رياض المسائل - ج14

- السيد علي الطباطبائي المزيد...
496 /
105

[كتاب إحياء الموات]

كتاب إحياء الموات و المراد بها الأراضي الغير المنتفع بها لعطلتها باستيجامها، أو عدم الماء عنها، أو استيلاء الماء عليها بحيث تعدّ مواتاً عرفاً. و يقال لها أيضاً:

موتان بفتح الميم و الواو، و فيه لغة بسكون الواو و فتح الميم دون ضمّها، لكونه بهذا الضبط الموت الذريع.

و بإحيائها إخراجها من الخراب و العطلة إلىٰ حيّز الانتفاع، و هو يوجب الملك كما يأتي.

و الأصل فيه بعد إجماع المسلمين كما في التنقيح (1) النصوص الخاصية و العامية، منها زيادة علىٰ ما يأتي إليه الإشارة-: الأخبار النبويّة.

منها: «من أحيى أرضاً ميتة فهي له» (2).

و منها: «موتان الأرض للّٰه تعالىٰ، و لرسوله (صلى الله عليه و آله)، ثم هي لكم منّي أيّها المسلمون» (3).

و اعلم أنّه لا خلاف ظاهراً في أنّ العامر منها ملك لأربابه لا يجوز التصرّف فيه إلّا بإذنهم بل عليه الإجماع في كلام جماعة (4)؛ لقبح التصرّف في ملك الغير عقلًا و شرعاً.

____________

(1) التنقيح الرائع 4: 98.

(2) عوالي اللئلئ 3: 259/ 12.

(3) تلخيص الحبير 3: 62/ 1293.

(4) منهم الشهيد الثاني في المسالك 2: 288، و الفيض الكاشاني في المفاتيح 3: 23، و انظر الكفاية: 238.

106

ففي الخبر: «لا يحلّ مال امرء مسلم إلّا عن طيب نفسه» (1).

و في آخر: «من أخذ شبراً من الأرض بغير حق، أتى به يوم القيامة في عنقه مطوقة من سبع أرضين» (2).

و في ثالث: «من أخذ أرضاً بغير حقّ كلّف أن يحمل ترابها إلىٰ المحشر» (3).

و كذا ما به صلاح العامر و يحتاج إليه من مرافقه و حريمه كالطريق المسلوك إليه و الشرب بكسر الشين واصلة الحظّ من الماء، و منه: قوله تعالىٰ وَ لَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (4) و المراد هنا النهر و شبهه المعدّ لمصالح العامر و المراح أي مأوىٰ الإبل و الغنم و نحو ذلك؛ لاتّحاد الدليل.

و بنحو ما هنا صرّح في الشرائع، إلّا أنّه قال بعده: و يستوي في ذلك ما كان من بلاد الإسلام و ما كان من بلاد الشرك، غير أنّ ما في بلاد الإسلام لا يغنم، و ما في بلاد الشرك يملك بالغلبة عليه (5).

و عليه لا يتمّ ما قدّمه من عدم جواز التصرف فيه إلّا بإذنه علىٰ إطلاقه. و عليه نبّه في المسالك، قال: لأنّ ما كان منها من بلاد الشرك يجوز التصرف فيه بغير إذن مالكه في الجملة. و كان الأولىٰ ترك ذلك، أو تقييده بكون ملكاً لمسلم أو مسالم (6).

____________

(1) عوالي اللئلئ 2: 113/ 309.

(2) عوالي اللئلئ 3: 474/ 7، المستدرك 17: 91 أبواب الغصب ب 3 ح 2؛ بتفاوت يسير.

(3) التهذيب 7: 206/ 909، الوسائل 25: 388 أبواب الغصب ب 3 ح 2.

(4) الشعراء: 155.

(5) الشرائع 3: 271.

(6) المسالك 2: 287.

107

و أمّا الموات أي ما لا ينتفع به لعطلته بما مرّ إذا كان ممّا لم يجر عليه ملك مسلم و من بحكمه أو جرىٰ عليه ملك أحدهما و لكن باد أهله و هلك بحيث لا يعرفون و لا بعضهم فهو للإمام (عليه السلام) بلا خلاف بيننا، بل عليه في التنقيح و المسالك و غيرهما (1) إجماعنا؛ و هو الحجّة، مضافاً إلىٰ الصحاح المستفيضة و غيرها من المعتبرة الدالّة علىٰ أنّها من الأنفال.

منها زيادة علىٰ ما يذكر في بحث الأنفال من كتاب الخمس الصحيح: «إِنَّ الْأَرْضَ لِلّٰهِ يُورِثُهٰا مَنْ يَشٰاءُ مِنْ عِبٰادِهِ وَ الْعٰاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (2) أنا و أهل بيتي الذين أورثنا الأرض و نحن المتّقون و الأرض كلّها لنا» (3) الحديث.

و حينئذٍ لا يجوز التصرّف فيه و لا إحياؤه إلّا بإذنه لما مرّ، مضافاً إلىٰ الإجماع عليه في التنقيح و غيره (4) و مع إذنه يملك بالإحياء بلا خلاف بل عليه الإجماع في التنقيح؛ و هو الحجة، مضافاً إلىٰ الصحاح المستفيضة و غيرها من المعتبرة.

منها زيادة علىٰ ما تقدّمت إليه الإشارة من الأخبار النبويّة-: الصحيح: عن الشراء من أرض اليهود و النصارى، قال: «ليس به بأس» إلى أن قال: «و أيّما قوم أحيوا شيئاً من الأرض أو عملوه فهم أحقّ بها و هي

____________

(1) التنقيح 4: 98، المسالك 2: 287؛ و انظر الخلاف 3: 526، و تلخيص الخلاف 2: 213، و جامع المقاصد 7: 9.

(2) الأعراف: 128.

(3) الكافي 5: 279/ 5، التهذيب 7: 152/ 674، الإستبصار 3: 108/ 383، الوسائل 25: 414 أبواب إحياء الموات ب 3 ح 2.

(4) التنقيح 4: 98؛ و انظر جامع المقاصد 7: 10، الروضة 7: 135.

108

لهم» (1).

و الصحيحان: «أيّما قوم أحيوا شيئاً من الأرض أو عمروها فهم أحقّ بها» (2) و زيد في أحدهما «و هي لهم» (3).

و الصحاح: «من أحيى أرضاً مواتاً فهي له» (4).

و عمومها سيّما الصحاح الأوّلة يشمل صورتي كون المحيي مسلماً أو كافراً، بل سياق الأوّل كالصريح في الشمول له.

و أصرح منه الصحيح الآخر: عن شراء الأرضين من أهل الذمّة، فقال: «لا بأس بأن يشتري منهم، إذا عملوها و أحيوها فهي لهم» (5) الخبر.

فالقول المحكيّ في المسالك و غيره (6) باختصاص جواز الإحياء بالمسلم، ضعيف كمستنده من اختصاص الخطاب بالتمليك في بعض النبويّة المتقدّمة و الصحاح به؛ لعدم دلالة التخصيص بالذكر علىٰ التخصيص، مع احتماله الاختصاص بصورة الحضور كما يشعر به الصحيح و لا نزاع فيه، كما في المسالك (7).

____________

(1) الفقيه 3: 151/ 664، التهذيب 7: 148/ 655، الإستبصار 3: 110/ 390، الوسائل 25: 411 أبواب إحياء الموات ب 1 ح 1.

(2) التهذيب 7: 149/ 659، الوسائل 25: 411 أبواب إحياء الموات ب 1 ح 3.

(3) الكافي 5: 279/ 1، التهذيب 7: 152/ 671، الإستبصار 3: 107/ 380، الوسائل 25: 412 أبواب إحياء الموات ب 1 ح 4.

(4) الكافي 5: 279/ 4، التهذيب 7: 152/ 673، الإستبصار 3: 108/ 382، الوسائل 25: 412 أبواب إحياء الموات ب 1 ح 5.

(5) التهذيب 7: 148/ 657، الإستبصار 3: 110/ 388، الوسائل 25: 416 أبواب إحياء الموات ب 4 ح 1.

(6) المسالك 2: 287؛ و انظر جامع المقاصد 7: 10.

(7) المسالك 2: 287.

109

و لكن في ظاهره و ظاهر الروضة وقوع النزاع فيه أيضاً في هذه الصورة حيث ذكره تلو حكمها، فقال: و في ملك الكافر مع الإذن قولان، و لا إشكال فيه لو حصل، إنّما الإشكال في جواز إذنه (عليه السلام) له نظراً إلىٰ أنّ الكافر هل له أهليّة ذلك أم لا. و النزاع قليل الجدوى (1). انتهىٰ.

و لا ريب أنّ العموم مطلقاً أقوى، و ذلك لأنّ عمومها يشمل صورتي وجود الإمام (عليه السلام) و غيبته، بل لعلّها في الأُولىٰ أظهر، إلّا أنّ أصحابنا كما قيل (2) خصّوها بالثانية فقالوا: و لو كان الإمام غائباً فمن سبق إلىٰ إحيائه كان ملكه و أحقّ به. و مع وجوده له رفع يده أي المحيي. و وجهه غير واضح إن لم ينعقد الإجماع عليه.

و أمّا ما قيل (3) علىٰ العبارة من أنّ في قوله: و مع وجوده، إلىٰ آخره، مناقضة لقوله: و مع إذنه يملك بالإحياء؛ لأنّه إذا ملكه بالإحياء لم يكن لأحد رفع يده إماماً كان أو غيره؛ لقوله (صلى الله عليه و آله): «الناس مسلّطون علىٰ أقوالهم». فمدفوع بأنّه لا مناقضة بعد احتمال كون القول الأخير مخصّصاً لما قبله، كما فهمه القائل المتقدّم إليه الإشارة.

و عن النهاية في دفعها: أنّ المراد بملكها بالإحياء ملك منافعها، لا رقبتها فإنّها له (عليه السلام). فله رفع يد المحيي إن اقتضت المصلحة ذلك (4).

و هو كما ترى، و إن أشعرت به عبارة الماتن أخيراً كالدروس (5) حيث

____________

(1) الروضة 7: 135.

(2) لم نعثر علىٰ قائله.

(3) التنقيح الرائع 4: 98.

(4) النهاية: 420.

(5) الدروس 3: 55.

110

عبّرا عن الملكية بالأحقيّة و الأولوّية، هذا. و الإشكال في هذا قليل الجدوى، فإنّه (عليه السلام) أعرف بما يفعله قطعاً.

[و يشترط في التملك بالإحياء أُمور:]

[الأوّل: ألّا يكون في يد مسلم]

و يشترط في التملك بالإحياء أُمور:

الأوّل: ألّا يكون في يد محترمة من مسلم و لا مسالم، (1) بلا خلاف و لا إشكال؛ لأنّ ذلك يمنع عن مباشرة الإحياء لغير المتصرّف.

و مجرّد ثبوت اليد المحترمة كافٍ في منع الغير من الإحياء و إن لم يعلم وجود سبب الملك.

نعم لو علم إثبات اليد بغير سبب مملّك، و لا موجب أولويّة فلا عبرة به، كما لو استندت إلىٰ مجرّد تغلّب علىٰ الأرض و نحو ذلك.

[و الثاني: أن لا يكون حريماً لعامر]

و الثاني: أن لا يكون حريماً لعامر بلا خلاف ظاهر مصرّح به في المسالك و غيره (2)؛ للأصل الآتي، و لما فيه من الضرر المنفيّ بالإجماع و غيره، و لأنّ مالك العامر استحقّ حريمه لأنّه من مرافقه و ممّا يتوقف عليه كمال انتفاعه. و سيأتي الكلام في بيان الحريم و تفصيله.

و هل يملك تبعاً للعامر، أو يكون أولىٰ به و أحقّ به من غيره من دون تملّك حقيقة؟ قولان، أشهرهما كما في المسالك و غيره (3) الأوّل. و لعلّه أظهر، و في إطلاق المعتبرة المتقدمة في ثبوت الشفعة ببيع الطريق المشترك (4) دلالة عليه. و تظهر الفائدة في بيعه منفرداً فيجوز علىٰ الأوّل، و علىٰ الثاني لا.

____________

(1) في «ح» و «ر» زيادة: و لو بالتحجير.

(2) المسالك 2: 289؛ و انظر الكفاية: 240، و المفاتيح 3: 28.

(3) المسالك 2: 289؛ و انظر الكفاية: 240.

(4) راجع ص: 70.

111

[و الثالث: أن لا يسمّيه الشارع مشعراً للعبادة]

و الثالث: أن لا يسمّيه الشارع مشعراً و محلّاً للعبادة كعرفة و منى و مزدلفة، بلا خلاف فيه في الجملة؛ للأصل، و اختصاص النصوص الدالّة علىٰ تملّك الأرض بالإحياء بحكم التبادر بغير الأراضي المزبورة، مع ما في تسويغ إحيائها من تفويت الغرض و منافاته البغية فيها و الحاجة.

لكن مقتضىٰ هذا التعليل المنع عن إحياء الكثير منها خاصّة الذي يؤدّي إحياؤه إلىٰ الضيق علىٰ الناسكين و يحتاج إليه غالباً، و أمّا ما عداه فلا يدلّ علىٰ المنع فيه أصلًا، و لذا استثناه الماتن علىٰ ما حكي عنه فجوّز إحياءه (1). و نفى البعد عنه في المسالك قال: إلّا أنّ الأشهر المنع مطلقاً (2).

و هو كذلك لو كان الأصل الجواز و النصوص الدالة عليه عامّة، و هما ممنوعان كما تقدّم. و الأصل يقتضي العدم كما عليه الأكثر. و علىٰ غيره ففي بقاء حق الوقوف فيما يملكه المحيي أوجه، يفرق في ثالثها بين ضيق الموقف فالبقاء، و عدمه فلا. و الحكم بالملك يأبىٰ القول بالجواز مطلقاً إلّا أن يجعل مراعىً بعدم الإضرار فيكون التفصيل متوجّهاً.

[و الرابع: أن لا يكون مقطعاً من إمام الأصل لغيره]

و الرابع: أن لا يكون مقطعاً من إمام الأصل لغيره، و لا محمى له، و لا لنفسه، كما أقطع النبي (صلى الله عليه و آله) الدور و أرضاً بحضرموت، و حُضْر فرس الزبير (3) بالحاء المهملة و الضاد المعجمة و كما حمىٰ النقيع لإبل الصدقة، و نعم الجزية، و خيل المجاهدين في سبيل اللّٰه سبحانه (4).

____________

(1) الشرائع 3: 274.

(2) المسالك 2: 290.

(3) مسند أحمد 2: 156، سنن أبي داود 3: 173/ 3058 و 177/ 3072، سنن الترمذي 2: 420/ 1399، سنن البيهقي 6: 144.

(4) الكافي 5: 277/ 5، التهذيب: 141/ 625، سنن البيهقي 6: 146.

112

[و الخامس: أن لا يكون محجراً]

و الخامس: أن لا يكون محجراً أي مشروعاً في إحيائه شروعاً لم يبلغ حد الإحياء. و لا خلاف أجده في شيء من هذه الشرائط الثلاثة و ذلك لأنّ التحجير كسابقيه يفيد اختصاصاً و أولويّةً بلا خلاف أجده، بل عليه الإجماع في كلام جماعة كالمسالك و غيره (1)، فلا يصح لغيره التخطي إليه، و إن كان لا يفيد ملكاً علىٰ الأشهر الأقوىٰ؛ للأصل، و اختصاص النصوص الدالّة علىٰ التملك بالإحياء به دون التحجير.

و مع ذلك لا يكاد يتحقّق فيه خلاف إلّا ما حكاه الفاضلان و غيرهما (2) عن بعض المتأخّرين من أنّ التحجير إحياء. و هو ضعيف؛ لأنّ المرجع فيهما إلىٰ العرف و لا ريب في تغايرهما فيه و إن تقاربا في بعض الأفراد. و عليه حمل كلامه في الدروس (3).

قال شيخنا في المسالك بعد نقل كلّ من الخلاف و الحمل، و لنعم ما قال-: و حيث كان المحكّم في الإحياء العرف فإن وافق التحجير في بعض الموارد كفىٰ، و إلّا فلا (4).

و اعلم أنّ التحجير مثل أن ينصب عليها أي علىٰ الأرض التي يريد إحياءها مرزاً (5) و يجمع حواليها تراباً، أو يغرز فيها خشبات، أو يخطّ عليها خطوطاً، أو نحو ذلك. و منه أن يحفر النهر و لم يصل إلىٰ منزع

____________

(1) المسالك 2: 292، و انظر المفاتيح 3/ 27.

(2) المحقق في الشرائع 3: 276، و العلّامة في المختلف: 473؛ و انظر الدروس 3: 56، و جامع المقاصد 7: 28.

(3) الدروس 3: 56.

(4) المسالك 2: 292.

(5) في المطبوع من المختصر: مرزاباً.

113

الماء، و أن يعمل في المعادن الباطنة عملًا لا يبلغ نيلها، أمّا بلوغه فهو إحياء.

و لا تحجير في المعادن الظاهرة كما قالوه لأنّه شروع في الإحياء و هو منتفٍ فيها. و لو أهمل المحجّر العمارة مدّة طويلة أجبره الإمام علىٰ أحد الأمرين إمّا الإتمام أو التخلية للغير؛ حذراً من التعطيل. و لا خلاف في شيء من ذلك يعرف.

و اعلم أنّي لم أقف علىٰ ما يتضمّن أصل التحجير فضلًا عمّا يدلّ علىٰ حصول الأولوية به إلّا اتّفاقهم عليه ظاهراً، و دعواه في كلام جمع منهم صريحاً. و لعلّهم أخذوها من فحوى ما دلّ عليها في السبق إلىٰ مكان من المسجد، أو السوق من النصّ و غيره. و لا بأس به.

و أمّا الإحياء ف ليس كذلك؛ لما مرّ من تضمّن النصوص له، و لحصول الملك به. و هي و إن كانت لا تدلّ علىٰ تقدير للشرع فيه إلّا أنّ الضابط في مثله معروف و هو أنّه يرجع في كيفيّته و تحديده إلىٰ العرف و العادة حيث لم يثبت له تقدير في اللغة. و لعلّه لذا غيّر الماتن التعبير عنهما، فبيّن كيفيّة التحجير من دون ردّ إلىٰ ما ردّ إليه كيفيّة الإحياء تنبيهاً بورود النصّ فيه دون التحجير، إلّا أنّه ظاهر في قيام دليل علىٰ ما بيّنه في التحجير، و لعلّه الإجماع، فتأمّل.

و حيث وجب الرجوع في الإحياء إلىٰ العرف فلا بُدّ من الاقتصار علىٰ ما يحكم به فيه، و هو يختلف باختلاف ما يقصد منه، فالمسكن بالحائط، و السقف بخشب أو عقد، و الحظيرة بالحائط و لو بخشب أو قصب.

و لا يشترط نصب الباب فيهما عندنا.

و الزرع بعضد الأشجار و قطعها، و التهيئة للانتفاع، و سوق الماء أو

114

اعتياد الغيث أو السيح. و يحصل الإحياء أيضاً بقطع المياه الغالبة.

و لا يشترط الزرع و لا الغرس علىٰ قول اختاره في الدروس (1). و كذا لا يشترط الحائط و لا المسنّاة في الزرع. نعم يشترط بيان الحدّ بمرز و شبهه.

أمّا الغرس فالظاهر اشتراط أحد الثلاثة من المرز أو المسنّاة أو الحائط فيه مصيراً إلىٰ العرف، و لو فعل دون ذلك و اقتصر كان تحجيراً.

و اعلم أنّ الشهيد في الدروس (2) جعل الشروط تسعة، و جعل منها إذن الإمام (عليه السلام) مع حضوره. و وجود ما يخرجها عن الموات بأن يتحقّق الإحياء، إذ لا ملك قبل كمال العمل المعتبر فيه و إن أفاد الشروع تحجيراً لا يفيد سوىٰ الأولوية كما مضى. و قصد التملّك، فلو فعل أسباب الملك بقصد غيره أو لا بقصده لم يملك، كحيازة سائر المباحات من الاصطياد و الاحتطاب و الاحتشاش.

و يمكن استفادة هذه الثلاثة من الماتن هنا، فالأوّل: بما ذكره في أوّل الكتاب من أنّه لا يجوز إحياؤه إلّا بإذنه. و الثاني: بجعل الشروط شروطاً للإحياء، مضافاً إلىٰ ما مرّ من قوله: و يرجع في كيفيّته إلىٰ العادة. و الثالث:

بما مرّ من قوله في ذكر الشروط: و يشترط في التملك ..؛ إذ التملّك يستلزم القصد إليه.

و الدليل علىٰ اشتراطها واضح، عدا الأخير؛ لعدم وضوحه فيه، مع إطلاق النصوص علىٰ حصول الملك بالإحياء من دون إشعار فيها، و لا قيام دليل في غيرها علىٰ التقييد و اشتراط القصد. اللّهم إلّا أن يكون إجماعاً، و لم أتحقّقه، أو يدّعىٰ اختصاص إطلاق النصوص بحكم التبادر بصورة القصد، مع اقتضاء الأصل العدم بدونه، و هو غير بعيد.

____________

(1) الدروس 3: 56.

(2) الدروس 3: 55.

115

[و يلحق بهذا الكتاب مسائل تسع.]

[الاولىٰ: الطريق المبتكر في المباح]

و يلحق بهذا الكتاب مسائل تسع.

الاولىٰ: الطريق المبتكر و المراد به الملك المحدث في المباح من الأرض إذا تشاحّ أهله فحدّه خمس أذرع مطلقاً عند الماتن هنا و في الشرائع، و الفاضل في القواعد (1)، و عن ولده أنّه نقله عن كثير من الأصحاب (2)؛ للخبر المرويّ في التهذيب في باب بيع الغرر و المجازفة: إذا تشاحّ قوم في طريق فقال بعضهم: سبع أذرع، و قال بعضهم: أربع أذرع، فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «بل خمس أذرع» (3).

قيل: و لأصالة البراءة من الزائد (4). و لعلّ المراد بها أصالة براءة ذمّة المانع للآخر عن الزائد عن تحريم المنع فيجوز له دفعه عنه. و لكن تعارض بالمثل، مع أوفقيّته بالعمومات الدالّة علىٰ جواز تملّك الموات بالإحياء، خرج عنها الزائد علىٰ السبع فيما لا يحتاج إليه بالإجماع و بقي الباقي.

و في رواية عمل بها النهاية (5) و جماعة و منهم: الحلّي و الفاضل في المختلف و التحرير، و فخر الإسلام و الشهيدان (6)، و غيرهما (7)، و لعلّه المشهور بين الطائفة، أنّ حدّه سبع أذرع مطلقاً.

____________

(1) الشرائع 3: 272، القواعد 1: 220.

(2) إيضاح الفوائد 2: 232.

(3) التهذيب 7: 130/ 570، الوسائل 18/ 455 أبواب أحكام الصلح ب 15 ح 1.

(4) قاله الشهيد الثاني في المسالك 2: 289.

(5) النهاية: 418.

(6) الحلي في السرائر 2: 374، المختلف: 475، التحرير 2: 130، فخر الإسلام في الإيضاح 2: 232، الشهيدان في الدروس 3: 60، و المسالك 2: 289.

(7) انظر الجامع للشرائع: 276، و جامع المقاصد 7: 23.

116

و هو أقوى؛ للأصل الذي مضى، و تعدّد الرواية به، كما سيأتي إليه الإشارة؛ و قوّة بعضها سنداً إذ ليس فيه سوىٰ السكوني الذي حكي فيه أنّه ممّن أجمع علىٰ تصحيح ما يصح عنه أصحابنا؛ و اعتضادها مع ذلك بالشهرة مع شذوذ (القائل بها) (1) كما عرفته.

و ربما يفصّل في الطرق بين التي للأملاك فالأوّل، و غيرها كالتي للقوافل فالثاني؛ جمعاً بين الروايات. و لا شاهد عليه يصحّح الفتوىٰ به كما عن المحقّق الثاني (2).

و ربما مال إليه شيخنا الشهيد الثاني، و زاد فقال: و قد يفرض احتياج بعضها إلىٰ أزيد من السبع كالطريق التي يمرّ عليها الحاجّ بالكنائس و نحوها، فيجب مراعاة قدر الحاجة بالنسبة إلىٰ الزائد علىٰ المقدار، أمّا النقصان عنه فلا. و حيث يقتصر به عن المقدار الزم المحيي ثانياً به. فإن كان هناك حاكم فهو وظيفته، و إلّا وجب علىٰ المسلمين كفايةً من باب الحسبة. و لو تساوى المحيون من الجانبين الزموا به. و لو زادوها علىٰ السبع و استطرقت صار الجميع طريقاً، فلا يجوز إحداث ما يمنع المارّة في الزائد (3).

و في كثير ممّا ذكره نظر إلّا أن يستند في بعضه إلىٰ أدلّة نفي الضرر.

و في الموثّق المرويّ في التهذيب في الباب المتقدّم: قلت له: الطريق الواسع هل يؤخذ منه شيء إذا لم يضرّ بالطريق؟ قال:

«لا» (4). و قيّد بكون الطريق في المبتكر؛ لأنّ الأملاك لا يجب ترك بعضها

____________

(1) كذا في «ص» و «ر»، و في «ح»: المقابل لها. و هو الأنسب.

(2) جامع المقاصد 7: 23.

(3) المسالك 2: 289.

(4) التهذيب 7: 129/ 566، الوسائل 17/ 378 أبواب عقد البيع و شروطه ب 27 ح 1.

117

لأجل الطريق، فيكتفىٰ بالطريق الموجود بين الملكين مطلقاً ضاق أو اتسع.

[الثانية: حريم بئر المعطن]

الثانية: حريم بئر المعطن هو و العطن واحد الأعطان و المعاطن، و هي مبارك الإبل عند الماء لتشرب، أربعون ذراعاً من الجوانب الأربع.

و حريم بئر الناضح ستّون ذراعاً كذلك، علىٰ المشهور بين الطائفة في المقامين كما حكاه جماعة (1) بحدّ الاستفاضة؛ للخبرين المفصلين:

أحدهما القويّ بالسكوني المجمع علىٰ تصحيح ما يصحّ عنه علىٰ النقل الماضي: «أنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) قال: ما بين بئر المعطن إلىٰ بئر المعطن أربعون ذراعاً، و ما بين بئر الناضح إلىٰ بئر الناضح ستّون ذراعاً، و ما بين العين إلىٰ العين يعني: القناة خمسمائة ذراع، و الطريق يتشاحّ عليه أهله فحدّه سبع أذرع» (2).

و في الصحيح (3) و غيره (4) «أربعين ذراعاً» من دون تفصيل بين بئري الناضح و المعطن.

و في رواية «خمسون إلّا أن يكون إلىٰ عطن أو إلىٰ الطريق فأقلّ من

____________

(1) منهم الفاضل في المختلف: 474، و المقداد في التنقيح الرائع 4: 100، و الكركي في جامع المقاصد 7: 24، و الشهيد الثاني في المسالك 2: 290، و الفيض الكاشاني في المفاتيح 3: 29، و السبزواري في الكفاية: 240.

(2) الأوّل في: الكافي 5: 296/ 8، التهذيب 7: 145/ 643، الوسائل 25: 426 أبواب إحياء الموات ب 11 ح 5. و الثاني في: الكافي 5: 295/ 2، التهذيب 7: 144/ 642، الوسائل 25: 426 أبواب إحياء الموات ب 11 ح 6.

(3) الكافي 5: 295/ 5، التهذيب 7: 145/ 645، الوسائل 25: 425 أبواب إحياء الموات ب 11 ح 1.

(4) الفقيه 3: 150/ 661، الوسائل 25: 426 أبواب إحياء الموات ب 11 ح 7.

118

ذلك إلىٰ خمسة و عشرين» (1).

و في اخرىٰ مرويّة عن قرب الاسناد كذلك، إلّا أنّه زيد فيها:

«و حريم البئر المحدثة خمسة و عشرون ذراعاً» (2).

و لاختلاف هذه الأخبار قيل: بأنّ الحريم في البئر مطلقاً ما يحتاج إليه في الانتفاع المقصود منها؛ جمعاً بينها (3). و استظهره بعض متأخّر متأخّرين أصحابنا (4).

و فيه ما لا يخفىٰ؛ لفساد الجمع أولًا بعدم التكافؤ أصلًا لاعتضاد المفصِّلَين بالشهرة العظيمة التي كادت تكون إجماعاً. و يشعر به عبارة التنقيح (5) و لو ضعيفاً حيث نسب المختار إلىٰ الأصحاب كافّةً بعد أن ادّعىٰ عليه أوّلًا الشهرة، فلا يقاومهما باقي الروايات و لو كانت جُمَع صحيحة، مع أنّ أكثرها ضعيفة. و ثانياً بعدم وضوح الشاهد عليه من نصّ و لا أمارة.

فهذا القول ضعيف غايته، كمختار الإسكافي (6) من أنّ حريم بئر الناضح قدر عمقها ممرّ الناضح؛ لعدم وضوح مأخذه، فلا يصحّ حمل رواية الستّين عليه، كما احتمله و نفى عنه البأس في المختلف (7).

و حريم العين و القناة ألف ذراع في الأرض الرخوة،

____________

(1) الكافي 5: 296/ ذيل حديث 5، التهذيب 7: 146/ 646، الوسائل 25: 425 أبواب إحياء الموات ب 11 ح 2.

(2) قرب الاسناد: 53/ 172، و لم نعثر علىٰ الزيادة فيه، الوسائل 25: 427 أبواب إحياء الموات ب 11 ح 9.

(3) روضة الطالبين 4: 349 350.

(4) المفاتيح 3: 30.

(5) التنقيح الرائع 4: 100.

(6) حكاه عنه في المختلف: 474.

(7) المختلف: 474.

119

و في الصلبة خمسمائة علىٰ الأظهر الأشهر هنا أيضاً كما في المسألة السابقة؛ للخبر «يكون بين البئرين إذا كانت أرضاً صلبة خمسمائة ذراع، و إن كانت أرضاً رخوة فألف ذراع» (1).

و عليه يحمل إطلاق الخبرين السابقين (2) بالخمسمائة بتقييدهما بما كانت صلبة. و حدّه الإسكافي بما ينتفي به الضرر (3)، و مال إليه في المختلف (4). و اختاره شيخنا الشهيد الثاني (5) و بعض من تبعه (6)؛ جمعاً بين ما دلّ علىٰ نفي الضرر، و علىٰ جواز الإحياء من غير تحديد؛ لضعف تلك الأخبار.

و للصحيح: في رجل كانت له قناة في قرية، فأراد [رجل] أن يحفر [قناة أُخرى إلىٰ قرية له]، كم يكون بينهما في البعد حتّى لا تضرّ [إحداهما] بالأُخرىٰ في أرض إذا كانت صلبةً أو رخوة؟ فوقّع (عليه السلام): «علىٰ حسب أن لا تضرّ إحداهما بالأُخرىٰ إن شاء اللّٰه تعالىٰ» (7).

و فيه نظر يظهر وجهه ممّا مرّ حرفاً بحرف. و يزيد هنا في الصحيح بكونه مكاتبة و المكاتب مجهولًا، و هما موجبان للمرجوحيّة أيضاً من هذه الجهة، إن لم نقل بكونهما موجبين للضعف، كما ذكره في التنقيح (8).

____________

(1) الكافي 5: 296/ 6، الفقيه 3: 58/ 207، التهذيب 7: 145/ 644، الوسائل 25: 425 أبواب إحياء الموات ب 11 ح 3.

(2) المتقدمين في ص: 115.

(3) نقله عنه في المختلف: 474.

(4) المختلف: 474.

(5) المسالك 2/ 290.

(6) انظر الكفاية: 240، و المفاتيح 3: 30.

(7) الكافي 5: 293/ 5، الفقيه 3: 150/ 659، الوسائل 25: 430 أبواب إحياء الموات ب 14 ح 1، و ما بين المعقوفين أثبتناه من المصادر.

(8) التنقيح 4: 101.

120

و لكنّه ضعيف.

نعم ربما يمكن المناقشة في الخبر المستند للأكثر بوروده في البئرين دون القناتين، و مع ذلك ذيله مشعر بما ذكره الإسكافي؛ لتضمّنه قوله (عليه السلام):

«و قضى رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) في رجل احتفر قناة و أتى لذلك سنة، ثم إنّ رجلًا احتفر إلىٰ جانبها قناة، فقضى أن يقاس الماء بجوانب البئر ليلة هذه، و ليلة هذه، فإن كانت الأخيرة أخذت ماء الاولىٰ عوّرت الأخيرة، و إن كانت الأُولىٰ أخذت ماء الأخيرة لم يكن لصاحب الأخيرة علىٰ الاولىٰ شيء» (1) فتأمّل.

و ربما يستفاد منه أنّ فائدة هذا الحريم منع الغير من إحداث عين أُخرى في ذلك المقدار، لئلّا ينتقل ماء العين الاولىٰ إلىٰ الثانية. و عليه نبّه في المسالك و غيره، و قالا: و من ثمّ اختلف باختلاف الأرض بالرخاوة و الصلابة، بخلاف حريم البئر المتقدّم فإنّ فائدته منع الغير من إحياء ذلك المقدار مطلقاً حتّى الزرع و الشجر؛ لأنّ الغرض منه الانتفاع بالبئر فيما أُعدّ [ت] له، و ما يحتاج إليه. و يستثنى للعين قدر ما يحتاج إليه للانتفاع بها فيما أُعدّت له عرفاً من غير تحديد (2).

و اعلم أنّ ما ذكر في الحريم للبئر و العين و الحائط و الدار مخصوص بما إذا كان الإحياء في الموات فيختصّ الحريم بها.

و أمّا الأملاك فلا يعتبر الحريم فيها؛ لأنّ الأملاك متعارضة، و كلّ واحد من الملّاك مسلّط علىٰ ماله، له التصرّف فيه كيف شاء، فله أن يحفر بئراً في ملكه و إن كان لجاره بئر قريب منها و إن نقص ماء الاولىٰ، و لكن

____________

(1) التهذيب 7: 145/ 644، الوسائل 25: 433 أبواب إحياء الموات ب 16 ح 3.

(2) المسالك 2: 290، الكفاية: 241.

121

فعل مكروهاً. و لو حفر في ملكه بئر بالوعة و فسد بئر الجار لم يمنع منه، و لا ضمان عليه، و مثله ما لو أعدّ داره المحفوف بالمساكن حمّاماً أو خاناً أو طاحونة أو حانوت حدّاد و قصّار؛ لأنّ له التصرف في ملكه كيف شاء.

صرّح بجميع ذلك في السرائر و الدروس و المسالك (1)، و نسبه في الكفاية إلىٰ الأصحاب كافّةً مؤذنا بدعوىٰ الإجماع عليه، و نحوه الحلي حيث نفىٰ الخلاف فيه. و لكن قال في الكفاية: و يشكل هذا الحكم في صورة تضرّر الجار تضرّراً فاحشاً نظراً إلىٰ تضمّن الأخبار المذكورة نفي الضرر و الإضرار، و هو الحديث المعمول به بين الخاصّة و العامّة، المستفيض بينهم، خصوصاً ما تضمّن الأخبار المذكورة من نفي الإضرار الواقع في ملك المضارّ (2).

و فيه نظر، فإنّ حديث نفي الضرر المستفيض معارض بمثله من الحديث الدالّ علىٰ ثبوت السلطنة علىٰ الإطلاق لربّ الأموال. و هو أيضاً معمول به بين الفريقين. و التعارض بينهما تعارض العموم و الخصوص من وجه، و الترجيح للثاني بالأصل و عمل الأصحاب كما اعترف به، و لا سيّما إذا استلزم منع المالك عن التصرّف ضرراً عليه أشدّ من ضرر الجار، أو مساوياً، أو أقلّ بحيث لم يتفاحش معه ضرره. و ينبغي القطع في هذه الصور بما عليه الأصحاب. و أمّا فيما عداها فالظاهر ذلك أيضاً؛ لما ذكر، و إن كان الأحوط عدم الإضرار علىٰ الإطلاق.

و أمّا الأخبار الدالّة علىٰ نفي الإضرار في ملك المضارّ فمع قصور سند بعضها، و عدم مكافأته لما مضى يمكن حملها علىٰ ما إذا قصد

____________

(1) السرائر 2: 382، الدروس 3: 60، المسالك 2: 290.

(2) الكفاية: 241.

122

المالك بالتصرّف الإضرار دون رفع الحاجة، كما يشعر به بعض تلك الأخبار. ثمّ علىٰ تقدير تسليم ترجيح حديث نفي الضرار فلا وجه لتخصيصه بصورة تفاحش الضرر، مع عمومه و شموله للغير.

[الثالثة: من باع نخلًا و استثنىٰ واحدة]

الثالثة: من باع من غيره نخلًا المراد به الجنس الشامل للمتعدّد من أفراده بقرينة قوله: و استثنىٰ واحدة منها كان له المدخل إليها و المخرج منها و مدى جرائدها بلا خلاف ظاهر و لا محكيّ؛ للخبر القوي بالسكوني كما مرّ «في رجل باع نخلًا فاستثنىٰ عليه نخلة، فقضى رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) بالمدخل إليها و المخرج، و مدىٰ جرائدها» (1).

و لأنّ ذلك مقتضىٰ الاستثناء، فكأنّه استثناها و شرط علىٰ المالك التردّد إليها لإصلاحها و أخذ ثمرها. و ذلك مقتضىٰ العرف، و أنّه مثل استحقاق صاحب الثمرة علىٰ النخلة مع انتقالها عن ملكه.

و ينبغي أن لا يكون إلّا لمصلحة تلك النخلة المتعارفة لا غير، اقتصاراً علىٰ الأصل، بل و العرف، كما صرّح به بعض الأصحاب (2).

و مقتضى هذا الدليل انسحاب الحكم في كلّ ما يشابه محلّ البحث من نحو بيع الدار و استثناء بيت منها، أو نحو ذلك.

و اعلم أنّ الأنسب ذكر هذه المسألة في كتاب البيع في بحث ما يدخل في المبيع، كما فعله في الشرائع (3) و سائر الأصحاب عدا الحلي (4)، فإنّه ذكرها كالماتن هنا في هذا الكتاب.

____________

(1) الكافي 5: 295/ 1، الفقيه 3: 57/ 200، التهذيب 7: 144/ 640، الوسائل 18: 91 أبواب أحكام العقود ب 30 ح 2.

(2) مجمع الفائدة و البرهان 8: 503.

(3) الشرائع 2: 27.

(4) السرائر 2: 373.

123

[الرابعة: إذا تشاحّ أهل الوادي في مائه]

الرابعة: إذا تشاحّ و تنازع أهل الوادي في مائه المباح الغير المملوك لهم حبسه الأعلى الذي (يلي) (1) فوهة النهر للنخل إلىٰ الكعب، و للزرع إلىٰ الشراك و هو أسفل منه بقليل ثمّ يسرحه و يرسله إلىٰ الذي يليه و هكذا، بلا خلاف في أصل الحكم مطلقاً، استضرّ الثاني بحبس الأوّل أم لا. بل في المسالك (2) الإجماع عليه؛ و هو الحجّة، مضافاً إلىٰ النصوص المستفيضة العامية (3) و الخاصية (4).

و المستفاد منها في تحديد مقدار السقي ما عليه الماتن هنا تبعاً للنهاية (5).

خلافاً للمبسوط و السرائر، فقالا: روىٰ أصحابنا أنّ الأعلى يحبس إلىٰ الساق للنخل، و للشجر إلىٰ القدم، و للزرع إلىٰ الشراك (6). و عليه أكثر الأصحاب و منهم الماتن في الشرائع (7). و ادّعىٰ جمع الشهرة عليه و منهم شيخنا في المسالك (8).

و يظهر منه و من جمع ممّن تبعه كالكفاية و غيره (9) أنّ محل الخلاف بين القولين و الخبرين إنّما هو التعرّض للشجر غير النخل في الثاني دون الأوّل، حيث استدلّوا لهذا القول ببعض ما مرّ من النصوص المتضمّنة لعين

____________

(1) ليس في «ص»، أثبتناه من «ر» و «ح» لاستقامة المتن.

(2) المسالك 2: 295.

(3) انظر سنن البيهقي 6: 153 154.

(4) انظر الوسائل 25: 420 أبواب إحياء الموات ب 8.

(5) النهاية: 417.

(6) المبسوط 3: 284، السرائر 2: 385.

(7) الشرائع 3: 280.

(8) المسالك 2: 295؛ و انظر الكفاية: 244، و المفاتيح 3: 27.

(9) المسالك 2: 295، الكفاية: 244؛ و انظر المفاتيح 3: 27.

124

ما في العبارة من دون زيادة. و اعترضوا عليه بضعف السند و عدم التعرّض فيه للشجر.

و لم أفهمه بعد وضوح الفرق بين الكعب و الساق، و أنّه أعلىٰ منه بكثير، سيّما إذا أُريد من الساق منتهاه أو أواسطه، فيصير هذا أيضاً محلّ الخلاف بينهما من حيث تحديد مقدار السقي للنخل في القول الأوّل بالأوّل، و في الثاني بالثاني. فلا وجه لحصر محلّ الخلاف في الأوّل، و لا الاستدلال علىٰ هذا القول بما دلّ علىٰ القول الأوّل.

اللّهم إلّا أن يجعل الكعب هو المفصل بين القدم و عظم الساق، و يراد به مبدؤه لا الزائد، فيصير قوله (عليه السلام): «إلىٰ الساق» كنايةً عن منتهىٰ الكعب، فتتوافق الروايتان في تحديد مقدار سقي النخل أيضاً، و يظهر انحصار اختلافهما فيما مرّ.

و لكنّه خلاف مذهب الأصحاب إلّا النادر (1) حيث حدّدوا الكعب بالمفصل في قبّة القدم، و ادّعوا عليه الإجماع بحدّ الاستفاضة، و قامت عليه الأدلّة القاهرة كما تقدّم في بحث الوضوء من كتاب الطهارة.

و مع ذلك لم يتّضح الفرق بين تحديدي الشجر إلىٰ القدم، و النخل إلىٰ الساق؛ لتقاربهما علىٰ ذلك التقدير، فربما لم يكن معه الفصل محسوساً، بحيث كاد أن يكون أحدهما عين الآخر. و عليه بني التوجيه في دفع الاختلاف، فلا بُدّ من تصحيح وجه الفرق بين التحديدين بأن يراد من الساق غير مبدئه، و معها لم يرتفع الاختلاف؛ لمخالفة الكعب علىٰ أيّ تفسير للساق علىٰ هذا التقدير.

____________

(1) و هو العلّامة في القواعد 1: 11.

125

إذا عرفت هذا فاعلم أنّه لا إشكال في مقدار سقي الزرع؛ لاتّفاق النصوص و الفتاوىٰ علىٰ تقديره بالشراك، و لا في الشجر؛ لمرسلتي المبسوط و السرائر (1) المنجبرتين بعمل الأكثر، مع سلامتهما عن معارضة باقي النصوص الأُخر؛ لخلوّها عن تحديد مقدار سقيه.

و يبقى الإشكال في النخل؛ لتعارض النصوص و الفتاوىٰ فيه كما عرفت. و لترجيح كلّ من القولين وجه.

فالأوّل: باستفاضة النصوص الدالّة عليه، مع صحّة سند بعضها إلىٰ ابن أبي عمير المجمع علىٰ تصحيح رواياته.

و الثاني: بانجبار المرسلتين الدالّتين عليه بعمل الأكثر، فلا يعارضهما شيء من النصوص المتقدّمة. و لعلّ هذا أجود، سيّما مع أوفقيّته بأصالتي بقاء الحقّ و عدم سلطنة الأسفل علىٰ الأعلى في منعه عن القدر الزائد علىٰ المجمع عليه.

و ليس في إطلاق النصوص و أكثر الفتاوىٰ تقييد الحكم بكون الأعلى سابقاً في إحياء الأرض التي يراد سقيها، أو كون السابق مجهولًا، كما ذكره الشهيدان و غيرهما (2)، قائلين بتقدّم المتأخّر إذا كان سابقاً في الإحياء؛ معلّلين بتقدّم حقّه في الماء بالإحياء. و استوجهه في الكفاية (3) قائلًا: إنّ الروايات الدالّة علىٰ تقديم الذي يلي فوهة النهر لا عموم لها بحيث يشمل هذا القسم.

و فيه نظر؛ لكفاية رجوع الإطلاق إلىٰ العموم فيه حيث لم يظهر له

____________

(1) المبسوط 3: 284، السرائر 2: 385.

(2) الدروس 3: 66، المسالك 2: 295؛ و انظر جامع المقاصد 7: 59.

(3) الكفاية: 244.

126

فرد شائع متبادر و يتساوى أفراده، كما في محلّ البحث. و لعلّه لهذا تنظّر فيما ذكروه في المفاتيح (1)، و هو في محلّه، إلّا أن يكون قد انعقد الإجماع علىٰ صحّته.

ثمّ إنّه ذكر في المسالك أنّ إطلاق النصّ و الفتوىٰ لسقي الزرع و الشجر بذلك المقدار محمول علىٰ الغالب في أرض الحجاز من استوائها و إمكان سقي جميعها كذلك، فلو كانت مختلفةً في الارتفاع و الانخفاض بحيث لو سقيت أجمع كذلك زاد الماء في المنخفضة عن الحدّ المشروع أُفرد كلّ واحد بالسقي بما هو طريقه؛ توصّلًا إلىٰ متابعة النص بحسب الإمكان. و لو كانت كلّها منحدرة لم يقف الماء فيها كذلك سقيت بما يقتضيه العادة، و سقط اعتبار التقدير الشرعي لتعذّره (2).

و استحسنه في الكفاية (3).

و احترزنا بالتقييد بالمباح (4) عمّا إذا كان ملكاً لهم، فإنّه يقسم بينهم علىٰ قدر سهامهم إمّا بقسمة نفس الماء، أو بالمهاياة عليه، بلا خلاف فيه أجده.

[الخامسة: يجوز للإنسان أن يحمي المرعىٰ في ملكه خاصّة]

الخامسة: لا يجوز للإنسان أن يحمي المرعىٰ إلّا في ملكه خاصّة فلا يجوز أن يحمي بقعة من الموات لمواش بعينها و يمنع سائر الناس من الرعي فيها، بلا خلاف أجده، بل عليه الإجماع في المسالك و غيره (5)؛ و هو الحجّة، مضافاً إلىٰ ما دلّ علىٰ شرعيّة الناس في الماء و النار

____________

(1) المفاتيح 3: 27.

(2) المسالك 2: 295.

(3) الكفاية: 244.

(4) راجع ص: 121.

(5) المسالك 2: 291؛ التحرير 2: 131، المفاتيح 3: 28.

127

و الكلاء (1)، و خصوص منطوق النبوي (صلى الله عليه و آله): «لا حمىٰ إلّا للّٰه تعالىٰ و لرسوله (صلى الله عليه و آله)» (2)، و مفهوم النصوص:

منها: الخبران القريبان من الصحيح بابن أبي نصر المجمع علىٰ تصحيح رواياته أحدهما: عن الرجل تكون له الضيعة، و تكون لها حدود، تبلغ حدودها عشرين ميلًا أو أقلّ أو أكثر، يأتيه الرجل فيقول له:

أعطني من مراعي ضيعتك و أُعطيك كذا و كذا درهما، فقال: «إذا كانت الضيعة له فلا بأس» (3).

و أظهر منه الثاني، و فيه: إنّ لنا ضياعاً، و لها حدود، و فيها مراعي، و لرجل منا غنم و إبل يحتاج إلىٰ تلك المرعىٰ لإبله و غنمه، أ يحلّ له أن يحمي المراعي لحاجته إليها؟ فقال: «إذا كانت الأرض أرضه فله أن يحمي و يصير ذلك إلىٰ ما يحتاج إليه» قال: فقلت له: الرجل يبيع المراعي، فقال:

«إذا كانت الأرض أرضه فلا بأس» (4).

و عليهما يحمل إطلاق بعض النصوص القاصرة سنداً، بل الضعيفة جدّاً: عن بيع الكلاء و المراعي، فقال: «لا بأس به، قد حمىٰ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) النقيع لخيل المسلمين» (5).

____________

(1) الوسائل 25: 417 أبواب إحياء الموات ب 5.

(2) سنن الدارقطني 4: 238.

(3) الكافي 5: 276/ 3، التهذيب 7: 141/ 624، الوسائل 25: 422 أبواب إحياء الموات ب 9 ح 1.

(4) الكافي 5: 276/ 2، الفقيه 3: 156/ 685، التهذيب 7: 141/ 623، الوسائل 17: 371، أبواب عقد البيع و شروطه ب 22 ح 1.

(5) الكافي 5: 277/ 5، التهذيب 7: 141/ 625، الوسائل 25: 423 أبواب إحياء الموات ب 9 ح 3.

128

و يحتمل الحمل علىٰ غير ذلك أيضاً ممّا يوافق النصّ و الفتوىٰ.

و يجوز ذلك للنبي (صلى الله عليه و آله) و للإمام (عليه السلام) مطلقاً بإجماعنا المحكي في كلام جماعة من أصحابنا (1)، خلافاً لبعض العامة العمياء فلم يجوّزه لغير النبي (صلى الله عليه و آله) مطلقاً (2)؛ للنبوي المتقدّم.

[السادسة: لو كان له رحى علىٰ نهر لغيره]

السادسة: لو كان له أي للإنسان رحى علىٰ نهر مملوك لغيره لم يجز له أي لصاحب النهر أن يعدل بالماء و يصرفه عنها إلّا برضاء صاحبها كما في خصوص الصحيح: كتب رجل إلىٰ الفقيه (عليه السلام) في رجل كانت له رحى علىٰ نهر قرية، و القرية لرجل أو لرجلين، فأراد صاحب القرية أن يسوق الماء إلىٰ قريته في غير هذا النهر الذي عليه هذه الرحى، و يعطّل هذه الرحى، إله ذلك أم لا؟ فوقّع (عليه السلام): «يتّقي اللّٰه عزّ و جلّ، و يعمل بالمعروف، و لا يضارّ أخاه المؤمن» (3) الحديث.

و اعلم أنّي لم أقف علىٰ متعرّض لهذه المسألة عدا قليل، و منه بعض المتأخرين (4) مستنداً إلىٰ هذا الصحيح، و زائد و هو اشتمال الصرف بالماء عن الرحى علىٰ ضرر منفي.

و هذا إنّما يتمّ علىٰ القول المتقدّم عن قريب بترجيح أدلّة نفي الضرر علىٰ أدلّة تسلّط الملّاك علىٰ التصرّف في أملاكهم، و أمّا علىٰ غيره فيشكل

____________

(1) منهم ابن سعيد في الجامع: 375، و العلّامة في التحرير 2: 131، و المحقق الثاني في جامع المقاصد 7: 32، و الشهيد الثاني في المسالك 2: 291.

(2) انظر الأُم للشافعي 4: 48.

(3) الكافي 5: 293/ 5، الفقيه 3: 150/ 659، التهذيب 7: 146/ 647، الوسائل 25: 431 أبواب إحياء الموات ب 15 ح 1.

(4) مفاتيح الشرائع 3: 27.

129

الحكم علىٰ إطلاقه، و لذا قيّده الحلّي في السرائر بما إذا كان نصب الرحى علىٰ النهر بأمر حقّ واجب علىٰ صاحبه (1).

و هذا هو الأقوىٰ بناءً علىٰ القول الآخر الذي ذهب إليه أصحابنا من ترجيح أدلّة السلطنة علىٰ أدلّة نفي الضرر. و لا ريب أنّ الأوّل أحوط و أولى.

[السابعة: من اشترىٰ داراً فيها زيادة من الطريق]

السابعة: من اشترىٰ داراً فيها زيادة من الطريق للمسلمين ففي رواية ابن مسلم الموثّقة المروية في التهذيب في باب بيع الغرر و المجازفة أنّه إن كان ذلك أي الزائد المدلول عليه بالزيادة فيما اشترىٰ فلا بأس (2) و نحوها رواية أبي جميلة المروية ثمّة (3)، لكن بتغيير ما في العبارة.

و في النهاية و السرائر إن لم يتميز الزائد لم يكن عليه شيء، و إن تميّز ردّه إليها و رجع علىٰ البائع بالدرك و أخذ الثمن منه (4).

و الرواية الثانية ضعيفة السند، و الأولى و إن كانت موثّقة إلّا أنّها مخالفة للأُصول من حيث دلالتها علىٰ إباحة ما لا يجوز استباحته من طريق المسلمين.

و فيه نظر؛ لجواز أن يكون اللام فيها في الطريق للعهد، أي: الطريق

____________

(1) السرائر 2: 374.

(2) التهذيب 7: 130/ 568، الوسائل 17: 378 أبواب عقد البيع و شروطه ب 27 ح 3.

(3) التهذيب 7: 131/ 573، الوسائل 17: 379 أبواب عقد البيع و شروطه ب 27 ح 4.

(4) النهاية: 423، السرائر 2: 380.

130

المسلوك، و جاز أن يكون متّسعاً يزيد علىٰ القدر الشرعي، فيكون علىٰ الإباحة، فلا يضرّ إدخالها في الملك، فأجاب (عليه السلام) بنفي البأس لما علم من حاله. فليست الرواية من محلّ البحث في شيء؛ لفرضه في العبارة و عبارتي السرائر و النهاية في زيادة الطريق بالأخذ من طريق المسلمين، لا الطريق المسلوك.

و تفصيل النهاية فيه في موضع المنع لأنّ عدم التميز لا يقتضي إباحة ما أُخذ من الطريق، بل ينبغي ردّه إليها علىٰ جميع الأحوال.

و الوجه فيه البطلان أي بطلان البيع من رأس؛ لأنّ حقّ الطريق إذا لم يتميّز بالحدود كان ما وقع عليه العقد ممّا هو ملك المالك مجهولًا لجهالته.

و يصحّ البيع علىٰ تقدير الامتياز للأصل السليم عن المعارض من نحو الجهالة، و لكن له الخيار، ف يفسخ إن شاء لأنّه يجب ردّ الزائد إلىٰ الطريق، فيتبعّض المبيع علىٰ المشتري، و ذلك عيب موجب لخياره ما لم يعلم بحقيقة الحال، و مع العلم بها لا خيار له بلا إشكال؛ لمجيء الضرر عليه من قِبَله.

[الثامنة: من كان له نصيب في قناة أو نهر]

الثامنة: من كان له نصيب قد ملكه في قناة أو نهر جاز له بيعه بما شاء كما في المعتبرة.

ففي الصحيح: عن الرجل يكون له الشرب مع قوم في قناة فيها شركاء، فيستغني بعضهم عن شربه، أ يبيع شربه؟ قال: نعم إن شاء باعه بورق، و إن شاء بكيل حنطة (1)

____________

(1) الكافي 5: 277/ 1، التهذيب 7: 139/ 616، الإستبصار 3: 106/ 376، الوسائل 17: 373 أبواب عقد البيع و شروطه ب 24 ح 1.

131

و نحوه الصحيح المروي عن قرب الاسناد: عن قوم كانت بينهم قناة ماء، لكلّ إنسان منهم شرب معلوم، فباع أحدهم شربه بدراهم أو بطعام، هل يصلح؟ قال: «نعم» (1).

و في الحسن: عن قناة بين قوم، لكلّ رجل منهم شرب معلوم، فاستغنىٰ رجل منهم عن شربه، أ يبيعه بحنطة أو شعير؟ قال: «يبيعه بما شاء، هذا ممّا ليس فيه شيء» (2).

و أمّا النصوص الناهية عن بيع فضول الماء (3) فمحمولة علىٰ الكراهة؛ جمعاً بين الأدلّة.

و استشكل الحكم علىٰ إطلاقه في التنقيح، قال: لعدم إمكان التسليم، و عدم العلم بقدر ما يسلم له بالقسمة. نعم يجوز الصلح علىٰ ذلك، و كأنّه أراد بالبيع مطلق المعاوضة بنوع سائغ (4).

و يستفاد من المسالك و الكفاية أنّ المنع في محلّ الإشكال هو الأشهر بين الأصحاب، فإنّهما قالا: ما حكم بملكه من الماء يجوز بيعه كيلًا و وزناً للانضباط، و كذا يجوز مشاهدة إذا كان محصوراً. و أمّا بيع ماء العين و البئر أجمع فالأشهر منعه؛ لكونه مجهولًا، و كونه يزيد شيئاً فشيئاً فيخلط المبيع بغيره (5).

____________

(1) قرب الإسناد: 262/ 1039، الوسائل 17: 375 أبواب عقد البيع و شروطه ب 24 ح 5.

(2) التهذيب 7: 139/ 617، الإستبصار 3: 107/ 377، الوسائل 17: 374 أبواب عقد البيع و شروطه ب 24 ح 3.

(3) انظر الوسائل 25: 419 أبواب إحياء الموات ب 7.

(4) التنقيح 4: 104.

(5) المسالك 2: 294، الكفاية: 243.

132

و في الدروس جوّز بيعه علىٰ الدوام، سواء كان منفرداً أو تابعاً للأرض (1). انتهىٰ.

فالمسألة محلّ إشكال من ظواهر هذه المعتبرة، و من القاعدة الناهية عن بيع الغرر و الجهالة المعتضدة بالإجماع من أصلها، و خصوص الشهرة المحكيّة في المسألة.

و لعلّ هذا لا يخلو عن قوّة، سيّما مع ظهور سياق المعتبرة كالعبارة في أنّ المقصود من الحكم فيهما تجويز البيع بكلّ ما يشاء، لا تجويزه حقيقةً. و إطلاقه علىٰ مطلق المعاوضة الشرعية مجاز شائع، و قد ورد مثله في جواز بيع خدمة العبد المدبَّر، و قد حمله الأصحاب علىٰ نحو الإجارة دون البيع حقيقة، و نحوه إطلاق البيع علىٰ المعاوضة علىٰ سكنىٰ الدار.

و كيف كان فالأحوط ترك البيع و البناء علىٰ الصلح؛ لجوازه مع الجهالة حيث لا يتوقّع رفعها كما في المسألة بالاتفاق. و قد مرّ تحقيقه في كتاب الصلح، مع اتفاق كلمة هؤلاء الجماعة الذين وقفت علىٰ كلمتهم في المسألة علىٰ جوازه من دون ريبة.

[التاسعة: روى إسحاق بن عمار، عن العبد الصالح ع عن رجل في يده دار لم تزل في يده و يد آبائه]

التاسعة: روىٰ الشيخ في التهذيب في باب بيع الغرر و المجازفة بسنده عن حسن بن محمّد بن سماعة، عن علي بن رئاب و عبد اللّٰه بن جبلة، عن إسحاق بن عمار، عن العبد الصالح (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل في يده دار ليست له، و لم تزل في يده و يد آبائه من قبله و قد أ علم ه من مضى من آبائه أنّها ليست لهم و لا يدرون لمن هي، فيبيعها و يأخذ ثمنها؟ قال: «ما أُحبّ أن يبيع ما ليس له» قلت: فإنّه ليس يعرف صاحبها و لا يُدرىٰ لمن هي، و لا أظنّه يجيء لها ربّ، قال:

«ما أُحبّ أن يبيع ما ليس له» قلت: فيبيع سكناها أو مكانها في يده، فيقول

____________

(1) الدروس 3: 67.

133

لصاحبه: أبيعك سكناي، و تكون في يدك كما هي في يدي؟ قال: «نعم يبيعها علىٰ هذا» (1).

و اختصر عن جميع هذا الماتن و نقل بالمعنى، فقال في نقل التتمّة: و لا يظنّ مجيء صاحبها، قال: ما أُحبّ أن يبيع ما ليس له، و يجوز أن يبيع سكناه و اعلم أنّ وصف الماتن هذه الرواية بأنّها مرسلة غير واضح إلّا ما يقال: من عدم العلم بإسنادها إلىٰ المعصوم؛ لأنّ وصفه بكونه عبداً صالحاً لا يقتضي كونه معصوماً.

و فيه نظر، لشهادة التتبّع و تصريح جمع (2) بأنّ المراد به حيث يطلق مولانا موسى بن جعفر (عليه السلام). هذا مع أنّ وجود (عليه السلام) بعده ممّا يعيّن كونه معصوماً، كما لا يخفىٰ.

و كذا الطعن فيها بأنّ في طريقها الحسن بن محمّد بن سماعة و هو واقفي غير واضح؛ لأنّ وقفه لا يمنع عن العمل بروايته علىٰ الأظهر الأشهر بعد وثاقته، كما صرّح به العلّامة و النجاشي (3) و غيرهما (4) من علماء الرجال. و الاستدلال بالرواية لا بأس بها بحسب السند؛ لأنّها من الموثّق.

نعم متنها مخالف للأصل من حيث تضمّنها جواز تركها في يده و بيعه السكنى، مع أنّها ليست له. بل ربما أشعرت بجواز بيع نفس الدار و لو مع الكراهة؛ لمكان لفظة «لا أُحبّ» الظاهرة فيها بلا شبهة.

و نحوه ما ذكره الشيخ في النهاية (5) من أنّه يبيع تصرّفه

____________

(1) التهذيب 7: 130/ 571، الوسائل 17: 335 أبواب عقد البيع و شروطه ب 1 ح 5.

(2) الإرشاد للشيخ المفيد 2: 215، نقد الرجال 5: 316، جامع الرواة 2: 461.

(3) رجال العلّامة: 212، رجال النجاشي: 40/ 84.

(4) انظر جامع الرواة 1: 225، رجال ابن داود: 239/ 131.

(5) النهاية: 423.

134

فيها، و لا يبيع أصلها؛ لأنّ حق التصرف ليس شيئاً يباع، و لو سلّم، أو حمل البيع علىٰ الصلح و نحوه فهو فرع ثبوت هذا الحق بموجب و سببٍ، و لم يظهر إلّا مجرد سبق يده و يد آبائه عليها، و هو لا يفيد أولوية تُجوّز الصلح عليها؛ إذ هي في السبق علىٰ الأمر المباح أو المشترك دون مال الغير.

و لذا اختلف الأصحاب في توجيهه، فقال الحلي: و يمكن أن يقال:

إنّما كان الأمر علىٰ ما ذكر في هذا الحديث، الوجه في ذلك و كيف يجوز له تركها في يده، و بيع ما جاز له بيعه، و هو يعلم أنّه لم يكن لمورثه أنّ هذه الدار لم يحط علمه بأنّها غصب، و إنّما قال في الحديث: لم يكن لمورثه و من كان بيده شيء، و لم يعلم لمن هو، فسبيله سبيل اللقطة، فبعد التعريف المشروع يملك التصرّف، فجاز أن يبيع ما له فيها، و هو التصرف الذي ذكره في الخبر، دون رقبة الأرض إذا كانت في الأرض المفتوحة عنوة (1).

و هو حسن، إلّا أنّه ليس فيه توجيه لإطلاق لفظ البيع عليه مع أنّه ليس حقيقة فيه، بل في المعاوضة علىٰ الأعيان.

و نحوه في هذا توجيه الماتن المشار إليه بقوله: و يمكن تنزيلها علىٰ أرض عاطلة خربة مملوكة أحياها غير المالك بإذنه، ف إنّ مثلها للمحيي التصرّف فيه و إن كان الأصل للمالك فإنّ حق التصرف ليس شيئاً يجوز بيعه كما عرفت حقيقةً، و إنّما هو شيء يصلح الصلح عليه، إلّا أن يكون المراد ببيع التصرف بيع الآثار الموجودة من الأبنية و السقوف.

و بهذا وجّه الفاضل في المختلف كلام النهاية المستند في الظاهر إلىٰ

____________

(1) السرائر 2: 380.

135

الرواية، قال بعده: و لا يلزم من كون الدار ليست له كونها غصباً، بل جاز أن تكون عاريةً، و هو الظاهر؛ إذ تصرّف المسلم إنّما يبنىٰ في الظاهر علىٰ المشروع (1). انتهىٰ.

و هو حسن.

____________

(1) المختلف: 475.

136

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

137

[كتاب اللقطة]

كتاب اللقطة و هي بضمّ اللام و فتح القاف و سكونها اسم للمال الملقوط، علىٰ ما نقل عن جماعة من أهل اللغة كالأصمعي، و ابن الأعرابي، و الفرّاء، و أبي عبيدة (1). و عن الخليل أنّها بالتسكين لا غير، و أمّا بفتح القاف فهي اسم للملتقط؛ لأنّ ما جاء علىٰ فُعَلَة فهو اسم للفاعل كهُمَزَة و لُمَزَة (2). و بهذا صرّح أيضاً في التنقيح (3).

و علىٰ أيّ تقدير، فهي لغة مختصّة بالمال، و سيصرّح به الماتن في القسم الثالث، و لكنّه هنا تبعا للفقهاء تَجَوّز في إطلاقها علىٰ ما يشمل الآدمي.

[الأوّل: في اللقيط]

و أقسامه أي الملقوط ثلاثة:

الأوّل: في اللقيط و يقال له: الملقوط و المنبوذ أيضاً.

و هو: كل صبيّ (4) ضائع لا كافل له حالة الالتقاط، و لا يستقلّ بنفسه بالسعي علىٰ ما يصلحه و يدفع عن نفسه المهلكات الممكن دفعها عادةً.

____________

(1) حكاه عنهم في المسالك 2: 296، و انظر تهذيب اللغة 16: 250، لسان العرب 7: 392، تاج العروس 5: 216.

(2) حكاه عنه في السرائر 2: 100، و التذكرة 2: 250، و انظر العين 5: 100.

(3) التنقيح الرائع 4: 105.

(4) في المطبوع من المختصر زيادة: أو مجنون.

138

فيلتقط الصبيّ و الصبيّة مع عدم التمييز إجماعاً، و كذا معه علىٰ قول مشهور بين أصحابنا. و لا ريب فيه مع عدم بلوغ التمييز حدّا يحفظ نفسه عن الهلاك بوقوع في بئر، أو ماء، أو نار، أو عن سطح، و نحو ذلك.

و يشكل مع بلوغه ذلك الحدّ و إن احتاج إلىٰ بعض الضروريات، و بعدم الجواز فيه صرّح بعض الأصحاب، قال: فيكون أمره إلىٰ الحاكم كالبالغ من باب الولاية العامّة، كحفظ المجانين و أموال الغياب و سائر المصالح العامّة، فينصب له من يباشر ذلك، و يصرف عليه من بيت المال إن لم يكن له مال (1).

و هو حسن، و مرجعه إلىٰ أنّ حكم الالتقاط و هو الأخذ و التصرّف في الضبط و حفظه و نحو ذلك مخالف للأصل مطلقاً، سيّما علىٰ القول بوجوبه، فيقتصر فيه علىٰ القدر المتيقّن من النصّ و الفتوىٰ، و هو ما أطلق عليه لفظ اللقيط حقيقةً عرفاً، و المميّز الدافع عن نفسه لا يسمّىٰ لقيطاً جدّاً.

و علىٰ تقدير التنزل، فلا أقلّ من الشك في تسميته بذلك حقيقة عرفاً، و هو كافٍ في الرجوع إلىٰ حكم الأصل. و لعلّ مراد المجوّزين خصوص المميّز الغير الدافع علىٰ ما يظهر من تعليلهم الجواز بما يدلّ عليه.

و من هنا ينقدح وجه صحّة تعبير الماتن كغيره (2) عن اللقيط بخصوص الصبي، دون مطلق الإنسان الشامل له و لمن في حكمه كالمجنون؛ لعدم صدق اللقيط عليه مطلقاً و إن لم يستقلّ بدفع المهلكات عن نفسه؛ لأنّ ترتب أحكام اللقيط عليه بالاسم دون الحاجة، و دفع الضرر

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان 10: 394.

(2) انظر التذكرة 2: 270، و التحرير 2: 123.

139

عن النفس المحترمة؛ لاندفاعهما بإرجاع الأمر إلىٰ الحاكم و من في حكمه، كما في البالغ العاقل لاتّفاقهم فيه علىٰ امتناع التقاطه، و مع ذلك قالوا: نعم لو خاف علىٰ البالغ التلف في مهلكة وجب إنقاذه كما يجب إنقاذ الغريق و نحوه.

و هو كما ترى ظاهر في دوران أحكام اللقيط مدار الاسم دون وجوب دفع الضرر.

و إليه يشير ما في المسالك في بيان احتراز الماتن بقوله: الضائع، عن غير المنبوذ و إن لم يكن له كافل من التعليل بأنّه لا يصدق عليه اسم اللقيط و إن كان كفالته واجبة كالضائع إلّا أنّه لا يسمّىٰ لقيطاً. و في بيان احترازه ب: لا كافل له، عن الضائع المعروف النسب من قوله: فإنّ أباه و جدّه و من وجب عليه حضانته مختصّون بحكمه، و لا يلحقه حكم الالتقاط و إن كان ضائعاً. نعم يجب علىٰ من وجده أخذه و تسليمه إلىٰ من يجب عليه حضانته كفاية من باب الحسبة (1).

و نحوه كلام غيره (2).

فلا وجه لما ذكراه هما و غيرهما (3) من إلحاق المجنون مطلقاً بالصبي مع اعترافهم بما ذكرناه، و تصريح بعض أهل اللغة في تعريف اللقيط بأنّه الصبي المنبوذ خاصّة (4).

فالأجود وفاقاً لبعض من تأخّر (5) عدم القطع بالإلحاق، بل التوقّف

____________

(1) المسالك 2: 296.

(2) انظر الكفاية: 234.

(3) الدروس 3: 73، جامع المقاصد 6: 97.

(4) تهذيب اللغة 16: 250، القاموس 2: 398، و النهاية لابن الأثير 4: 264.

(5) انظر مجمع الفائدة و البرهان 10: 395، و مفتاح الكرامة 6: 88، 89.

140

فيه.

اللهم إلّا أن يكون إجماعاً، و لم أتحقّقه، سيّما مع اقتصار كثير من التعاريف علىٰ الصبي كالمتن، مع موافقته اللغة، كما عرفته.

نعم يتوجّه عليه خروج الصبيّة و الخنثىٰ الغير البالغين مع صدق اللقيط علىٰ غير مميّزهما لغةً و عرفاً، و ورد النصّ به في الأُولىٰ، ففي الخبر المعتبر: عن اللقيطة، فقال: «لا تباع و لا تشترى، و لكن تستخدم بما أنفقت عليها» (1) و نحوه غيره (2).

و يمكن الذبّ عنه بإدخالهما في الصبي تغليباً، سيّما مع شيوعه و دخول الصبيّة فيه بفحوىٰ الخطاب جدّاً.

و يشترط في الملتقط التكليف بالبلوغ و العقل، فلا يصحّ التقاط الصبي و المجنون، بلا خلاف ظاهر مصرّح به في كلام بعض الأصحاب (3)؛ لاستلزام الصحّة الولاية و الحضانة و الإنفاق، و ليس لهما أهليّة شيء من ذلك.

و هل يجوز الالتقاط من يدهما لمن له أهليّته فله ولاية الحفظ، أم لا، بل يخرج بذلك عن حكم اللقيط و يكون الولاية للحاكم؟ وجهان، ظاهر المحكيّ عن التذكرة الثاني (4). و استوجه الأوّل شيخنا الشهيد الثاني (5)، بل فسّر عدم الصحّة بذلك في الروضة (6)؛ و لعلّه لاستصحاب

____________

(1) الكافي 5: 225/ 4، الوسائل 25: 467 أبواب اللقطة ب 22 ح 4.

(2) الكافي 5: 224/ 1، الوسائل 25: 467 أبواب اللقطة ب 22 ح 1.

(3) مجمع الفائدة و البرهان 10: 397.

(4) التذكرة 2: 270.

(5) المسالك 2: 296.

(6) الروضة 7: 69.

141

الحالة السابقة، لكنه معارض بالمثل؛ أو للإطلاقات، و في انصرافها إلىٰ محلّ الفرض إشكال.

و يفهم من إطلاق الماتن و كثير اشتراط التكليف خاصة و عدم اشتراط الرشد فيصحّ من السفيه؛ و لعلّه لأنّ حضانته ليست مالًا، و إنّما يحجر السفيه له؛ و مطلق كونه مولّى عليه غير مانع.

خلافاً للدروس، فاستقرب اشتراطه؛ محتجّاً بأنّ الشارع لم يأتمنه علىٰ ماله فعلى الطفل و ماله أولىٰ بالمنع؛ و لأنّ الالتقاط ائتمان شرعي و الشرع لم يأتمنه (1).

و يضعّف بأنّ عدم ائتمانه إنّما هو علىٰ المال لا علىٰ غيره، بل جوّز تصرّفه في غيره مطلقاً. و علىٰ تقدير أن يوجد معه مال يمكن الجمع بين القاعدتين الشرعيتين، و هما: عدم استئمان المبذّر علىٰ المال، و تأهيله لغيره من مطلق التصرّفات التي من جملتها الالتقاط و الحضانة، فيؤخذ منه المال خاصّة.

و يشكل بأنّ صحّة التقاطه يستلزم وجوب إنفاقه، و هو ممتنع من المبذّر؛ لاستلزامه التصرّف الماليّ، و جعل التصرّف فيه لآخر يستعقب الضرر علىٰ الطفل بتوزيع أُموره، هذا.

مضافاً إلىٰ عدم عموم يشمل جواز التقاطه، فليرجع فيه إلىٰ حكم الأصل، و هو عدم جوازه، فتأمّل.

و كذا يفهم من ذلك عدم اشتراط العدالة. و إليه ذهب الأكثر علىٰ الظاهر المصرّح به في المسالك (2)، قيل: للأصل، و لأنّ المسلم محلّ

____________

(1) الدروس 3: 76.

(2) المسالك 2: 297.

142

الأمانة، مع أنّه ليس استئماناً حقيقيّا، و لانتقاضه بالتقاط الكافر مثله، لجوازه بغير خلاف (1).

و قيل: بالاشتراط، كما عن الشيخ في أحد قوليه (2)، و الفاضل في التذكرة و التحرير و الإرشاد و القواعد (3)؛ لافتقار الالتقاط إلىٰ الحضانة، و هي استئمان لا يليق بالفاسق؛ و لأنّه لا يؤمن أن يسترقه و يأخذ ماله.

و فيه نظر، و لعلّ الأوّل أظهر، سيّما مع التأيّد بالإطلاقات الواردة مورد الغالب؛ لندرة العادل، فتأمّل.

و لا ريب أنّ الأوّل أحوط، كما صرّح به الشهيد الثاني (4) وفاقاً للمحكيّ عن المحقق الثاني (5)، فتدبّر.

و هنا قول ثالث يحكىٰ عن المحقّق الثاني بالتفصيل بين ما إذا كان له مال فالثاني؛ لأنّ الخيانة في المال أمر راجح، و ما إذا لم يكن فالأوّل؛ لما مرّ (6).

و فيه أيضاً نظر.

و في اشتراط الإسلام في التقاط المحكوم بإسلامه كلقيط دار الإسلام، أو الكفر مع وجود مسلم فيها يمكن تولّده منه تردّد ينشأ: من انتفاء سبيل الكافر علىٰ المسلم، و أنّه لا يؤمن أن يفتنه عن دينه، سيّما إذا تخلّق بالتربية و الصحبة المتأكّدة بأخلاقه و أقواله و أفعاله. و من أصالتي الجواز و عدم الاشتراط، مع كون المقصود الأهمّ من الالتقاط الحضانة

____________

(1) المسالك 2: 297.

(2) المبسوط 3: 340.

(3) التذكرة 2: 252، التحرير 2: 123، الإرشاد 1: 440، القواعد 1: 195.

(4) الروضة البهية 7: 73.

(5) جامع المقاصد 6: 108.

(6) جامع المقاصد 6: 108.

143

و التربية، و هما يحصلان مع الكفر.

و المناقشة في هذه الوجوه واضحة؛ لاندفاع الأصالة الأُولىٰ بعدم دليل عليها سوىٰ الإطلاقات، و في انصرافها إلىٰ محلّ البحث إشكال؛ لعدم تبادره منها بناءً علىٰ ورودها خطابات للمسلمين و في بلادهم. و يعضده ورود النصوص (1) بحريّة المنبوذ علىٰ الإطلاق، مع اختصاصه بمنبوذ دار الإسلام بالإجماع.

و منه يظهر الجواب من الأصالة الثانية، فإنّها صحيحة حيث يوجد عمومات أو إطلاقات ظاهرة تدلّ علىٰ الجواز علىٰ الإطلاق، و ليس شيء منهما بموجود في المسألة، كما عرفته.

و كون المقصود الأهم منه ما ذكر من الحضانة لا يستلزم المنع عن ثبوت المنع من حجّة أُخرى ظاهرة، و لا ريب أنّ ما قدّمناه من وجوه الأوّل منها بلا شبهة، سيّما مع ورود النصّ الصريح بالتعليل الاعتباري، منها: في المنع عن تزويج العارفة المؤمنة من المخالف بأنّ المرأة تأخذ من أدب زوجها.

فالأوّل أقوى، وفاقاً لأكثر أصحابنا، بل عليه عامّتهم كما لا يذهب علىٰ المتتبّع و لا يخفىٰ. و ليس المخالف عدا الماتن هنا و في الشرائع (2) حيث تردّد فيهما، و الشيخ في الخلاف كما في التنقيح (3)، أو المبسوط كما في المسالك (4).

____________

(1) انظر الوسائل 25: 467 أبواب اللقطة ب 22.

(2) الشرائع 3: 284.

(3) التنقيح الرائع 4: 106.

(4) كذا، و لعله سهو، فإنّ الموجود فيهما اشتراط الإسلام، انظر المبسوط 3: 340، و المسالك 2: 297.

144

ثم إنّ محلّ الخلاف علىٰ ما يستفاد من كلمات الأصحاب و تعليلاتهم في الباب، و به صرّح جمع كالشيخ في المبسوط (1)، و الفاضل في جملة من كتبه (2)، علىٰ ما حكي عنهما، و الشهيدان و غيرهما (3) ما قيّدنا به العبارة من كون اللقيط محكوماً بإسلامه، دون ما إذا كان محكوماً بكفره، فللكافر التقاطه بلا خلاف.

و ربما يستفاد من التنقيح انسحاب الخلاف فيه أيضاً، فإنّه قال بعد نقل القولين-: و التحقيق أنّه إن حكم بإسلام اللقيط اشترط إسلام الملتقط، و إلّا فلا (4). و هو كما ترى؛ لما مضى.

و أضعف منه ما ينقل من بعض المتأخّرين من المنع عن التقاط الكافر لمثله (5)، فقد نفىٰ الخلاف عن جوازه صريحاً جماعة، و منهم: شيخنا في المسالك و الروضة في بحث عدم اشتراط العدالة (6)؛ و هو الحجّة، مضافاً إلىٰ الآية الكريمة وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ (7). و ما ربما يتخيّل للمنع من ورود النصّ بأنّ «كلّ مولود يولد علىٰ الفطرة» (8) ففي التقاط الكافر له افتتان له و لو في الجملة؛ مدفوع بأنّه لو

____________

(1) المبسوط 3: 340.

(2) القواعد 1: 195، التحرير 2: 123، التذكرة 2: 270.

(3) الدروس 3: 75، المسالك 2: 297، الروضة 7: 72، مجمع الفائدة و البرهان 10: 399.

(4) التنقيح 4: 106.

(5) حكاه عن المحقق الثاني في مجمع الفائدة و البرهان 10: 399، و انظر جامع المقاصد 6: 102.

(6) المسالك 2: 297، الروضة 7: 72.

(7) الأنفال: 73.

(8) الفقيه 2: 26/ 96، علل الشرائع: 376/ 2، الوسائل 15: 125 أبواب جهاد العدو ب 48 ح 3.

145

صحّ لجرى في منع الكافر عن حضانته لولده، و هو مخالف للضرورة.

و لا يجوز أن يلتقط المملوك اللقيط إلّا بإذن مولاه بلا خلاف أجده، بل عليه الإجماع في كلام بعض الأجلّة (1)؛ و هو الحجّة؛ مضافاً إلىٰ أنّ منافعه له، و حقّه مضيّق و لا يتفرّغ للحضانة؛ و فحوى الخبر:

عن المملوك يأخذ اللقطة، قال: «و ما للمملوك و اللقطة، و المملوك لا يملك من نفسه شيئاً، فلا يعرض لها المملوك، فإنّه ينبغي أن يعرّفها سنة» (2) الخبر، فتدبّر.

أمّا لو أذن له فيه ابتداءً، أو أقرّه عليه بعد وضع يده عليه جاز، و كان السيّد في الحقيقة هو الملتقط و العبد نائبه.

قيل: ثمّ لا يجوز للسيّد الرجوع فيه (3).

و لا فرق بين القنّ و المكاتب و المدبّر و المبعّض و أُمّ الولد؛ لعدم جواز تبرّع واحد منهم بماله و لا منافعه إلّا بإذن سيّده. و لا يدفع ذلك مهاياة المبعّض و إن وفىٰ زمانه المختصّ به بالحضانة؛ لعدم لزومها، فجاز تطرّق المانع كلّ وقت.

نعم لو لم يوجد للّقيط كافل غير العبد، و خيف عليه التلف بالإبقاء فعن التذكرة (4) جواز التقاطه له حينئذٍ. و لعلّه أراد به الوجوب، كما صرّح به في الدروس (5).

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان 10: 398.

(2) الكافي 5: 309/ 23، الفقيه 3: 188/ 845، التهذيب 6: 397/ 1197، الوسائل 25: 465 أبواب اللقطة ب 20 ح 1.

(3) قاله المحقق الثاني في جامع المقاصد 6: 107.

(4) التذكرة 2: 270.

(5) الدروس 3: 75.

146

و لا ريب فيه، لكنّه لا يوجب إلحاق حكم اللقطة به، و إنّما دلّت الضرورة علىٰ الوجوب من حيث إنقاذ النفس المحترمة من الهلكة، و هو غير حكم اللقطة، كما مرّ إليه الإشارة. فلو وجد من له أهليّة الالتقاط وجب عليه انتزاعه منه، و سيّده من الجملة؛ لانتفاء أهليّة العبد له.

و أخذ اللقيط مستحبّ إمّا مطلقاً، كما عليه الماتن هنا و في الشرائع (1)، أو مع عدم الخوف عليه، و أمّا معه فيجب، كما في ظاهر الدروس و صريح اللمعة (2). و استوجه هذا شيخنا في المسالك و الروضة (3)، و تبعه في الكفاية (4).

استناداً في الصورة الأُولىٰ إلىٰ الأصل، مع سلامته عن المعارض سوىٰ الأمر بالإعانة علىٰ البرّ، و هو للاستحباب لاستلزام وجوبه وجوب الإعانة علىٰ كثير من وجوه البرّ التي تشهد الضرورة بعدم وجوبها فيها.

و البناء علىٰ التخصيص يوجب خروج مثل هذا العام عن الحجية لخروج أكثر أفراده مع أنّه برهن في محله اشتراط بقاء ما يقرب من مدلول العام في حجيته فيما يبقىٰ منه بعد تخصيصه.

و في الصورة الثانية إلىٰ وجوب دفع الضرر عن النفس المحترمة بالإجماع، بل الضرورة.

و هذا التفصيل لا يخلو عن قوّة إن وجد الصورة الأُولىٰ، و لكن في وجودها مناقشة كما صرّح به بعض الأجلّة قال: إذ الطفل في محلّ التلف

____________

(1) الشرائع 3: 285.

(2) الدروس 3: 76، اللمعة (الروضة البهية 7): 77.

(3) المسالك 2: 297، الروضة 7: 77.

(4) الكفاية: 234.

147

مع عدم الكفيل (1). فإذاً الأجود الوجوب مطلقاً، وفاقاً للشيخ (2) و الأكثر، كما في المسالك و الكفاية (3). بل ادّعىٰ عليه الصيمري في شرح الشرائع الشهرة (4).

و منه يظهر أضعفية مختار الماتن مع تفرّده به علىٰ الظاهر، فلم نر له موافقاً، و لا حكاه أحد.

ثمّ علىٰ المختار ليس الوجوب عينيّاً، بل كفائيّاً، إجماعاً كما عن التذكرة (5).

و اللقيط في دار الإسلام حرّ محكوم بإسلامه، لا يجوز تملّكه و لا كذلك اللقيط في دار الشرك فإنّه رقّ محكوم بكفره [يجوز استرقاقه، بلا خلاف أجده في المقامين، و احتمله إجماعاً بعض الأجلّة (6)؛ و هو الحجّة.

مضافاً في الأوّل إلىٰ أصالة الحريّة في الناس المستفادة من الأدلّة المتقدّمة في كتاب العتق من الفتوىٰ و الرواية.

و خصوص النصوص المستفيضة.

ففي الصحيح: «المنبوذ حرّ، فإذا كبر فإن شاء توالىٰ إلىٰ الذي التقطه، و إلّا فليردّ عليه النفقة، و ليذهب فليوالِ من شاء» (7).

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان 10: 393.

(2) المبسوط 3: 336.

(3) المسالك 2: 297، الكفاية: 234.

(4) غاية المرام 4: 145.

(5) التذكرة 2: 270.

(6) انظر مجمع الفائدة و البرهان 10: 414، و الحدائق 19: 383.

(7) الكافي 5: 225/ 3، الوسائل 25: 467 أبواب اللقطة ب 22 ح 3.

148

و فيه: عن اللقيط، فقال: «حرّ لا يباع و لا يوهب» (1) و نحوه آخر إلّا أنّه أُنّث فيه المذكّر (2).

و في الخبر: «اللقيط لا يشترى و لا يباع» (3).

و في آخر: «المنبوذ حرّ، فإن أحبّ أن يوالي غير الذي ربّاه والاه، فإن طلب منه الذي ربّاه النفقة و كان مؤسراً ردّ عليه، و إن كان معسراً كان ما أنفق عليه صدقة» (4).

إلىٰ غير ذلك من النصوص، و هي و إن كانت مطلقة شاملة للقيط دار الشرك أيضاً، إلّا أنّه غير متبادر منها بعد ورودها خطابات للمسلمين و في بلادهم، و قد مرّ نظيره، هذا.

مع ما عرفت من الاتّفاق علىٰ الظاهر علىٰ الحكم برقّيته، فبه تقيّد تلك الإطلاقات علىٰ تقدير تسليم ظهور شمولها لمحلّ البحث، و تخصّ أصالة الحريّة المتقدّمة.

قالوا: و المراد ببلاد الإسلام هنا ما ينفذ فيه حكمه، و لا يكون فيها كافر إلّا معاهد. و دار الكفر ما ينفذ فيه أحكامه، و لا يوجد فيها مسلم إلّا مسالم. قالوا: و لو وجد فيها مسلم و لو واحد يمكن تولده منه و لو إمكاناً ضعيفاً الحق به، و لم يحكم بكفره و لا رقّه؛ و لعلّه لما ورد من أنّ «الإسلام يعلو و لا يعلى» (5).

و اعلم أنّ المعروف من مذهب الأصحاب و أكثر أهل العلم كما في

____________

(1) الكافي 5: 225/ 5، الوسائل 25: 468 أبواب اللقطة ب 22 ح 5.

(2) الكافي 5: 225/ 4، الوسائل 25: 467 أبواب اللقطة ب 22 ح 4.

(3) الكافي 5: 224/ 1، الوسائل 25: 467 أبواب اللقطة ب 22 ح 1.

(4) الكافي 5: 224/ 2، الوسائل 25: 467 أبواب اللقطة ب 22 ح 2.

(5) الفقيه 4: 243/ 778، الوسائل 26: 14 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 11.

149

المسالك و غيره (1) أنّه لا ولاية للملتقط و لا لغيره من المسلمين عليه، إلّا في حضانته و تربيته. بل هو سائبة يتولّىٰ من شاء. و عليه دلّت جملة من النصوص المتقدّمة و غيرها (2).

و يتفرع عليه انه إذا لم يتوال أحداً بعد بلوغه فعاقلته و وارثه الإمام (عليه السلام) إذا لم يكن له وارث و لم يظهر له نسب. فدية جنايته خطأً عليه، و حقّ قصاصه في النفس له. و في الطرف للّقيط بعد بلوغه قصاصاً و ديةً، قيل: و يجوز للإمام تعجيله قبله كما يجوز ذلك للأب و الجدّ، علىٰ أصحّ القولين (3).

و يستفاد من شيخنا في الروضة وقوع الخلاف في أصل الحكم حيث قال بعد بيان أنّه لا ولاء عليه للملتقط و لا لأحد من المسلمين-: خلافاً للشيخ (4).

و لعلّه أشار به إلىٰ ما يحكىٰ في المختلف و الدروس عنه و عن المفيد (5) من أنّه إذا لم يتوال أحداً كان ولاؤه للمسلمين و لم يكن للذي أنفق عليه ولاؤه، و إن ترك (6) و لم يترك ولداً، و لا قرابة له من المسلمين، كان ما تركه لبيت المال كما عن الأوّل، أو لبيت مال المسلمين كما عن الثاني.

____________

(1) المسالك 2: 297؛ و انظر الروضة 7: 77، و الكفاية: 234.

(2) راجع ص: 144، و انظر الوسائل 23: 97 أبواب العتق ب 62، و 17: 299 أبواب ما يكتسب به ب 96.

(3) قاله الشهيد الثاني في الروضة 7: 79.

(4) الروضة 7: 77.

(5) المختلف: 453، الدروس 3: 81، و هو في النهاية: 323، و المقنعة: 648.

(6) أي: إن ترك اللقيط مالًا.

150

لكن ذكر الحلّي أنّ المقصود من بيت المال هنا بيت مال الإمام، دون بيت مال المسلمين، قال: فإذا ورد لفظ: إنّه للمسلمين، أو لبيت المال، فالمراد أنّه بيت مال الإمام (عليه السلام)، و إنّما أطلق القول بذلك لما فيه من التقيّة لأنّ بعض المخالفين لا يوافق عليه. ثم قال: هكذا أورده شيخنا في آخر الجزء الأوّل من مبسوطه، و هو الحقّ اليقين (1)، انتهىٰ.

و لعلّه لذا نسب الحكم في المسالك و غيره (2) إلىٰ الأصحاب من غير نقل خلاف.

و فيه نظر، كنسبة الخلاف في الروضة إلىٰ الشيخ خاصّةً؛ لما عرفته من موافقة المفيد له، مع أنّه حكي في الكتابين أيضاً عن الإسكافي قولًا آخر يخالف ما عليه الأصحاب و لو في الجملة، و هو أنّه لو أنفق عليه و تولّىٰ غيره ردّ عليه النفقة، فإن أبى فله ولاؤه و ميراثه. و لكن حمله الفاضل (3) علىٰ أخذ قدر النفقة من ميراثه.

و علىٰ أيّ حال فالحقّ ما ذكره الأصحاب، و لا دليل علىٰ ما ذهب إليه الإسكافي و الشيخان في ظاهر عبائرهم.

و يقبل إقراره علىٰ نفسه بالرقّية مع بلوغه و رشده أي: و عقله، ما لم يعلم حرّيته سابقاً بشياع و نحوه علىٰ الأظهر الأشهر؛ لعموم «إقرار العقلاء علىٰ أنفسهم جائز» (4)؛ و خصوص ما مرّ في كتاب العتق من النص الدال علىٰ أنّ «الناس أحرار إلّا من أقرّ علىٰ نفسه بالعبودية» (5).

____________

(1) السرائر 2: 108.

(2) المسالك 2: 298؛ و انظر التذكرة 2: 276.

(3) المختلف: 453.

(4) الوسائل 23: 184 أبواب الإقرار ب 3 ح 2.

(5) الكافي 6: 195/ 5، الفقيه 3: 84/ 302، التهذيب 8: 235/ 845، الوسائل 23: 54 أبواب العتق ب 29 ح 1.

151

خلافاً للحلي فقال: لا يقبل إقراره عند محصّلي أصحابنا، و هو الأصحّ؛ لأنّ الشارع حكم عليه بالحرية (1).

و يضعّف بأنّ حكم الشرع علىٰ الحرّية بناءً علىٰ الأصل، و هو يدفع بالإقرار بعده. و لا فرق بين اللقيط و غيره من المجهولين، فلو جاء رجل و أقرّ بالعبودية يقبل. و قد كان علىٰ مذهبه أنّه لا يقبل؛ لأنّه كان محكوماً عليه بالحرّية شرعاً فلا يقبل إقراره بالعبودية. و هذا كلّه غلط كما في المختلف (2)، و مع ذلك النصّ الخاصّ المتقدّم يدفعه صريحاً.

نعم إن اعترف سابقاً بحرّيته مع الوصفين ثمّ ادّعىٰ رقّيته أمكن عدم قبول إقراره؛ لكونه مناقضاً لإقراره السابق، وفاقاً لجماعة و منهم الشيخ في المبسوط (3).

خلافاً لآخرين و منهم المحقق الثاني كما حكي (4)، و جعله الأشهر شيخنا الشهيد الثاني (5) فقبلوه هنا أيضاً؛ للعموم السابق، و عدم منافاة الإقرار السابق له، فإنّه له و الثاني عليه، فليقدّم بمقتضىٰ النصّ المتقدّم الدالّ علىٰ قبول الإقرار عليه، و لا دليل علىٰ قبوله له حيث ينافي الأصل. و قبوله حيث لا ينافيه كما في محل البحث إنّما هو من حيث الأصل، و لولاه لما قبل، فوجود هذا الإقرار كعدمه.

و لعلّه أقوى.

ثم إنّ كلّ ذا إذا لم يكذّبه المقرّ له، و أمّا معه ففي قبول إقراره حيث

____________

(1) السرائر 2: 354.

(2) المختلف: 443.

(3) المبسوط 3: 352.

(4) جامع المقاصد 6: 131.

(5) المسالك 2: 299.

152

يقبل من دونه قولان، اختار ثانيهما في المبسوط (1)، و أوّلهما في المسالك (2). و يتفرّع عليه ما إذا عاد المقرّ له فصدّقه فلا يلتفت إليه علىٰ الأوّل؛ لأنّه لمّا كذّبه ثبت حرّيته بالأصل فلا يعود رقيقاً. و نعم علىٰ الثاني؛ لأنّ الرقّية المطلقة تصير كالمال المجهول المالك يقبل إقرار مدّعيه ثانياً و إن أنكره أوّلًا.

و حيث حكم برقّيته ففي بطلان تصرّفاته السابقة علىٰ الإقرار أوجه، يفرق في ثالثها بين ما لم يبق أثره كالبيع و الشراء فلا يبطل، و ما يبقىٰ كالنكاح فيبطل، و عليه نصف المهر قبل الدخول، و تمامه بعده. و لو كانت المقرّة الزوجة اللقيطة لم يحكم بالبطلان؛ لتعلّقه بالغير و يثبت للسيّد أقلّ الأمرين من المسمّى و عقر الأمة. و اختار هذا في الدروس (3).

و اعلم أنّ المعروف من مذهب الأصحاب من غير خلاف يعرف أنّ الواجب علىٰ الملتقط حضانته بالمعروف، و هو تعهّده و القيام بضرورة تربيته بنفسه أو بغيره. و أنّه لا يجب عليه الإنفاق من ماله ابتداءً، بل من مال اللقيط الموجود تحت يده، أو الموقوف علىٰ أمثاله، أو الموصى لهم به، بإذن الحاكم مع إمكانه، و إلّا أنفق و لا ضمان.

و عن التذكرة الإجماع (4) علىٰ عدم وجوب الإنفاق عليه ابتداءً، و جوازه علىٰ اللقيط من ماله لكن بإذن الحاكم مع إمكانه. و لا ريب في اعتباره حينئذٍ؛ لأصالة عدم جواز التصرف في مال الغير بغير إذنه أو إذن

____________

(1) المبسوط 3: 352.

(2) المسالك 2: 299.

(3) الدروس 3: 81.

(4) التذكرة 2: 273.

153

وليّه. و ولايته مقصورة علىٰ الحضانة دون التصرف في المال.

و هذا و إن جرىٰ في صورة عدم إمكان الإذن، إلّا أنّ الجواز فيها للضرورة المبيحة، و هي في صورة الإمكان مفقودة.

فالحكم بالجواز في الصورتين كما يميل إليه بعض متأخّري متأخّري الطائفة (1) لا وجه له، سيّما مع كون التفصيل بينهما بالجواز في إحداهما و عدمه في الثانية معروفاً بين الطائفة. و به صرّح في الكفاية (2).

ثمّ إنّ هذا إن وجد للّقيط مال.

و أمّا إذا وجد هُ الملتقط و لا مال له، فإن وجد سلطاناً استعان به علىٰ نفقته من بيت المال أو الزكاة فإن لم يجد و تعذّر عليه استعان بالمسلمين و يجب عليهم مساعدته بالنفقة كفايةً، علىٰ الأشهر بين الطائفة؛ لوجوب إعانة المحتاج كذلك مطلقاً.

خلافاً للماتن في الشرائع حيث تردّد فيه (3): ممّا مرّ، و من أنّ الوجوب حكم شرعيّ فيقف علىٰ دليل، و ليس، مضافاً إلىٰ أصالة البراءة.

و يمنعان بما عرفته، فإنّه أخصّ.

فإذاً الأشهر أظهر، و عليه فإن وجد متبرّع منهم، و إلّا كان الملتقط و غيره ممّن لا ينفق إلّا بنيّة الرجوع سواء في الوجوب.

و إن تعذّر الأمران من الرجوع إلىٰ السلطان، و الاستعانة بالمسلمين أنفق الملتقط وجوباً و رجع عليه بعد يساره إذا نوىٰ الرجوع بها عليه و لو تبرّع فلم ينو لم يرجع كما لا يرجع لو وجد

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان 10: 417.

(2) الكفاية: 235.

(3) الشرائع 3: 284.

154

المعين المتبرّع فلم يستعن به.

و لا إشكال في شيء من ذلك و لا خلاف إلّا في الرجوع مع نيّته، فقد خالف فيه الحلّي و قال: الأقوىٰ عندي أنّه لا يرجع به عليه؛ لأنّه لا دليل علىٰ ذلك، و الأصل براءة الذمّة، و شغلها يحتاج إلىٰ أدلّة ظاهرة (1).

و يضعّف باستلزام ما ذكره الإضرار باللقيط و الملتقط، و هو منفيّ بالنصّ و الإجماع. و ذلك فإنّه إمّا أن يجب النفقة علىٰ الملتقط، أو لا. و الأوّل باطل؛ لأنّه ضرر به، مع أنّه خرق للإجماع أيضاً كما في المختلف قال: إذ لم يوجبه أحد مجّاناً (2). و الثاني باطل أيضاً؛ لأنّه ضرر علىٰ اللقيط؛ إذ لملتقطه ترك ما ليس بواجب عليه فيؤدّي ذلك إلىٰ تلفه، و الإجماع بل الضرورة تنادي ببطلانه، هذا.

مع أنّه قد مرّ جملة من النصوص (3) الدالّة علىٰ جواز الرجوع بها عليه، بل تضمّنت أمر اللقيط بردّها عليه، و فيها الصحيح و غيره. و قصور سنده مجبور بالعمل، فلا قدح فيه، كما لا قدح في شمولهما لما لا يجوز له الرجوع فيه إجماعاً؛ لجواز التقييد و التخصيص مع حجية العام في الباقي.

و في الصحيح: عن اللقيطة، فقال: «لا تباع و لا تشترى، و لكن استخدمها بما أنفقته عليها» (4) و ربما كان فيه تأييد ما لما اخترناه، فلا إشكال فيه أصلًا.

____________

(1) السرائر 2: 107.

(2) المختلف: 453.

(3) راجع ص: 144، 145.

(4) الكافي 5: 225/ 4، الوسائل 25: 467 أبواب اللقطة ب 22 ح 4.