كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء - ج3

- الشيخ جعفر كاشف الغطاء المزيد...
527 /
407

أو مع الانضمام. و يُلحق بذلك نسيان (اطمئنان أو استقرار أو الوضع على ما لا يصحّ السجود عليه، على الأقوى) (1).

الخامس: الشكّ بين الأربع و الخمس

على وجهٍ يصحّ.

السادس: القيام في موضع القعود و بالعكس

في وجهٍ لا يخلو من قوّة، و الأحوط الإتيان بهما لكلّ زيادة و نقصان.

و تُستحبّان للشاكّ بين الثلاث و الأربع إذا ذهب وهمه إلى الأربع أو الثلاث، أو بين الثنتين و الأربع، أو بين الثنتين و الثلاث و الأربع، و لمن لا يعلم أزاد أو نقص ممّا لا يخلّ بالصلاة، و لكلّ زيادة أو نقيصة، (و لمن ظنّ تعداد الركعات، و لمن أراد أن يقرأ فسبّح، أو يسبّح فقرأ) (2).

المبحث الثاني: في كيفيّتهما

و هما سجدتان على هيئة سجود الصلاة، فيُعتبر فيهما بعد النيّة ما يُعتبر فيه من السجود على الأعضاء السبعة، و الاستقرار، و المقدار (و عدم الانفصال المخلّ بالهيئة، فلو أتى بواحدة، و نسي الثانية، فلم يذكرها إلا بعد فصلٍ طويل، أعادهما معاً في وجه قويّ) (3).

إنّما يخالفانه في الذكر، و التشهّد، أمّا الأوّل: فإنّ الذكر فيهما على التخيير عوض التسبيح بين قول: «بسم اللّه و باللّه، و صلّى اللّه على محمّد و آل محمّد» و قول: «بسم اللّه و باللّه، السلام عليك أيّها النبي و رحمة اللّه و بركاته» و بين قول: «بسم اللّه و باللّه، اللهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد».

و أمّا الثاني: فبأنّ التشهّد فيهما خفيف على طريق الوجوب أو الندب، و يقوى الأوّل. و ليس له لفظ مخصوص، و الظاهر أنّه على نحو تشهّد الصلاة، غير

____________

(1) بدل ما بين القوسين في «ح»: الوضع على ما يصحّ السجود عليه دون الذكر، و كذا الاستقرار على الأقوى.

(2) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

(3) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

408

أنّه تُترك زوائده، و له الاكتفاء فيه بقول: «أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أنّ محمّداً رسول اللّه».

و الأقرب عدم وجوب الصلاة، و إن كان الأحوط عدم تركها.

و لا تكبير فيهما، غير أنّه يُستحب للإمام أن يُكبّر في سجوده و رفعه، ليعلم المأمومين بسهوه.

المبحث الثالث: في أحكامهما

و هي أُمور:

منها: أنّهما يجبان فوراً، فلا يجوز تأخيرهما اختياراً، و لو تأخّرا اضطراراً سهواً أو إجباراً بقيتا في الذمّة، و لزم إيقاعهما حالَ حصول المُكنة.

و لو تركَهما عمداً، لم تفسد الصلاة، لكنه يعصي، و يبقى مُطالباً بهما، بخلاف الركعات الاحتياطيّة، و الأجزاء المنسيّة، و لا تجوز فعل القواطع بينها و بين الفريضة.

و منها: أنّه يجب تأخيرهما عن الأجزاء المنسيّة، و الركعات الاحتياطيّة، فلو قدّمهما عمداً، فسدت الصلاة.

و منها: أنّه يُشترط فيهما ما يُشترط في سجود الصلاة من شرائط الصلاة، من طهارة حدثٍ، و خبثٍ، و انتصاب جلوس قبلهما، و بينهما، و بعدهما، و استقرار فيه، و سجود على الأعضاء السبعة، و على ما يصحّ السجود عليه، و خصوص لباس، و مكان، و استقبال، و مُنافيات، و مقام اختيار، و اضطرار، و سنن، و هكذا.

و منها: أنّهما يتعدّدان بتعدّد الأسباب مُتجانساً، كتعدّد الكلام، و السلام، و تعدّد نسيان السجودات و نحوها، أو مُختلفاً، كالمجتمع من نوعين. و يتعدّد الكلام بالفصل، و السلام بتكرار الفصول الثلاثة، و بالواحد مع اختلاف المحلّ، و الأحوط تكرار السجودات بتعدّد آحاد التسليمات.

و منها: أن يقدّم سجود المقدّم على سجود المؤخّر، مع الاتحاد في السبب. و مع الاختلاف يقدّم مَعلول النقص على مَعلول الزيادة، و معلول السهو على معلول

409

الشك، منوياً به التعيين. و الأقوى عدم وجوب التعيين؛ فلو اشتبه المقدّم بالمؤخّر، لم يجب التكرار.

و منها: أنّه لو دَخَلَ فيهما فذكر عدم السبب، قطعهما. و لو شكّ فيه، أتمهما. و في إلحاق الظنّ بأيّهما احتمالان، أقواهما الإلحاق بالثاني.

و منها: أنّ الحكم متمشّ في الفرائض الأصليّة اليوميّة، و في جريانه في الأصليّة غير اليوميّة وجه قويّ، و في العارضية ضعيف كما مرّ.

و منها: أنّها لو كانت بحيث لو فعلت بعد الظهر ضاقَ وقت العصر عن ركعة، أُخّرت، و لم تفسد الظهر.

و منها: أنّه لو علمَ حصول سبب وجوبهما، و لم يعلم بوحدته و تعدّده، بَنى على الوحدة، و يقصد الواقع إن لم يتعيّن عنده.

تتمّة:

فيما يتعلّق بالثلاثة من الأجزاء المنسيّة، و الركعات الاحتياطيّة، و سجود السهو، و هو أُمور:

منها: أنّها لو اجتمعت، قدّم ما كان من الاحتياطيّة على الأجزاء المنسيّة، و على سجود السهو، تَقَدّمَ السبب أو تأخّر. و في بعض الروايات تقديم سجود السهو على الأجزاء المنسيّة (1)، ثمّ ما كان منهما على ما كان من سجود السهو.

و لو قيل: بوجوب تقديم المقدّم من القسمين الأوّلين، لم يكن بعيداً.

و منها: أنّها تشترك في وجوب المبادرة، و يختصّ الأوّلان بفساد الصلاة مع عدمه، و مع الإتيان بالمُفسد على نحو الصلاة، و منزلتهما منها منزلة الأجزاء.

و منها: أنّ الشكّ فيها لا مَدار عليه، و كذا السهو مع فوات محلّ التدارك، و مع بقائه يقوى القول بلزوم تداركه. و كذا الكلام (و نحوه ممّا يُفسد مع العمد دون السهو،

____________

(1) الكافي 3: 357 ح 7، التهذيب 2: 344 ح 1430، الوسائل 5: 341 أبواب الخلل ب 26 ح 2.

410

و لو أزاد سجدة فلا بأس، و في السجدتين إشكال، و ما أخلّ بالسورة أفسدهما كما) (1) في إعادة الصلاة.

و منها: أنّه لو دارَ الأمر بين أحدهما مُعيّناً، و بين سجود السهو، أتى به أوّلًا، ثمّ بسجود السهو. و لو دارَ بينهما، فسدَت الصلاة.

و منها: أنّها تشترك في لزوم شرائط (الصلاة) (2) و في الاختصاص بالصلاة اليوميّة دون غيرها من الصلوات في وجه قويّ.

و منها: أنّه مع فوات الوقت بالخروج، يحتمل أن يكون أداءً تبعاً للصّلاة، و يحتمل القضاء.

و منها: إنّ للمأموم مُتابعة الإمام مع الاشتراك في السبب، (و الأفضل مُتابعته) (3) مع عدم الاشتراك أيضاً؛ تحصيلًا للأجر.

و منها: وجوب نيّة مستقلّة، و لا تكفي الحكميّة في شيء منها.

المبحث السابع عشر: في عوارض الصلاة

و هي أربعة أقسام:

الأوّل: ما يُبطل عمداً و سهواً، و اختياراً و إجباراً، فرضاً و نفلًا،

مع ضيق الوقت و سعته، و هو أُمور:

أحدها: الحدث من غير مُستدامه، من المستحاضة، و المبطون (4)، و المسلوس (5)، فإنّه إذا انقطع، و حدث في أثناء الصلاة، لم يفسدها، على نحو ما سبق ذكره.

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

(2) في «م»، «س»: السجود.

(3) بدل ما بين القوسين في «س»، «م»: و الأحوط متابعته في سجود السهو.

(4) المبطون الذي في بطنه مرض كالاستسقاء و نحوه لسان العرب 13: 53.

(5) سَلَسُ البول: استرساله و عدم استمساكه لحدوث مرض بصاحبه. المصباح المنير: 285.

411

ثانيها: السكوت الطويل، و الفعل الكثير الماحيان لصورة الصلاة، (و كذا القليل مع المحو، كبعض هيئة اللهو و اللعب و إن قلّت) (1).

ثالثها: عروض ما يُفسد الإخلاص، من رياءٍ و عُجبٍ و نحوهما، متعلّقين بنفس العمل أو صفاته المقارنة مع المقارنة، و مع التأخّر يقوى العدم. و لو تَعلّقا بغير العمل بزعم العمل، قويَ البطلان.

و لا فرق بين جاهل الموضوع أو الحكم، و ناسيهما و ناسي العمل.

رابعها: عروض الكُفر أو مُطلق فساد العقيدة، و الجنون، و الإغماء، في فرضٍ أو نفل، و الأخيران داخلان في القسم الأوّل.

خامسها: دخول عمل اللهو و الصوت بلا حروف على نحو الغناء، و إن قِ، لذهاب الهيئة (2).

القسم الثاني: ما يُبطل عمداً و سهواً، مع سعة الوقت، و الاختيار،

و عدم الإجبار في الفريضة مطلقاً، و في النافلة مع الاستقرار أو التوجّه إلى غير جهة حركته، و هو التشريق، و التغريب، و الاستدبار، مع الذكر في الوقت.

القسم الثالث: ما يُبطل عمداً مع الاختيار، دون الاضطرار في وجه قويّ،

و هو أُمور:

أحدها: عروض الانحراف عن القبلة إلى ما بين المشرق و المغرب في غير النافلة مع عدم الاستقرار.

و تفصيل مسألة الالتفات: أنّه إمّا بكلّ البدن، أو ما عدا الوجه، أو بالوجه كلا، أو بعضاً، بتمام الصفحة اليمنى أو اليُسرى أو بعضهما، أو بالعينين، أو إحداهما، إلى دُبر

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «ح».

(2) الأمر الخامس ليس في «م»، «س».

412

القبلة، أو المشرق، أو المغرب، أو ما بينهما، عمداً اختياراً، أو اضطراراً، أو سهواً.

فالالتفات إلى عكس القبلة أو المشرق أو المغرب في الأقسام الثلاثة الأُول مُبطل في الأحوال الثلاثة، لكن في السهو مشروط بحصول الذكر قبل مضيّ الوقت المتّسع لفعل الكلّ، لا البعض، و إن كان ركعة على إشكال.

و إلى ما بين المشرق و المغرب مُفسد فيهما مع العمد فقط.

و يقوى ذلك في تمام إحدى صفحتي الوجه أو أكثرها. و أمّا في البعض يسيراً، و في الساقين و القدمين، فلا إفساد بسببهما، إلا فيما لم يكن بين المشرق و المغرب.

و أمّا فيما بين المشرق و المغرب، فلا يفسد العمد، و لا السهو. و أمّا العينان، فلا بأس بالتفاتهما، ما لم يستتبع مُفسداً.

و ما كان من الشرائط العلميّة الاختياريّة كنجاسة الخبث، و انكشاف العورة، و عدم الإباحة في محلّ اشتراطها، و نحو ذلك من ذلك.

ثانيها: الكلام بغير القرآن، و الذكر، و الدعاء. و لو أتى بها بوجهٍ حرام كالغناء و نحوه، دخلت في الكلام (و فيه و في جميع مُفسدات العمد دلالة على أنّ نيّة القطع و القاطع غير مُفسدة).

و المُراد به هنا (1) و إن كان عاما في أصل اللغة ما تركّب من حرفين مُنفصلين (2) أو مُتّصلين، مُمتزجين أو مُنفردين، مُهملين أو مُستعملين، واجبين كما إذا توقّف عليهما تخليص نفس مُحترمة أو ردّ السلام أو غير واجبين، مُتجانسين أو مُختلفين، أو كان حرفاً مُفهماً للمعنى، غير قران غير منسوخ التلاوة، متلوّ على الوجه الصحيح، أو ذكرٍ، أو دعاءٍ، عربيّين أو غير عربيّين، أو مُحرّفين، أو ملحونين، و منه السلام، و سائر الألفاظ، و التحيّة، عربيّة و غيرها. و مع قصد القرآن أو الدعاء لا بأس بها.

و الحرف الممدود مع التقطيع حروف، و بدونه حرف واحد، و لو كان بفرض التقطيع يعود حروفاً.

____________

(1) في «ح» زيادة: في الحكم، لا في صدق الاسم.

(2) في «ح» زيادة: مقترنين.

413

و الحرف مع المَدّةِ حرفان.

و التنحنح، و التنخّم، و البصاق، و النفخ، و السعال، و التثاؤب، و العطاس، و البكاء، و الضحك، و إن ولّدت حرفين غير مقصودين ليست بكلام.

و التأوّه، و التأفيف و الأنين إذا ولّدت حرفين، من الكلام مطلقاً. و الغلط و لو بسلام الصلاة ليس بكلام مُفسد. و روى: أنّ من تكلّم في صلاته كبّر فيها تكبيرات.

و يُستثنى منه: ردّ السلام، دون باقي التحيّات في مقام وجوبه و تعيّنه، أو كفائيّته و لم يتقدّمه أحد.

و لو كان المُسلّم كافراً، أو مُسلِماً غير مؤمن، أو مجنوناً، أو غير مميّز، أو قاصداً به آخر، أو لا يسمع الردّ، و لا ينتفع به، أو كان السلام مهدوم الهيئة، لنقصٍ، أو تفريق الكلمات، أو الحروف، أو تبديلها، أو الاقتصار على المبتدأ أو الخبر، أو تقديم الخبر على المبتدأ، أو أُضيف إليه شيء كقول: «سلام الله، أو سلام أنبيائه، و رسله، أو سلام منّي أو منّا، و نحوها، أو تسليمات، أو سلامات، أو أُسلّم، أو نسلّم، أو كلّ السلام، أو بعض السلام، أو كرّر صيغة السلام بعد الردّ في المجلس الواحد، و نحو ذلك، لم يجب الردّ.

و لا على من كان سلامه مُشتملًا على خطاب الأُنثى في السلام على الذَّكَر، أو الواحد في مقام الجمع و الاثنين، و نحو ذلك، فلا يجوز الرد في الصلاة، و في آخر الأقسام كلام.

و صورة الردّ في الصلاة: سلام عليكم، أو السلام عليكم، أو سلام عليك، أو السلام عليك. و بالنسبة إلى الإناث يؤتى بما يناسبهن. و الأحوط الاقتصار على الأوّلين، قصداً للمجاز، و الوقف في الأخيرين، و أمّا التثنية فالأحوط تركها في المقامين) (1).

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

414

و الأقوى جواز ردّ السلام بمثل ما قال: إن دخل تحت المتعارف.

و لو تركَ الردّ مع الوجوب عصى، و صحّت صلاته، و سيجيء بيان حكم السلام مُفصّلًا.

و لا يجوز الابتداء بالسلام، و لا الجواب مع سبق المُجيب.

و لو كانَ يقرأ القرآن فقال سَلامٌ عَلَيْكُمْ* قارئاً مُحيياً أو مجيباً، قويَ الجواز.

و لو قصدَ الدعاء دون التحيّة، لم يكُن حرج. و لو قصدَهما معاً، أشكل.

و يجوز تحميد العاطس، و يستحبّ فيه الجهر بحيث يسمع، و تسميت المؤمن المُماثل، و لو قيلَ بالعموم، لم يبعد. و هو عينيّ لا كفائي، و فوريّ لا قضاء. و يُعتبر الإسماع بقول: «يرحمكم اللّه» أو «يرحمك اللّه» أو «رحمك اللّه» بقصد الدعاء.

و يُستحبّ الردّ بقول: «يَغفر اللّه لك، أو لنا و لكم، أو يَرحمكم اللّه، أو يهديكم اللّه، و يصلح بالكم» و هو فوريّ كفائيّ (1) لا يُقضى، و لا يجوز تغيير الهيئة بوجه من الوجوه (2).

و يُستحبّ التحميد عند سماع العطسة، فقد روي: أنّ من سمع العطسة فليقل: الحمد للّه، و صلّى اللّه على النبي و آله، أو على محمّد و آله (3).

و لا فرق في المتكلّم بين العالم بالحكم و الجاهل به، و العالم بالموضوع و الجاهل به. و أمّا الناسي فلا بأس عليه، و يلزمه سجود السهو كما مرّ.

و ليس منه ما يقع من الغلط في قران أو ذكر أو دعاء، و لا الحروف المقتطعة بسبب الإصلاح من القرآن و تابعيه. و لو فصّل عمداً، و لم يقصد الإصلاح، أو كرّر لمجرّد الوسواس في إحداثها، فالظاهر أنّه خارج عنها.

و لو اشتبه في بِنية كلمةٍ أو حكمها، و دارَ بين آحاد محصورة، جاز الإتيان

____________

(1) في «ح» زيادة: على الأقوى.

(2) في «ح» زيادة: مع عدم قصد الدعاء.

(3) الكافي 3: 366 ح 3، الفقيه 1: 239 ح 1058، التهذيب 2: 332 ح 1368، الوسائل 4: 1268 أبواب قواطع الصلاة ب 18 ح 3، 4.

415

بالجميع. و الأحوط الرجوع إلى غير تلك السورة إن أمكن، و إلا أتمّ مكرّراً، أو موحداً، أو أعاد.

و لو توهّم مقام السلام فسلّم، أو زعمَ إتمام الصلاة فتكلّم، ثمّ ذكر النقص، عُدّ ساهياً.

و إشارة الأخرس، و إدارة لسانه تتبع قصده، كلاماً، و قراناً، و ذكراً، و دعاءً، و سلاماً، و جواباً، و هكذا.

ثالثها: التكفير؛ بوضع اليمين على الشمال بقصد السنّة في محلّها، فإنّه من مُبطلات العمد. و في تغيير الوضع بأقسامه أو القصد إشكال.

و لا بدّ من المحافظة على الاحتياط، فيدخل فيه وضع زند اليمنى أو كفّها (1) مُتقرّباً أو لا، تحت السرة بحيث لا تشغل عن النظر، أو فوقها إلى حدّ العنق، ظهراً على ظهر أو بطن، أو بطناً كذلك، مع الاتصال بالبدن أو الانفصال يسيراً، حال القراءة أو ما قام مقامها، أو القيام أو ما قام مقامه، أو غيرهما من أحوال الصلاة، و أجزائها المنسيّة، و ركعاتها الاحتياطيّة، فرضاً أصليّاً يوميّاً أو غيره، أو عارضيّاً، أو نفلًا. و في إلحاق صلاة الجنازة، و سجود الشكر و التلاوة وجه.

و وضع اليسير، و إلصاق الكفّين، بل مُطلق اليدين، من دون وضع لا يُلحق به. و كذا لو كانتا مشدودتين من غير قصد.

رابعها: القهقهة؛ و المراد بها ما قابل التبسّم، و يُسمّى ضحكاً، اشتمل على قول قه قه أو لا. و في إبطاله مع عدم الاختيار لأنّ الغالب فيه ذلك و كون مقدّماته غالباً اختياريّة وجه وجيه، و لا يبطل مع السهو (2).

خامسها: الدعاء بالمحرّم.

سادسها: ما اشتمل على تحسين الصوت بحيث يُسمّى غناءً، من قران أو ذكر أو دعاء أو غيرها.

____________

(1) في «ح» زيادة: أو عضدها على المماثل من اليسرى أو المخالف أو الجمع بالإلصاق في وجه.

(2) في «ح» زيادة: على إشكال.

416

سابعها: ما نهي عنه؛ لاشتماله على ما كان من العزائم، أو ما تفوت الصلاة به، و نحو ذلك.

ثامنها: الفعل الكثير الموضوع على الانفصال، دون المستدام الغير الماحي للصورة و إن قلنا بعدم بقاء الأكوان. و المدار في الكثرة على صدق العُرف، دون ما قيل من وجوه أُخر، كالمحو للصورة (1)، و بأنّه بفعل ركعة، و الاحتياج فيه إلى عمل اليدين، و البعث على ظنّ أنّ فاعله عند رؤيته غير مُصل (2).

تاسعها: البكاء لأُمور الدنيا؛ و هو المشتمل على الصوت، و يُسمّى نحيباً، اختياراً أو اضطراراً، لا نسياناً؛ لفقد محبوبٍ، أو طلب مرغوبٍ، بصورة دعاء أو غيره. و ما كان للاخرة فهو مكمّل لثواب الصلاة.

و ما اجتمع فيه السببان، و فيه إضافة، فالمدار على المُضاف إليه. و إن تساويا في العليّة التامّة أو اشتركا، فالأقوى الفساد، و ليس منه البكاء لفقد آل اللّه.

عاشرها: الأكل و الشرب بما يُسمّى أكلًا و شرباً. فلا بأس بابتلاع الريق، و فيه بقيّة الطعم، و لا الأجزاء الصغار، و ليس المدار على التدقيق، كما في الصوم.

و رخّص بشربِ الماء في دعاء الوِتر من غير استدبار لمن أراد الصيام (3)، و خافَ طلوع الفجر، و كان الماء أمامه، مع كراهة قطع الدعاء.

و هو مُبطل اختياراً و اضطراراً، لا سهواً.

و لو أدخلَ لُقمة قبل الصلاة، فابتلعها فيها، بطلَت. و بالعكس صحّت.

و ليس منه ابتلاع النُّخامة، صدريّة أو دماغيّة، و الريق المجتمع في الفم، و وضع العلك، و ابتلاع أجزاء صغار لا تُسمّى أكلًا.

و ابتلاع السكر من الأكل.

____________

(1) انظر الروضة البهيّة 1: 233، و مدارك الأحكام 3: 466.

(2) حكى هذه الأقوال في التذكرة 3: 289، و انظر المجموع 4: 93، و فتح العزيز 4: 126.

(3) في «ح» العبارة هكذا: و رخّص للعطشان و الكاره للإصباح عطشاناً أن يشرب الماء في دعاء الوتر من غير استدبار إن أراد الصيام.

417

حادي عشرها: (الفعل الكثير غير الماحي للصورة، عمداً اختياراً، أو اضطراراً، أو نسياناً) (1).

ثاني عشرها: عروض ما يُوجب قطعها لحفظ نفس مُحترمة و نحوها، و يحرم الإتيان بشيء من القواطع اختياراً بعد تكبيرة الإحرام إلى تمام المخرج من السلام، فرضاً أصليّاً أو عارضيّاً، أو نفلًا. و تُلحق به ركعات الاحتياط، و الأجزاء المنسيّة، و سجود السهو، و صلاة الجنازة في وجه، دون سجود الشكر و التلاوة.

القسم الرابع: ما لا يبطل عمداً و لا سهواً،

و هو على قسمين:

أحدهما: مكروه،

و منه: تطبيق إحدى الراحتين على الأُخرى، و عقص الرجل شعره، و هو جمعه في وسط الرأس، و ربّما أُخذ فيه الظفر و الفتل.

و التثاؤب إذا زاد على مقدار الاضطرار، أو بجميع أقسامه؛ لأنّ مقدّماته اختياريّة.

و التنخّم (2)، و البصاق، و التأوّه، و النّفخ خصوصاً بموضع السجود ما لم يتولّد فيها حرفان متميّزان مقصودان مصداقان لاسم الحرف في العُرف.

و التمطّي و فرقعة الأصابع ما لم ينتهيا إلى الفعل الكثير.

و التكلّم بحرفٍ واحد، و التحرّك، و لو بمقدار خطوة أو خطوتين أو ثلاث، إلا لسدّ الفرجة بين الجماعة، أو لأجل لحوقها، مع ترك القراءة.

و الالتفات بالعينين أو بالوجه يسيراً، و تحريف بعض المقاديم عن القبلة.

و مُدافعة الأخبثين. و يلحق بهما الريح، و المني، و الدم الخارج من السبيلين، و القيء، و كلما يقتضي شغل البال عن التوجّه للصلاة، و قد يُلحق بها سائر الأعمال.

و منها: النظر خلف المرأة، فعن يونس، عن الصادق (عليه السلام): أنّه من تأمّل

____________

(1) بدل ما بين القوسين في «ح»: الأقوال من التسبيحات مع الإخلال بالهيئة أو الموالاة فيما فيه ذلك.

(2) التنخم: رمي النخامة، و النخامة ما يخرجه الإنسان من حلقه. المصباح المنير: 596، 597.

418

خلف امرأة فلا صلاة له، قال يونس: يعني في الصلاة (1).

و منها: رفع اليد من الركوع أو السجود، فعن الصادق (عليه السلام): أنّ من حكّه جلده راكعاً أو ساجداً، لهُ أن يرفع يده من ركوعه و سجوده إذا شقّ عليه، و الصبر أفضل (2).

و منها: قول الرجل و الظاهر لحوق المرأة تبارك اسمك، و تعالى جدّك؛ لقول الباقر (عليه السلام)

إنّه مُفسد للصّلاة؛ لأنّه من مَقالة الجنّ، فحكاه اللّه عنهم

(3) و يتمشّى على الظاهر في جميع أقوال الجنّ.

و عن الصادق (عليه السلام)

أنّ النظر إلى نقش الخاتم أو في المصحف أو في كتاب في القبلة نقص في الصلاة

(4). و روى: أنّها لا يصلح فيها قرض الأظافير، و اللحية، و العضّ على اللحية مع التعمّد (5).

و روى: أنّه لا يصلّي من حَمَلَ دواءً حتّى يطرحه (6).

و أنّ القملة إذا رؤيت في الصلاة أو المسجد أو مُطلق المكان استحبّ دفنها في الأرض (7).

____________

(1) المحاسن: 82 ح 13، الوسائل 3: 475 أبواب مكان المصلّي ب 43 ح 4، و في نسخة فيه «خلق» بدل خلف، و انظر الوسائل 4: 1273 أبواب قواطع الصلاة ب 22 ح 3.

(2) قرب الإسناد: 88 ح 705، مسائل عليّ بن جعفر: 215 ح 468، الوسائل 4: 1278 أبواب قواطع الصلاة ب 28 ح 2.

(3) الفقيه 1: 261 ح 1190، الخصال 1: 50 ح 59، الوسائل 4: 1279 أبواب قواطع الصلاة ب 29 ح 1.

(4) قرب الإسناد: 190 ح 715، مسائل عليّ بن جعفر: 181 ح 347، الوسائل 4: 1282 أبواب قواطع الصلاة ب 34 ح 3.

(5) قرب الإسناد: 190 ح 713، الوسائل 4: 1282 أبواب قواطع الصلاة ب 34 ح 1.

(6) الكافي 3: 36 ح 7، التهذيب 1: 345 ح 1009، قرب الإسناد: 189 ح 707، الوسائل 4: 1281 أبواب قواطع الصلاة ب 33 ح 1.

(7) الكافي 3: 367 ح 4، 6، التهذيب 2: 329 ح 1352، 1353، قرب الإسناد: 209 ح 812، الوسائل 4: 1271 أبواب قواطع الصلاة ب 20 ح 4- 8.

419

و أنّ من حبس ريقه إجلالًا للّه في صلاة، أورثه اللّه صحّة حتّى الممات (1).

و أن من ابتلع نخامته، لا تمرّ بداء إلا أبرأته (2).

القسم الثاني: ما لا كراهية فيه

و منه تعداد الركعات بالحصى، و ضبطها بإدارة الخاتم من إصبع إلى إصبع.

و نحو ذلك قتل الحيّة، و العقرب، و الإشارة باليد، أو بالعينين، و التصفيق، و حكّ الجلد، و وضع العمامة أو الرداء، و نحوهما مع سقوطهما أو مطلقاً.

(و حكّ النُّخامة من المسجد، فعن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): أنّه رأى نُخامة في المسجد، فمشى إليها بعرجون (3) من عراجين أبي طالب، فحكّها، ثمّ رجع القهقرى، و بنى على صلاته. قال الصادق (عليه السلام): «و هذا يفتح من الصلاة أبواباً كثيرة» (4)) (5) إلى غيرها من الأعمال القليلة.

و الأفضل أن يكون كالخشبة اليابسة، لا يحرّك طرف من أطرافها.

تتمّة في أحكامها

، و فيه أبحاث:

الأوّل: أنّ كلّما ذُكر من راجح الأقوال و مرجوحاتها، و واجباتها و مُفسداتها، تتمشّى في إدارة لسان الأخرس و إشارته مع قصدها،

ففي كلّ تحريك حرف مهمل إن قصده، و ذو معنى إن قصده.

و لو أراد بالتحريك الواحد حروفاً متعدّدة، أو المتعدّد حرفاً واحداً، احتمل

____________

(1) الفقيه 1: 180 ح 853، ثواب الأعمال: 49، الوسائل 4: 1263 أبواب قواطع الصلاة ب 14 ح 4.

(2) الفقيه 1: 152 ح 700، التهذيب 3: 256 ح 714، ثواب الأعمال: 35، الوسائل 3: 500 أبواب أحكام المساجد ب 20 ح 1.

(3) العرجون: هو الإهان الذي في طرفه العذق، فإذا كان رطباً فهو إهان، و إذا يبس فهو عرجون. جمهرة اللغة 2: 1137.

(4) الفقيه 1: 180 ح 849 و 850، الوسائل 3: 476 أبواب مكان المصلّي ب 42 ح 5.

(5) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

420

إجراء الحكم تبعاً للقصد.

و لو قصد الدعاء المُحرّم بتحريكه، أو الكلام، أو الغناء، أو الغيبة، أو الكذب، أو الفحش، أو القذف، أو نحوها، جرى عليه حكمه، و عليه تبتني مسألة التبعيض، و القران، و قراءة العزائم، و أية السجدة، و العهود، و النذر، و الايمان، و نحوها.

البحث الثاني: أنّ كلّما ذُكر من راجحٍ أو مرجوحٍ في آداب و سنن يشتدّ استحبابها و كراهتها باشتدادها في الرجحان،

و يضعفان بضعفها فيه، و لو في المحلّ الواحد، و كذا بقلّتها و كثرتها من خضوع، و خشوع، و تثاؤب و تمطّي، و فرقعة، و نحوها.

البحث الثالث: أنّ ما حكم بكراهته و ندبه يشتدّ حكمه باشتداد الرجحان في الصلاة،

ففي اليوميّة أشدّ، ثمّ فيما عداها من الواجبات، ثمّ في المندوبات على اختلاف المراتب.

البحث الرابع: أنّه في مقام الاضطرار أو الإجبار حيث تصحّ الصلاة معهما إذا حصل الغرض ببعضها، فلا بدّ من تقديم الأضعف مرجوحيّةً،

و الأقوى راجحيّة في مقام الاختيار على غيرهما، و في المندوبات يندب ذلك.

البحث الخامس: أنّ ما تضمّن الآداب و الكراهة و الاستحباب الظاهر تمشيته فيما دخل في العبادات من سجود شكر و تلاوة،

و صلاة جنازة، و دعاء، و ذكر، و نحوها، و ما تضمّن التحريم و الإيجاب فلا يجري إلا في الصلاة و ما التحق بها، ما لم يقم دليل عليه.

و يقوى القول بإجرائه في صلاة الجنازة، إلا ما قام الدليل على خلافه.

البحث السادس: أنّ ما شكّ في حصوله من المُنافيات يُحكم بعدمه.

و الظاهر إلحاق الظنّ هنا بالشكّ. و لو علم بحصول شيء من المرجوحات، و تردّد بين المُفسد و غيره، يُحكم بعدم الإفساد.

البحث السابع: أنّه لو عرضَ له الشكّ في أنّ ما وقع موجب لسجود السهو أو لا، بَنى على العدم.

و الظاهر أنّ الظنّ هنا يتبع الشكّ، و الحكم معلوم ممّا سبق.

البحث الثامن: أنّه متى علم بوقوع مُفسد في صلاة، و غفَل عن تعيينها، فلا يخلو الحال من أحوال:

421

أحدها أن تكون مُتماثلة في الوجه و الهيئة، من نوافل أو فرائض، و قد مرّ أنّه يُؤتى بواحدة عوض الفاسدة.

ثانيها: أن تكون مُتخالفة في الهيئة، اختلف في الوجه أو لا، و لا بدّ هنا من الإتيان بها على عدادها.

ثالثها: أن تكون مُختلفة الوجه متّفقة الهيئة، و الظاهر الاكتفاء بالواحدة، و تعيينها لا يلزم.

البحث التاسع: أنّه لا يجوز ردّ التحيّة في الصلاة من جميع الأقسام غير السلام،

كما لا يجوز الابتداء به من المصلّي، و أنّه لإيجاب فيها من السلام إلا صيغ مخصوصة، و لا يجوز الجواب إلا بصيغ مخصوصة كما مرّ.

و أمّا غير الصلاة؛ فالظاهر أنّ غير السلام مَلفوظاً لا يجب جوابه، فلا يجب جواب للمكاتيب المُشتملة على السلام، و لا جواب للتحيّة بغير السلام، لا ملفوظة، و لا مكتوبة، (و لا يجب التعويض عن كرامة مفعولة، كزيارة، و هديّة، و صِلة، و عطيّة؛ لا لمُماثل، و لا مُغاير) (1).

ثمّ السلام يُبنى على العادة و التعارف، و لا يختصّ بصيغة، و لا يُشترط فيه سوى الاشتمال على لفظ السلام و خبره.

(و ردّه واجب كفائي، و الابتداء به مُستحبّ كفائي بالنسبة إلى شدّة الاستحباب) (2) و صوره كثيرة غير محصورة؛ لأنّ أُصوله: السلام عليك، و السلام عليكما، و السلام عليكم، و السلام عليكنّ، و السلام على فلان.

(أو مع ضمير الغيبة من قبيل الاستخدام) (3) مُعرّفاً أو مُنكّراً، موقوفاً أو موصولًا، مرفوعاً أو منصوباً، موجوداً فيه الخبر أو محذوفاً، موجوداً فيها المبتدأ أو محذوفاً، مُبدلًا للحروف أو لا، أو مُبدلًا لحركات البنية أولا، مُبدلًا لحركات الإعراب و البناء أو

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

(2) ما بين القوسين زيادة في «ح».

(3) ما بين القوسين زيادة في «ح».

422

لا، موصولة كلماته أو لا، طاعناً في سلامه على شخص ببحّة الصوت مثلًا أو لا، كارهاً للجواب أو لا، مُسقطاً لحقّه أو لا، بلسان العرب أو لا، من ناطق أو لا؛ كالأخرس، مُشيراً إليه بغير اسم أو سمّاه بغير اسمه أو لا، خصّ بالسلام أو لا، مُقدّماً فيه المبتدأ أو لا، مكرراً في المجلس الواحد أو لا، مُسمعاً أو لا، مع الاستماع أو لا، خافضاً لصوته على وفق العادة أو لا، مُغنّياً بصوته أو لا، ضامّاً إلى قصد التحيّة قصد قران أو غيره أو لا، ناذراً عدم الكلام أو لا، مأذوناً من مُفترض الطاعة من سيّد أو والد أو لا، مُحرزين للشعور لعدم حدوث موت أو نوم أو إغماء أو لا، خارجين عن التعارف في القُرب و البُعد أو لا، حيّاً كان المُجيب أو لا، مُتعلّقاً بتسليم الصلاة أو لا، متلذّذاً بسماع الصوت من غير المحرم أو لا، ضامّاً إليه ضميمة من مُضاف إليه: «كقول: سلام اللّه، سلام أنبيائه، سلام ملائكته، سلامي، سلامنا و هكذا» أو لا، ذاكراً لمتعلّق «كقول: سلام منّي أو من المحبّ أو المخلص أو زيد، يعني نفسه» أو لا، مع التطابق مع الجواب أو لا، مع انفصال الجواب أو لا، مع الاشتباه بين الذكر و الأُنثى أو لا، مع تماثل الطرفين و فيه قسمان أو لا، مع العقل أو لا، مع البلوغ أو لا، مع التمييز أو لا، مع الإسلام و الإيمان أو لا، مع المُقارنة في التخاطب أو لا، مع سبق المُجاب أو المُجيب أو لا، مع فهم المعنى منهما أو من أحدهما أو لا (مع انفصال الجواب أو اتصاله) (1)، إلى غير ذلك.

و يجري نحو ذلك في الجواب.

فالصور لا تقف على حدّ. و يتّضح حالها ببيان أُمور:

منها: أنّه لا يجب الردّ على غير المؤمن، و إن تجدّد كفره بعد إتمام التحيّة. و لو ذكر «عليكم» فقط، أو قال بالكسرة «السلام» أو أجاب بغير السلام، كان أولى؛ للمحافظة على حسن السلوك، أو التحفّظ من طعنهم، و السلامة من أذيّتهم.

و المشكوك به بين المؤمنين و الكفّار، مُلحق بالدار، (و على الحدّ يجب جوابه)؛ (2)

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «ح».

(2) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

423

و المسلم المشكوك بإيمانه يجب جوابه.

و منها: أنّه لا يجب الردّ على غير المميّز من الصبيان، و لا على المجانين، و إن طرأ الجنون بعد إتمامه التحيّة كالميّت.

و منها: أنّه فيه وجوبين: خالقيّاً و مخلوقيّاً، فلا يسقط بالإسقاط أو الكراهة.

و منها: أنّه إذا تقارنا في الخطاب، في التحيّة و الجواب، سقط وجوب الردّ، و الأحوط أن يُعاد.

و منها: أنّه إذا حصل السلام من الواحد أو المتعدّد على المتعدّد في المقام الواحد، أجزأ الجواب الواحد من الواحد لو وقع بعد التمام، مع قصد النيابة و عدمه. و لو قيّد مبتدئاً أو مُجيباً، اختصّ المقيّد، و لا يتعلّق بغيره.

فلو قال: السلام عليك يا زيد، لم يتعلّق بالآخرين حقّ. كما لو قال: عليك السلام يا عمرو، في وجه قوي. و لو تأخّر بعض الآحاد (في الابتداء) (1) فالأحوط أن يُعاد.

و منها: أنّ الجمع بين الابتداء بالتحيّة و الردّ بالنسبة إلى شخصين فضلًا عن الواحد لا يُحتسب منهما.

و منها: أنّه لو ظنّه مُسلّماً عليه، فردّ عليه، و ظهر اشتباهه ثمّ سلّم، وجب ردّه.

(و منها: أنّ ردّ جواب سلام الإمام على الجماعة و المأمومين بعضهم لبعض في سلام آخر الصلاة ليس بواجب القصد و الردّ، و لا الإسماع. و القول بحصول الكفاية بحصوله من الملائكة و الأنبياء مثلًا، و أنّه واجب كفائي بعيد.

و منها: أنّ الكفاية لا تكون من الأموات، فخلط النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) مع بعض لا يسقط الجواب عنه، المدلول بالأخبار عليه وجوب الردّ عن الحاضرين، و كذا السلام على الأئمّة (صلوات اللّه عليهم)، و سائر الأموات.

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

424

و منها: أنّ الابتداء بالسلام من المزور من الأموات و الجواب منه لا يلحق بحال الأموات. و في جواب السلام من أهل القبور كما روي في الأخبار (1) هل هو من باب التكليف، فيخصّ حكم انقطاع التكليف بعد الموت، أو تفضل؟ وجهان، أقواهما الثاني) (2).

و منها: أنّه لا يجب الردّ على من سلّم بغير لسان العرب.

و منها: أنّه لو أتى بالسلام مغنّياً، أو رافعاً صوته على خلاف العادة، أو معرّضاً في سلامه بالطعن فيمن لا يجوز طعنه (أو عاصياً بوجهٍ آخر) (3) لم يجب ردّه.

و منها: أنّه لو كرّر المبتدأ و وحّد الخبر (أو بالعكس) (4) كان سلاماً واحداً.

و منها: أنّه لو أشار إليه، و سمّاه بغير اسمه، فالمدار على الإشارة، و يقع السلام و يترتّب حكمه.

و منها: أنّه إذا غيّر الألفاظ، أو أتى بترجمة غير عربية، لم يجب الجواب.

و منها: أنّه لو أتى بالسلام مبتدئاً أو حال الردّ بما يوافق قراناً أو دعاءً مثلًا فقصدهما معاً، وجب ردّه، و أجزأ عن الردّ.

و منها: أنّه لو خصّ بالسلام فليس على غيره جواب، و لو عمّ فالوجوب كفائي.

و منها: أنّه يجب الإسماع في الجواب في صلاة أو غيرها.

و منها: أنّه لا يجب جواب غير المسموع لو علمه (5) من غير طريق السمع إلا من الأصمّ.

و منها: أنّ انعقاد سلام الأخرس و كلامه، في أُصول أو فروع، أو كذب أو غيبة أو قذف و هكذا، يتبع قصده. و لوك لسانه، و إشارته، و تعدّد التحيّة، و وحدتها، و قصد الابتداء، و الجواب، و المحيّي، و المجاب يتبع قصده، و قد علم ممّا تقدّم.

____________

(1) المحاسن 119 ح 129، الأمالي للطوسي 55 ح 76.

(2) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

(3) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

(4) كلمة أو بالعكس زيادة من «ح».

(5) في «م»: عمله.

425

و منها: أنّه إذا لم يجب فوراً (ناسياً أو ساهياً، فلا إثم، و لا قضاء) (1).

و منها: أنّه لو فصل بين المبتدأ و الخبر بكلامٍ أو سكوتٍ طويل، لم يجب جوابه.

و منها: أنّه لو خاطب الجمع بالواحد أو المثنّى، أو المثنّى بالواحد، لم يجب الجواب.

(و منها: أنّه لا يجوز أخذ الأُجرة على الردّ إن وجب عليه عيناً أو كفاية.

و منها: أنّه من عصى بسلامه لا إيجاب بجوابه، و لا استحباب، و ربّما يكره ذلك.

و منها: أنّه روي: أنّ ثلاثة لا يسلّمون: الماشي مع الجنازة، و الماشي إلى الجمعة، و في بيت حمام (2)، و خصّ الأخير في بعض الروايات بمن ليس عليه مئزر (3).

و منها: أنه لو أدخل المشيئة أو ذكر الظنّ أو الاحتمال، فلا يلزم جوابه.

و منها: أنّه لو أقسم أو عاهد مثلًا قبل السلام مؤكّداً مع بقاء قصد الإنشاء، كان مُسلّماً.

و منها: أنّه لو قدّم الخبر على المبتدأ في المبتدأ، لم يكن مسلّماً. و في الجواب يصحّ الأمران، و الأحوط تقديم الخبر.

و منها: أنّ الكفّار و جميع أهل العقائد الفاسدة لا يبدؤون بالسلام إلا مع التقيّة، و يبدؤون بغيره من التحيّات.

و منها: أنّه لا بأس بتحيّتهم بباقي التحيّات ممّا ليس له دخل بنجاة الآخرة.

و منها: أنّه يتمشّى حكم النيابة بعوض أو مجاناً من جانب البادئ أو الرادّ (على إشكال) (4).

و منها: أنّه لا يجب الردّ على من اقتصر على المبتدأ أو الخبر؛ (لأنّه لا يعدّ مُسلّماً) (5).

____________

(1) بدل ما بين القوسين في «م»، «س»: عاصياً أو ساهياً فلا قضاء.

(2) الخصال: 91 ح 31، الوسائل 1: 373 أبواب آداب الحمام ب 14 ح 2.

(3) التهذيب 1: 374 ح 1147، قرب الإسناد: 315 ح 1224، الوسائل 1: 373 أبواب آداب الحمام ب 14 ح 1.

(4) ليس في «م»، «س».

(5) ما بين القوسين زيادة من «ح».

426

و منها: أنّه لا يجب الردّ على من غيّر الحرف أو حركات البنية، و خرج عن المتعارف.

و منها: لا يجب الردّ على من كرّر السلام في المقام الواحد على من حيّاهم سابقاً و أجابوا.

و منها: أنّه لا يرفع الكفائي ردّ الكافر من الجماعة في وجه قوي، و كذا فاسد العقيدة.

و منها: أنّه لو أجابَ بزعم سبق الابتداء، فظهر لاحقاً أو مقارناً، أعادَ الجواب.

و منها: أنّه لو جمع المجلس مؤمنين و كفاراً أو فاسدي العقيدة غير المؤمنين. و لو قصد بالسلام على غير المؤمنين معنى الحجر، فلا ضرر.

و منها: أنّه روي عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «لا تسلّموا على اليهود، و لا النصارى، و لا على المصلّي، و لا على أكل الربا، و لا على الذي على غائط، و لا على الذي في الحمام، و إذا دخلت و القوم يصلّون، فسلّم على النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)» (1).

و عن الباقر (عليه السلام)

أنّه قال: إذا دخلت على المصلّين، فسلّم عليهم، فإنّي أفعله

(2). و روى: أنّ عمّار بن ياسر دخل على النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و هو يصلّي، فقال: السلام عليك يا رسول اللّه و رحمة اللّه و بركاته، فردّ (عليه السلام) (3).

و تشترك في الإفساد بفعل المُفسدات الفرائض أصليّة أو عارضيّة و النوافل.

و منها: أنّه لا يجوز أخذ الأُجرة على الجواب من المحيي، مفرداً أو جمعاً، و لو أخذ عصى، و كان مجزياً على إشكال.

____________

(1) مشكاة الأنوار: 200، الوسائل 4: 1267 أبواب قواطع الصلاة ب 17 ح 1.

(2) الوسائل 4:؛ 1267 أبواب قواطع الصلاة ب 17 ح 3.

(3) الكافي 3: 366 ح 1، الفقيه 1: 241 ح 1066، التهذيب 2: 332 ح 1366، الوسائل 4: 1265 أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 2.

427

و منها: أنّه إذا سلّم عليه شخص فلم يعلم أنّه مقصود أو غيره (1)، بنى على العدم. و لو سلّم على جماعة و هو فيهم، بنى على الدخول، ما لم يعلم خلافه.

و منها: أنه إذا علم السلام، و شكّ في صحّته، بنى على الصحّة.

و منها: أنّه إذا اقتصر على المبتدأ و الخبر، استحبّ للمُجيب أن يزيد، و إذا أزاد «و رحمة اللّه» فله أن يزيد عليه «و بركاته»، فإذا أضاف إليها «و بركاته» انقطعت الزيادة، فله الاقتصار على الجملة الأُولى.

و منها: أنّه يجب عليهما الجواب و إن تخالفا مع الترتيب.

و منها: أنّ ابتداء السلام مُستحبّ عينيّ لا كفائي على الأقوى، بخلاف الردّ (و وردت رخصة في الكفائية) (2).

و منها: أن الجواب على الفور كما مرّ، و لا يجب قضاؤه (مع العصيان بالتأخير) (3).

ثمّ ينبغي البدأة بالسلام من الصغير على الكبير، و من القليل على الكثير، و من القائم على القاعد، و من الراكب على الماشي، و من الراكب على الخيل على راكب البغل، و من راكب البغل على راكب الحمار، و كل صاحب مرتبة على ما بعدها من المراتب اللاحقة.

و الظاهر أنّ كلّ من كان على حالة أعظم من حالة الأخر ابتدأه بالسلام، كراكب السرج على راكب الرحل، ثمّ راكب الرحل على راكب العريان، (و صاحب المحلّ و مطلق الزينة على غيره، و صاحب النجيب على غيره، و العظيم على الحقير، و الغني على الفقير، و صاحب المحلّ على غيره، و الحاضر على المسافر، و إلى غير ذلك، و السرّ واضح) (4).

و الظاهر أنّ الشرف الحقيقي دون الصوري الدنيوي باعث على ابتداء غير

____________

(1) بدل كملة غيره في «م»، «س»: لا.

(2) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

(3) ما بين القوسين زيادة في «ح».

(4) ما بين القوسين زيادة في «ح».

428

الشريف (و تعمّه حال المالك و المملوك، و المعلّم و المتعلّم، و العالم و الجاهل، و العدل و الفاسق، و هكذا)؛. (1)

خاتمة: في بيان أسرار الصلاة

و فيه مباحث:

الأوّل: في سرّ كونها أشرف الأعمال، و أفضلها، و عمودها.

و الأصل فيها اشتمالها على طاعات، و قُربات، لا توجد جلّها في غيرها، من أُصول دينية: كتوحيد، و عدل، و نبوّة، و إمامة، و معاد، و صفات جمال و جلال منسوبة إلى ربّ العباد؛ و فروعيّة من أفضل قراءة، و من تسبيح، و تكبير، و حمد، و مدح و شكر، و استغفار، و دعاء، و مناجاة، و صلاة على النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و براءة، و خضوع، و خشوع بقيام، و ركوع، و سجود، و استقرار، و اطمئنان، و تضامّ أعضاء، و ذكر مبدأ، و معاد، و مكالمة مع اللّه، و مخاطبة، و توكّل، و اعتماد، و خوف، و توسّل، و استغاثة، و استجارة، و إقرار بالذنوب، و اعتراف، و توبة، و ندامة، و سلام، و أمان بختام، إلى غير ذلك.

المبحث الثاني: في أسرار الشروط

و السرّ في اعتبارها كون الصلاة أفضل الأعمال، فيُعتبر فيها ما هو الأفضل منها؛ لتكون على أفضل الأحوال، من طهارة ذاتٍ و بدنٍ، أو الأُولى (2) فقط، فلزم الإسلام للأُولى، و الإيمان للثانية.

و في طهارة الظاهر إشارة إلى لزوم طهارة الباطن من نجاسة الذنوب، و في ستر العورة ستر العورات الحقيقية، و طهارة من خبث في ثوب أو بدن أو مكان سجود.

____________

(1) ما بين القوسين ليس «م»، «س».

(2) في «م»، «س»: الأوّل.

429

و طهارة حدث أصغر، قد حدث منه خبث معنوي صغير، يرتفع بتنظيف الات الخدمة، من اليدين، و الرجلين، أو ما يواجه به المولى، أو ما يطأطأه له خضوعاً، و هو السرّ فيه، أو خطيئة آدم (عليه السلام).

أو أكبر قد قضى بخبث مستولٍ على تمام البدن (و من حصول كمال يجمع عقل، و بلوغ، أو تمييز، و من ستر عورة هي تمام البدن) (1) أو بعضه بثياب هي أفضل الثياب نوعاً، خالية من نقص في دين بتحريم، و رفعة في الدنيا بلبس حرير أو ذهب.

أو خبث في حيوان قد أُخذ منه غير مأكول اللحم.

و من مكانٍ مباحٍ مستقرّ به، لا تشغله حركته عن الإقبال، و حسن الأدب غالباً.

و من استقرارٍ في جميع أفعالها ممّا لا تؤخذ نيّة خلافه فيه، كالهويّ.

و من استقبالٍ إلى أفضل جهة.

و من وقت هو أفضل الأوقات.

و من نيّة هي أفضل النيّات، يقصد بها الامتثال لأمر جبّار السماوات.

الثالث: في المنافيات

و السرّ في لزوم تركها: بعثها على تغيير هيئتها، كالإطالة فعلًا أو قولًا أو سكوتاً مُخرجة عن الهيئة، أو الإخلال ببعض شروطها، كقراءة العزائم، و ما يقتضي خروج الوقت في الفرائض.

و الإفضاء إلى قلّة الاكتراث بها، كالأكل و الشرب، و القهقهة، و البكاء لأُمور الدنيا، و كلام الادميّين، و في طهارة الثياب و البدن إشارة إلى لزوم الطهارة من الذنوب؛ إذ هي النجاسات الحقيقية، و في ستر العورة إشارة إلى ستر العيوب، و هي عورات حقيقية.

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

430

المبحث الرابع: في مقدّماتها

و السرّ فيها ما اشتملت عليه من الحكم، و الأسرار التي تقصر عن إدراكها دقائق الأفكار.

أوّلها: الأذان

فإنك إذا دقّقت نظرك فيه، و تأمّلت في مبانيه، و معانيه، أغناك ما اهتديت إليه بالنظر عن الاحتياج إلى الاحتجاج بمعاجز أُخر في إثبات نبوّة نبيّنا سيّد البشر (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

فإنّه وضع للإعلام، و بيان الأمر بها من الملك العلام؛ لإقامة البرهان على وجوب حضورها على المكلّفين من نوع الإنسان.

فأثبت بصفة الأكبريّة أنّه أهل للمعبوديّة. ثمّ ذلك لا ينفي وجود المعبود سواه، فجاء بكلمة التوحيد قائلًا: «أشهد أن لا إله إلا اللّه».

ثمّ ذلك لا يفيد حتّى يعلم أن الأمر جاء بها من عند اللّه تعالى، فأتى بإثبات رسالة الأمر بها، و قال: «أشهد أنّ محمّداً رسول اللّه» (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

ثمّ بعد إقامة البرهان عليها أمر بالإتيان إليها.

ثمّ لما كان ميل النفوس موقوفاً على حصول ثمرة من فعلها، أبانَ كونها فلاحاً.

ثمّ ذلك كلّه لا يفيد تخصيصها بالإقبال عليها لكثرة العبادات، فبين أنّها خير الأعمال.

و كرّر التكبير أربعاً؛ لأنّه مبتدأ الإعلام، و لأنّ الأُولى لتنبيه الغافل، و الثانية للناسي، و الثالثة للجاهل، و الرابعة للمتشاغل، و ثنّى الشهادة على وفق الشهادة، و كرّر مرّتين مرّتين لإرادة التأكيد، و لا يحسن الزيادة على ذلك.

و كرّر التكبير و التوحيد في أخره إعادة للبرهان، و تحرّزاً عن النسيان، و في الخبر: أن تكرار المرّتين إشارة إلى أنّ مبدأ وضع الصلاة على ركعتين ركعتين (1).

____________

(1) الفقيه 1: 195 ح 915، العلل 1: 259 ب 182 ح 9، الوسائل 4: 646 أبواب الأذان ب 19 ح 14.

431

و حسن فيه الوقوف، و التأنّي؛ للإمهال على أهل الأعمال، و لعلّه هو السرّ في استحباب الفصل بينهما، و بين الفصول.

و خُصّ بالفرائض؛ لأنّ حكمة الاجتماع لا تجري في غيرها إلا نادراً. و باليوميّة؛ لكون المطلوب دوامها، أو لزيادة الاهتمام بشأنها، فتركت فيها فصوله، و أُقيم قول «الصلاة» ثلاثاً مقامها، أو لخوف الاشتباه مع الاشتراك.

ثانيها: الإقامة

و السرّ فيها: أنّه لما كان المقصود أوّلًا الأمر بالإتيان إلى الصلاة و التوجّه إليها، أقام البرهان على وجوب الحضور. و حيث كان الغرض من الإقامة وجوب إقامتها، و القيام فيها، أعاد البرهان لإثبات ذلك، و ثنّي على وفق الشهادة، و للتأكيد على وفق العادة.

و قد يكون السرّ في الإعادة رعاية الحاضرين ممّن لم يبلغهم التأذين.

و ترك التهليلة الثانية؛ للإشارة إلى زيادة الشوق إلى الدخول في الصلاة، و لعلّ ذلك هو السرّ في استحباب الحدر.

ثالثها: التكبيرات السبع

و السرّ فيها: أنّه لما كان الغرض الأصلي من فعل الصلاة كمال الخضوع، و التذلّل للّه، كرّر ذكر العظمة؛ لئلا يكون المصلّي في غفلة، فيذهل عما يوجب عليه الانكسار و الذلّة.

و أتى بها سبعاً، ليُشير إلى السماوات السبع، و الأرضين السبع، و الأبحر السبع، و الشهب السبع، و أبواب جهنّم السبع، فيكون برهاناً على العظمة، و لعلّه السبب في ذكر خلق السماوات و الأرض في التوجّه بعدها.

و الأصل في التوجّه: أنّه لمّا قصرت الربوبيّة و العظمة و المعبوديّة عليه، لم يبق وجه للتوجّه إلا إليه.

و سرّ وضع الدعوات بينها بعد امتلاء القلب من الهيبة و العظمة، و اشتمالها على التذلّل و المَسكنة غير خفيّ.

432

المبحث الخامس: في بيان السرّ في أجزائها و ما دخل أو أشبه الداخل فيها

، و هي أُمور:

أوّلها: النيّة

و السرّ فيها واضح؛ لتوقّف الاتصاف بالعبوديّة، و الطاعة، و الامتثال، و الانقياد، و التسليم، و الائتمار، و الخوف، و الرجاء، و سائر الخِلال المطلوبة لربّ العزة و الجلال، عليها.

ثانيها: تكبيرة الإحرام

و السرّ فيها بحسب ذاتها: استحضار العظمة عند مبدأ الدخول؛ ليحصل تمام الخضوع و التذلّل (و يحصل الربط، و الإلزام) (1) و تتأكد الرغبة في الإتيان بها.

و رفع اليدين فيها؛ لتظهر العظمة إذا ارتفعت اليدان، كما تظهر باللسان، و عدم رفعهما فوق الرأس؛ حذراً من تجاوز محلّ التذلّل، و هو الرأس.

و ضمّ الأصابع فيها كسائر التكبيرات، و وضعها حيال الركبتين؛ لأنّ العبد يتضامّ بين يدي مولاه، و يضع يديه على ذلك النحو، و تقارن التكبير بالرفع؛ للانطباق بين العلّة و المعلول.

ثالثها: القيام

و السرّ فيه: أنّ أوّل مراتب خضوع العبيد لمواليهم الوقوف بين أيديهم، و اعتداله و استقراره فيه من تمام العبوديّة، و لأنّه مقدّمة لخضوع الركوع و السجود. و إبقاء اليدين ممدودتين من تمام الاستعداد للخدمة؛ لأنّ الغالب فيها مباشرة اليدين.

ثمّ إنّ الذي أخذ عليه الخوف يرخي يديه.

و في قول: «بحول اللّه تعالى و قوّته» عند القيام إرشاد إلى العجز عن القعود، فضلًا عن القيام و غيره، إلا بمعونته.

و تخصيص التسميع بحال القيام؛ لأنّه دعاء، فيؤتى به حال القيام تواضعاً، و لأنّه

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

433

أدعى للإجابة (و جعلت الحمدلة للمأمومين؛ امتثالًا لأمرهم بالحمد للّه المفهوم من السمعلة) (1).

رابعها: قراءة الفاتحة

و السرّ فيها: بعد كونها من أفضل الأعمال و السور إثبات ما ادّعى من العقائد سابقاً، لإعجازها، و أنّها من أكبر المعاجز، و قد لوحظ فيها من الأسرار ما تقصر عنه دقائق الأفكار.

منها: البدأة باسم اللّه؛ لبيان أنّه المبدأ الفيّاض، و لأنّ ذكره أفضل الذكر، و اسمه مبدأ الأسماء، و لدفع تسلّط الشيطان بإيقاع الرياء و العُجب و نحوهما. و هو سرّ استحباب الاستعاذة من الشيطان. و ربط الاستعاذة بذات اللّه، و الاستعانة باسمه سرّه واضح) (2).

و منها: إظهار العجز عن الأقوال و لو قلّت، فضلًا عن الأفعال، إلا بمعونة اللّه تعالى. و جعل الاستعانة بالاسم؛ لأنّه أنسب بالأدب و إن أُريد منه المسمّى، أو لأنّ نفس الاسم فيه تلك الخاصيّة (على نحو ما يصنعه العبد الحقير من التملّق قبل سؤال الحاجة من مولاه.

و لأنّه رأى الحمد واجباً على توفيقه لعبادته، و رضاه بخدمته، و للدلالة على صفة الاختيار، و ليترتّب عليه ما يتعلّق بالمدح و الشكر.

و اختصّ صفتي الرحمة من بين الصفات في البسملة؛ لأنّ الإعانة لا تكون إلا من المتّصف بها.

و خصّ الحمد باللّه؛ لقضاء الحقيقة، أو الاستغراق به؛ لقضاء صفة تربية العالمين، فكلّ صفة مُستندة إليه، و لأنّ ما تقدّم من الأكبريّة، و تخصيص الإلهيّة، لجعل من عداه في حكم المعدوم.

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

(2) ما بين القوسين زيادة من «ح».

434

و جعل الحمد مستنداً إلى الذات لما هي هي، أو للنعم السابقة من التربية و التغذية، أو لطلب الرحمة؛ جلباً للمنافع، و دفعاً للمفاسد الدنياوية أو الأُخرويّة.

ثمّ لمّا كان سبب لزوم الحمد قاضياً بلزوم العبادة، و هي تنقسم إلى تلك الأقسام، رتّب عليها العبادة، و خصّه بها؛ لما مرّ من أنّه لا إله سواه، و خاطبه لقضاء تلك الصفات بشبه العيان.

ثمّ طلب الاستعانة على العبادة؛ إظهاراً لعجزه.

و بعد أن أثبت جامعيّة صفات الكمالات بأنّه اللّه، و أثبت صفة الرحمة رجا إجابة الدعاء، فدعا بخير الدنيا و الآخرة، و دفع بلائهما) (1).

و خصّ صفتي الرحمة أيضاً؛ ليكمل الرجاء في تحصيل الجزاء، و تثبت صفة الفضل، فضلًا عن العدل.

و بعد ذكر العظمة و استجماع صفات الكمال و الرحمة و الشفقة، استحق الحمد المؤدّي معنى المدح و الشكر، (و أتى بالحمد، و) (2) أثبت جميع أفراده له، مؤذناً بأنّ جميع المحامد راجعة إليه، و أنّه مختار في جميع أفعاله.

و استند في ذلك إلى أنّه ربّ العالمين، فيكون برهاناً. ثمّ كرّر الرحمة عامة لجميع العالم في جميع ما يحدث منهم بعد أن ذُكرت أوّلًا؛ لطلب رحمته إيّاه، أو لأجل إعانته.

ثمّ ذكر ملك جزاء الآخرة؛ لتشتدّ همّته، و تقوى عزيمته.

و بعد إثبات الأكبريّة، و الإقرار بالتوحيد، و تقديم الاستعانة به، و أنّ أُمور العالمين راجعة إليه، و كان الخطاب بمنزلة خطاب المشافهة، خصّه بالعبادة، و الاستعانة، و توجّه إليه بالدعاء.

و في إعرابها و ترتيلها و نحوهما مُحافظة على ما يليق بها.

و أمّا قراءة السورة؛ فلتأكيد المعجزة، و لزيادة المثوبة في فعل هذه الطاعة العظيمة.

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

(2) بدل ما بين القوسين في «م»، «س»: و خصّ طبيعة الحمد أو.

435

و اجتزى بالفاتحة، و خيّر بينها و بين الذكر في الأخيرتين؛ لأنّ الأوّلتين كأصلين، و الأخيرتين كفرعين تابعين.

خامسها: الركوع

و السرّ فيه بحسب ذاته: أنّ هذا التقوّس المؤذن بكمال الذلّ و الانخفاض إنّما يكون ممن كان في أدنى مرتبة لمن هو في غاية الرفعة و العظمة.

و في تكبيره دليل على لزوم الركوع و الخضوع، و في الاستقرار و الذكر فيه ما يؤكّد التذلّل و الخضوع. و خصّ التسبيح لما يتوهّم من عدم الفرق بين الكبير في ذاته، و المتكبّر إذا لم تكن الكبرياء من صفاته.

ثمّ التسبيح إنّما يفيد ثبوت صفات الجلال، فلزم التحميد؛ ليفيد ثبوت صفات الكمال؛ و لأنّ التسبيح قد يكون بصفات لا تليق، فقيّده بالإضافة إلى صفات الحمد (1). و ذِكر العظَمَة؛ لاقتضاء الركوع ذلك.

و سوّى ظهره؛ إشعاراً بتمام التذلّل.

و مدّ عنقه؛ لإظهار التسليم، و بيان أنّ الأمر إليه إن شاء قتله، و إن شاء أمهله.

و اطمأنّ و بلّغ الأصابع (بعد وضعها) (2) مُنفرجات؛ لأجل تمكين الخضوع و الخشوع.

و أوتر في تسبيحه؛ لأنّ اللّه تعالى وِتر يحب الوتر.

ثمّ خصّ التسميع بالتحميد؛ لأنّه قولي، و التسبيح اعتقاديّ على ما يظهر منهما. و تخصيص المأموم بالتحميد؛ لأنّه مأمور بأمر الإمام، و قد أمره به معنىً في تسميعه.

(سادسها: الرفع من الركوع؛

لينظر العظمة، و لزيادة الخضوع بالسقوط، لوضع الجبهة عن قيام) (3).

____________

(1) في «ح»: الحدّ.

(2) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

(3) ما بين القوسين زيادة من «ح».

436

سابعها: السجود

و السرّ فيه: أنّه أعلى المراتب الثلاث في الخضوع، بوضع الجبهة على الأرض، أو ما كان منها، و وضع الأعضاء الستّة الأُخر على نحو وضعها، و فيه كمال الخضوع، و التذلّل، و الهبوط، فناسب ذكر ما يفيد تمام العزّة و العلوّ كالأعلى. و حيث إنّ الركوع لم يبلغ ذلك، أتى فيه بلفظ العظمة.

(ثامنها: الرفع من السجود الأوّل؛

لينظر العظمة، و لزيادة التذلّل بالهبوط بعد الجلوس، و الرفع من التشهّد بعد رؤية العظمة، أو يقوم للخدمة) (1) و في التدرّج من ذلّ القيام إلى الركوع، ثمّ منه إلى السجود سرّ عجيب.

و كبّر (للسّجود بعد) (2) رفع الركوع؛ لمّا رأى العظمة، و توطئة للمبادرة إلى السجود، و احتجاجاً على وجوبه، (و كذا بعد السجود الأوّل) (3) و في التسبيح و الاستقرار و الذكر نحو ما في الركوع.

و في وضع اليدين بين الركبتين، و موضع الجبهة استقامة وضع البدن (4)، و هي أدخل في الأدب.

و في التخوّي (5) المُستدعي لزيادة رفع العَجز و إرغام الأنف إرغام لأُنوف الجبابرة، فإنّهم بذلوا للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أموالًا كثيرة على أن لا يأمرهم بوضع الجباه، و رفع الأعجاز، فأبى عليهم، و أجابهم بأنّه مأمور، لا اختيار له.

و في حجب النظر عن السماء، و قصره على خصوص الأمكنة القريبة إظهار تمام الانكسار و الحياء.

و في تكرار السجود على الأرض مرّتين إشارة إلى أنّ البداية منها، و الغاية إليها.

و في وضع التشهّد (6) رجع إلى إعادة الشهادتين أوّلًا و آخراً أو مع الوسط مع

____________

(1) ما بين القوسين زيادة من «ح».

(2) بدل ما بين القوسين في «م»، «س»: في.

(3) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

(4) في «س»: اليدين.

(5) خوى الرجل في سجوده رفع بطنه عن الأرض، و قيل: جافى عضديه. المصباح المنير: 185.

(6) في «م»، «س» زيادة: بعد الركعتين.

437

الطول؛ تحفّظاً عن النسيان، و تحرّزاً عن تسلّط الشيطان (و ليكون معترفاً بالعقائد ابتداء الصلاة، و عند الفراغ من الجميع، أو ممّا فُرِضَ في أصل التكليف) (1).

ثمّ لما أتمّ العمل حصل له الأمان، اعتماداً على لطف الملك المنان، فأدخل نفسه في السلام، و تيمّن بذكر السلام على النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و باقي الأنبياء، و الملائكة، و العباد الصالحين.

و تخصيص الدعاء ب«يا خير المسئولين» كما هو المُعتاد بالسجدة الأخيرة؛ لأنها الختام من بين السجدات، و عندها ترجّي اللطف و الرحمة، و لذا ورد الدعاء على الظالم في السجدة الأخيرة من نافلة اللّيل (2).

و لمثل ذلك خصّ القنوت بالركعة الأخيرة؛ لأنّها آخر الصلاة الأصليّة.

و في آداب النساء لوحظ ماله ربط بالحياء.

و باعتبار حصول القُرب، و مقبوليّة ما أتى به من القُربات، كان ما بعدها من الوقت من أفضل الأزمنة و الأوقات، فحصلت له مظنّة بقبول ما يأتي به من الطاعات؛ فعقّبها بتعقيبات من قراءة، و أذكار، و دعوات.

و إذا دقّقت النظر، وقفت على أسرار أُخر (3)،

(و يمكن استنباط جلّ ما ذكرناه من الأسرار الواردة في الأخبار عن النبي المختار (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و الأئمّة الأطهار (عليهم السلام)، و هي كثيرة لا بدّ من التعرّض لجملة منها:

منها: ما ورد في الوضوء، و هو أُمور عديدة:

روي عن الرضا (عليه السلام): «أنّه إنّما وجب الوضوء على الوجه و اليدين، و مسح الرأس و الرجلين؛ لأنّ العبد إذا قام بين يدي الجبار، فإنّما ينكشف من جوارحه و يظهر ما وجب فيه الوضوء، و ذلك: أنّه بوجهه يستقبل، و يسجد، و يخضع؛ و بيده يسأل، و يرغب، و يرهب، و يتبتّل؛ و برأسه يستقبله

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

(2) الكافي 2: 512 ح 3، الوسائل 4: 1166 أبواب الدعاء ب 55 ح 1.

(3) كلّ المطالب الموجودة بعد هذا القوس الممتدة إلى عشرة صفحات تقريباً غير موجودة في «م»، «س».

438

في ركوعه و سجوده، و برجليه يقوم و يقعد.

و خصّ بالغسل الوجه و اليدان؛ لأنّ مُعظم العبادة الركوع و السجود، و هما بالوجه و اليدين، دون الرأس و الرجلين؛ و لأنّ البرد، و السفر، و المرض، و اللّيل، و النهار، يقتضي صعوبة غسل الرأس و الرجلين، دون غيرهما.

و لأنّ الوجه و اليدين باديان، دون الرأس و الرجلين؛ لموضع العمامة و الخفّين، و للقيام بين يدي اللّه، و استقباله بالجوارح الظاهرة، و ملاقاته بها الكرام الكاتبين» (1).

و عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في جواب سؤال اليهود عن علّة وضوء الجوارح الأربعة، مع أنّها أنظف المواضع في الجسد: أنّه لمّا وسوس الشيطان لعنه اللّه إلى آدم (عليه السلام) دنا من الشجرة، فنظر إليها، فذهب ماء وجهه، ثمّ قام و مشى إليها، و هي أوّل قدم مشت إلى الخطيئة.

ثمّ تناول بيده منها ما عليها و أكل، فتطايرت الحليّ و الحلل عن جسده، فوضع آدم (عليه السلام) يده على أُمّ رأسه و بكى، فلمّا تابَ عليه، فرضَ عليه و على ذريّته الوضوء على هذه الجوارح الأربع، فأمره بغسل الوجه؛ لنظر الشجرة، و بغسل اليدين إلى المرفقين؛ للتّناول منها، و بمسح الرأس بوضع يده على أُمّ رأسه، و بسمح القدمين؛ للمشي إلى الخطيئة (2).

و روى: أنّ مَن لم يسمّ قبل الوضوء و الأكل و الشرب و اللّبس، كان للشّيطان فيها شرك. و أن من سمّى طهر جميع جسده، و كان كالغسل، و من لم يسمّ لم يطهر منه إلا ما أصابه الماء (3). و أن المضمضة و الاستنشاق لتطهير الفم و الأنف (4).

و منها: ما ورد في غسل الجنابة من أنّها بمنزلة الحيض؛ لأنّ النطفة دم لم يستحكم،

____________

(1) الفقيه 1: 35 ح 128، العلل: 257، عيون أخبار الرضا (ع) 2: 104 ح 1، الوسائل 1: 277 أبواب الوضوء ب 15 ح 13، 15.

(2) الفقيه 1: 35 ح 127، العلل: 280 ح 1، المحاسن: 323 ح 63، الوسائل 1: 278 أبواب الوضوء ب 15 ح 16.

(3) الكافي 3: 16 ح 2، الفقيه 1: 31 ح 14، 15، التهذيب 1: 358 ح 1076، الاستبصار 1: 68 ح 205 و 204، و انظر الوسائل 1: 298 أبواب الوضوء ب 26.

(4) الخصال 2: 156، الوسائل 1: 305 أبواب الوضوء ب 29 ح 13.

439

و لا يكون الجماع إلا بحركة شديدة، و شهوة غالبة، فإذا فرغ الرجل تنفّس البدن و وجد الرجل من نفسه رائحة كريهة، فوجب الغُسل لذلك. و غُسل الجنابة مع ذلك أمانة ائتمن اللّه عليها عبيده ليختبرهم بها (1).

و منها: ما ورد في غسل الميّت من أنّه إذا خرجت الروح من البدن، خرجت النُّطفة التي خُلق منها بعينها منه كائناً ما كان، صغيراً أو كبيراً، ذكراً أو أُنثى، فلذلك يُغسل غسل الجنابة (2).

و منها: ما روي في تكفين الميّت عن الرضا (عليه السلام): أنّه إنّما أمر بتكفين الميّت؛ ليلقى اللّه طاهرَ الجسد، و لئلا تبدو عورته لمن يحمله أو يدفنه، و لئلا يظهر للناس بعضُ حاله و قُبح منظره، و لئلا يقسو القلب بالنظر إلى مثل ذلك؛ للعاهة و الفساد، و ليكون أطيب لأنفس الأحياء، و لئلا يبغضه حميمه فيلغي ذكره و مودّته، فلا يحفظه فيما خلفه و أوصاه به، و أمره به و أحب (3).

و منها: ما ورد في غسل مسّ الميّت: من أنّ الميّت إذا خرجت منه الرّوح بقيت فيه أكثر آفته، فلذلك يغتسل من مسّه. و أنّه لا يجب تغسيل باقي الحيوانات؛ لأنّها لابسة شعراً أو صوفاً (4).

و منها: ما ورد في غسل الجمعة: من أنّه لاستقبال العبد ربّه، و ليعرف أنّه يوم عيد، و لأنّ الأنصار كانوا يعملون في أموالهم، فإذا حضروا الجمعة تأذّت الناس من روائح آباطهم (5).

و منها: ما روي عن الرضا (عليه السلام) في علّة الأذان، فإنّه (عليه السلام) قال

إنّما أُمر الناس بالأذان لعلل كثيرة، منها: أن يكون تذكيراً للنّاس، و تنبيهاً للغافل، و تعريفاً

____________

(1) الاحتجاج 2: 347، الوسائل 1: 465 أبواب الجنابة ب 1 ح 14.

(2) الفقيه 1: 84 ح 378، و انظر الوسائل 2: 686 أبواب غسل الميت ب 3.

(3) عيون أخبار الرضا (ع) 2: 114، العلل: 268، الوسائل 2: 725 أبواب التكفين ب 1 ح 1.

(4) العيون 2: 114، الوسائل 2: 929 أبواب غسل المس ب 1 ح 11، 12، وص 935 ب 6 ح 5.

(5) الفقيه 1: 62 ح 23، العلل: 285، التهذيب 1: 366 ح 1112، الوسائل 2: 945 أبواب الأغسال المندوبة ب 6 ح 15.

440

لمن جهل الوقت و اشتغل عنه، فيكون المؤذّن بذلك داعياً إلى عبادة الخالق، و مُرغّباً فيها، مُقرّاً له بالتوحيد، مُجاهراً بالإيمان، مُعلناً بالإسلام، مُؤذّناً لمن ينساها، و إنّما يقال له: مؤذّن؛ لأنّه يؤذن بالأذان بالصلاة.

و إنّما بدأ فيها بالتكبير، و ختم بالتهليل؛ لأنّ اللّه أراد أن يكون الابتداء بذكره، و اسم اللّه في التكبير في أوّل الحرف، و في التهليل في آخر الحرف.

و إنّما جُعل مثنى مثنى؛ ليكون تكراراً في أذان المستمعين، مؤكّداً عليهم، إن سها أحد منهم عن الأوّل لم يسهُ عن الثاني، و لأنّ الصلاة ركعتان، فلذلك جعل الأذان مثنى مثنى.

و جُعل التكبير في الأذان أربعاً؛ لأنّ أوّل الأذان إنّما يبدو غفلة، فجُعل الأوّليان تنبيهاً للمستمعين لما بعده في الأذان.

و جعل بعد التكبير الشهادتان؛ لأنّ أوّل الإيمان الإقرار بالتوحيد و الرسالة، و معرفتهما مقرونتان، و جعل شهادتين شهادتين على نحو الشهادة في الحقوق.

و إنّما جُعل بعد الشهادتين الدعاء إلى الصلاة؛ لأنّه إنّما وضع لموضع الصلاة و ختم الكلام باسمه، كما فتح باسمه.

و إنما جعل في أخره التهليل؛ ليكون اسم اللّه في النهاية، كما كان في البداية.

و لم يجعل التسبيح و التحميد. و إن كان في آخرهما اسم اللّه؛ لأنّ التهليل إقرار بالتوحيد، و هو أعظم من التسبيح و التحميد.

و سُئل عن سبب ترك حيّ على خير العمل في الأذان، فقال: «العلّة الظاهرة أن لا يترك الجهاد، اعتماداً على الصلاة، و الباطنة: أنّ خير العمل الولاية، فأُريد أن لا يقع حثّ عليها» (1).

و منها: ما رُوي في علّة الابتداء بالتكبيرات السبع، و هو ضروب:

و منها: أنّ الحسين (عليه السلام) كان مُحاذياً للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فكبّر،

____________

(1) الوسائل 4: 645 أبواب الأذان ب 19 ح 14، 16.

441

فلم يجرِ الحسين (عليه السلام) التكبير، ثمّ بقي على ذلك مع التكبير ثانياً، و هكذا إلى السابع، فكبّر الحسين (عليه السلام) (1).

و منها: أنّ الحسين (عليه السلام) كبّر مع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أوّلًا، فكرر النبيّ إلى السبع، و الحسين (عليه السلام) يكبّر معه، فجرت السنة بذلك (2).

و منها: أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ليلة المعراج قطع سبع حجب، فكبّر عند كل حجاب تكبيرة (3).

و منها: أنّ اللّه خلق السماوات و الأرضين و الحُجب سبعاً سبعاً، و قطع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الحُجب، و كبّر عند كلّ حجاب (4).

و منها: أنّ أصل الصلاة ركعتان، و لها سبع تكبيرات، لكلّ من الافتتاح، و الركوع الأوّل، و السجدتين، و الركوع الثاني، و السجدتين تكبير، فإذا أتى بالسبع أوّلًا، و حصل نقص فيها، كان ما سبق عوضاً عنها (5).

و منها: ما روي في كون عدد الفرائض خمساً، و هو: «أنّ اللّه تعالى أمر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في المعراج أن يأمر أُمّته بخمسين صلاة، فرجع، و مرّ على الأنبياء، فلم يسألوه، حتّى مرّ على موسى بن عمران، فسأله، فأخبره، فقال له: اطلب التخفيف من ربّك؛ لأنّ أُمّتك لا تطيق، فرجع و طلب، فعادت إلى أربعين، ثمّ رجع على النحو السابق، فقال له موسى (عليه السلام) نحو ما قال، فرجع و سأل التخفيف، فعادت إلى ثلاثين، ثمّ رجع على نحو ما مرّ، فقال له موسى ذلك القول، فرجع و سأل التخفيف، فعادت إلى عشرين، ثمّ رجع على نحو الأوّل، فقال له موسى (عليه السلام) نحو ما مرّ، فرجع و سأل التخفيف، فعادت إلى عشر، ثمّ رجع كذلك

____________

(1) الفقيه 1: 199 ح 918، التهذيب 2: 67 ح 243.

(2) الفقيه 1: 199 ح 919، العلل: 331، الوسائل 4: 721 أبواب تكبيرة الإحرام ب 7 ح 1- 4.

(3) العلل: 332 ح 4، الوسائل 4: 723 أبواب تكبيرة الإحرام ب 7 ح 7.

(4) الفقيه 1: 199 ح 918 و 919، العلل: 332 ح 2، الوسائل 4: 722 أبواب تكبيرة الإحرام ب 7 ح 1 و 4 و 5.

(5) الفقيه 1: 200 ح 920، العلل: 261.

442

حتّى مرّ بموسى، فأخبره فقال له ما قال سابقاً، فعادت إلى خمس، ثمّ رجع، فمرّ على موسى، فقال له نحو ذلك، فقال: إنّي لأستحيي من ربّي» (1).

و روى: أنّه لم يرجع؛ لأنّه أراد أن يحصل لأُمّته ثواب الخمسين؛ لأنّ من جاء بالحسنة له عشر أمثالها (2).

و روى: «أنّ آدم (عليه السلام) لمّا هبط إلى الدنيا ظهرت به شامة سوداء، فبكى، فقال له جبرئيل (عليه السلام) ما يبكيك؟ فقال: من هذه؟ فقال له: يا آدم قم فصلّ، فهذا وقت الصلاة الأُولى، فقام و صلّى، فانحطّت الشامة إلى عنقه، ثمّ جاءه في الصلاة الثانية فأمره فصلّى، فانحطت إلى سرّته، فجاءه في الصلاة الثالثة فصلّى، فانحطّت إلى ركبتيه، فجاءه في الصلاة الرابعة فصلّى، فانحطت إلى قدميه، فجاءه في الصلاة الخامسة، فخرج منها، فحمد اللّه، ثمّ قال له: مَن صلّى من ولدك هذه الصلوات، خرج من ذنوبه كما خرجتَ من هذه الشامة» (3).

و منها: ما روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في تعيين أوقات الفرائض، قال: «أمّا صلاة الزوال؛ فلأنّ للشمس حلقة تدخل فيها، فتزول الشمس، فيسبّح كلّ من دون العرش بحمد ربّي، و يصلّي على ربّي، و في مثل هذه الساعة يؤتى بجهنّم، فمن صلّى فيها نجا منها.

و أمّا صلاة العصر؛ فلأنّه وقت أكل آدم (عليه السلام) من الشجرة، فأمر اللّه ذريّته بها.

و أمّا صلاة المغرب؛ فلأن ساعته ساعة التوبة على آدم (عليه السلام)، و صلّى آدم فيها ثلاث ركعات، ركعة لخطيئته، و ركعة لخطيئة حوّاء، و ركعة لتوبته.

و أمّا صلاة العشاء؛ فلأنّ للقبر ظُلمة، و ليوم القيامة ظُلمة، و هي نور للقبر، و نور

____________

(1) الفقيه 1: 126 ح 602، أمالي الصدوق: 366 ح 2، الوسائل 3: 7 أبواب أعداد الفرائض ب 2 ح 5.

(2) الفقيه 1: 126 ح 603، العلل: 132 ح 1، أمالي الصدوق: 371 ح 6، الوسائل 3: 10 أبواب أعداد الفرائض ب 2 ح 10.

(3) الفقيه 1: 138 ح 644، العلل: 338 ح 2، الوسائل 3: 9 أبواب أعداد الفرائض ب 2 ح 9.

443

على الصراط، و هي الساعة المُختارة للمؤمنين، و ما من قدمٍ مَشَت إليها إلا حرّم اللّه جسدها على النار.

و أمّا صلاة الفجر؛ فلأنّ الشمس تطلع بين قرني شيطان، فأُمرت أن أُصلّي قبل طلوعها، و لأنّها ساعة تحضرها ملائكة اللّيل و النهار» (1).

و في أُخرى: أنّ كلا من أوقات الزوال و المغرب و العشاء و الصبح أوقات مشهورة، فأمر بالصلوات فيهنّ، و وقت العصر أُمر به بعد الفراغ منهنّ (2)، و ورد غير ذلك (3).

و منها: ما ورد في علّة كون مجموع صلاة الفريضة و السنة إحدى و خمسين ركعة، و هو: أنّ النهار اثنتا عشرة ساعة، و اللّيل كذلك، و ساعة بين الطلوعين، فلكلّ ساعة ركعتان، و للغسق ركعة (4).

و منها: ما ورد في علّة كون النوافل أربعاً و ثلاثين باحتساب الوتيرة ركعة: من أنّ ذلك ليكون في مقابلة كلّ ركعة من الفريضة ركعتان من النافلة (5).

و منها: ما ورد في علّة وجوب القراءة في الصلاة: من أنّه حذراً عن أن يهجر القرآن و لا يُحفظ، و لا يُدرس و لا يُضمحلّ و لا يجهل.

و في خصوص الحمد؛ لأنّ فيه الاسم الأعظم، و لأنّه لا شيء من الكلام و القران أجمع للخير أو الحكمة منه (6)، و لاشتماله على الحمد الذي هو أوّل الواجبات على الخلق.

____________

(1) الفقيه 1: 138 ح 643، العلل: 337 ح 1، الوسائل 3: 9 أبواب أعداد الفرائض ب 2 ح 7.

(2) العلل: 263، العيون 2: 109 ح 1، الوسائل 3: 117 أبواب المواقيت ب 10 ح 11.

(3) التهذيب 2: 252 ح 1001، الاستبصار 1: 257 ح 922، العلل 1: 263، الوسائل 3: 115 أبواب المواقيت ب 10 ح 5.

(4) الكافي 3: 487 ح 5، الفقيه 1: 128 ح 604، الخصال: 488 ح 66، العلل: 327، الوسائل 3: 34 أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 10.

(5) العلل: 430 ح 1، وص 267، 264، العيون 2: 113، الوسائل 3: 70 أبواب أعداد الفرائض ب 29 ح 6.

(6) الفقيه 1: 203 ح 927، العيون 2: 107، العلل: 262، الوسائل 4: 733 أبواب القراءة ب 1 ح 3- 4.

444

و في تخصيص الركعتين الأُوليين بوجوب القراءة دون الأخيرتين؛ لأنّ الأُوليين ممّا فرض اللّه، و الأخيرتين ممّا أوجب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

و منها: ما ورد في علّة استحباب القنوت في الركعة الثانية بعد القراءة؛ لأنّ العبد يجب افتتاح قيامه، و قربه، و عبادته بالتحميد، و التقديس، و الرغبة، و الرهبة، و يختم بمثل ذلك؛ ليكون في القيام طول، فيدرك المأموم الركعة، و لا تفوته الجماعة (1).

و منها: ما ورد في التسليم، و هو أُمور:

منها: أن الإمام مُترجم عن اللّه: الأمان عليهم من عذاب اللّه.

و منها: أنّ الدخول في الصلاة تحريم الكلام على المخلوقين، فيكون تحليلها بتحليله، و أوّل الكلام السلام.

و جعل التحليل التسليم؛ لأنّه تحيّة الملكين، و لأنّ فيه سلامة للعبد من النار؛ لأنّ في قبول صلاة العبد يوم القيامة قبول سائر أعماله.

و منها: أن التسليم علامة الأمن؛ لأنّ الناس كانوا فيما مضى إذا سلّم عليهم وارد أمنوا شرّه، و إذا ردّوا عليه أمِن شرّهم، و إن لم يسلّموا لم يأمنوه، و إن لم يردوا عليه لم يأمنهم، فجعل التسليم علامة للخروج من الصلاة، و تحليلًا للكلام، و أمناً عن أن يدخل في الصلاة ما يفسدها.

و السّلام: اسم من أسماء اللّه عزّ و جلّ، و هو واقع من المصلّي على المَلَكين الموكّلين (2).

و منها: أنّه يسلّم على اليمين دون اليسار؛ لأنّ الملك الموكّل بكتابة الحسنات على اليمين، و إنّما لم يقل: السلام عليك، و هو واحد؛ ليعمّ من في اليسار. و فضّل الأوّل بالابتداء بالإشارة.

____________

(1) الفقيه 1: 210 ح 945، العلل 1: 260، العيون 2: 106، معاني الأخبار: 176، الوسائل 4: 896 أبواب القنوت ب 1 ح 5.

(2) العلل 1: 262، و ج 2: 359، الوسائل 4: 1005 أبواب التسليم ب 1 ح 9، 10، 13.

445

و كان التسليم بالأنف لا بالوجه كلّه لمن يصلّي وحده، و بالعين لمن يصلّي بقوم؛ لأنّ مَقعد الملكين من ابن آدم الشدقان (1)، فصاحب اليمين على الشدق الأيمن، فيسلّم المصلّي عليه، و ليُثبت له صلاته في صحيفته.

و تسليم المأموم ثلاثاً؛ لتكون واحدة ردّاً على الإمام، و تكون عليه و على ملكيه، و تكون الثانية على يمينه، و المَلكين الموكّلين به، و تكون الثالثة على مَن على يساره، و مَلَكيه الموكّلين به.

و مَن لم يكن على يساره أحد، لم يسلّم على يساره.

فتسليم الإمام يقع على ملكيه و المأمومين، يقول لملكيه: اكتبا سلامة صلاتي ممّا يفسدها، و يقول لمن خلفه: سلمتم و أمنتم من عذاب اللّه عزّ و جلّ، إلى غير ذلك ممّا وردَ في هذا المقام (2).

ثمّ لنختم الكلام بحديثين أوّلهما عن الصادق، و الثاني عن الكاظم (عليهما السلام).

الحديث الأوّل: ما روي بطريقين، عن الصباح المزني، و سدير الصيرفي، و مؤمن الطاق، و عمر بن أُذينة، عن الصادق (عليه السلام) في حديث طويل: «إنّ اللّه عرج بنبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فأذّن جبرئيل (عليه السلام)، فقال: اللّه أكبر، اللّه أكبر، أشهدُ أن لا إله إلا اللّه، أشهدُ أن لا إله إلا اللّه، أشهدُ أنّ محمداً رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، أشهدُ أن محمّداً رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل، حيّ على خير العمل، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة.

ثمّ إنّ اللّه عزّ و جلّ قال: يا محمّد، استقبل الحجر الأسود، و هو بحيالي، و كبّرني بعدد حُجبي، فمن أجل ذلك صار التكبير سَبعاً؛ لأنّ الحُجب سَبعة، و افتتح القراءة

____________

(1) شدق الإنسان و الدابة: هو لحم باطن الخدّين من جانبي الفم. جمهرة اللغة 2: 652.

(2) العلل 2: 359 ح 1، الوسائل 4: 1009 أبواب التسليم ب 2 ح 15.

446

عند انقطاع الحجب، فمن أجل ذلك صار الافتتاح سنّة، و الحجب مطابقة ثلاثاً و النور الذي نزل على محمّد ثلاث مرّات، فلذلك كان الافتتاح ثلاث مرّات، فلأجل ذلك كان التكبير سبعاً، و الافتتاح ثلاثاً.

فلمّا فرغ من التكبير و الافتتاح، حينئذٍ قال اللّه تعالى: الان وصلت إليّ، فسمّ باسمي، فقال بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، فمن أجل ذلك جعل بسم اللّه الرحمن الرحيم في أوّل السورة.

ثمّ قال: احمدني فقال الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في نفسه شكراً، فقال اللّه: يا محمّد، قطعت حمدي فسمّ باسمي، فمن أجل ذلك جعل في الحمد الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* مرّتين.

فلمّا بلغ وَ لَا الضّالِّينَ قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ شكراً، فقال اللّه العزيز الجبّار: قطعت ذكرى، فسم باسمي، فمن أجل ذلك جعل بسم اللّه الرحمن الرحيم بعد الحمد في استقبال السورة الأُخرى، فقال له: اقرأ: قل هو اللّه أحد كما أُنزلت، فإنّها نسبتي و نعمتي، ثمّ طأطئ يديك و اجعلهما على ركبتيك، فانظر إلى عرشي.

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): فنظرت إلى عظمةٍ ذهبت لها نفسي، فغُشي عليّ، فأُلهمت أن قلت: «سبحان ربّي العظيم و بحمده» لعظم ما رأيت، فلما قلت ذلك، تجلّى الغشي عنّي، حتّى قلتها سبعاً، أُلهَمُ ذلك، فرجعت إليّ نفسي كما كانت، فمن أجل ذلك صار في الركوع «سبحان ربّي العظيم و بحمده».

فقال: ارفع رأسك، فرفعت رأسي فنظرت إلى شيء ذهب منه عقلي، فاستقبلت الأرض بوجهي و يدي، فأُلهمت أن قلت: «سبحان ربّي الأعلى و بحمده» لعلوّ ما رأيت، فقلتها سبعاً، فرجعت إلى نفسي، كلّما قلت واحدة منها تجلّى عنّي الغشي، فقعدت، فصار السجود فيه «سبحان ربّي الأعلى و بحمده»، و صارت القعدة بين السجدتين استراحة من الغشي، و علوّ ما رأيت.

فألهمني ربّي عزّ و جلّ، و طالبتني نفسي أن أرفع رأسي، فرفعت، فنظرت إلى

447

ذلك العلوّ، فغشي عليّ، فخررت لوجهي، و استقبلت الأرض بوجهي و يدي، و قلت: «سبحان ربّي الأعلى و بحمده» فقلتها سبعاً، ثمّ رفعت رأسي.

فقعدت قبل القيام لأُثنّي النظر في العلو، فمن أجل ذلك صارت سجدتين، و ركعة، و من أجل ذلك صار القعود قبل القيام قعدة خفيفة.

ثمّ قمتُ، فقال: يا محمّد، اقرأ الحمد، فقرأتها مثل ما قرأتها أوّلًا، ثمّ قال لي: اقرأ إنا أنزلناه فإنّها نسبتك، و نسبة أهل بيتك إلى يوم القيامة.

ثمّ ركعت، فقلت في الركوع و السجود، مثل ما قلت أوّلًا، و ذهبت أن أقوم، فقال: يا محمّد، اذكر ما أنعمت عليك، و سمّ باسمي، فألهمني اللّه أن قلت: «بسم اللّه، و باللّه، لا إله إلا اللّه، و الأسماء الحسنى كلها للّه».

فقال لي: يا محمّد، صلّ عليك و على أهل بيتك، فقلت «صلّى اللّه عليّ و على أهل بيتي».

و قد فعل، ثم التفت، فإذا بصفوف من الملائكة و النبيين و المرسلين، فقال لي: يا محمّد، سلّم، فقلت: «السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته».

فقال: يا محمّد، إنّي أنا السلام، و التحيّة، و الرحمة، و البركات أنت و ذريّتك.

ثمّ أمرني ربّي العزيز الجبار أن لا ألتفت يساراً، و أوّل سورة سمعتها بعد قل هو الله أحد إنا أنزلناه في ليلة القدر و من أجل ذلك كان السلام مرّة واحدة تجاه القبلة، و من أجل ذلك صار التسبيح في الركوع و السجود شكراً.

و قوله: «سمع اللّه لمن حمده»، لأنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: سمعتُ ضجّة الملائكة، فقلت: «سمع اللّه لمن حمده» بالتسبيح و التهليل، فمن أجل ذلك جُعلَت الركعتان الأُوليان كلّما حدث فيهما حدث كان على صاحبهما إعادتهما، و هي الفرض الأوّل، و هي أوّل ما فرضت عند الزوال يعني صلاة الظهر (1).

____________

(1) الكافي 3: 482 ح 1، العلل 2: 315 ح 1، الوسائل 4: 679 أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 10.

448

و روى عنه (عليه السلام) إضافة: أنّه أوحى اللّه إليه: اركع لربّك يا محمّد، فركع، فأوحى اللّه إليه قل: «سبحان ربّي العظيم» فقالها ثلاثاً، ثمّ أوحى إليه أن ارفع رأسك يا محمّد، ففعل، فقام مُنتصباً، فأوحى اللّه إليه أن اسجد لربّك يا محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فخرّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ساجداً، فأوحى إليه قل: «سبحان ربّي الأعلى» ففعل ذلك ثلاثاً (1).

الحديث الثاني روي عن إسحاق بن عمّار أنّه قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام)، كيف صارت الصلاة ركعة و سجدتين؟ و كيف إذا صارت سجدتين لا تكون ركعتين؟ فقال (عليه السلام): «إذا سألتَ عن شيء، ففرّغ قلبك لتفهم، إنّ أوّل صلاة صلاها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، إنّما صلاها في بين يدي اللّه تبارك و تعالى، قُدّام عرشه جلّ جلاله.

و ذلك أنّه لما أسرى به، قال: يا محمّد، ادنُ من صاد، فاغسل مساجدك، و طهرها، و صلّ لربّك.

فتوضّأ، و أسبغَ وضوءَه، ثمّ استقبل عرشَ الجبّار قائماً، فأمره بافتتاح الصلاة، ففعل، فقال يا محمّد: اقرأ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ إلى آخرها، ففعل ذلك.

ثمّ أمره أن يقرأ نسبة ربّه بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ اللّهُ الصَّمَدُ ففعل، ثمّ أمسك عنه القول، فقال: «كذلك اللّه، كذلك اللّه، كذلك اللّه».

فلمّا قال ذلك، قال: اركع يا محمّد لربّك، فركع، فقال له و هو راكع: قل «سبحان ربّي العظيم و بحمده» ففعل ذلك ثلاثاً.

ثمّ قال له: ارفع رأسك يا محمّد، ففعل، فقام مُنتصباً بين يدي اللّه.

فقال له: اسجد يا محمّد لربّك، فخرّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ساجداً، فقال قل: «سبحان ربّي الأعلى و بحمده» ففعل ذلك ثلاثاً.

____________

(1) الكافي 3: 486 ح 1، الوسائل 4: 681 أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 10.

449

فقال له: استوِ جالساً يا محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، ففعل، فلما استوى جالساً ذكر جلالة ربّه، فخرّ للّه ساجداً من تلقاء نفسه، لا لأمرٍ أمره ربّه عزّ و جلّ، فسبّح أيضاً.

فقال: ارفع رأسك، ثبّتك اللّه، و اشهد أن لا إله إلا اللّه، و أنّ محمّداً رسول اللّه، و أنّ الساعة آتية لا ريب فيها، و أنّ اللّه يبعث من في القبور، اللهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد، كما صلّيت، و باركت، و ترحّمت، و مننت على إبراهيم و آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد، اللهم تقبّل شفاعته في أُمّته، و ارفع درجته، ففعل.

فقال له: يا محمّد، و استقبل ربّك تبارك و تعالى مُطرقاً، فقال: السلام عليك، فأجابه الجبّار جلّ جلاله، و قال: و عليك السلام يا محمّد.

قال أبو الحسن (عليه السلام): إنّما كانت الصلاة التي أُمر بها ركعتين، و سجدتين، و هو إنّما سجد سجدتين في كلّ ركعة، كما أخبرتك من تذكّره لعظمة ربّه، فجعله اللّه تبارك و تعالى فرضاً (1) الحديث) (2).

كتاب القرآن

و هو الكتاب المُنزل من السماء على سيّد الرسُل، و خاتم الأنبياء، مفصّلًا سوراً و آيات، مَعدوداً من أكبر الآيات و المُعجزات، راجحة قراءته حيث تكون غير منسوخة تلاوته. فخرجت باقي الكُتب السماويّة، و الأحاديث القدسيّة، و منسوخ التلاوة، و إن كان في مبدأ خلقه مُحتسباً منه.

و في كونه حقيقة في المجموع فقط، أو مُشتركاً معنوياً، أو لفظيّاً بينه و بين البعض وجوه، أقواها الأوّل.

و فيه مباحث:

____________

(1) العلل 2: 334 ح 1، الوسائل 4: 681 أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 11.

(2) إلى هنا تنتهي المطالب الغير الموجودة في «م»، «س».

450

الأوّل: في حدوثه

لا ريب أنّه من مَقولة الأصوات، و هي من الأعراض الطارئة على الذوات، المتخيّل وجودها مع عدمها، و الحروف الناشئة عن تقطيع تلك الأصوات، و الكلمات المركّبة من تلك الحروف و الحركات، مع الهيئات. فهو من المخلوقات المُحدثات، و لا يمكن وجوده إلا في بعض الجسميّات.

و الكلام النفسي كاللفظي من المركّبات؛ لأنّ هذه الألفاظ الصوريّة منطبقة على التصوريّة، فحقيقة الكلام لا تخرج عن الوجهين المذكورين، على أنّه مَجاز في القسم الثاني، و إلا دخلت في العلم و الإدراك، و ليسا من الكلام بلا كلام.

فلو جازَ القِدَم في الأصوات و الحروف و الكلمات، لجازَ القِدَم في جميع أنواع المركّبات. و من تتبّعَ الأخبار، ظهرَ له ذلك ظهور الشمس في رائعة النهار.

المبحث الثاني: في إعجازه

أصل الإعجاز في الجملة ممّا أذعنت به فُصحاء اليمن، و نجد، و العراق، و الحجاز. و اختاروا المُحاربة؛ عجزاً عن المُعارضة.

و هو ممّا اتفقت عليه كلمات أهل الإسلام، و تواترت به أخبار النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الأئمّة (عليهم السلام)، و دلّ عليه صريح الكتاب.

و لا يلزم من ذلك دور؛ لأنّ طريق إثبات النبوّة غير مُنحصر فيه.

و إنّما الكلام في أنّ إعجازه للصرف عن مباراته، أو لما اشتمل عليه من الفصاحة و البلاغة في سوره و آياته؟

ثمّ هل ذلك من مجموع المباني و المعاني، أو في كلّ واحد منها؟

و هل ذلك مخصوص بالجملة، أو يتمشّى إلى السور الطوال، أو إليها و إلى القصار؟ و هل يتسرّى إلى الآيات أو لا؟ و أمّا الكلمات و الحروف فلا.

و لا يبعد القول بالصرفة بالنسبة إلى بعض السور القصار، و بالأمرين معاً في حقّ

451

الكبار، أو المجتمع عن الصغار.

و ربّما يوجّه بذلك التّعجيز بسورة مرّة، و بعشر أُخرى، و إن كانت له وجوه أُخر.

و قد يقال: بثبوت الإعجاز في صغار السور إذا ظهر ما اشتملت عليه من الحكم، و كان يظهره لمن ينكره.

المبحث الثالث في كيفيّة الخطاب به

قد دلّت الأخبار على تقدّم خَلقه على زمان البِعثة بما لا يخفى على الأعوام، فلا معنى لتوجيه الخطاب حين الخلق إلى أهل الإسلام، فيكون حينئذٍ خطاب وضع، لا خطاب مُشافهة إلى حين حمل جبرئيل، ثمّ بتلاوته على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يكون جبرئيل مُخاطباً له؛ إذ من البعيد أن يقال بخَلقه مرّة ثانية على لسانه، و إنّما هو حاكٍ للخطاب.

ثمّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أيضاً حاكٍ؛ لبُعد كونه مَخلوقاً مرّة ثالثة على لسانه على نحو الخلق الأوّل، فهو المخاطب حينئذٍ للمكلّفين.

فعلى مذهبنا من اشتراط موجوديّة المخاطب، و حضوره، و سماعه، و فهمه، و إقباله، كما دلّ عليه صريح العقل، لا يكون الخطاب من اللّه خطاب شفاه، و كذا من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بالنسبة إلى الأعقاب، و جميع من لم يكن حاضراً وقت الخطاب (فالبحث في خطاب المشافهة مبنيّ على خطاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) للحاضرين على وجه الرسالة) (1) و إنّما تسرية الأحكام بنصّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الأئمّة (عليهم السلام).

و لو كان وضعه لأعلى وضع المراسلات، بل على وضع الصكوك و السجلات، ساوى الحاضرون الغائبين.

غير أنّ الأوّل أقرب إلى الصواب، و لذلك أدخلوه في مُشافهة الخطاب، و جعلوا

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

452

ثبوت الحكم لغير المُشافهين من الضرورة و الإجماع و الأخبار. و على كلّ حال لا يتمشّى إلا في المماثل المتّحد في النوع.

و القول: «بأنّ الخطاب في الأخبار لأشخاصٍ بأعيانهم من قبيل الوضع العامّ، و أنّ خطاب المعنيّ من قبيل المثال» ممّا لا ينبغي أن يخطر في البال.

ثمّ يبقى الكلام في أنّ صدق الحقيقة و المجاز و حكمهما يلحق زمان الوضع، فلا ينزّل على حين التبليغ أو بالعكس، و يختلف الحكم فيما كان حقيقة في أيّام النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و ليس بحقيقة قبله، و يختلف الحال أيضاً باختلاف زمن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و ما بعده باختلاف احتمالي الوضع و الرسالة.

ثمّ يجري في الأحاديث القدسيّة نحو ما جرى في القرآن، (و الظاهر أنّ المدار على حين التبليغ، و اصطلاح الحاضرين عنده. و تبدّل الحقيقة بعده و لو في زمن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لا يغيّر حكمه).

المبحث الرابع: أنّه أفضل من جميع الكُتب المُنزلة من السماء، و من كلام الأنبياء و الأصفياء.

و ليس بأفضل من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و أوصيائه (عليهم السلام)، و إن وجب عليهم تعظيمه و احترامه؛ لأنّه ممّا يلزم على المملوك، و إن قرب من الملك نهاية القرب، تعظيم ما يُنسب إليه من أقوال، و عيال، و أولاد، و بيت، و لباس، و هكذا؛ لأنّ ذلك تعظيم للمالك.

فتواضعهم لبيت اللّه تعالى، و تبرّكهم بالحجر، و الأركان، و بالقرآن، و بالمكتوب من أسمائه، و صفاته من تلك الحيثيّة لا يقضي لها بزيادة الشرفيّة.

المبحث الخامس: أنّ تلاوته أفضل من تلاوة الدعاء، و الأذكار، و الأحاديث، قدسيّة و غيرها،

و إن ورد العكس في الدعاء، و هي في نفسها سنّة من دون حاجة إلى فهم المعاني إجمالًا و تفصيلًا. نعم يعتبر فيها فهم القرآنيّة، كما يُعتبر في الذكر و الدعاء

453

فهم الذكريّة و الدعائيّة، و نحوها، في نحوها، و ربّما يكتفى بمجرّد العلم بأنّه ممّا يتقرّب به.

المبحث السادس: أنّ فيه المُتشابه الذي لا يُعلم إلا بتعليم،

كأسماء العبادات من الصلاة، و الصيام، و الحجّ، و نحوها، و أسماء لا يعرفها العرب كالحروف في مفتتح السور، و أسماء أشياء توجد في الآخرة.

و فيه المبيّن الذي يعرفه العرب بلسانهم، و به عُرِفَ الإعجاز، و حُجّ الخصوم من غير أهل الإسلام، و به يتّضح حال الصحيح من الأخبار، و عليه مدار الضرورة، و السيرة، و احتجاج النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الأئمّة (عليهم السلام) و الأصحاب سلفاً بعد سلف، و عليه بُني عمل الاستخارة، و ما يُكتب من الهياكل من غير رجوع إلى تفسير، و حجيّته من ضروريّات الدين، و قد مرّ الكلام فيه مفصّلًا.

المبحث السابع: في زيادته

لا زيادة فيه، من سورة، و لا أية، من بسملة، و غيرها، لا كلمة، و لا حرف. و جميع ما بين الدفتين ممّا يُتلى كلام اللّه تعالى بالضرورة من المذهب، بل الدين، و إجماع المسلمين، و إخبار النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و الأئمّة الطاهرين (عليهم السلام)، و إن خالف بعض من لا يُعتدّ به في دخول بعض ما رسم في اسم القرآن.

المبحث الثامن: في نقصه

لا ريبَ في أنّه مَحفوظ من النقصان، بحفظ الملك الديّان، كما دلّ عليه صريح القرآن (1)، و إجماع العلماء في جميع الأزمان، و لا عبرة بالنادر.

و ما ورد من أخبار النقيصة تَمنع البديهة من العمل بظاهرها، و لا سيّما ما فيه نقص

____________

(1) الحجر: 15.

454

ثلث القرآن، أو كثير منه، فإنّه لو كان ذلك لتواتر نقله؛ لتوفّر الدواعي عليه، و لاتّخذه غير أهل الإسلام من أعظم المطاعن على الإسلام و أهله.

ثمّ كيف يكون ذلك، و كانوا شديدي المحافظة على ضبط آياته، و حروفه. و خصوصاً ما ورد أنّه صرّح فيه بأسماء كثير من المنافقين في بعض السور، و منهم فلان و فلان.

و كيف يمكن ذلك، و كان من حكم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الستر على المنافقين، و معاملتهم بمعاملة أهل الدين.

ثمّ كان (صلوات اللّه عليه) يختشي على نفسه الشريفة منهم، حتّى أنّه حاول عدم التعرّض لنصب أمير المؤمنين (عليه السلام)، حتّى جاءه التشديد التامّ من ربّ العالمين، فلا بدّ من تأويلها بأحد وجوه:

أحدها: النقص ممّا خلق، لا ممّا أُنزل.

ثانيها: النقص ممّا أُنزل إلى السماء، لا ممّا وصل إلى خاتم الأنبياء.

ثالثها: النقص في المعاني.

رابعها: أنّ الناقص من الأحاديث القدسيّة.

و الذي اختاره أن المُنزل من الأصل ناقص في الرسم، و ما نقصَ منه مَحفوظ عند النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و آله (عليهم السلام).

و أمّا ما كان للإعجاز الذي شاعَ في الحجاز و غير الحجاز، فهو مقصور على ما اشتهر بين الناس، لم يغيّره شيء من النقصان، من زمن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلى هذا الزمان، و كلّما خطب أو خاطب به النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) على المنبر، لم يتبدّل، و لم يتغيّر.

المبحث التاسع: في بيان معنى القراءة و التلاوة

و تتحقّق للقادر بالإتيان بالحروف على النحو المألوف، و النطق بالكلمات على نحو ما وضعت عليها من الهيئات، فلا عِبرة بأحاديث النفس، و لا بالصوت الخارج من الفم

455

و لا يدعى حَرفاً عُرفاً، و لا بالحروف المقطّعات التي لم تحصل بها هيئات الكلمات.

و لا مع الفصل بسكوت أو كلام طويلين بين الحروف أو الكلمات، حتّى يكونا عن اسم القرآن و القراءة مخرجين.

و يُكتفى من العاجز عن البعض بقدر المقدور منها، و من العاجز عن الكل بلَوك اللّسان، مع الإشارة بدلًا عنها.

و لا اعتبار بالحروف المنثورة، و لا بالقراءة المقلوبة، و لا بالمشتركة التي قصد بها غيرها، و هذا جارٍ في جميع الكلمات الداخلة في الأذكار و الدعوات.

المبحث العاشر: في بيان ما يحرم منها

، و هو أقسام:

منها: ما تَشتمل على الغِناء، و قد سبق تحقيق معناه.

و منها: ما يكون مؤذياً للمصلّين، و مُزعجاً للنّائمين، و نحو ذلك.

و منها: ما يُرفع زائداً على العادة، حتّى لا يبقى للقران حُرمة.

و منها: ما يفضي إلى فساد الصلاة أو خروج وقتها، كقراءة سور العزائم في الفرائض، أصليّة أو عارضيّة، أو ما يفوّت وقت الفريضة الواجبة.

و منها: ما يكون بلسان مغصوب، كلسان العبد مع منع مولاه.

و منها: ما يكون في مكان مغصوب في وجه قويّ، أمّا ما كان في إله معدّة للتصويت، فلا شكّ في تحريمه.

و منها: ما يتلذّذ فيه بالسماع من الأجانب؛ لترطيب الصوت و تلطيفه.

و منها: ما يكون في وقت عبادة مضيّقة، و إن لم تكن حُرمته أصليّة في أحد الوجوه.

و منها: ما يكون في حالة يُنهى عنها بسببها، كقراءة العزائم للجنب، و نحوه.

و منها: ما يحرم لنذر عدمه و نحوه حيث يعارضه أرجح منه. و هذا الحكم متمشّ في جميع أقسام القراءة، في ذكرٍ، و دعاءٍ، و مدحٍ، و ثناءٍ، و غيرها من باقي الأشياء.

456

المبحث الحادي عشر: في استحباب أن يكون في البيت، و أن يعلّق فيه (1)

؛ لأنّ كلا منهما يَنفي الشياطين.

و يُكره ترك القراءة فيه؛ لقول الصادق (عليه السلام)

ثلاثة يشكون إلى اللّه تعالى: مسجد خراب لا يصلّي فيه أهله، و عالم بين جُهّال، و مصحف مُعلّق قد وقع فيه الغبار، و لا يقرأ فيه

(2). المبحث الثاني عشر: في تعلّمه أو تعليمه

فعن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

خياركم من تعلّم القرآن و علمه

(3). و عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

إذا قال المعلّم للصبي: قُل بسم اللّه الرحمن الرحيم، فقال، كتب اللّه براءة للصبي، و لأبويه، و للمُعلّم

(4). و عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

ما من رجل علّم ولده القرآن، إلا توّج اللّه أبويه يوم القيامة بتاج الملك، و كُسيا حُلّتين لم يرَ الناس مثلهما

(5). و عن الصادق (عليه السلام): ينبغي للمؤمن أن لا يموت حتّى يتعلّم القرآن، أو يكون في تعليمه

(6) إلى غير ذلك.

و عن الأمير (عليه السلام)

إنّ اللّه ليهمّ بعذاب أهل الأرض، فلا يحاشي منهم أحداً، فينظر إلى الشيب ناقلي أقدامهم إلى الصلوات، و الولدان يتعلّمون القرآن، فيؤخّر ذلك عنهم

(7).

____________

(1) في «ح» زيادة: و الظاهر أنّ المراد منه مجرّد الوجود.

(2) الكافي 2: 449 ح 3، الوسائل 4: 855 أبواب قراءة القرآن ب 20 ح 2.

(3) أمالي الطوسي: 357 ح 739، 740، الوسائل 4: 825 أبواب قراءة القرآن ب 1 ح 6.

(4) مجمع البيان 1: 90، الوسائل 4: 826 أبواب قراءة القرآن ب 1 ح 16.

(5) مجمع البيان 1: 75، الوسائل 4: 825 أبواب قراءة القرآن ب 1 ح 8.

(6) الكافي 2: 607 ح 3، الوسائل 4: 824 أبواب قراءة القرآن ب 1 ح 4.

(7) الفقيه 1: 155 ح 723، علل الشرائع 2: 521، ثواب الأعمال: 61، الوسائل 4: 835 أبواب قراءة القرآن ب 7 ح 2.