رياض المسائل - ج14

- السيد علي الطباطبائي المزيد...
496 /
55

مستفيضة جدّاً، منها: «قضى رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) بالشفعة بين الشركاء في الأرضين و المساكن، و قال: لا ضرر و لا إضرار» (1).

و هل تثبت فيما ينقل كالثياب و الأمتعة؟ فيه قولان أكثر المتقدّمين منهم: الشيخان و المرتضى و الإسكافي و القاضي و الحلبي و الحلي و جماعة من المتأخّرين (2) على الأوّل مطلقاً، منقولًا كان أم لا، قابلًا للقسمة أم لا، و مال إليه الشهيد في الدروس و نفى عنه البعد (3). و لعله أظهر؛ لدعوى الإجماع عليه في الانتصار و السرائر، و خصوص المرسلة المنجبرة بالشهرة القديمة: «الشفعة جائزة في كل شيء من حيوان أو أرض أو متاع إذا كان الشيء بين شريكين لا غيرهما فباع أحدهما نصيبه فشريكه أحقّ به من غيره» الخبر (4).

مضافاً إلى التأيّد بالإطلاقات، بل و عموم بعض الروايات، كالحسن:

«الشفعة في البيوع إذا كان شريكاً فهو أحقّ بها من غيره بالثمن» (5)، و الخبر: «الشفعة لكل شريك لم يقاسم» (6) و قريب منه مفهوم غير واحد من

____________

(1) الكافي 5: 280/ 4، الفقيه 3: 45/ 154، التهذيب 7: 164/ 727، الوسائل 25: 399 أبواب الشفعة ب 5 ح 1.

(2) المفيد في المقنعة: 618، الطوسي في النهاية: 423، المرتضى في الانتصار: 215، و حكاه عن الإسكافي في المختلف: 402، القاضي في المهذب 1: 458، الحلبي في الكافي في الفقه: 362، الحلي في السرائر 2: 390؛ و ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 591.

(3) الدروس 3: 356.

(4) الكافي 5: 281/ 8، الفقيه 3: 46/ 162، التهذيب 7: 164/ 730، الوسائل 25: 402 أبواب الشفعة ب 7 ح 2.

(5) الكافي 5: 281/ 5، التهذيب 7: 164/ 728، الوسائل 25: 395 أبواب الشفعة ب 2 ح 1.

(6) الكافي 5: 280/ 1، الوسائل 25: 396 أبواب الشفعة ب 3 ح 3.

56

النصوص (1)، هذا.

مع انسحاب وجه الحكمة و هو الضرر الذي نيط به شرعيّة الشفعة كما اعترف به الجماعة. و ربما استفيد من الرواية السابقة التي هي إحدى المستفيضة في المسألة، هذا.

مع احتمال التأيّد أيضاً ببعض النصوص الآتية في ثبوت الشفعة في المملوك.

و لا يعارضها المرسلة الأُخرى المرويّة في الكافي بعدها: «أنّ الشفعة لا تكون إلّا في الأرضين و الدور فقط» (2)؛ لقصور سندها، مع عدم جابر لها عدا الأصل و الشهرة المتأخّرة، و الأوّل يجب الخروج عنه بالإجماع المنقول، و العمومات. و الثاني جابر لو لم يعارضه الشهرة القديمة الراجحة عليه حيث حصل بينهما معارضة، كما في المسألة، و مع ذلك موافقة للعامّة كافّة، كما يستفاد من الانتصار (3) و سيأتي إليه الإشارة.

و الأشبه بين أكثر المتأخرين (4)، وفاقاً للمبسوط و الخلاف و ابن حوزة و ظاهر سلّار (5) الاقتصار على موضع الإجماع أخذاً بالأصل الدالّ على عدم تسلّط المسلم على مال المسلم إلّا بطيب نفسه، خرج منه المجمع عليه و بقي الباقي. و بما دلّ على نفيها عن الحيوان و الطريق و السفينة من المعتبرة الآتية. و بالمرسلة المتقدّمة.

____________

(1) الوسائل 25: 396 أبواب الشفعة ب 3.

(2) الكافي 5: 281/ ذيل حديث 8، الوسائل 25: 405 أبواب الشفعة ب 8 ح 2.

(3) الانتصار: 215.

(4) انظر التذكرة 1: 588، و الإيضاح 2: 198، و الروضة 4: 397، و المسالك 2: 270.

(5) المبسوط 3: 106، الخلاف 3: 425، الوسيلة: 258، المراسم: 183.

57

و ضعف الجميع ظاهر، فالأوّل: بلزوم الخروج عنه بما مرّ من الخبر المنجبر بالعمل، و الإجماع المنقول المعتضد بما تقدّم. و الثاني: بما يأتي.

و الثالث: بما مرّ.

و العجب من المختلف حيث استدلّ على هذا القول بالرواية المتقدّمة (1) من جملة المستفيضة، قال بعد نقلها-: و هو يدلّ بمفهومه على انتفاء الشفعة في غير الأرضين و المساكن، أمّا أوّلًا: فلتعليق الحكم عليهما، و أمّا ثانياً: فلقوله (عليه السلام): «لا ضرر و لا ضرار» (2).

و هو كما ترى، فإنّ تعليق الحكم عليهما لا يقتضي نفيه عمّا عداهما إلّا على تقدير اعتبار مثل هذا المفهوم، و لم يقل هو و لا سائر الأصحاب به.

و أمّا التعليل فالظاهر أنّه للحكم بثبوت الشفعة فيهما، لا لنفيه عمّا عداهما.

و عليه فيكون المراد بالضرر الضرر الذي نيط به وجه الحكمة في ثبوت الشفعة، لا ضرر نفي سلطنة المالك عمّا ملكه كما عقله، فالرواية حينئذٍ حجّة بعمومها المستفاد من التعليل فيها لما عليه أكثر القدماء. و على تقدير عدم ظهور ما ذكرناه فاحتماله لا أقل منه، و معه لا يتمّ استدلاله إلّا على تقدير مرجوحيّته، و لا ريب في فساده.

و تثبت الشفعة في الشجر و النخل و الأبنية إذا بيعت تبعاً للأرض التي هي أصلها و منضمّة معها، بلا خلاف ظاهر مصرّح به في المبسوط (3). و يظهر من الماتن في الشرائع (4)، و شيخنا في شرحه، قال

____________

(1) راجع ص: 53.

(2) المختلف: 402.

(3) المبسوط 3: 107.

(4) الشرائع 3: 253.

58

بعد القطع بالحكم-: لدخولها في عموم النص الوارد بثبوتها في الربع و المساكن و الدور و نحو ذلك. و إن بيعت منفردةً أو منضمّةً إلى أرض أُخرى غير ما هي فيها بني ثبوت الشفعة فيها و عدمه على القولين السابقين، فمن عمّمها أثبتها بطريق أولى، و من خصّص موردها بالأرضين و المساكن و البساتين لم يوجبها؛ لأنّها لا تدخل منفردةً في أحدها، فإنّ المساكن اسم للمجموع المرّكب من الأرض و البناء، و كذا البساتين بالنسبة إلى الشجرة.

و لا ينفعها ضميمتها إلى غير أرضها؛ لعدم التبعيّة و كونها جزءاً من مسمّاها (1).

و في ثبوتها أي الشفعة في الحيوان ال قولان المتقدّمان، و لم أفهم وجه إفراد ذكرهما فيه بالخصوص مع كونه من المنقول الذي فيه أصل القولين. و لقد أحسن في الشرائع حيث أدرجه فيه و ذكره من أمثلته (2).

و كذا لم أفهم وجهاً لقوله: و المرويّ في الموثّق (3) أنّها لا تثبت لإشعاره، بل و دلالته بعدم ورود رواية بثبوتها فيه مطلقاً، و قد عرفت ورود ما هو صريح في ثبوتها فيه سابقاً (4) غايته أنّه ضعيف بالإرسال، و لكنّه كما عرفت منجبر بالشهرة بين الأصحاب، و هو أقوى من الصحيح الغير المنجبر بها.

فالرواية النافية لها و إن كانت موثقة إلّا أنّها بالإضافة إلى تلك المرسلة

____________

(1) المسالك 2: 270.

(2) الشرائع 3: 253.

(3) التهذيب 7: 165/ 733، الإستبصار 3: 117/ 419، الوسائل 25: 403 أبواب الشفعة ب 7 ح 6.

(4) راجع ص: 6190.

59

لذلك مرجوحة، و إن ترجّحت عليها بأخبار أُخر صحيحة متضمّنة للتفصيل بين المملوك و حيوان غيره مصرّحة بالثبوت في الأوّل و بعدمه في الثاني.

منها: المملوك بين الشركاء فيبيع أحدهم نصيبه، و يقول صاحبه: أنا أحقّ به، إله ذلك؟ قال: «نعم إذا كان واحداً» فقيل له: في الحيوان شفعة؟

فقال: «لا» (1) و نحوها صحيحة أُخرى في الفقيه مرويّة (2)؛ لأنّ هذا التفصيل لم يقل به أحد من أرباب القولين، بل و لا غيرهم، بل و لا نقل القائل به من الأصحاب أحد عدا الماتن هنا و في الشرائع (3) فقال: و من فقهائنا من أثبتها في العبد دون غيره و قد اعترف جماعة بعدم معروفيّته (4)، فمثله شاذّ و إن صار إليه في المختلف (5)، و لكنّه ضعيف و إن صحّ سند ما دلّ عليه؛ لما مرّ من فقد التكافؤ بينه و بين الخبر المثبت، هذا.

مع أنّ الموثّقة مع ما هي عليه ممّا مر إليه الإشارة محتملة للحمل على التقية؛ لكون المنع مذهب العامّة، كما يستفاد من الانتصار، حيث قال بعد الحكم بالثبوت، و نسبته إلى الإمامية-: و خالف باقي الفقهاء في ذلك، و أجمعوا على أنّها لا تجب إلّا في العقارات و الأرضين دون العروض و الأمتعة و الحيوان (6). انتهى.

____________

(1) الكافي 5: 210/ 5، التهذيب 7: 166/ 735، الإستبصار 3: 116/ 415، الوسائل 25: 402 أبواب الشفعة ب 7 ح 3.

(2) الفقيه 3: 46/ 163، الوسائل 25: 404 أبواب الشفعة ب 7 ح 7.

(3) الشرائع 3: 253.

(4) انظر غاية المراد 2: 151، التنقيح الرائع 4: 81، مجمع الفائدة و البرهان 9: 14.

(5) المختلف: 402.

(6) الانتصار: 215.

60

و هي مع ذلك بإطلاقها شاملة للعبد و غيره، فتعارض بما مرّ من النصوص الصحيحة الصريحة بثبوتها في الأوّل و إن اشتركت معها في نفيها في الثاني.

و نحوها الموثق بل الصحيح: المملوك يكون بين شركاء فباع أحدهم نصيبه فقال أحدهم: أنا أحقّ به إله ذلك؟ قال: «نعم إذا كان واحداً» (1).

و لا تثبت الشفعة فيما لا ينقسم و لا يقبل القسمة الإجبارية كالعضائد و الدكاكين و الحمامات الضيقة و النهر و الطريق الضيّق كلّ منهما على الأشبه الأشهر بين أكثر من تأخّر، بل بالشهرة المطلقة صرّح في التذكرة (2).

و الحجّة عليه غير واضحة عدا ما في التنقيح من وجوه ضعيفة، منها:

أنّ غرض الشارع بالشفعة إزالة ضرر المالك بالقسمة لو أرادها المشتري، و هذا الضرر منتف فيما لا يقسم، فلا شفعة فيه (3).

و هو كما ترى في غاية من الضعف، أمّا أوّلًا: فلعدم ورود النصّ الصحيح الصريح بهذه العلّة.

نعم ربما يستفاد من بعض الروايات السابقة كون العلّة في ثبوت الشفعة نفي الضرر و الإضرار في الشريعة، لكن متعلّق الضرر فيه غير معلوم، فيحتمل ما ذكره و غيره من نفس الشركة الجديدة، أو سوء الشريك. و لعلّ هذا أظهر.

____________

(1) التهذيب 7: 165/ 734، الإستبصار 3: 116/ 414، الوسائل 25: 403 أبواب الشفعة ب 7 ح 4.

(2) التذكرة 1: 589.

(3) التنقيح الرائع 4: 82.

61

و لذا استدلّ بعض الأصحاب وفاقاً للمرتضى على ثبوت الشفعة في المسألة بالضرر، فقال: لأنّ المقتضي لثبوت الشفعة و هو إزالة الضرر عن الشريك قائم في غير المقسوم، بل هو أقوى؛ لأنّ المقسوم يمكن التخلّص من ضرر الشريك بالقسمة بخلاف غيره، قال: و أُجيب بأنّه ليس المراد من إزالة الضرر بالشفعة ما ذكروه، بل إزالة ضرر طلب القسمة و مئونتها، و هو منتفٍ في محلّ النزاع. و لا يخفى عليك ضعف هذا الجواب، و أيّ مئونة للقسمة و ضرر بذلك يقابل ضرر الشريك الذي لا وسيلة إلى التخلّص منه (1).

و هو في غاية الجودة.

و أمّا ثانياً: فلضعف التعليل من وجه آخر، و هو أنّ الشفعة إنّما تثبت بانتقال الملك عن الشريك إلى المشتري، فلا بدّ أن يكون الضرر الذي نيط به الشفعة في ظاهر النصّ و كلام الأصحاب ناشئاً من جهته، و ضرر طلب المشتري القسمة ليس ضرراً ناشئاً منه؛ لسبقه على الانتقال، و ثبوته للشريك على كلّ حال. فضرر طلب القسمة لازم على كلّ تقدير، بل هو من لوازم الشركة فيما يقبل القسمة، فلا يمكن أن يكون مثله الضرر المناط به الشفعة. و هذا من أقوى الشواهد على تعيّن ما استظهرناه من متعلّق الضرر في الرواية.

و منها: أصالة بقاء الملك على مالكه، و إثبات الشفعة مخالف له فيفتقر إلى دليل.

و هو كالسابق في الضعف بعد ما عرفت على الثبوت على العموم من

____________

(1) انظر المسالك 2: 270.

62

الإجماع المنقول، و الخبر المنجبر بالعمل المؤيّد بما قدّمناه من المؤيّدات.

و منها: الخبران «لا شفعة في سفينة، و لا في نهر، و لا في طريق» (1) و زيد في بعض النسخ «و لا في رحى و لا في حمام» (2).

و فيهما مع قصور السند-: ما ذكره بعض الأصحاب (3) من أنّه لا دلالة فيهما عليه أصلًا، مع احتمالهما التقية، سيّما مع كون الراوي لهما من العامّة على المشهور بين الطائفة. و لا يقدح فيه اختصاصهما بنفي الشفعة في الأُمور المزبورة إلّا على تقدير حجّية مثل هذا المفهوم، و لم يقل بها أحد من الطائفة و أكثر العامّة، هذا.

مضافاً إلى معارضتهما في الطريق بأقوى منهما سنداً، و هو خبران:

أحدهما موثّق، و الآخر حسن يأتيان في بحث ثبوت الشفعة في المقسوم بالاشتراك في الطريق و الغالب فيها الضيّق. و الاختصاص بالطريق غير قادح بعد الإجماع المركّب على العموم، و عليهما بناء الاستدلال بالخبرين الأوّلين.

فإذاً القول بثبوت الشفعة في المسألة في غاية من القوّة، وفاقاً لجماعة من قدماء الطائفة، و منهم المرتضى مدّعياً عليه إجماع الإماميّة (4).

و مال إليه من المتأخّرين شيخنا في المسالك و جمع ممن تبعه (5)، لكنّه

____________

(1) الكافي 5: 282/ 11، التهذيب 7: 166/ 738، الإستبصار 3: 118/ 420، الوسائل 25: 404 أبواب الشفعة ب 8 ح 1.

(2) الفقيه 3: 46/ 159، الوسائل 25: 404 أبواب الشفعة ب 8 ذيل الحديث 1.

(3) مفاتيح الشرائع 3: 76.

(4) الانتصار: 215.

(5) المسالك 2: 270، و انظر مفاتيح الشرائع 3: 76.

63

رجع عنه في الروضة (1) فوافق الجماعة مستنداً إلى الوجه الثاني. و فيه ما عرفته.

هذا و لا ريب أنّ الأحوط للشفيع ترك المطالبة بها في المواضع الخلافية، سيّما فيما لا يقبل القسمة، و خصوصاً الخمسة الواردة في خصوص الخبرين المتقدّم إليهما الإشارة، و نحوهما مرسلة رضويّة (2) عمل بها الصدوقان (3) حيث نفيا الشفعة فيها و أثبتاها في غيرها و لو لم يقبل القسمة أصلًا.

و للمشتري إجابة الشفيع إن طلبها مطلقاً. و إن تعاسرا فالعمل على ما عليه أكثر قدماء أصحابنا.

و يشترط في ثبوتها انتقاله أي الشقص المشفوع بالبيع، فلا تثبت لو انتقل بهبة أو صلح، أو صداق (4)، أو إقرار على الأظهر الأشهر، بل عليه عامّة من تأخّر، و في المسالك و كلام جماعة أنّه كاد أن يكون إجماعاً (5)، و بانعقاده بين المتأخّرين صرّح في التنقيح (6)، و به و بالأخبار في نفيها عن الصداق صرّح في المبسوط (7)، و به في الجميع صرّح في السرائر، و المقدس الأردبيلي في شرح الإرشاد (8)؛ و هو الحجّة،

____________

(1) الروضة 4: 398.

(2) فقه الرضا (عليه السلام): 264، المستدرك 17: 105 أبواب الشفعة ب 8 ح 4.

(3) الصدوق في المقنع: 135، و حكاه عن والده في المختلف: 402.

(4) في «ح» و المطبوع من المختصر (257) زيادة: أو صدقة.

(5) المسالك 2: 271، الحدائق 20: 298.

(6) التنقيح 4: 84.

(7) المبسوط 3: 111.

(8) السرائر 2: 386، مجمع الفائدة و البرهان 9: 12.

64

مضافاً إلى الأصل. و اختصاص أكثر النصوص بصورة البيع خاصّةً، و إطلاقات بعضها غير معارضة بعد ورودها لبيان حكم آخر غير مفروض المسألة.

خلافاً للإسكافي فأثبتها في الهبة مطلقاً بعوض كان أم لا (1). و نسب جماعة إليه ثبوتها في الجميع (2)، و لا تساعدها عبارته المحكيّة في المختلف (3)، و لذا نسب إليه الثبوت فيما ذكرناه خاصّة في الدروس (4).

فكيف كان فحجّته غير واضحة عدا ما قيل عنه: من عدم دليل على التخصيص مع اشتراك الجميع في الحكمة الباعثة، و هي دفع الضرر عن الشريك. و تضمّن النصوص البيع لا ينافي ثبوتها بغيره (5).

و يظهر من المسالك الميل إليه في الجملة (6)، و كذا بعض من تبعه، قال لا بعد نقله-: و هو قويّ إن خصّها بالمعاوضات المحضة؛ لأنّ أخذ الموهوب مثلًا بغير عوض بعيد، و به خارج عن مقتضى الأصل، و كذلك غير الهبة (7).

و المناقشة فيه واضحة؛ لابتناء التقوية على ثبوت وجه الحكمة من حجّة منصوصة، و لم نقف عليها عدا الرواية المتقدّمة النافية للضرر بعد

____________

(1) نقله عنه في المختلف: 404.

(2) منهم الشهيد الثاني في المسالك 2: 271، و الفاضل المقداد في التنقيح 4: 84، و الكاشاني في المفاتيح 3: 76.

(3) المختلف: 404.

(4) الدروس 3: 358.

(5) قال به الكاشاني في المفاتيح 3: 76.

(6) المسالك 2: 271.

(7) مفاتيح الشرائع 3: 76.

65

الحكم بالشفعة (1)، و هي مع قصور سندها و عدم جابر لها في المسألة قد مرّ ما يقدح في دلالتها من حيث إجمال المعلّل به، هل هو ثبوتها، أو نفيها كما فهمه العلّامة (2)؟ و عليه فينعكس الدلالة.

و لا ينافي الإجمال ما ادّعيناه سابقاً من ظهور الاحتمال الأوّل؛ لعدم كونه ظهوراً معتدّاً به، و لذا أيّدنا به الأدلّة العامّة و لم نجعله حجّةً مستقلّةً.

و على تقدير الظهور و قوّة الدلالة فلا ريب في عدم مقاومتها للإجماعات المحكيّة و القاعدة الثابتة المسلّمة، و مع ذلك مفهوم العلّة فيها معارض بمفهوم الشرط أو القيد المعتبر في المرسلة المتقدّمة المتضمّنة لقوله (عليه السلام): «الشفعة جائزة في كلّ شيء» إلى أن قال: «إذا كان بين الشريكين لا غيرهما فباع أحدهما نصيبه فشريكه أحق به من غيره» (3).

و قريب منها: أخبار أُخر معتبرة و فيها الصحيح و غيره آتية في مسألة ثبوت الشفعة في الدور المقسومة، مع كون طريق الجميع واحدة.

و لكنّ الإنصاف أنّ مثل هذه المفاهيم محتملة للورود مورد الغلبة في بعض، و السؤال في آخر، فلم تبلغ درجة الحجّية، و لا كذلك مفهوم العلّة في المرسلة، لكنّها صالحة للاعتضاد و التقوية، و إلّا فالعمدة هو ما قدّمناه من الأدلّة الظاهرة و الحجج الباهرة السليمة كما عرفت عمّا يصلح للمعارضة. فلا شبهة في المسألة بحمد اللّٰه سبحانه.

و قد استدلّ الفاضل في المختلف (4) للمختار بالصحيح: عن رجل

____________

(1) راجع ص: 53.

(2) المختلف: 402.

(3) راجع ص: 6190.

(4) المختلف: 404.

66

تزوّج امرأة على بيت في دار له، و له في تلك الدار شركاء، قال: «جائز له، و لا شفعة لأحد من الشركاء عليها» (1).

و فيه نظر؛ لجواز أن يكون نفي الشفعة لكثرة الشركاء، لا للإصداق.

و لو كان الوقف مشاعاً مع طلق فباع الموقوف عليه الوقف على وجه يصحّ، تثبت الشفعة لصاحب الطلق بلا خلاف فيه ظاهر؛ لوجود المقتضي و انتفاء المانع.

و إن انعكس فباع صاحب الطلق ملكه لم تثبت للموقوف عليه مطلقاً وفاقاً من الماتن هنا و في الشرائع، و الشهيدين للمبسوط (2) نافياً الخلاف فيه. و نسبه الحلّي إلى الأكثر (3)، و لعلّه الأظهر؛ اقتصاراً فيما خالف الأصل على المتيقّن من الفتوى و النصّ، و ليس بحكم التبادر إلّا ما عدا محلّ الفرض، مضافاً إلى نقل عدم الخلاف المتقدّم المعتضد بدعوى الحلّي على ذلك الشهرة؛ و هو حجّة كما بيّنته في رسالة في الإجماع مفردة، و مع ذلك سليم عن المعارض بالكلّية عدا ما يتخيّل من وجه الحكمة المشتركة، و قد مرّ الجواب عنه في المسألة السابقة.

هذا كلّه على تقدير القول بانتقال ملك الموقوف إلى الموقوف عليه، كما هو أحد الأقوال في تلك المسألة.

و أمّا على القول بعدم الانتقال إليه مطلقاً فلا ريب في عدم ثبوت الشفعة لفقد الشركة المشترطة في ثبوتها اتّفاقاً فتوًى و روايةً.

____________

(1) الفقيه 3: 47/ 165، التهذيب 7: 167/ 742، الوسائل 25: 407 أبواب الشفعة ب 11 ح 2.

(2) الشرائع 3: 254، الدروس 3: 358، المسالك 2: 271، المبسوط 3: 145.

(3) السرائر 2: 397.

67

و قال المرتضى (1) رضى اللّٰه تعالى عنه: تثبت الشفعة مطلقاً (2) و جوّز للإمام و خلفائه المطالبة بشفعة الوقوف التي ينظرون فيها على المساكين، أو على المساجد و مصالح المسلمين، و كذلك كلّ ناظر بحقّ في وقف من وصيّ و وليّ، و استند فيه إلى الإجماع.

و هو موهون بعدم وجود قائل به سواه، معارض بنقل الشيخ على خلافه عدم الخلاف. و هو أرجح بعد اعتضاده بالشهرة المنقولة، و الأصل المتقدّم إليهما الإشارة.

و عن الحلّي الموافقة له مع وحدة الموقوف عليه، و للمبسوط مع تعدّده. و عليه أكثر المتأخّرين، بل نسبه الشهيدان إليهم كافّة (3).

و وجهه غير واضح إلّا على تقدير ثبوت انتقال الموقوف إلى الموقوف عليه مطلقاً، و وجود عموم على ثبوت الشفعة كذلك حتّى في الملك الغير التامّ كالوقف فيصح ما ذكروه حينئذٍ؛ لوجود المقتضي لثبوتها في الشق الأوّل، و المانع عنه و هو تعدّد الشركاء على الأصح كما يأتي في الثاني. و لكنّهما في محلّ التردّد أو المنع.

[الثاني: في الشفيع]

الثاني: في بيان الشفيع المستحقّ لمطالبة المشتري بالشفعة و هو كلّ مسلم شريك بحصّة مشاعة قادر على الثمن و اعتبار الإسلام فيه ليس كلّياً؛ لثبوتها بين الكفّار بعضهم مع بعض إجماعاً، كما في المبسوط و غيره (4)؛ لعموم الأدلّة.

____________

(1) الانتصار: 221.

(2) في «ح» و المطبوع من المختصر (257) زيادة: و هو الأشبه.

(3) الدروس 3: 358، المسالك 2: 271.

(4) المبسوط 3: 138، 19؛ و انظر المسالك 2: 272.

68

بل يعتبر إذا كان المشتري مسلماً فلا تثبت لذمّي و لا حربي على مسلم إجماعاً منّا، كما في الانتصار و المبسوط و السرائر و المسالك و شرح الإرشاد للمقدس الأردبيلي (1) (رحمه الله) حاكياً له عن التذكرة، و هو أيضاً ظاهر جماعة (2)؛ و هو الحجّة، مضافاً إلى أنّ مطالبتها تسلّط على سبيل القهر، و لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا.

و في الخبر: «ليس لليهودي و لا النصراني شفعة» (3) يعني على المسلم؛ للإجماع على ثبوتها لهما على غيره. و اختصاص النصّ و الفتوى بالذمّي لعلّه لندرة اتّفاق شركة المسلم مع الحربيّ، أو للتنبيه على الأدنى بالأعلى.

و يتفرّع على اعتبار الشركة في الحصّة أنّه لا تثبت بالجوار بلا خلاف منّا حتّى من العماني كما في ظاهر المسالك، و صريح بعض من تبعه (4). بل عليه الإجماع في السرائر و عن شيخ الطائفة (5)؛ و هو الحجّة، مضافاً إلى الأصل و اختصاص المخصّصة له بما فيه الشركة، مع فحوى النصوص الآتية الدالّة على نفي الشفعة فيما حصل فيه قسمة، بل بعضها كالصريح في ذلك.

____________

(1) الانتصار: 218، المبسوط 3: 139، السرائر 2: 386، المسالك 2: 272، مجمع الفائدة و البرهان 9: 26.

(2) منهم المحقق في الشرائع 3: 255، و العلّامة في التذكرة 1: 590، و الشهيد الثاني في الروضة 4: 399.

(3) الفقيه 3: 45/ 157، الوسائل 25: 400 أبواب الشفعة ب 6 ح 1.

(4) المسالك 2: 270، و انظر مفاتيح الشرائع 3: 76.

(5) السرائر 2: 386، الشيخ في الخلاف 3: 427 429.

69

كالحسن: عن الشفعة في الدور أ شيء واجب للشريك و يعرض على الجار فهو أحق بها من غيره؟ فقال: «الشفعة في البيوع إذا كان شريكاً فهو أحقّ بها من غيره بالثمن» (1) فلا شبهة في المسألة.

و خلاف العماني هنا على تقديره كما يستفاد من جماعة (2) شاذّ منعقد الإجماع على خلافه.

و يتفرّع على اعتبار القدرة على الثمن أنّه لا تثبت الشفعة لعاجز عن الثمن بلا خلاف ظاهر، بل مصرّح بالوفاق عليه و على باقي قيود التعريف في المسالك حيث حكاه بعد ذكره بقيوده (3)؛ و هو الحجّة، مضافاً إلى الأصل، و اختصاص المثبت من النصّ و الفتوى بحكم التبادر في بعض، و التصريح في الآخر بالقادر. مع إمكان الاستدلال عليه بالخبر الآتي في تأجيل ثلاثة أيّام لمدّعي غيبة الثمن و نفي الشفعة إن لم يحضره بعدها، و بلزوم الضرر على المشتري أو البائع على تقدير ثبوتها مع العجز أيضاً، و هو منفيّ عقلًا و نقلًا.

و منه يظهر الوجه في إلحاقهم المماطل، و الهارب بعد البيع عن بذل الثمن بالعاجز عنه أوّلًا.

و يرجع في العجز إلىٰ اعترافه، أو شهادة القرائن القطعيّة بعجزه، و عدم إمكان استدانته أو عدم مشروعيّتها.

و لا تثبت الشفعة فيما ميّز و قسّم علىٰ الأظهر الأشهر، بل عليه

____________

(1) الكافي 5: 281/ 5، التهذيب 7: 164/ 728، الوسائل 25: 395 أبواب الشفعة ب 2 ح 1.

(2) الإيضاح 2: 198، التنقيح 4: 85، الدروس 3: 357.

(3) المسالك 2: 272.

70

عامّة من تأخّر، و عن الشيخ و في السرائر و التنقيح و غيره (1) الإجماع عليه؛ و هو الحجّة، مضافاً إلىٰ أكثر ما مرّ في نفيها للجار من الأدلّة. و النصوص به مع ذلك مستفيضة كادت تكون متواترة.

منها زيادة علىٰ الحسنة المتقدّمة الصحيح: «لا تكون الشفعة إلّا لشريكين ما لم يتقاسما» الحديث (2).

و القوي: «لا شفعة إلّا لشريك غير مقاسم» (3) و نحوه أخبار أُخر ثلاثة (4).

و الخبر: «إذا وقعت السهام ارتفعت الشفعة» (5).

و في آخر: «إذا أرّفت الأُرف، و حدّت الحدود فلا شفعة» (6).

و في ثالث: «أنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) قضىٰ بالشفعة ما لم تؤرّف» يعني:

ما لم تقسّم (7).

____________

(1) انظر الخلاف 3: 429، و السرائر 2: 386، 387، 393، التنقيح 4: 86، و انظر الغنية (الجوامع الفقهية): 590.

(2) الكافي 5: 281/ 7، التهذيب 7: 164/ 729، الوسائل 25: 396 أبواب الشفعة ب 3 ح 1.

(3) الكافي 5: 281/ 6، التهذيب 7: 166/ 737، الوسائل 25: 396 أبواب الشفعة ب 3 ح 2.

(4) الأوّل في: الكافي 5: 280/ 1، الوسائل 25: 396 أبواب الشفعة ب 3 ح 3. الثاني في: الكافي 5: 282/ 10، الوسائل 25: 397 أبواب الشفعة ب 3 ح 6. الثالث في: الفقيه 3: 45/ 157، التهذيب 7: 167/ 741، الوسائل 25: 398 أبواب الشفعة ب 3 ح 7.

(5) الكافي 5: 280/ 3، الفقيه 3: 46/ 161، التهذيب 7: 163/ 724، الوسائل 25: 397 أبواب الشفعة ب 3 ح 4.

(6) الكافي 5: 280/ 4، الفقيه 3: 45/ 154، التهذيب 7: 164/ 727، الوسائل 25: 397 أبواب الشفعة ب 3 ح 5.

(7) الفقيه 3: 45/ 153، الوسائل 25: 398 أبواب الشفعة ب 3 ح 8.

71

و في المعتبرين: «لا شفعة إلّا لشريك» (1).

و لا يضرّ ضعف الإسناد بعد الانجبار بالأصل، و الكثرة، و عمل الأصحاب. و خلاف العماني (2) شاذّ، و مستنده غير واضح عدا ما يستدلّ له بالخبر العامي الوارد في الجار (3) و النصّ الآتي في الاستثناء.

و الأوّل ضعيف سنداً غير صريح دلالةً، و لا مقاوم لما مرّ من الأدلّة من وجوه شتّىٰ.

و الثاني نقول بموجبه تبعاً للأصحاب من غير خلاف، و منهم الماتن هنا لقوله: إلّا بالشركة في الطريق و النهر إذا بيع أحدهما أو هما مع الشقص المقسوم، للصحيح: عن دار فيها دور، و طريقهم واحد في عرصة الدار، فباع بعضهم منزله من رجل، هل لشركائه في الطريق أن يأخذوا بالشفعة؟ فقال: «إن كان باع الدار و حوّل بابها إلىٰ طريق غير ذلك فلا شفعة لهم، و إن باع الطريق مع الدار فلهم الشفعة» (4).

و نحوه خبر آخر (5).

و قريب منهما الرضوي: «فإذا كانت دار فيها دور، و طريق أبوابها في عرصة واحدة، فباع رجل داره منها من رجل كان لصاحب الدار الأُخرى شفعة إذا لم يتهيّأ له أن يحوِّل باب الدار التي اشتراها إلى موضع آخر، فإن حوّل بابها فلا شفعة لأحد عليه» (6).

____________

(1) التهذيب 7: 164/ 725، 726، الوسائل 25: 395 أبواب الشفعة ب 1 ح 1، 2.

(2) كما حكاه عنه في المختلف: 403.

(3) سنن البيهقي 6: 106.

(4) الكافي 5: 280/ 2، التهذيب 7: 165/ 731، الإستبصار 3: 117/ 417، الوسائل 25: 398 أبواب الشفعة ب 4 ح 1.

(5) المقنع: 136، المستدرك 17: 100 أبواب الشفعة ب 4 ح 3.

(6) فقه الرضا (عليه السلام): 264، المستدرك 17: 99 أبواب الشفعة ب 4 ح 2.

72

بناءً على ما قيل من ظهور أنّ قوله: «إذا لم يتهيّأ» إلى آخره، كناية عن دخول الطريق في البيع و عدمه، بمعنى أنّه إن باع الدار وحدها من غير دخول الطريق معها فلا شفعة؛ لما مرّ من عدم موجب لها. و إن أدخل الطريق في البيع لعدم إمكان طريق له غير ذلك فله الشفعة في الجميع (1).

و عن التذكرة (2) الاستدلال أيضاً بالحسن: عن دار بين قوم اقتسموها، فأخذ كلّ واحد منهم قطعة فبناها، و تركوا بينهم ساحة فيها ممرّهم، فجاء رجل فاشترىٰ نصيب بعضهم، إله ذلك؟ قال: «نعم و لكن يسدّ بابه و يفتح باباً إلىٰ الطريق، أو ينزل من فوق البيت و يسدّ بابه، فإن أراد صاحب الطريق بيعه فإنّهم أحقّ به، و إلّا فهو طريقه يجيء حتى يجلس علىٰ ذلك الباب» (3).

و نحوه الموثق، إلّا أنّه قال: «أو ينزل من فوق البيت، فإن أراد شريكهم أن يبيع منتقل قدميه فهو أحقّ به، و إن أراد يجيء حتّى يقعد علىٰ الباب المسدود الذي باعه لم يكن لهم أن يمنعوه» (4).

و فيه نظر، كما نبّه عليه جمع ممّن تأخّر (5)؛ إذ لا تعرّض فيهما لبيع الدار مع الممرّ كما هو محلّ البحث، بل ظاهرهما ثبوت الشفعة في الطريق فقط ببيعه خاصّةً.

____________

(1) قال به البحراني في الحدائق 20: 296.

(2) التذكرة 1: 590.

(3) الكافي 5: 281/ 9، التهذيب 7: 165/ 732، الإستبصار 3: 117/ 418، الوسائل 25: 399 أبواب الشفعة ب 4 ح 2.

(4) التهذيب 7: 167/ 743، الوسائل 25: 399 أبواب الشفعة ب 4 ح 3.

(5) منهم الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان 9: 19، و السبزواري في الكفاية: 105، و البحراني في الحدائق 20: 295.

73

و اعلم أنّ النصوص كما ترى مختصّة بصورة الاشتراك في الطريق، لكنّهم ألحقوا به الاشتراك في الشرب، و مستندهم غير واضح، مع مخالفته لأُصولهم في الكتاب، اللّهم إلّا أن تكون انعقد عليه الإجماع.

ثمّ لو باع الشريك حصّته من العرصة التي هي الطريق دون الدار جاز الأخذ بالشفعة؛ لما مرّ إليه الإشارة.

و اشترط بعضهم كون الطريق ممّا يقبل القسمة في صورة انفراده بالبيع دون صورة الانضمام (1)، و بعضهم اشترط ذلك في الموضعين (2).

و ليس في الروايات و غيرها تعرّض لذلك، فالأقوىٰ عدم اعتباره مطلقاً.

و كذا إطلاق الروايات يقتضي عدم الفرق بين كون الدور مقسومة بعد اشتراك سابق أم لا. و به صرّح في المسالك (3)، و حكي عن التذكرة (4)، و تبعهما جماعة (5). و عن ظاهر آخرين (6) اعتبار شركة سابقة علىٰ القسمة في ذات الطريق؛ تعويلًا علىٰ حجّة ضعيفة. فالأوّل في غاية القوّة.

و اعلم أنّه تثبت الشفعة بين شريكين إجماعاً فتوًى و نصّاً و لا تثبت لما زاد عليهما علىٰ أشهر الروايتين فتوًى، بل عليه في الانتصار و السرائر و التنقيح إجماعنا (7)، و مع ذلك هي صحاح مستفيضة

____________

(1) كالمحقق الثاني في جامع المقاصد 6: 349، و الشهيد الثاني في الروضة 4: 399، و المسالك 2: 270.

(2) انظر الدروس 3: 357.

(3) المسالك 2: 271.

(4) حكاه عنه في المسالك 2: 271، و انظر التذكرة 1: 590.

(5) منهم السبزواري في الكفاية: 105، و البحراني في الحدائق 20: 296، 297.

(6) انظر جامع المقاصد 6: 351، 352، و حكاه عن ظاهرهم في الكفاية: 105، و الحدائق 20: 297.

(7) الانتصار: 216، السرائر 2: 387، التنقيح 4: 88.

74

و غيرها من المعتبرة تقدّم إلىٰ جملة منها الإشارة في تضاعيف المباحث السابقة، معتضدة بالأصل المتقدّم غير مرّة.

و الرواية الثانية أيضاً مستفيضة، منها: النصوص المتقدّمة في المسألة السابقة.

و منها: الخبران «الشفعة علىٰ عدد الرجال» (1).

و الخبر: «قضىٰ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) بالشفعة بين الشركاء» (2).

و هي مع قصور سند أكثرها، و عدم مكافأتها لما مضى من وجوه شتّىٰ شاذّة لا عامل بها عدا الإسكافي و الصدوق في الفقيه في الجملة (3)، موافقة لمذهب العامّة القائلين بمضمونها، كما صرّح به المرتضىٰ و شيخ الطائفة (4) و جماعة (5)، فلتحمل علىٰ التقية لذلك، سيّما مع كون راوي بعضها من العامّة.

و يعضده مصير الإسكافي إليها، إلّا أنّ المنقول عنه في الانتصار يخصص ذلك بغير الحيوان، و مصيره فيه إلىٰ ما عليه الأصحاب (6). و هو حينئذٍ كالصدوق في قوله بالتفصيل المزبور، فإنّه قال في الفقيه بعد نقل

____________

(1) الفقيه 3: 45/ 155، 156، التهذيب 7: 166/ 736، الإستبصار 3: 116/ 416، الوسائل 25: 403 أبواب الشفعة ب 7 ح 5 و ذيله.

(2) الكافي 5: 280/ 4، الفقيه 3: 45/ 154، التهذيب 7: 164/ 727، الوسائل 25: 399 أبواب الشفعة ب 5 ح 1.

(3) حكاه عن الإسكافي في المختلف: 403، الفقيه 3: 46.

(4) المرتضىٰ في الانتصار: 216، و الشيخ في الخلاف 3: 435.

(5) منهم الفاضل في التذكرة 1: 589، و الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان 9: 10، و البحراني في الحدائق 20: 303.

(6) الانتصار: 217.

75

ما يدلّ علىٰ المختار من الأخبار-: قال مصنّف هذا الكتاب: يعني بذلك الشفعة في الحيوان وحده، فأمّا غير الحيوان فالشفعة واجبة للشركاء و إن كانوا أكثر من اثنين، و تصديق ذلك ما رواه أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن عبد اللّٰه بن سنان قال: سألته عن مملوك بين شركاء أراد أحدهم أن يبيع نصيبه، قال: «يبيعه» قلت: فإنّهما كانا اثنين فأراد أحدهما بيع نصيبه فلمّا أقدم علىٰ البيع قال له شريكه: أعطني، قال: «هو أحقّ به» ثمّ قال (عليه السلام):

«لا شفعة في حيوان إلّا أن يكون الشريك فيه واحداً» (1) انتهىٰ.

و ظاهر جماعة من الأصحاب مصير الإسكافي إلىٰ القول المزبور مطلقاً من دون التفصيل (2)، و عبارة المختلف يحتمل ذلك و ما ذكره المرتضىٰ، فإنّه قال بعد نقل مذهب الصدوق-: و كذا اختار ابن الجنيد ثبوت الشفعة مع الكثرة (3).

و يعضد ما ذكره الجماعة ما ذكره الماتن في الشرائع من أنّ في المسألة أقوالًا ثلاثة، و عدّ منها القول بثبوتها مع الكثرة مطلقاً (4)، و لم نجد القائل به لو لم يكن الإسكافي.

لكن يضعّفه أنّه عدّ منها القول بالتفصيل بين العبد خاصّةً و غيره، و لا قائل به حتّى الصدوق؛ لاشتراطه اتّحاد الشريك في مطلق الحيوان من دون تخصيص بالعبد، فهو غير الصدوق. و لعلّ القول بالثبوت مطلقاً لمن

____________

(1) الفقيه 3: 46.

(2) منهم القاضي في المهذّب 1: 453، و ابن فهد في المقتصر: 346، و المهذّب البارع 4: 267، و المحقق الثاني في جامع المقاصد 6: 362.

(3) المختلف: 403.

(4) الشرائع 3: 255.

76

عدا الإسكافي و قد وقف علىٰ قائله و لم نقف عليه، كالقول بالتفصيل الذي حكاه.

و كيف كان فالقول بالتفصيل بقسميه على تقديرهما ضعيف جدّاً كسابقهما؛ لعدم وضوح مأخذهما عدا ما في الفقيه قد مضى، و هو كما ترى؛ لعدم التعارض بين الخبر الذي قيّده و الذي استشهد به لتقييده؛ إذ غايته اشتراط الاتّحاد في الحيوان و هو لا ينافي اشتراطه في غيره كما هو مقتضىٰ الخبر الأوّل المفيد بعمومه، بل بصريحه؛ لأنّه المرسل المتقدّم المصرّح بثبوت الشفعة في كلّ شيء حتّى الحيوان (1)، و نحوه الرضوي الماضي (2) إلّا بالمفهوم الضعيف الذي لعلّه لا يقول به.

ثمّ علىٰ تقدير حجّيته لا يمكن التقييد به أيضاً؛ لما مضى من عدم التكافؤ أصلًا.

و مقتضاه رفع اليد عن نحو هذا الخبر كغيره من الأخبار المتقدّمة المطلقة، سيّما مع ما عرفت من قوّة احتمال ورودها للتقية.

و يحتمل أيضاً محامل أُخر ذكرها الجماعة (3)، كحمل لفظ الجمع فيها علىٰ الاثنين و لو مجازاً، أو على إرادة تعميم الحكم بالنسبة إلىٰ المكلّفين، لا بالنسبة إلىٰ قضيّة واحدة اشترك فيها جماعة. و هما و إن بعدا إلّا أنّه لا بأس بهما جمعاً، و هو أحسن من الطرح مهما أمكن و أولى.

و بالجملة لا ريب و لا شبهة في المسألة بحمد اللّٰه تعالىٰ.

و اعلم أنّه لا خلاف علىٰ الظاهر المصرّح به في شرح الإرشاد (4)

____________

(1) راجع ص: 54.

(2) في ص: 70.

(3) انظر الانتصار: 217، و الاستبصار 3: 117، و المسالك 2: 272.

(4) مجمع الفائدة و البرهان 9: 20.

77

للمقدّس الأردبيلي(رحمه الله) محتملًا كونه إجماعاً في أنّه لو ادّعىٰ الشفيع غيبة الثمن أُجّل ثلاثة أيّام و لو ملفقة من وقت حضوره للأخذ بالشفعة إن ذكر أنّه ببلده فإن لم يحضره في المدّة المضروبة بطلت. و لو قال:

إنّه في بلد آخر أُجّل بقدر وصوله إليه و عوده منه و زيادة ثلاثة أيّام بعد ذلك.

و الأصل في جميع ذلك الحسن بالنهدي: عن رجل طلب شفعة أرض فذهب علىٰ أنْ يحضر المال فلم ينضّ، فكيف يصنع صاحب الأرض إذا أراد بيعها، أ يبيعها أو ينتظر مجيء شريكه صاحب الشفعة؟ قال:

«إن كان معه في المصر فلينتظر به ثلاثة أيّام، فإن أتاه بالمال، و إلّا فليبع و بطلت شفعته في الأرض، و إن طلب الأجل إلىٰ أن يحمل المال من بلد إلىٰ بلد آخر فلينتظر به مقدار ما يسافر الرجل إلىٰ تلك البلدة و ينصرف و زيادة ثلاثة أيّام إذا قدم، فإن وفاه، و إلّا فلا شفعة له» (1).

و قصوره عن الصحّة مجبور بالعمل، مع أنّ الحسن في نفسه حجّة علىٰ الأظهر الأشهر بين الطائفة.

و ظاهر إطلاقه و إن شمل صورتي ترتّب الضرر علىٰ المشتري بالتأجيل و عدمه، إلّا أنّ ظاهرهم الإطباق علىٰ تقييده ب ما إذا لم يتضرّر المشتري به كما إذا كان البلد بعيداً جدّاً. و لعلّه للجمع بينه و بين ما دلّ علىٰ نفي الضرر من العقل و النقل، مضافاً إلىٰ التأيّد بما مرّ من إناطة ثبوت الشفعة بنفي الضرر، فينبغي أن يكون حيث لا يلزم من وجه آخر، لأنّ مع التعارض ينبغي الرجوع إلىٰ حكم الأصل، و هو عدم الشفعة، هذا.

____________

(1) التهذيب 7: 167/ 739، الوسائل 25: 406 أبواب الشفعة ب 10 ح 1.

78

و أمّا ما يورد علىٰ الخبر من أنّ مورده هو الشفعة قبل البيع، و أنّ الذي ينتظر به هو الشريك الذي يريد أن يبيع، لا المشتري. فهو خارج عن محلّ البحث الذي استدلّوا به عليه و هو الشفعة بعد البيع، و لعلّهم قاسوا حال المشتري علىٰ البائع، و هو مشكل.

فغير واضح؛ لابتنائه علىٰ كون المراد بصاحب الأرض هو المالك الأوّل دون المشتري، و لا إشعار في الخبر به، مع صدق ذلك علىٰ المشتري. بل إطلاق لفظ الشفعة التي هي حقيقة في الاستحقاق بعد البيع كما مرّ يعضد إرادة الثاني، هذا.

مع احتمال أن يكون الإلحاق علىٰ تقدير صحّة ما ذكر من باب تنقيح المناط القطعيّ، لا القياس الخفيّ، فتدبّر.

ثمّ المراد ببطلانها علىٰ تقدير عدم إحضاره في المدّة المضروبة سقوطها إن لم يكن أخذ، و يتسلّط المشتري علىٰ الفسخ إن كان قد أخذ.

كذا ذكره في المسالك (1).

و لعلّه كذلك؛ لأنّ الحكم بالبطلان إنّما هو مراعاة للمشتري، فإذا رضي بأخذ الشفيع بالتأخير فقد أسقط حقّه. و ليس في إطلاق الرواية ما ينافي ذلك؛ لأنّ غايتها إسقاط حقّ الشفيع من السلطنة علىٰ المطالبة، و هو لا يستلزم إسقاط حقّ المشتري من المطالبة بالثمن بعد إجراء الصيغة الناقلة.

و بالجملة لا دلالة فيها علىٰ بطلان حقّ الشفيع، و علىٰ تقديره لا ضير فيه أيضاً، و إن هي حينئذٍ إلّا كما ورد في خيار التأخير من بطلان البيع، مع

____________

(1) المسالك 2: 273.

79

إطباق الأصحاب علىٰ بقاء الصحّة و ثبوت الخيار، لا فساد الشفعة من أصله.

فما في الكفاية (1) من أنّ هذا التفصيل غير مذكور في الرواية، محلّ مناقشة إن أراد الردّ بها عليه، و إن أراد عدم استفادة ما ذكره منها فحسن، إلّا أنّه لم يستند إليها في ذلك. و لعلّه أخذه ممّا قدّمناه من الحجّة.

و تثبت الشفعة للغائب و إن طالت غيبته، فإذا قدم من سفره أخذ إن لم يتمكّن من الأخذ في الغيبة بنفسه، أو وكيله. و لا عبرة بتمكّنه من الإشهاد.

و في حكمه المريض و المحبوس ظلماً أو بحقّ يعجز عنه، و لو قدر علىٰ الحقّ و لم يطالب بعد مضيّ زمان يتمكّن من التخلّص و المطالبة بطلت.

و كذا السفيه و المجنون و الصبيّ في ثبوت الشفعة لهم و يأخذ لهم الوليّ مع الغبطة و المصلحة كسائر التصرّفات. و لا خلاف في شيء من ذلك أجده، و بعدمه صرّح بعض الأجلّة (2)؛ و هو الحجّة، مضافاً إلىٰ العمومات المعتضدة بوجه الحكمة المشتركة، و خصوص بعض المعتبرة المنجبر قصور سنده عن الصحّة بفتوىٰ الطائفة: «وصيّ اليتيم بمنزلة أبيه يأخذ له الشفعة إذا كان له فيه رغبة» و قال: «للغائب شفعة» (3).

و هو و إن اختصّ مورده بالأوّل و الأخير إلّا أنّ الوسطين ملحقان بهما

____________

(1) الكفاية: 105.

(2) مجمع الفائدة و البرهان 9: 24.

(3) الكافي 5: 281/ 6، الفقيه 3: 46/ 160، التهذيب 7: 166/ 737، الوسائل 25: 401 أبواب الشفعة ب 6 ح 2.

80

لعدم القائل بالفرق بين الأربعة في الطائفة، مع اعتضاد إلحاق الثالث بل ما سبقه أيضاً بالاستقراء، و اشتراكه مع الصبيّ في الأحكام غالباً، هذا.

و ربما يشكل الحكم بثبوت الشفعة لهم إن تضمّن طول الغيبة، و انتظار ارتفاع موانع الثلاثة حيث لم يأخذ لهم وليّهم بالشفعة كما سيأتي إليه الإشارة ضرراً علىٰ المشتري؛ يظهر وجهه ممّا قدّمناه قريباً من أنّ مقتضىٰ تعارض الضررين الرجوع إلىٰ حكم الأصل، و هو عدم الشفعة.

و وجّهنا بهذا حكمهم السابق بتقييد جواز التأجيل بما إذا لم يتضرّر به المشتري، مع خلوّ النصّ كما عرفت عن القيد. لكن عدم خلافهم في ذلك بحيث كاد أن يعدّ من الإجماع كفانا الاشتغال بطلب دليل آخر علىٰ تصحيح الإطلاق.

و لو ترك الوليّ الأخذ حيث يجوز له فبلغ الصبيّ، أو أفاق المجنون أو رشد السفيه فله أي لكلّ منهم الأخذ قيل: لأنّ التأخير وقع لعذر، و تقصير الوليّ بالتراخي لا يسقط حق المولّى عليه، و ليس الحقّ متجدّداً عند الكمال، بل مستمرّ و إنّما المتجدّد أهليّة الآخذ (1). و لا يظهر خلاف فيه، و في أنّه لو كان الترك لعدم المصلحة لم يكن لهم بعد ارتفاع الموانع الأخذ بالشفعة.

و عليه فلو جهل الحال في سبب الترك هل هو الثاني أو الأوّل؟ ففي استحقاقهم الأخذ نظراً إلىٰ وجود السبب فيستصحب، أم لا التفاتاً إلىٰ أنّه مقيّد بالمصلحة و هي غير معلومة، وجهان، أوجههما الثاني عند الشهيد الثاني (2).

____________

(1) قال به الفيض الكاشاني في المفاتيح 3: 79.

(2) الروضة البهية 4: 401.

81

و ذكر تبعاً للدروس أنّ المفلس له الشفعة (1)، و لكن لا يجب علىٰ الغرماء تمكينه من الثمن، فإن بذلوه أو رضي المشتري بذمّته فأخذ، تعلّق بالشقص حق الغرماء. و لا يجب عليه الأخذ لو طلبوه منه مطلقاً و لو بذلوا له الثمن، أو كان للمشتري بذمّته رضاً.

[الثالث: في كيفيّة الأخذ]

الثالث: في بيان كيفيّة الأخذ و اعلم أنّه يجوز أن يأخذ الشفيع المشفوع بمثل الثمن الذي وقع عليه العقد إجماعاً محقّقاً مستفيض النقل في كلام جماعة (2)؛ و هو الحجّة، مضافاً إلىٰ اتّفاق النصوص عليه.

و لو لم يكن الثمن مثليّا بل قيميّاً كالرقيق و الجوهر و الثياب و نحو ذلك أخذه بقيمته علىٰ الأظهر الأشهر، بل لعلّه عليه عامّة من تأخّر إلّا من ندر ممّن تأخّر عمّن تأخّر (3) وفاقاً للمفيد و المبسوط و الحلّي (4)؛ للعمومات المؤيّدة بالإطلاقات، و الشهرة العظيمة بين الأصحاب.

و قيل كما عن الخلاف و ابن حمزة (5)-: إنّه تسقط الشفعة و عليه الطبرسي و العلّامة في المختلف (6) استناداً إلىٰ رواية بل قيل

____________

(1) الدروس 3: 360.

(2) منهم العلّامة في المختلف: 404، و فخر المحققين في الإيضاح 2: 210، و هو ظاهر المهذّب البارع 4: 269، و التنقيح 4: 90، و جامع المقاصد 6: 405، و مجمع الفائدة و البرهان 9: 30.

(3) انظر كفاية الأحكام: 106.

(4) المفيد في المقنعة: 619، المبسوط 3: 108، الحلي في السرائر 2: 385.

(5) الخلاف 3: 432، الوسيلة: 258.

(6) المؤتلف من المختلف 1: 631، المختلف: 404.

82

روايات معتبرة (1).

منها: الموثّق في التهذيب، و الصحيح في قرب الاسناد: في رجل اشترىٰ داراً برقيق و متاع، و بزّ و جوهر، قال: «ليس لأحد فيها شفعة» (2).

و منها: الحسن: «الشفعة في البيوع إذا كان شريكاً فهو أحقّ بها من غيره بالثمن» (3).

و منها: الصحيح: عن رجل تزوّج امرأة علىٰ بيت في دار له، و له في تلك الدار شركاء، قال: «جائز له و لها، و لا شفعة لأحد من الشركاء عليها» (4).

و جعل هذه الرواية من روايات المسألة يتوجّه إليه المناقشة بظهور احتمال استناد المنع فيها عن الشفعة إلىٰ كثرة الشركاء، أو انتقال المشفوع بما عدا البيع لاشتراط الانتقال به في ثبوتها، كما مضى.

و كذلك جعل الثانية من رواياتها و إن اتّفق للفاضل في المختلف (5) بخيال أنّ الأحقّية بالثمن إنّما يتحقّق في المثلي، لأنّ الحقيقة غير مرادة إجماعاً، فيحمل علىٰ أقرب المجازاة إلىٰ الحقيقة، و هو المثل.

و اعترضه في المسالك بأنّ أقرب المجازات إلىٰ الحقيقة بحسب

____________

(1) قال به الفيض الكاشاني في المفاتيح 3: 81.

(2) التهذيب 7: 167/ 740، قرب الإسناد: 165/ 603، الوسائل 25: 406 أبواب الشفعة ب 11 ح 1.

(3) الكافي 5: 281/ 5، التهذيب 7: 164/ 728، الوسائل 25: 395 أبواب الشفعة ب 2 ح 1.

(4) الفقيه 3: 47/ 165، التهذيب 7: 167/ 742، الوسائل 25: 407 أبواب الشفعة ب 11 ح 2.

(5) المختلف: 404.

83

الحقيقة، فإن كان مثليّا فالأقرب إليه مثله، و إن كان قيميّاً فالأقرب إليه قيمته (1).

و فيه نظر، بل الأجود في منعه ما ذكره المقدس الأردبيلي (2)(رحمه الله) من أنّها محمولة علىٰ الغالب من أنّ القيمة ثمن أو المثلي في الدور، أو غير ذلك ممّا ذكره، و إن كان في بعضه نظر. و وجه اشتراط الثمن في استحقاق الشفعة علىٰ ما ذكره من المحامل التي مرجعها إلىٰ اشتراط جنس الثمن و لو كان قيميّاً الإشارة إلىٰ أنّ استحقاقها ليس مجّاناً بل بإعطاء الثمن، و هذا يجتمع ما لو كان مثليّا أو قيميّاً.

و بالجملة فالاستدلال بهذين الخبرين في البين غير متوجّه، و لعلّه لذا لم يستند إليهما من فضلاء الطرفين المشهورين أحد غير من مرّ.

بقي الكلام في الخبر الأوّل الذي استند إليه أرباب هذا القول، و فيها بعد الإغماض عن عدم مكافأتها لما مضى من حيث اشتهاره بين الأصحاب، بل و الإجماع عليه في الجملة دونه قصور من حيث الدلالة بناءً على احتمال استناد المنع فيها عن الشفعة علىٰ أسباب مانعة عنها تقدّمت إلىٰ ذكرها الإشارة إذ ليس فيها التصريح بأنّ المانع من جهة القيمة، و أنّها قيمي لا مثلي.

و ما يقال: من أنّ المتبادر من سياقها ذلك؛ لأنّ الظاهر أنّ السؤال فيها إنّما أُريد به من حيث الشراء بذلك الثمن، و أنّه هل تجوز الشفعة إذا كان الشراء بهذا الثمن أم لا. و لو كان المراد من السؤال معنىٰ آخر من كون الدار

____________

(1) المسالك 2: 277.

(2) مجمع الفائدة و البرهان 9: 31.

84

لا شريك فيها، و أنّ المراد نفي الشفعة بالجوار لما كان لذكر القيمة وجه بالكلّية، و لكان حق السؤال التصريح بذلك و أن يؤتىٰ بعبارة أُخرى تؤدّي هذا المعنىٰ.

فمدفوع بأنّه و إن ذكر الثمن و بسببه يستظهر من السؤال و الجواب ما يتوهّم، كذا ذكر أنّ المبيع الدار، و المتبادر منه المجموع، و هو ممّا لا يتأتّىٰ فيه بعد الشراء شركة توجب الشفعة، فلا تثبت فيها إلّا من حيث الجوار، فنفي الشفعة في الرواية يحتمل أن يكون مستنداً إلىٰ هذا.

و لو أُريد من الدار بعضها تعيّن ما استظهر من السياق، إلّا أنّ إطلاقها علىٰ البعض مجاز لا يصار إليه إلّا بالقرينة، هي في الرواية مفقودة. فإذاً هي مجملة لا ريب في ضعف الاستناد إليها، و لا شبهة.

و منه يظهر ضعف هذا القول، و إن ادّعىٰ عليه في الخلاف إجماع الفرقة (1)؛ لوهنه بعدم ظهور قائل به سواه و بعض من تبعه (2)، مع مصير معظم الأصحاب علىٰ خلافه و منهم هو في قوله الثاني (3). و علىٰ تقدير سلامته عنه لا يمكن المصير إليه؛ لضعفه عن المقاومة للعمومات المعتضدة بالشهرة.

و منها يظهر ضعف استناد المختلف (4) لما صار إليه بالأصل المقرّر في الشفعة؛ لاندفاعه بتلك الأدلّة المعتضدة زيادةً علىٰ الشهرة بوجه الحكمة المشتركة التي استند إليها هو و غيره من الجماعة في مواضع عديدة

____________

(1) الخلاف 3: 432.

(2) كابن حمزة في الوسيلة: 258.

(3) المبسوط 3: 108.

(4) المختلف: 404.

85

علىٰ سبيل الحجّة أو التقوية.

و هنا قول ثالث حكي في المختلف و الدروس عن الإسكافي، و هو أنّه يكلّف الشفيع ردّ العين التي وقع عليها العقد إن شاء، و إلّا فلا شفعة له (1).

و علىٰ المختار فهل المعتبر القيمة وقت العقد؛ لأنّه وقت استحقاق الثمن و العين متعذّرة، فوجب الانتقال إلىٰ القيمة، أو وقت الأخذ؛ لوجوبه حينئذٍ علىٰ الشفيع، أو الأعلى منهما؟ أقوال، أحوطها الأخير، و أشهرها في الظاهر المصرّح به في كلام جمع (2)، الأوّل.

و اعلم أنّ للشفيع المطالبة بالشفعة في الحال أي حال العلم بالشراء بلا خلاف، و لو أخّر لا لعذر بطلت شفعته وفاقاً للشيخ في كتبه الثلاثة و القاضي و ابن حمزة و الطبرسي، و جماعة و منهم الفاضل في كتبه، و الشهيدان (3)، و عامّة المتأخّرين. و ادّعىٰ عليه الشهرة المطلقة جماعة منهم الفاضل في التذكرة، و آخرون الشهرة المتأخّرة كالمسالك و جمع ممّن تبعه (4). و عن الشيخ دعوى الإجماع عليه (5)؛ و هو الحجّة عندهم؛ مضافاً إلىٰ ما قالوه من الأصل المتقدّم غير مرّة؛ و أنّها حقّ مبنيّ علىٰ التضييق بقرينة ثبوتها في بعض دون بعض، و بعقد دون عقد فلا يناسب التوسعة؛

____________

(1) المختلف: 404، الدروس 3: 367.

(2) منهم البحراني في الحدائق 20: 318.

(3) الشيخ في النهاية: 424، و المبسوط 3: 108، و الخلاف 3: 430، و لم نعثر عليه في مهذّب القاضي، ابن حمزة في الوسيلة: 258، الطبرسي في المؤتلف من المختلف 1: 630، الفاضل في القواعد 1: 213، و المختلف: 405، الشهيدان في الدروس 3: 363، و اللمعة (الروضة البهية 4): 404.

(4) التذكرة 1: 604، المسالك 1: 283؛ و انظر مفاتيح الشرائع 3: 78.

(5) الخلاف 3: 431.

86

و لأدائه إلىٰ ضرر المشتري إذ قد لا يرغب في عمارة ملكه لتزلزله؛ و للحسنة المتقدّمة (1) في جواز إنظار الشفيع بالثمن الأيّام الثلاثة لحكمه (عليه السلام) فيها ببطلان الشفعة بعد الثلاثة التي أخّرها للعذر، فلو كان حقّ الشفعة علىٰ التوسعة لم تبطل شفعته بالتأخير مطلقاً لعدم القائل بالفرق. فالقول به إحداث قول ثالث، و هو باطل بإجماعنا.

و للخبرين، في أحدهما: «الشفعة لمن واثبها» (2) و في الثاني:

«الشفعة كحلّ العقال» (3).

و في الجميع نظر؛ لمعارضة الإجماع بمثله و سيأتي، و اعتضاده بالشهرة غير نافع بعد ظهور انعقادها بعد الحكاية، و مرجوحيّته بالموافقة للعامّة كما سيأتي إليه الإشارة، و ضعف الأصل بما مرّ في المسألة السابقة.

و دعوى أنّها حقّ مبني علىٰ الضيق غير مسموعة إن أُريد بها العموم حتّى في المسألة؛ لكونها مصادرة غير واضحة الحجّة عدا القرينة، و دلالتها علىٰ العموم غير ظاهرة بل فاسدة. و إن أُريد بها ثبوت الضيق في الجملة أو فيما عدا المسألة فغير نافعة.

و الضرر الناشئ من التراخي مجبور بضمان الشفيع الأرش علىٰ تقدير القلع كما ذكروه، هذا إن أُريد من الضرر ما ينشأ من نقص ما حصل و عمر. و إن أُريد به مجرّد عدم الرغبة في التعمير فيمنع عن كون مثله يعدّ ضرراً، و علىٰ تقديره يجبر بما ذكره علم الهدىٰ من عرض المبيع إلىٰ

____________

(1) في ص: 75.

(2) عوالي اللئلئ 3: 478/ 13، المستدرك 17: 108 أبواب الشفعة ب 11 ح 13؛ بتفاوت.

(3) سنن ابن ماجة 2: 835/ 2500، سنن البيهقي 6: 108.

87

الشفيع و بذل تسليمه إليه فإمّا أن يتسلّم، أو يترك الشفعة فيزول الضرر عن المشتري، فإن لم يفعل ذلك كان التفريط من قبله (1). و على تقدير عدم إمكان دفع هذا الضرر فالدليل من المدّعىٰ أخصّ.

و الجبر بالإجماع المركّب ينفع حيث لا يمكن العكس، و هو ممكن في محلّ البحث، فتدبّر. هذا.

مع أنّ هذا الدليل جارٍ في صورة التأخير لعذر، و قد أطبقوا علىٰ ثبوت الشفعة فيها مطلقاً.

و الحسنة لا دلالة فيها علىٰ الفوريّة التي ذكروها و أحالوا معرفتها إلىٰ العرف و العادة. و لا ريب أنّ التأخير ثلاثة أيّام، بل و ما دونها من دون عذر كما هو مورد الرواية تنافي الفورية العرفيّة، و لذا استدلّ به المقدس الأردبيلي(رحمه الله) علىٰ القول الآتي، و أجاب عن الاستدلال بها لهذا القول بما يرجع حاصله إلىٰ أنّ الحكم ببطلان الشفعة بعد الثلاثة لعلّه للعلم بعدم إرادة الشفيع المطالبة بالشفعة عرفاً و عادةً (2).

أقول: و يحتمل كونه من جهة ظهور عدم بنائه (3) علىٰ أداء الثمن المشترط في استحقاق الشفعة بالاتّفاق كما مرّ إليه الإشارة، و لذا عملوا بمضمونها من دون خلاف فيها يذكرونه ثمّة.

و بالجملة هذه الرواية لو لم نقل بظهورها في ضدّ ما ذكره الجماعة، فلا ريب أنّها علىٰ ما ذكروه غير دالّة.

و أمّا الخبران الأخيران فهما عاميان علىٰ الظاهر؛ إذ لم نجدهما في

____________

(1) الانتصار: 220.

(2) مجمع الفائدة و البرهان 9: 22.

(3) في «ح» و «ر»: قدرته.

88

كتب أخبارنا المشهورة، و لا نقلهما ناقل من طرقنا في الكتب الاستدلالية.

بل صرّح جماعة (1) بأنّهما من طرق العامّة، فليس فيهما حجّة و إن انجبرا بالشهرة المتأخّرة، بل و المطلقة علىٰ تقدير تسليمها لأنّها معارضة بالموافقة للعامّة، كما صرّح به في الانتصار (2).

و فيه أي في المقام قول آخر: إنّها علىٰ التراخي لا تسقط إلّا بالإسقاط. ذهب إليه المرتضىٰ، و الإسكافي، و والد الصدوق، و الحلبي، و الحلّي (3) مدّعياً أنّه الأظهر بين الطائفة، حاكياً الأوّل عن بعض الأصحاب مشعراً باشتهار ما اختاره بين الأصحاب.

و زاد المرتضىٰ فادّعىٰ الإجماع عليه؛ و هو الحجّة لهذا القول، مضافا إلىٰ العمومات السليمة كما عرفت عمّا يصلح للمعارضة، مع استصحاب الحالة السابقة.

و هذه الأدلّة في غاية من المتانة و الأجوبة عنها فاسدة، عدا ما أُجيب به الإجماع فإنّه حقّ لمعارضته بالمثل، إلّا أنّ في الباقي كفاية لولا الشهرة العظيمة المتأخّرة التي كادت تكون بالإجماع ملحقة. فالمسألة محلّ إشكال، فلا ينبغي ترك الاحتياط فيها علىٰ حال.

و علىٰ اعتبار الفورية يلزم المبادرة إلىٰ المطالبة عند العلم علىٰ وجه العادة. و المرجع فيه إلىٰ العرف لا المبادرة بكلّ وجه ممكن، فيكفي مشيه إلىٰ المشتري علىٰ الوجه المعتاد و إن قدر علىٰ الزيادة، و انتظار الصبح لو

____________

(1) منهم الشهيد الثاني في المسالك 2: 283، و الروضة 4: 406، و الفاضل المقداد في التنقيح 4: 91، و البحراني في الحدائق 20: 320.

(2) الانتصار: 219.

(3) المرتضىٰ في الانتصار: 219، و نقله عن الإسكافي و والد الصدوق في المختلف: 405، الحلبي في الكافي: 361، الحلي في السرائر 2: 388.

89

علم ليلًا، و الصلاة عند حضور وقتها و مقدّماتها و متعلّقاتها الواجبة و المندوبة التي يعتادها علىٰ الوجه المعتاد، و انتظار الجماعة و الرفقة مع الحاجة، و زوال الحرّ و البرد المفرطين، و لبس الثوب، و أمثال ذلك.

و لا خلاف في شيء من ذلك أجده، و لعلّه لعدم حجّة ظاهرة علىٰ الفوريّة الحقيقية، بل غايتها الفوريّة العرفية، و لا ينافيها شيء ممّا تقدّم إليه الإشارة، فتأمّل.

و لو كان التأخير لعذر عن المباشرة و التوكيل لم تبطل الشفعة بلا خلاف و لا إشكال، إلّا فيما يقتضيه إطلاق العبارة و غيرها من عبائر الجماعة من عدم البطلان مطلقاً و إن أوجب التأخير علىٰ المشتري ضرراً، فإنّه منافٍ لما ذكروه سابقاً في تأخير الثمن ثلاثة أيّام بعد دعوى غيبته من تقييد الحكم ثمّة ببقاء الشفعة بعد التأخير إلىٰ المدّة بما إذا لم يوجب ضرراً علىٰ المشتري، فإنّ دليل التقييد الذي عرفته جارٍ في المسألة.

اللّهم إلّا أن يكون التقييد مراداً هنا أيضاً، و إنّما تركوه حوالةً علىٰ ما مضى. و كيف كان فمراعاة التقييد مطلقاً أحوط و أولى.

و قد عدّ الأصحاب من غير خلاف يعرف من جملة الأعذار ما أشار إليه بقوله: و كذا لا تبطل الشفعة لو كان التأخير بسبب توهّم زيادة ثمن فبان قليلًا أو كونه جنساً من الثمن كذهب مثلًا فبان غيره أي فضّة و نحوها، أو بالعكس، أو أنّه اشترىٰ النصف فبان الربع أو بالعكس، أو أنّ المشتري واحد فبان أكثر أو بالعكس، أو نحو ذلك، لاختلاف الأغراض في مثل ذلك.

و يعذر جاهل الفورية كجاهل الشفعة و ناسيهما. و تقبل دعوى الجهل ممّن يمكن في حقّه عادةً، و إنّما يؤمر بالمطالبة بها فوراً حيث يكون البيع

90

عنده ثابتاً بالشياع أو البيّنة، دون نحو خبر الفاسق، و المجهول، و الصبيّ، و المرأة مطلقاً.

و في شهادة العدل الواحد مطلقاً وجه قويّ وفاقاً للروضة (1)، و عن الدروس الاكتفاء به مع القرينة (2). و حجّته غير واضحة إن عمّم القرينة للظنّية، و منع الاكتفاء بالخبر الغير المحفوف بها بالكلية، فإنّها إن كانت عموم ما دلّ علىٰ حجّية خبره فليس فيه التقييد بالقرينة، و إن كانت حصول المظنّة بصدق الخبر بمعونتها زيادةً علىٰ ما يحصل من مجرّد خبره، و أنّ المعتبر قوّة المظنّة، فلا دليل علىٰ اعتبارها بعد أن قطع النظر عن عموم ما دلّ علىٰ حجّية خبر العدل مطلقاً. و كذا لو نظر إليه لما مضى من عدم تقييده بالقرينة، و أنّ مفاده الحجّية من حيث هو هو، و لو صدّق المخبر كان كثبوته في حقّه (3)، و كذا لو علم صدقه بأمر خارج.

و اعلم أنّه يأخذ الشفيع الشقص المبيع من المشتري لأنّه استحقّ الأخذ بالبيع و بعده انتقل الملك إلىٰ المشتري، فلا تسلّط له علىٰ أخذه من البائع. و لا خلاف فيه و في أنّ دركه أي درك الشقص لو ظهر مستحقّاً عليه أي علىٰ المشتري، فيرجع عليه بالثمن و بما اغترمه لو أخذه منه المالك، بل ادّعىٰ علىٰ الأمرين الإجماع في السرائر (4).

و لا فرق في ذلك بين كونه في يد المشتري و يد البائع بأن لم يكن أقبضه، لكن هنا لا يكلّف المشتري قبضه منه، بل يكلّف الشفيع الأخذ منه

____________

(1) الروضة البهية 4: 406.

(2) الدروس 3: 365.

(3) في «ح» و «ر» زيادة: علىٰ الظاهر.

(4) السرائر 2: 390.

91

أو الترك؛ لأنّ الشقص هو حقّ الشفيع فحيثما وجده أخذه، و يكون قبضه كقبض المشتري و الدرك عليه على التقديرين.

و لو انهدم المسكن، أو عاب بغير فعل المشتري أخذ الشفيع ب تمام الثمن أو الترك و لا شيء علىٰ المشتري مطلقاً، كان النقص و التعيّب قبل المطالبة بالشفعة أم بعدها، بأمر سماويّ كانا أم بفعل آدمي، على الأشهر الأقوىٰ، وفاقاً للمبسوط و الحلبي (1)؛ للأصل المؤيّد بإطلاق ما دلّ على لزوم الأخذ بالشفعة بالثمن. و المرسل المنجبر بعمل الأكثر: في رجل اشترىٰ من رجل داراً (2) مشاعاً غير مقسوم و كان شريكه الذي له النصف الآخر مشاعاً (3) غائباً، فلمّا قبضها و تحوّل عنها انهدمت الدار، و جاء سيل خارق (4) فهدمها و ذهب بها، فجاء شريكه الغائب فطلب الشفعة من هذا، فأعطاه الشفعة علىٰ أن يعطيه ماله كملًا الذي نقد في ثمنها، فقال:

ضع عنّي قيمة البناء، فإنّ البناء قد انهدم و ذهب به السيل، ما الذي يجب في ذلك؟ فوقّع (عليه السلام): «ليس له إلّا الشراء و البيع الأوّل» (5).

خلافاً للخلاف علىٰ ما حكىٰ عنه في المختلف (6)، ففصّل بين صورتي كون الهدم بأمر سماوي فالأوّل؛ لظاهر الخبر المتقدّم، أو بفعل آدمي فالأخذ بحصّته من الثمن. و إطلاقه يشمل المشتري و غيره، بل لعلّه ظاهر فيه.

____________

(1) المبسوط 3: 116، الحلبي في الكافي في الفقه: 362.

(2) في المصدر: نصف دار.

(3) ليس في «ح» و «ر» و المصدر.

(4) في المصدر: جارف.

(5) التهذيب 7: 192/ 850، الوسائل 25: 405 أبواب الشفعة ب 9 ح 1.

(6) المختلف: 408، و هو في الخلاف 3: 437.

92

و وجهه غير واضح عدا ما يوجّه به ضمان المشتري في القول الآتي في نقص المبيع بفعل المشتري قبل مطالبة الشفيع من تعلّق حق الشفيع به بالبيع فيضمنه المشتري و إن كان ملكه.

و فيه نظر، فإنّه إن أُريد بالحقّ المتعلّق بالشقص حقّ المطالبة به فمسلّم، و لكنّه بمجرده لا يوجب ضماناً علىٰ المشتري، فإثباته يتوقّف علىٰ دليل. و إن أُريد به الملكية فممنوع، سيّما إذا ادّعي ثبوتها قبل المطالبة. و علىٰ تقديره فالضمان محلّ تأمّل، سيّما إذا لم يقبضه المشتري؛ إذ لا موجب لضمانه حينئذٍ و لو فرض كونه ملك الشفيع، هذا.

مع أنّ هذا التوجيه علىٰ تقدير تماميّته يشمل صورة التلف بأمر سماوي أيضاً و لا يقول به، إلّا أن يقال باستثنائها بالخبر الذي مضى.

و إن كان الهدم بفعل المشتري بعد مطالبة الشفيع بالشفعة، فالمشهور ضمان المشتري، بمعنى أخذ الشفيع الباقي بعد التلف بحصّته من الثمن و سقوط ما قابل التالف منه.

قيل: لأنّ الشفيع استحقّ بالمطالبة أخذ المبيع كاملًا، و تعلّق حقّه به، فإذا انتقض بفعل المشتري ضمنه له (1).

و هو مبنيّ علىٰ تملّك الشفيع الشقص بالمطالبة دون الأخذ، و وجهه غير واضح. و الأصل يقتضي المصير إلىٰ التملّك بالأخذ كما عن الشيخ، و عليه بنىٰ اختياره في المبسوط (2) هنا عدم الضمان علىٰ المشتري أيضاً كالسابق. و هو في غاية من القوّة، سيّما بعد اعتضاده بإطلاق ما دلّ علىٰ استحقاق الشفعة بتمام الثمن.

____________

(1) قال به الشهيد الثاني في المسالك 2: 278.

(2) المبسوط 3: 116.

93

و لو كان الهدم بفعله قبل المطالبة بها فالأشهر الأظهر عدم الضمان علىٰ المشتري، بل يتخيّر الشفيع بين الأخذ بكلّ الثمن و بين الترك؛ لما مرّ، و أنّ المشتري تصرّف في ملكه تصرّفاً سائغاً فلا يكون مضموناً عليه، سيّما إذا كان التالف لا يقابل به شيء من الثمن فلا يستحقّ الشفيع في مقابلته شيئاً، كما لو تعيّب في يد البائع فإنّ المشتري تخيّر بين الفسخ و بين الأخذ بجميع الثمن.

و حكي في المسالك و الكفاية (1) قول بالضمان، و هو الظاهر من إطلاق العبارة، و لا ريب في ضعفه؛ لضعف ما مرّ من توجيهه.

ثمّ إنّ الحكم بعدم الضمان علىٰ المشتري حيث توجّه إنّما هو إذا لم يتلف من الشقص شيء يقابل بشيء من الثمن، و إلّا قيل: ضمن بحصّته من الثمن علىٰ الأشهر (2).

قيل: لأنّ إيجاب دفع الثمن في مقابلة بعض المبيع ظلم (3).

و فيه نظر، و لذا أطلق الحكم في العبارة هنا و في المبسوط (4) و غيرهما (5)، و مع ذلك يدفعه إطلاق ما مرّ من الخبر، فتأمّل.

و لو اشترى الشقص بثمن مؤجّل قيل كما عن الخلاف و المبسوط و الإسكافي و الطبرسي (6): هو أي الشفيع بالخيار بين

____________

(1) المسالك 2: 278، الكفاية: 106.

(2) قال به السبزواري في الكفاية: 106.

(3) كما قال به الشهيد الثاني في المسالك 2: 278.

(4) المبسوط 3: 116.

(5) انظر المختلف: 408.

(6) الخلاف 3: 433، المبسوط 3: 112، و حكاه عن الإسكافي في الدروس 3: 364، الطبرسي في المؤتلف من المختلف 1: 631.

94

الأخذ بالثمن عاجلًا و بين التأخير إلىٰ الحلول و أخذه بالثمن في محلّه أي وقت حلوله؛ لأنّ الذمم غير متساوية فيجب إمّا تعجيل الثمن، أو الصبر إلىٰ الحلول و دفعه عند الأخذ.

و أُجيب بأنّ ذلك لا يوجب التخيير؛ لإمكان التخلّص بالكفيل إمّا مطلقاً كما يظهر من المختلف (1)، أو مع عدم الملائة كما عن الشيخ (2) و غيره (3)؛ و بأنّه يستلزم أحد محذورين إمّا إسقاط الشفعة علىٰ تقدير ثبوتها، أو إلزام الشفيع بزيادة لا موجب لها. و كلاهما باطل.

و وجه الملازمة أنّ تجويز التأخير ينافي الفوريّة المستلزمة لبطلانها، و تعجيل الأخذ بالحال يوجب زيادة صفة في الثمن، و هي كونه معجّلًا من غير سبب.

و ذهب المفيد و الشيخ في النهاية و القاضي، و الحلي (4) إلىٰ أنّه لا يتخيّر، بل يأخذ الشقص عاجلًا و يكون الثمن مؤجّلًا، و يلزم كفيلًا إن لم يكن مليّاً، و هو أشبه و أشهر، بل عليه عامّة من تأخّر، إمّا لما مرّ من منافاة التخيير للفورية، أو لا له؛ لضعفه أوّلًا: بما مرّ من عدم وضوح دليل علىٰ اعتبارها. و ثانياً: علىٰ تقدير تسليمه يمكن كون الإخلال هنا بها لعذر، و هو مراعاة مال المشتري و ثمنه عن الذهاب، و هو لا يوجب سقوطها كما مرّ عن الأصحاب (5).

____________

(1) المختلف: 406.

(2) النهاية: 425.

(3) انظر إيضاح الفوائد 2: 211.

(4) المفيد في المقنعة: 620، النهاية: 425، القاضي في المهذب 1: 458، الحلي في السرائر 2: 388.

(5) راجع ص: 88.

95

و لعلّه لذا إنّ الشيخ مع اعتباره للفورية لم يجعل الإخلال بها هنا موجباً لسقوطها.

و لكن دفع هذا العذر بإمكان مراعاة الفورية، و مال المشتري عن الذهاب بأخذ الكفيل، كما قال به الأصحاب ممكن، فتأمّل.

بل لأنّ التأجيل له قسط من الثمن فيلزم زيادة الثمن المأخوذ به في الحال علىٰ الأصل.

و فيه أيضاً نظر، فإنّ هذا لم يدلّ إلّا علىٰ عدم وجوب تعجيل الثمن علىٰ الشفيع، و هو لا يستلزم وجوب الأخذ بالشفعة حالّا إلّا علىٰ تقدير اعتبار الفورية، و المفروض عدمه.

فالمتّجه علىٰ هذا التخيير بين الأمرين اللذين ذكرهما في الخلاف و المبسوط، و بين ما ذكره الأصحاب. فهو في غاية من القوّة إن لم يكن إحداث قول ثالث في المسألة.

و لو دفع الشفيع الثمن قبل حلوله لم يلزم البائع أخذه لأنّ دفعه مسبّب عن المشتري، و هو لو دفعه إليه قبله لم يلزمه الأخذ قطعاً، فبأن لا يلزمه الأخذ من الشفيع بطريق أولىٰ.

و لو دفعه الشفيع إلىٰ المشتري قبل الحلول لزمه الأخذ علىٰ قول المبسوط و الخلاف. و يشكل علىٰ قول الأصحاب، و لا يبعد اللزوم عليه أيضاً التفاتاً إلىٰ أنّ الحكم بالتأجيل في حقّ الشفيع إنّما هو مراعاة لحقّه و استخلاص له عن لزوم التعجيل به، فإذا أسقط حقّه و يتبرّع بالتعجيل فلا موجب للمشتري عن عدم قبوله، مع دلالة الإطلاقات علىٰ لزومه.

و لو ترك الشفيع المطالبة بالشفعة قبل البيع فقال للمشتري:

اشتر نصيب شريكي فقد نزلت عن الشفعة و تركتها لم تبطل و كذا لو

96

عرض البائع الشقص علىٰ الشفيع بثمن معلوم فلم يرده، فباعه من غيره بذلك الثمن أو زائداً، وفاقاً لظاهر المرتضىٰ، و صريح الإسكافي و الحلي، و الفاضل في المختلف و القواعد، و المقداد في التنقيح، و الشهيد الثاني، و كثير ممّن تبعه (1). و الظاهر أنّه عليه أكثر المتأخّرين. و حكاه في الدروس عن المبسوط (2).

و ظاهر الأوّل دعوى الإجماع عليه حيث قال: و ممّا انفردت به الإماميّة أنّ حقّ الشفيع لا يسقط إلّا أن يصرّح الشفيع بإسقاط حقّه. ثمّ أخذ في نقل مذاهب العامّة، و ذكر منها قول الشعبي بأنّ من بيعت شفعته و هو شاهد و لم ينكر، فلا شفعة له، ثم قال بعد هذا بلا فصل: و الذي يدلّ علىٰ صحّة مذهبنا الإجماع المتكرّر.

و هو كما ترى ظاهر في شمول عموم عبارته لمثل ما نحن فيه؛ فهو الحجة، مضافاً إلىٰ ما ذكره جماعة (3) من عموم ما دلّ علىٰ ثبوتها، مع سلامتها عمّا يصلح للمعارضة، و ضعف ما سيأتي علىٰ خلافه من الأدلّة، و آخرون (4) بأنّ ذلك ترك قبل الاستحقاق فلا يلزم، كما لو أسقطت المرأة

____________

(1) المرتضىٰ في الانتصار: 219، حكاه عن الإسكافي في المختلف: 407، الحلي في السرائر 2: 393، المختلف: 407، و القواعد 1: 216، التنقيح الرائع 4: 93، الشهيد الثاني في المسالك 2: 283، و انظر كفاية الأحكام: 106، و المفاتيح 3: 80.

(2) انظر الدروس 3: 368، 369، المبسوط 3: 140.

(3) منهم المحقق الثاني في جامع المقاصد 6: 440، و الشهيد الثاني في المسالك 2: 283، و البحراني في الحدائق 20: 331.

(4) كالشيخ في المبسوط 3: 140، و ابن إدريس في السرائر 2: 393، و العلّامة في المختلف: 407، و الفاضل المقداد في التنقيح الرائع 4: 93، و المحقق الثاني في جامع المقاصد 6: 440، و البحراني في الحدائق 20: 331.

97

المهر قبل التزويج، و نحو ذلك.

خلافاً للنهاية و المفيد و ابن حمزة (1)؛ لقوله (صلى الله عليه و آله): «لا يحلّ للشريك أن يبيع حتّى يستأذن شريكه، فإن باع و لم يأذنه فهو أحقّ» (2) لتعليق الاستحقاق فيه علىٰ عدم الاستيذان فلا يثبت معه، و لأنّ الشفعة شرعت لإزالة الضرر عن الشريك فإذا لم يردّه دلّ علىٰ عدم الضرر. و ليس ذلك من باب الإسقاط حتى يتوقّف علىٰ الاستحقاق.

و في الجميع نظر؛ لعدم وضوح سند الخبر، و عدم جابر له بل الجابر بالعكس، مع معارضته بما مرّ من الإجماع المنقول الذي منه أجود. و منع دلالة عدم الردّ علىٰ عدم الضرر فإنّه أعمّ منه، مع احتمال جعله وسيلةً علىٰ الأخذ بالشفعة، و علىٰ تقدير تسليمه فهو إنّما يتمّ علىٰ تقدير قيام دليل علىٰ كون الضرر هو السبب الباعث لثبوت الشفعة، و لا حجّة عليه مستقيمة تطمئنّ إليها النفس، كما مرّ إليه الإشارة.

فهذه الحجج ضعيفة، و غاية ما يمكن أن يحتجّ لهم شيئان:

أحدهما: ما ذكره المولى الأردبيلي من أنّ الترك وعد فتشمله الأدلّة الدالّة علىٰ وجوب الوفاء به، و ليس هنا إبراء أو إسقاط، بل قول و وعد و شرط، و مخالفته قبيحة عقلًا و شرعاً، و أنّه غرر و إغراء، و ليس من صفات المؤمن (3).

و ثانيهما: ما يختلج بالبال من الأصل، و عدم عموم من الأخبار يدلّ

____________

(1) النهاية: 424، المفيد في المقنعة: 618، ابن حمزة في الوسيلة: 258.

(2) عوالي اللئلئ 3: 479/ 14، المستدرك 17: 108 أبواب الشفعة ب 11 ح 14.

(3) مجمع الفائدة و البرهان 9: 45.

98

علىٰ ثبوت الشفعة في جميع الأحوال. و إنّما العموم الموجود فيها إنّما هو بالنسبة إلىٰ كلّ مبيع لا إليها في جميع الأحوال، و غايته بالنسبة إليها أن يكون مطلقاً، و رجوعه إلىٰ العموم مشروط بتساوي أفراده في الانسباق إلىٰ الذهن و عدمه؛ إذ مع رجحان بعضها بتبادر و نحوه ينصرف إليه دون المرجوح، و ما نحن فيه من هذا القبيل؛ لعدم تبادر ما أُسقط فيه الشفعة من إطلاق ما دلّ علىٰ ثبوتها بلا شبهة.

مضافاً إلىٰ التأيّد بما ورد في صحّة الوصية بما زاد علىٰ الثلث بإجازة الورثة لها قبل الموت من المعتبرة (1)، و عليه معظم الطائفة، و ادّعىٰ بعضهم عليه إجماع الإمامية (2).

و لا يخلو الجميع عن المناقشة.

فالأوّل: بأنّه بعد تسليم كونه من باب الوعد لم يحضرني الآن دليل عامّ يدلّ علىٰ وجوب الوفاء به علىٰ الإطلاق بحيث يشمل نحو مورد النزاع، مع عدم وجوبه في كثير من قبيله بالإجماع، و قد تقدّم بعضه من إسقاط المرأة حقّها قبل الثبوت و نحو ذلك. و الفرق بينه و بين ما نحن فيه لو ادّعي غير واضح.

و الثاني: بأنّ العموم في البيع يستلزم العموم في الأحوال، و إلّا لما بقي عموم علىٰ حال؛ لاختلاف أحوال أفراد العموم بلا إشكال، فتأمّل.

و الثالث: نافع حيث يوجد دليل، و قد عرفت ما فيه.

و اعلم أنّ مقتضىٰ الأدلّة من الطرفين عدم الفرق بين الموضعين

____________

(1) انظر الوسائل 19: 283 أبواب الوصايا ب 13.

(2) كالشيخ في الخلاف 4: 144.

99

المتقدّمين، و غيرهما من المواضع التي اختلف في سقوط الشفعة فيها ممّا أشار إليه الماتن بقوله: أمّا لو شهد علىٰ البيع و لم يردّ أو بارك للمشتري أو البائع فقال: بارك اللّٰه تعالىٰ لكما في البيع، أو هو مبارك لكما، أو نحو ذلك. أو أذن لهما أو لأحدهما في البيع فقال: تبايعا ففيه التردّد الناشئ مما مرّ.

و عدم السقوط في الجميع كما عرفت أشبه و لم أفهم وجهاً لفرق الماتن بين هذه المواضع. و لم أر من قال به، بل أطلق أرباب القولين الحكم فيها، عدا الفاضل في الإرشاد (1) ففرّق بينها كالماتن، و لكن حكم بالبطلان في الموضع الأوّل عكسه، و تنظّر فيه في باقي المواضع.

و وجهه أيضاً غير واضح، و إن كان أنسب من فرق الماتن؛ لأنّه في غاية البعد، فإنّ عدم الإبطال بالإسقاط قبل البيع يستلزم عدمه فيما عداه بطريق أولىٰ؛ إذ ليس بأبلغ في الدلالة علىٰ الإبطال من الإسقاط قبل البيع، بل هو أبلغ. فكيف يفرّق بينهما بالعدم في الأوّل، و السقوط في الباقي؟ بل العكس أولىٰ، و قد نبّه علىٰ الأولويّة في المسالك (2) شيخنا.

[و من اللواحق مسألتان]

[الأُولى: الشفعة لا تورّث]

و من اللواحق مسألتان الأُولى: قال الشيخ في النهاية و موضع من الخلاف، و القاضي و الطبرسي (3): إنّ الشفعة لا تورّث بل تبطل بموت الشفيع. و نسبه في

____________

(1) الإرشاد 1: 387.

(2) المسالك 2: 283.

(3) النهاية: 425، الخلاف 3: 437، القاضي في المهذب 1: 459، الطبرسي في المؤتلف من المختلف 1: 632.

100

المبسوط إلىٰ أكثر الأصحاب (1)؛ للخبر: «لا تورّث الشفعة» (2) و أنّ ملك الوارث يتجدّد علىٰ الشراء لا به، فلا يستحق به شفعة.

و يضعف الأوّل بضعف الراوي (3)، مع جهالة الراوي عنه أيضاً (4).

و لا جابر له أصلًا عدا الأكثريّة المحكيّة في المبسوط، و هي موهونة باشتهار الخلاف بل و دعوىٰ الإجماع عليه كما يأتي، مع أنّه موافق لرأي أبي حنيفة كما نسبه إليه في الخلاف (5) شيخ الطائفة.

و قال شيخنا المفيد و علم الهدىٰ و الشيخ في موضع آخر من الخلاف و الحلي و الشهيدان و الصيمري (6) أنّها تورّث و تبعهم جملة من المتأخرين. بل لعلّه عليه عامّتهم إذ لم أقف علىٰ مخالف منهم. و صرّح بالشهرة المطلقة في المسالك و الكفاية (7).

و ظاهر الثاني في الانتصار أنّ عليه إجماع الإماميّة حيث قال في

____________

(1) المبسوط 3: 113.

(2) الفقيه 3: 45/ 158، التهذيب 7: 167/ 741، الوسائل 25: 407، أبواب الشفعة ب 12 ح 1.

(3) و هو طلحة بن زيد أبو الخزرج النهدي الشامي، عدّه الشيخ في رجاله 126/ 3 من أصحاب الباقر (عليه السلام) و قال: بتري. و في الفهرست 86/ 362 و رجال النجاشي 207/ 550 أنّه عامي.

(4) و هو محمّد بن يحيىٰ، و الظاهر بقرينة اتحاد الراوي و المروي عنه أنّه هو الخزّاز، و قال النجاشي فيه: ثقة، عين، له كتاب نوادر. انظر رجال النجاشي: 359/ 964، معجم رجال الحديث 18: 37/ 11997.

(5) الخلاف 3: 436.

(6) المفيد في المقنعة: 619، علم الهدىٰ في الانتصار: 217، الخلاف 3: 27، الحلي في السرائر 2: 399، الشهيدان في اللمعة (الروضة البهية 4): 412، الصيمري في تلخيص الخلاف 2: 177، و غاية المرام 4: 115.

(7) المسالك 2: 280، الكفاية: 106.

101

توجيه الخبر الوارد بأنّه إذا سمح بعضهم بحقوقهم من الشفعة، إلىٰ آخر الرواية-: فيمكن أن يكون تأويله أنّ الوارث لحقّ الشفعة إذا كانوا جماعة، فإنّ الشفعة عندنا تورث متى سمح بعضهم بحقّه، كانت المطالبة لمن لم يسمح، إلىٰ آخر ما ذكره؛ و هو الحجّة، مضافاً إلىٰ الرواية المرويّة في المسالك و غيره (1) المنجبرة بالشهرة: «ما ترك الميّت من حقّ فلوارثه». هذا مع التأيّد بعمومات أدلّة الإرث قال سبحانه وَ لَكُمْ نِصْفُ مٰا تَرَكَ أَزْوٰاجُكُمْ (2). و لذا كان هذا هو الأشبه و عليه فالمشهور بل كاد أن يكون إجماعاً أنّها تقسم علىٰ سهام الورثة. و حجّتهم عليه غير واضحة عدا ما استدلّوا به لإثبات أصل المسألة من عمومات أدلّة الإرث.

و هو حسن إن بلغ درجة الحجيّة كما ظنّوه، و إلّا كما ذكره بعض الأجلّة (3)، و لعلّه لا يخلو عن قوّة ففيه مناقشة، و الأصل يقتضي التسوية، لكن المخالف لهم غير معلوم و إن ذكروه قولًا، و الظاهر أنّه من العامّة كما يستفاد من جماعة (4).

و لو عفىٰ أحد الورثة عن نصيبه أخذ الباقون و لم تسقط لأنّ الحقّ للجميع، فلا يسقط حقّ واحد بترك غيره. فلو عفوا إلّا واحداً أخذ الجميع أو ترك؛ حذراً من تبعّض الصفقة على المشتري، و هو ضرر منفيّ في

____________

(1) المسالك 2: 280، مفاتيح الشرائع 3: 82.

(2) النساء: 12.

(3) انظر مجمع الفائدة و البرهان 9: 40.

(4) انظر: الخلاف 3: 435، و التذكرة 1: 600، و جامع المقاصد 6: 448.

102

الشريعة اتّفاقاً فتوًى و روايةً.

و لا يقدح هنا تكثّر المستحقّ و إن كانوا شركاء؛ لاتّحاد أصل الشريك، و الاعتبار بالوحدة عند البيع لا الأخذ.

[الثانية: لو اختلف المشتري و الشفيع في الثمن]

الثانية: لو اختلف المشتري و الشفيع في الثمن الذي وقع عليه العقد، فادّعىٰ الأوّل أنّه مائة مثلًا، و الثاني أنّه خمسون فالقول قول المشتري مع يمينه في المشهور بين الأصحاب. بل لا يكاد يوجد فيه خلاف إلّا من ظاهر شيخنا الشهيد الثاني (1) تبعاً لما حكاه هو، و الشهيد الأوّل في الدروس (2) عن الإسكافي من العكس، بناءً منه علىٰ ضعف حججهم علىٰ ما ذكروه.

و منها: التي أشار إليها الماتن هنا بقوله: لأنّه ينتزع الشيء من يده فلا يرفع يده عنه إلّا بما يدّعيه.

و منها: أنّه أعلم بعقده.

و منها: أنّ المشتري لا دعوى له علىٰ الشفيع إذ لا يدّعي شيئاً في ذمّته و لا تحت يده، و إنّما الشفيع يدّعي استحقاق ملكه بالشفعة بالقدر الذي يعترف به، و المشتري ينكره. و لا يلزم من قوله: اشتريته بالأكثر، أن يكون مدّعياً عليه و إن كان خلاف الأصل؛ لأنّه لا يدّعي استحقاقه إيّاه عليه، و لا يطلب تغريمه إيّاه؛ و لأنّ الذي لو ترك الخصومة ترك هو الشفيع؛ إذ لا يطلب المشتري للأخذ بالشفعة بما يدّعيه.

و قد بيّن وجوه الضعف في المسالك و الروضة (3)، و تبعه في الكفاية

____________

(1) الروضة البهية 4: 414.

(2) الدروس: 391.

(3) المسالك 2: 284، الروضة 4: 414.

103

لكن في الجملة، و فصّل، فقال بعد نقل القولين-: و حجّة المسألة من الجانبين لا يخلو عن ضعف، و لا يبعد أن يقال: إذا سلّم المشتري المبيع بمطالبة الشفيع ثم اختلفا في قدر الثمن فالقول قول الشفيع؛ لأنّه منكر للزيادة فيكون داخلًا في عموم اليمين علىٰ من أنكر. و إن لم يسلّم المشتري المبيع و قلنا بوجوب تسليم الثمن أوّلًا فيرجع الأمر إلى كون الشفيع مدّعياً و المشتري منكراً، فيكون القول قول المدّعى. انتهىٰ (1).

و ربما ناقش المشهور أيضاً الفاضل المقداد في التنقيح فقال بعد الاستدلال لهم بأنّ الشفيع يدّعي استحقاق الحصّة بثمن معيّن، و المشتري ينكره و يده عليها، فيكون القول قوله مع اليمين-: و لقائل أن يقول: بل القول قول الشفيع؛ لأنّه منكر لزيادة يدّعيها المشتري، و اليمين علىٰ من أنكر، و يؤيّده قول الشيخ في الخلاف أنّهما إذا أقاما بينة يعمل ببيّنة المشتري، و إذا كان كذلك ينبغي أن يكون القول قول الشفيع عند عدم البيّنة. لكنّه قال بعد ذلك: و يمكن أن يجاب بأنّ الشفيع إمّا أن يدّعي العلم أو لا، فإن كان الثاني لم يصحّ حلفه؛ لما تقدّم أنّه لا يمين إلّا مع العلم.

و إن كان الأوّل فكذلك؛ لأنّ الاختلاف في فعل المشتري، و هو أعلم به.

انتهىٰ (2).

و المسألة لذلك قوية الإشكال، إلّا أنّ الأصل مع العجز عن الترجيح يقتضي المصير إلىٰ مذهب الأكثر، سيّما مع موافقته بمنافاة الشفعة للأصل، و بلوغ الشهرة قريباً من درجة الإجماع. و لذا لم يخالف شيخنا في المسالك صريحاً، بل و لا ظاهراً، و كذا التنقيح فإنّه و إن استشكل أوّلًا إلّا أنّه وافقهم

____________

(1) الكفاية: 107.

(2) التنقيح الرائع 4: 96، و هو في الخلاف 3: 431.

104

كما عرفت ثانياً.

و أمّا صاحب الكفاية فهو و إن صرّح بالمخالفة إلّا أنّه لا ضير في خروجه جدّاً، مع كون مختاره خرقاً للإجماع المركّب ظاهراً.

و كيف كان فالاحتياط لا ينبغي تركه في أمثال المقام علىٰ حال.