل، بالضم و الكسر، لغتان فصيحتان. الجمهرة 2: 819.

(5) علل الشرائع: 583 ح 23، الوسائل 3: 572 أبواب أحكام المساكن ب 10 ح 2 و فيها: الحكم و لا أبا الحكم، بدلًا عن بالحكم و الحكيم.

98

و منها: ترك حَوك العَنكَبوت؛ فإنّه يُورث الفقر.

و منها: الدخول في بيت مُظلم بغير مصباح.

و منها: ترك غلق الأبواب، و كشف الأواني، و طرحها على ظهرها، و إبقاء السّراج و النّار عند النّوم في البيت.

و منها: المبيت في بيت لا باب له و لا سِتر.

و منها: مَبيت الإنسان وحده، إلا مع الضّرورة؛ فعن أبي جعفر (عليه السلام): «مَن تخلّى على قبر، أو بالَ قائماً، أو بالَ في الماء قائماً، أو مشى في حذاء واحدٍ، أو شرب قائماً، أو خلي في بيت وحده، أو باتَ على غَمَر (1) فأصابه شيء من الشيطان لم يدعه إلا أن يشاء اللّه تعالى» (2).

و منها: النّوم مع الوحدة، فعن أبي الحسن (عليه السلام)

لَعَنَ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ثلاثة: الأكل للزّاد وحده، و الراكب في الفلاة (3) وحده، و النّائم في البيت وحده

(4). و منها: تسمية الطريق سكّة.

و منها: تشييد البناء لغير الرياء و السّمعة، أمّا لهما فحرام.

و منها: التحوّل من منزل إلى آخر إلا للنُزه، للنظر في بعض المروّحات للنفس؛ فعن أبي الحسن (عليه السلام)

ثلاثة يجلون البصر: النظر إلى الخُضرة، و النظر إلى الماء الجاري، و النّظر إلى الوجه الحسن

(5). و منها: اتخاذ أكثر من ثلاثة فرش، و كثرة البُسط، و الوسائد، و المرافق، و النّمارق (6)

____________

(1) الغَمر بالفتح: ما بقيت رائحته في البدن من أكل الدّسَم خاصة، يقال: غَمِرَت يده تغمر غَمَراً فهي غَمِرة. الجمهرة 1: 781.

(2) الفلاة: الأرض لا ماء فيه، و الجمع فلًا، مثل حصاة و حصاً، و جمع الجمع أفلاء، مثل سبب و أسباب.

(3) الكافي 6: 533 ح 2.

(4) الخصال: 93 ح 38.

(5) الخصال: 92 ح 35، المحاسن: 622 ح 69.

(6) النمارق: الوسائد، أساس البلاغة 2: 477.

99

إلا مع الحاجة.

و منها: استدبار القبلة في الجلوس، إلا لواعظٍ أو مُدرّس أو معلّم، و نحوهم؛ فإنّهم يستقبلون وجوه المحتاجين إليهم.

و منها: أ لا يجلس بعضه على بعض، و لا يضع إحدى رجليه على الأُخرى، بل متربعاً أو على كَفَلِه (1).

و منها: أن ينام على يمينه أو على قفاه، دون بطنه و شماله، إلى غير ذلك ممّا يظهر من تتبّع كتب الاداب.

و في الخبر: «ما مِن مجلسٍ فيه أخيار و فجّار يقومون على غير ذكر اللّه إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة» (2).

و في خبر آخر بعد قوله على غير ذكر اسم اللّه: «و الصّلاة على محمّد» (3).

و في خبر آخر: «ما مِن مجلسٍ يُذكر فيه اسم اللّه، إلا نادى منادٍ من السّماء: قوموا فقد بدّلت سيّئاتكم حسنات» (4).

و مع التعارض بين المكروهات و المستحبّات فالتّرك أولى. و إذا تعارضت بعض آحاد القسمين، فالمدار على الميزان، بل تنبغي مُراعاة الميزان في المقامين.

القسم الرّابع: في القبلة

و فيه مباحث:

الأوّل: في بيان معناها،

و هي لغةً: عبارة عمّا يُستقبَل، و شرعاً: عن البِنية المخصوصة المسمّاة كعبة.

____________

(1) الكفل: العَجُز، المصباح المنير: 536.

(2) عدة الداعي: 241.

(3) عدة الداعي: 231.

(4) عدة الداعي: 238.

100

و مَدار الاستقبال شرعاً على الفضاء المقدّر بقَدَرها (مع احتساب ما سَامَتَ) (1) الشّاذَروان (2) منه، من تُخوم الأرض إلى أعلى السّماء. فالمتوجّه إليه مُستعلياً (3) على البِنية إلى السّماء، أو منخفضاً عنها إلى الثّرى مُستقبل لها. و لا مَدار على بُنيانها، فلا يخلّ انهدام حيطانها.

و هي القبلة لجميع مَن في الدّنيا ممّن في المسجد الحرام، أو خارجه، أو حرم اللّه تعالى، أو خارجه، غير أنّ المتوجّه إليها إن استطاع المقابلة الحقيقيّة كالقريب إليها كمن في المسجد مثلًا توجّه إلى عينها بكلّه مع الإمكان، و إلا فيما أمكن من بعضه.

و من لم تمكنه حقيقة المقابلة كالبعيد عنها بالنّسبة إلى القُدرة البشريّة، و من دون توسّط الات و نصب عَلامات، لزمته مُراعاة أقرب الجهات إلى المحاذاة. و لا يلزمه الأخذ بعلم الغيب لو كان من أهله، و لا نصب حبلٍ أو خيط ليتمكّن من العلم، و إن كان من قدرته، و لا الإغراق في التحقيق و التدقيق، و لا مراجعة علم الهيئة، و إن كان من أهله، و لا رجوعه إلى أهله، إن لم يكن من أهله. و إنّما يلزم عليه أن يستقبل جهةً لا يعلم خروج الكعبة منها، و لا يجد ما هو أقرب إلى الانطباق عليها، و مُسامتتها منها.

و من خرج عن سمتها بكلّه أو بعضه فلا صلاة له.

و لو استطال الصّف (4) حتّى خرج بعض منه عن المحاذاة بكلّ أو بعض، بطلت صلاته.

و يلزم أن يكون المأموم مساوياً للإمام أو أبعد منه عن القبلة فيمن يكون خارجاً عنها. و أمّا فيها فيقوى فيها عدم البأس في التقدّم و التأخّر و المحاذاة، و استقبال كلّ

____________

(1) بدل ما بين القوسين في «م»، «س»: مع قدر فضاء ما فوق.

(2) الشاذروان بفتح الذال من جدار البيت الحرام، و هو الذي تُرك من عرض الأساس خارجاً، و يسمّى تأزيراً؛ لأنّه كالإزار للبيت. المصباح المنير: 307.

(3) في «م»: مستلقياً.

(4) في «ح» زيادة: و حولها.

101

صاحبه و استدباره، مع الخبرة بأحوال الإمام على إشكال.

و من استقبل الجهات الأربع فيها في أربع صلوات ثمّ صلّى خامسة إلى البيت المعمور، أخذ بالجزم و طريق العلم.

و من صلّى في بطنها استقبل أيّ جدرانها شاء.

و من صلّى على سطحها أبرز منه أيّ قدر كان، بحيث يكون زائداً على محلّ قيامه، و جلوسه، و سجوده؛ ليبقى مقدار منه مُستقبَلًا له.

و هذا مبنيّ على إنكار (1) الشّاذَروَان، أو تقييد الخروج بما يزيد عليه، فلو بزر منه شيء عن المسامتة، أو حصل الانطباق من دون زيادة، بطلَت صلاته لو كان مختاراً.

و الأحوط الوقوف بحيث يكون جميع جهة طول الكعبة أو عرضها مُتقدّماً عليه.

و لا يجب أن يجعل شيئاً من الجدران و نحوها من شاخصٍ أو غيره في بطنها أو على سطحها في مقابلة وجهه؛ لأنّ المدار على الفضاء، دون البِنيَة، فلو صلّى محاذياً للباب فلا بأس.

و من صلّى فيها مُضطجعاً أو مُستلقياً لضعفه، لم يجز له مدّ رجليه في جَنَاح أو بدونه فيخرج عن الحدّ، بل يجب عليه أن يُبقي شيئاً منه لتحقيق الاستقبال.

و لو أمكنه إخراج رأسه أو ما يزيد عليه من مقدّمه مع الاستقبال بوجهه وجب.

و لو صلّى في بطنها جماعة، جاز جعل ظهر المأمومين إلى ظهر الإمام و غيره من الصّور المتعدّدة، و سقط حكم التقدّم و التأخّر. و لو قيل بوجوب المساواة، لم يكن بعيداً.

و الجهات الأربع للمتحيّر، و ما بين المشرق، و المغرب له ليست قبلة على الحقيقة على الأقوى، فلو نذرَ الاستقبال أو حلفَ أو عاهدَ عليه، و استقبلها لم يفِ بما صدر منه.

و المصلّي إلى جهة محراب النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أو المعصومين (عليهم السلام) في مواضع قبورهم مع العلم بعدم التغيير، و القطع بتوجّهه على نحو ما كان

____________

(1) في «م»، «س»: أن كان.

102

منهم حذو النّعل بالنعل أخذ بالقطع أو القريب منه؛ إن قلنا بأنّهم في مثل هذه الأحكام مكلّفون بوفق العلم الإلهي، و إلا فلا.

و الفضاء المُسامت لسطح الشّاذَروَان من فضاء الكعبة؛ لأنّ قريشاً لمّا علموا قصور المال الحلال عن إتمامها اقتصروها، و المعتبر أساسه، لا سطحه، و هو أعرض بيسير من أساسه.

و من أنكر كون الكعبة قبلةً في الجملة للصّلاة في الجملة، و هو بين أظهر المسلمين، فهو مرتدّ فطريّ أو ملّي، يجري حكمهما عليه.

أمّا مَن زَعَم أنّ القبلة البناء، أو بمقداره، أو عدم دخول الشّاذَروَان، أو أنّها لا يدخل فيها ما تحت الأرض و ما فوق السّماء، فليس بمرتدّ،، و لكنّه جاهل غير كامل.

المبحث الثاني: في طريق معرفتها

و لها طرق عديدة:

أحدها: مُلاحظة المحاريب المنصوبة التي صلّى فيها أو إليها معصوم،

كمحراب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و محراب الهادي (عليه السلام) في سامراء.

و محاريب مسجد الكوفة لا اعتبار بها؛ لما روي أنّها موضوعة على غير القبلة، و محاريبها اليوم تابعة لها، فهي إمّا أن تكون على هذه الحالة في عهد عليّ (عليه السلام)، و كان ينحرف فيها، أو كانت موضوعة على غير نحو وضع الجدران، ثمّ جعلت جديداً على نحوها.

و وضع حُجرة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و ضريحه الشّريف و محرابه مأخوذ يداً بيد، فعليه المعوّل. بخلاف بناء قبور الأئمّة (عليهم السلام) و ضرائحهم؛ فإنّها لم يكن وضعها عن رأيهم، و لا في أيّامهم، بل مُستجدّة بعدهم.

ثانيها: ملاحظة كيفيّة دفن المسلمين، و كيفيّة وضعهم حال الدّفن،

و حال الاحتضار، و حال التغسيل، و حال الصّلاة، و حال كيفيّة استقبالهم حال صلاتهم،

103

و حال محاريب مساجدهم، و ذبحهم و نحرهم، و حال وضع خلائهم، و وظائفهم المقرّرة في دعواتهم، و أذكارهم، و أعمالهم، إلى غير ذلك.

و لا يجب الاستقصاء لتحصيل العلم بالنّسبة إلى الوارد إلى البلد، و لا بالنّسبة إلى من كان من أهل البلد في غير محلّه بحيث يعسر عليه العلم.

و أمّا من كان في محلّه، و يتيسّر عليه العلم، فإنّه يجب عليه تحصيله.

ثالثها: بالنّسبة إلى أوساط العراق كالكوفة، و ما سامتها من موصل، و ما حاذاها إلى الحِجاز،

و قبلتهم الرّكن المشرقيّ المحاذي لمقام الحنبلي و بئر زَمزَم على ما قيل. و الذي ظهر لي بعد الاختبار أنه بين المشرقي الذي فيه الحجر، و بين الرّكن المسمّى بالشامي.

و علامتها: جعل الفجر الاعتدالي على المَنكِب الأيسر، و المغرب الاعتدالي على المَنكِب الأيمن، و وضع الجَدي عند غاية ارتفاعه أو انخفاضه بحذاء المَنكِب الأيمن، و عين الشمس في ابتداء الزوال على ما يميل من منتصف ما بين الحاجبين إلى الجانب الأيمن.

و أوثق منهما: نجم خفيّ يُدركه حديد النظر يدور عليه الجَدي، و لا تظهر للحسّ حركته، إذا وضع على المَنكِب الأيمن؛ لأنّه في محلّ القطب.

و قد تُعرف بمجاري القمر، و بعض الكواكب السيّارة، و الفَرقَدين، و بنات النّعش، و مهبّ الرّياح بوضع الدُّبُورُ مقابله، و الصّبَا خلفه (1)، و الشّمال على يمينه، و الجَنُوب على يساره، و التأمّل في أوضاع القمر في ليالي الشّهر، و ملاحظته على النّسبة، و لا ضابطة لأكثرها.

و الذي يظهر من النظر في سيرة المسلمين خَلَفاً بعد سَلَف من عدم التدقيق في أمر القبلة، و خلوّ الخُطَب و المواعظ من الحثّ عليها، و عدم التعرّض في الأخبار مع عموم البلوى بها لعلاماتها إلا فيما نَدَر، و لا للإلزام بالقضاء مكرّراً من جهتها، و ممّا يظهر

____________

(1) الدّبور: وزان رسول، ريح تهبّ من جهة المغرب تقابل الصّبا، و يقال: تُقبل من جهة الجنوب ذاهبة إلى المشرق، المصباح المنير: 189. و الصبا: وزان العصي، الريح تهب من مطلع الشمس. المصباح المنير: 332.

104

من الكتاب من سهولة أمرها أنّها مبنية على المسامحة، دون المداقّة.

و كفى شاهداً على صحّة ما ذكرناه أنّه ليس في الأخبار تعرّض لأمرها و لا بيانها، سوى قول أحدهما (عليهما السلام) لابن مسلم في وضع الجَدي في القفاء (1)، و له عرض عريض.

و قول الصّادق (عليه السلام) لرجل سأله: «اجعل الجَدي على يمينك، و إذا كنت في طريق مَكّة فاجعله في قفاك» (2) و في الخبرين من الإجمال ما لا يخفى.

و يُستحبّ لهؤلاء التياسر قليلًا؛ مُعلّلًا في الأخبار بأنّ أنصباء (3) الحرم من طرف اليسار ثمانية أميال، و من طرف اليمين أربعة، فالميل إلى اليسار أبعد عن احتمال الخروج عن الحدود (4). و القول به بناء على المسامحة قويّ؛ إذ ليس فيه خروج عن القبلة، بل منها إليها، و هو أبين شاهد على أمر المسامحة.

و قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في تفسير وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (5) في رواية السّكوني: «إنّ المراد بالنجم الجَدي؛ لأنّه نجم لا يزول، و عليه بناء القبلة، و به يهتدي أهل البَرّ، و البحر» (6) مع عدم التعرّض كما في الرّوايتين المتقدّمتين لعلوّ الارتفاع و الانخفاض، مع ظهور الاختلاف شاهد على ما ذكرناه.

رابعها: بالنّسبة إلى أهل الشام و من يُسامتهم من الجانبين، و قبلتهم الركن الشامي أو ما حاذاه.

و علامتهم: وضع بنات النّعش الكُبرى و هي ثلاثة منها حال غيبوبتها

____________

(1) التهذيب 2: 45 ح 143، الوسائل 3: 222 أبواب القبلة ب 5 ح 1.

(2) الفقيه 1: 181 ح 860، الوسائل 3: 222 أبواب القبلة ب 5 ح 2.

(3) كذا، و الأنصباء جمع نصيب، كما في المصباح المنير: 606، و في المصدر: أنصاب، و أنصاب الحرم حدوده. لسان العرب 1: 759.

(4) الفقيه 1: 178 ح 842، التهذيب 2: 44 ح 142، علل الشرائع: 318 ح 1، إزاحة العلة في معرفة القبلة: 3، الوسائل 3: 221 أبواب القبلة ب 4 ح 2.

(5) النحل: 16.

(6) تفسير العياشي 2: 256 ح 2، الوسائل 3: 223 أبواب القبلة ب 5 ح 3.

105

خلف الأذن اليُمنى، و الجَدي خلف الكَتِف اليُسرى إذا ارتفع، و مغيب سُهيل على العين اليمنى، و طلوعه بين العينين، و مهبّ الصّبَا و هو ما بين المشرق إلى الجَدي على الخدّ الأيسر، و مهبّ الشّمال و هو ما بين الجَدي و مغرب الاعتدال على الكَتِف الأيمن.

خامسها: بالنّسبة إلى أهل المغرب و من يُسامتهم من الجانبين.

و علامتهم: جعل الثّريا عند طلوعها على اليمين، و العَيّوق (1) عند طلوعه على اليسار، و الجَدي في جميع أحواله على صفحة الخدّ الأيسر.

سادسها: بالنّسبة إلى أهل اليمن، و من سامتهم من الجانبين.

و علامتهم: جعل الجَدي حال طلوعه بين العينين، و سُهَيل وقت غروبه بين الكَتفين، و مهبّ الجَنُوب و هو ما بين مطلع سُهَيل إلى مشرق الاعتدال على أسفَل الكَتِف اليُمنى.

و حيث عُلم من تتبّع السّيرة القطعية و ضرورة الشريعة المحمديّة (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الاكتفاء في جواز العمل بالظنون الاجتهاديّة، يُبنى فيها على الاجتهاد، و يجب عليه الإتيان بالممكن لو اضطرّ إلى ركوبٍ أو مشي في الفريضة دون النّافلة.

و لو دار الأمر بين سلوك ما فيه الاستقبال حال الصّلاة، و ما لم يكن فيه ذلك، استقبل ما فيه الاستقبال.

و لو دارَ بين الاستقبال لجزءٍ و جزءٍ آخر، قدّم الأهمّ فالأهمّ، و الأولى تقديم المقدّم.

و متى خرج شيء من بدن المصلّي عن مُسامتتها، كما إذا صلّى بقُربها منفرداً فلم يقابلها بكلّه أو بعضه، أو جماعة فطال الصفّ و فاتت المسامتة، بطلت صلاته. و مع الدّوران و مساواة الإمام أو أقربيّته إلى الكعبة فلا بأس.

____________

(1) العيّوق: كوكب بحيال الثريا، إذا طلع علم أنّ الثريا قد طلعت، و عيّوق فيعول، يحتمل أن يكون من عيق و من عوق؛ لأنّ الواو فيه سواء. العين 2: 179.

106

و لا ريب في جواز الاكتفاء بما جَرَت عليه عادة أهل الصّحاري و البُلدان في زمان بعد زمان، و عدم الاحتياج إلى النظر في علم يتعرّض فيه للبيان، و لا الرّجوع إلى عالم عارف كائناً من كان.

فلم يبقَ لنا حاجة في بيان غير ما ذكرناه، كما لم يكن لنا حاجة في بيان ما ذكرناه، فكلّ مصلّ في برّ أو بحر يكتفي بالظنون، و الترجيحات القياسيّة. و من أنكر ذلك، فقد أنكر حكماً من الأحكام الضروريّة.

المبحث الثالث: فيما يُستقبل له

و هو أُمور:

منها: الصّلاة الواجبة بالأصالة، أو بالعارض، و لو في الأثناء بعد العُروض.

و هو شرط فيها، و في المستحبّة بالعارض، كالاحتياط في إعادة أو قضاء، و نحوهما، و واجبة لها مع الإمكان، مع الاستقرار و بدونه.

و تتبعها الرّكعات الاحتياطيّة، و الأجزاء المنسيّة، و صلاة الجنازة، و سجود السّهو، دون التلاوة، و الشكر.

و شرط في الصّلاة المندوبة مع الاستقرار، أمّا لو ركب سفينة، أو دابّة، أو مشى أو عدا مختاراً، فلا شرطيّة، و إن كان الأولى بل الأحوط الاستقبال بتكبيرة الإحرام، من غير فَرقٍ بين حال السّفر، و الحضر، و النفل، و المقضي، و المُؤدّى.

و منها: الذّبح، و النّحر؛ فإنّه لا يحلّ المذبوح و المنحور مع الإمكان إلا مع الاستقبال بالمَنحَر و المذبح، و بل بمعظم مقاديم المذبوح، حتّى يصدق عليه أنّه مستقبل به. و مع العسر يُؤتى بالميسور.

و الأحوط اعتبار ذلك في الذابح مُتحداً أو مُتعدداً، فلو تعدّدوا في الذَّبح الواحد استقبلوا جميعاً (كما يُبسملون جميعاً) (1).

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «ح».