رياض المسائل - ج14

- السيد علي الطباطبائي المزيد...
496 /
155

و هل يشترط مع نيّته الرجوع الإشهاد؟ عن التذكرة: نعم (1)، و عن الحلي: لا (2). و هو أشهر و أقوى؛ للأصل، مع عدم ما يوجب الخروج عنه. نعم الأحوط ذلك ليسلم عن اليمين لو ادّعىٰ اللقيط عليه التبرّع.

[القسم الثاني: في الضوالّ]

القسم الثاني: في الضوالّ جمع ضالّة.

و هي: كلّ حيوان مملوك ضائع أُخذ و لا يد محترمة عليه. احتُرِز بالمملوك عن نحو الخنزير و الكلب العقور، و بالضائع عمّا يوجد و عليه يد المالك، و بلا يد عليه عن الحيوان الضائع عن مالكه و هو بيد الملتقط.

و أخذه في صورة الجواز الآتية مكروه كما هو من مذهبهم معروف.

قيل (3): للنصوص، منها النبوي: «لا يأوي الضالّ إلّا الضالّ» (4) و الخبران: «الضوالّ لا يأكلها إلّا الضالّون» (5) و زيد في أحدهما: «إذا لم يعرّفوها» (6).

و في الاستدلال بهما نظر؛ لورودهما في الأكل دون مجرّد الأخذ الذي هو محلّ البحث، فلا دلالة فيه علىٰ المنع عنه. و ربما كان في الثاني من جهة الزيادة إشعار بل ظهور في اختصاص المنع بالأوّل دون الثاني، فتدبّر.

و لكن الأمر في ذلك سهل لأنّ في فتاوىٰ الأصحاب و الخبر الأوّل

____________

(1) التذكرة 2: 273.

(2) حكاه عنه في التنقيح 4: 108، و انظر السرائر 2: 107.

(3) قاله الشهيد الثاني في المسالك 2: 300، و السبزواري في الكفاية: 235.

(4) سنن البيهقي 6: 190.

(5) التهذيب 6: 396/ 1193، الوسائل 25: 440 أبواب اللقطة ب 1 ح 5.

(6) التهذيب 6: 394/ 1182، الوسائل 25: 442 أبواب اللقطة ب 2 ح 4.

156

كفاية و إن ضعف السند، و لم يبلغ الفتوىٰ درجة الإجماع؛ لجواز التسامح في أمثال المقام.

و استثنوا من ذلك الأخذ مع تحقّق التلف فقالوا: إنّه جائز، بل مستحبّ صيانةً للمال المحترم عنه، مع انتفاء الفائدة للمالك علىٰ تقدير تركها، قيل: بل قد يجب كفايةً إذا عرف مالكها (1).

و حيث قد دلّت فحوى العبارة علىٰ اختلاف حكم التقاط الضالّة حرمةً و حلّاً أراد بيان كلّ من الصورتين، و أشار إلىٰ الأُولىٰ بقوله: فالبعير لا يؤخذ إذا وُجِد في كلأ و ماء، أو كان صحيحاً، إجماعاً كما يأتي.

و الصحاح به مع ذلك مستفيضة، في اثنين منها: «إنّي وجدت شاة، فقال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): هي لك، أو لأخيك، أو للذئب، فقال: يا رسول اللّٰه إنّي وجدت بعيراً، فقال: معه حذاؤه و سقاؤه، حذاؤه خفّه، و سقاؤه كرشه» (2).

و في ثالث: «عن الشاة الضالّة بالفلاة، فقال للسائل: هي لك، أو لأخيك، أو للذئب، قال: و ما أُحبّ أن أمسّها، و سئل عن البعير الضالّ، فقال للسائل: مالك و له، خفّه حذاؤه إلىٰ أن قال خلّ عنه» (3) و نحوها مفهوم الرابع الآتي، هذا.

مضافاً إلىٰ الأصل الدالّ علىٰ عدم جواز إثبات اليد علىٰ مال الغير من دون الإذن أو السبب المرخّص فيه، و ليسا في محل الفرض؛ لعدم المعرفة بالصاحب، و أنّ البعير مصون عن السباع بامتناعه مستغنٍ بالرعي.

____________

(1) كما في الروضة 7: 83.

(2) الكافي 5: 140/ 12، التهذيب 6: 394/ 1184، الوسائل 25: 457 أبواب اللقطة ب 13 ح 1.

(3) الفقيه 3: 188/ 848، التهذيب 6: 394/ 1185، الوسائل 25: 459 أبواب اللقطة ب 13 ح 5.

157

فمصلحة المالك ترك التعرّض له حتّى يجده، و الغالب أنّ من أضلّ شيئاً يطلبه حيث يضعه، فإذا أخذه غيره ضاع عنه، و عليه نبّه في بعض النصوص (1).

و لو أخذه في هذه الصورة ضمنه الآخذ لأنّه غاصب، فلا يبرأ إلّا بردّه إلىٰ المالك، أو الحاكم مع فقده، لا بالإرسال، و لا بردّه إلىٰ المكان الأوّل. قيل: إلّا إذا أخذها ليردّها إلىٰ المالك (2).

و في رواية: «الضالة يجدها الرجل فينوي أن يأخذ لها جعلًا فتنفق، قال: هو ضامن، فإن لم ينوِ أن يأخذ لها جعلًا فنفقت فلا ضمان عليه» (3).

و في الصحيح: «من وجد ضالّة و لم يعرّفها، ثمّ وجدت عنده، فإنّها لربّها، أو مثلها من مال الذي كتمها» (4).

و كذا حكم الدابة و البقرة و الحمار، بلا خلاف في الأوّل أجده.

و جعله المعروف من مذهب الأصحاب في الكفاية (5)؛ للأصل المتقدّم.

مضافاً إلىٰ خصوص الخبرين، في أحدهما: «إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قضىٰ في رجل ترك دابّة من جهد، قال: إن كان تركها في كلأ و ماء و أمن فهي له، يأخذها حيث أصابها، و إن كان ترك في خوف و علىٰ غير ماء و لا كلأ، فهي لمن أصابها» (6).

____________

(1) الوسائل 25: 439 أبواب اللقطة ب 1.

(2) قال به الكاشاني في المفاتيح 3: 181.

(3) الفقيه 3: 189/ 852، التهذيب 6: 396/ 1192، الوسائل 25: 464 أبواب اللقطة ب 19 ح 1.

(4) الكافي 5: 141/ 17، الفقيه 3: 187/ 843، التهذيب 6: 393/ 1180، الوسائل 25: 460 أبواب اللقطة ب 14 ح 1.

(5) الكفاية: 235.

(6) الكافي 5: 140/ 14، التهذيب 6: 393/ 1178، الوسائل 25: 458 أبواب اللقطة ب 13 ح 4.

158

و في الثاني: «إنّه (عليه السلام) كان يقول في الدابّة إذا سرحها أهلها، أو عجزوا عن علفها أو نفقتها فهي للذي أحياها» قال: «و قضى علي (عليه السلام) في رجل ترك دابّة، فقال: إن كان تركها في كلأ و ماء و أمن فهي له، يأخذها متى شاء، و إن تركها في غير كلأ و ماء، فهي للذي أحياها» (1).

و علىٰ مذهب الخلاف و السرائر (2) في الأخيرين، و وافقه الماتن في الشرائع (3) لكن بعد التردّد. و في المسالك (4) استجود إلحاق الأوّل منهما، دون الثاني. و استقرب عدم الإلحاق فيهما في الكفاية قال: وقوفاً في النهي علىٰ مورد النص (5).

و فيه نظر؛ التفاتاً إلىٰ ما يستفاد من النصوص من أنّ وجه الحكمة في جواز التقاط البعير و الدابّة و عدمه، إنّما هو الأمن من تلفه بامتناعه من صغار السباع و عدمه؛ مضافاً إلىٰ ظهور اتّفاق الفتاوىٰ عليه في المقامين؛ مع أنّ المنع عن التقاطهما هو الأوفق بالأصل المتقدّم.

فالأجود الإلحاق فيهما، سيّما مع عموم الصحيح الآتي بناءً علىٰ أنّ المراد من المال فيه خصوص الحيوان الضالّ، كما يشهد له سياقه، و صرّح به بعض الأصحاب (6).

و يجوز أن يؤخذ البعير و ما في حكمه لو تركه صاحبه من

____________

(1) الكافي 5: 141/ 16، التهذيب 6: 393/ 1181، الوسائل 25: 458 أبواب اللقطة ب 13 ح 3.

(2) الخلاف 3: 579، السرائر 2: 100.

(3) الشرائع 3: 289.

(4) المسالك 2: 300.

(5) الكفاية: 235.

(6) جامع المقاصد 6: 138.

159

جهد و عطب لمرض أو كسر أو غيرهما في غير كلأ و لا ماء، و يملكه الآخذ حينئذٍ علىٰ الأظهر الأشهر، بل عليه عامّة من تأخّر؛ للصحيح:

«من أصاب مالًا أو بعيراً في فلاة من الأرض، قد كلّت و قامت، و سيّبها صاحبها لما لم تتبعه، فأخذها غيره، فأقام عليها، و أنفق نفقة حتّى أحياها من الكلال و من الموت، فهي له، و لا سبيل له عليها، و إنّما هي مثل الشيء المباح» (1).

مضافاً إلىٰ الخبرين المتقدّمين في الدابّة.

خلافاً لابن حمزة (2) فلم يجوّز الأخذ أيضاً في هذه الصورة؛ التفاتاً منه إلىٰ إطلاق المنع عنه في الصحاح المتقدّمة.

و يضعّف بلزوم تقييده بهذه النصوص المعتبرة.

و ظاهرها كالعبارة و نحوها من عبائر الجماعة، و صريح آخرين اشتراط الأمرين من الترك من جهد و في غير كلأ و ماء معاً، فلو انتفىٰ أحدهما بأن ترك من جهد في كلأ و ماء، أو من غير جهد في غيرهما، أو انتفىٰ كلّ منهما بأن ترك من غير جهد فيهما لم يجز الأخذ. و عليه الإجماع في ظاهر التنقيح و صريح الصيمري (3).

و ربما يستفاد من بعض متأخّري المتأخّرين (4) ما يعرب عن كفاية أحدهما.

و لا ريب في ضعفه، مع عدم وضوح مستنده.

____________

(1) الكافي 5: 140/ 13، التهذيب 6: 392/ 1177، الوسائل 25: 458 أبواب اللقطة ب 13 ح 2.

(2) الوسيلة: 278.

(3) التنقيح الرائع 4: 110، غاية المرام 4: 149.

(4) انظر المفاتيح 3: 181.

160

و هل الفلاة المشتملة علىٰ كلأ دون ماءٍ أو بالعكس بحكم عادمتهما، أو بحكم مشتملتهما؟ قولان، صريح التنقيح: الثاني (1)، و صريح شيخنا الشهيد الثاني: الأوّل، قال: لعدم قوام الحيوان بدونهما، و لظاهر قول أمير المؤمنين (عليه السلام) إنّه إن تركها في غير كلأ و لا ماء، فهي للذي أحياها (2).

و هذا أقوى.

و الشاة إن وجدت في الفلاة التي يخاف عليها فيها من السباع أخذها الواجد جوازاً، بلا خلاف ظاهر مصرّح به في المسالك (3) و غيره (4)، بل عليه الإجماع في شرح الشرائع للصيمري و عن التذكرة (5)؛ و هو الحجّة.

مضافاً إلىٰ الصحاح المتقدّمة، و لأنّها لا تمنع من صغير (6) السباع فتكون كالتالفة، لا فائدة للمالك في تركها له. و يتخيّر الآخذ بين حفظها لمالكها، و دفعها إلىٰ الحاكم. و لا ضمان فيهما إجماعاً كما في شرح الشرائع للصيمري و المسالك (7)؛ للأصل، و انتفاء الموجب للضمان في الصورتين، نظراً إلىٰ الرخصة في الأخذ فيكون أميناً في الحفظ، و الدفع إلىٰ الحاكم الذي هو بحكم المالك، لأنّه ولي الغيّب؛ و بين أن يتملّكها، بلا خلاف.

و هل يضمنها حينئذٍ كما عن الأكثر مطلقاً أو مع ظهور

____________

(1) التنقيح 4: 111.

(2) الروضة 7: 85.

(3) المسالك 2: 301.

(4) انظر الكفاية: 235.

(5) غاية المرام 4: 150، التذكرة 2: 267.

(6) في المطبوع من المختصر (261): ضرر.

(7) غاية المرام 4: 151، المسالك 2: 301.

161

المالك، أم لا؟ قولان، تردّد بينهما في الشرائع (1) من أنّها مال الغير، و لم يوجد دليل ناقل عن حكم ضمانه، و إنّما المتّفق عليه جواز تصرّفه فيها، و لعموم: «علىٰ اليد ما أخذت حتى تؤدّي» و عموم الخبر: «من وجد شيئاً فهو له، فليتمتّع به حتى يأتيه طالبه، فإذا جاء طالبه ردّه إليه» (2).

و من ظاهر اللّام في قوله (عليه السلام): «هي لك» في تلك الصحاح (3)، و إطلاق الصحيحة الأخيرة (4) منها الصريحة في الملك بالأخذ، و به تخصّ العمومات المتقدّمة، مع قصور الرواية الأخيرة منها سنداً، بل و دلالةً.

و أمّا ما يقال من احتمال اللّام الاختصاص الغير المنافي للضمان، و اختصاص الصحيحة الأخيرة بحيوان سيّبه صاحبه فلم تعمّ صور المسألة.

فمحلّ مناقشة؛ لمنافاة الاحتمال الظاهر المتبادر منها عند الإطلاق، و اندفاع الاختصاص بعدم القول بالفرق بين الأصحاب.

و مع ذلك فلا ريب أنّ الضمان أحوط، بل و أظهر؛ للصحيح المرويّ عن قرب الإسناد: عن رجل أصاب شاة في الصحراء، هل تحلّ له؟ قال:

«قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): هي لك، أو لأخيك، أو للذئب فخذها، و عرّفها حيث أصبتها، فإن عرفت فردّها إلىٰ صاحبها، و إن لم تعرف فكلها، و أنت ضامن لها إن جاء صاحبها يطلب ثمنها أن تردّها عليه» (5).

لكن سيأتي في الصحيح: «إنّ من وجد ضالّة فلم يعرّفها، ثمّ وجدت

____________

(1) الشرائع 3: 289.

(2) الكافي 5: 139/ 10، التهذيب 6: 392/ 1175، الوسائل 25: 447 أبواب اللقطة ب 4 ح 2.

(3) المتقدمة في ص: 153.

(4) المتقدمة في ص: 156.

(5) قرب الإسناد: 273/ 1086، الوسائل 25: 459 أبواب اللقطة ب 13 ح 7.

162

عنده، فإنّها لربّها» الحديث (1). و يستفاد من مفهومه خروجه عن ملك المالك بالتعريف.

و هل له التملّك قبل التعريف سنة؟ قيل: لا؛ للاستصحاب، و عموم الأمر بالتعريف في اللقطات (2). و قوّىٰ جماعة (3) العدم (4)؛ لإطلاق الصحاح بالملك من دون تقييد له به، مع ورودها في مقام بيان الحاجة، و به يخصّ عموم الأمر المتقدّم مع الاستصحاب، مع أنّه لا عموم له، بل غايته الإطلاق الغير المنصرف بحكم التبادر و سياق جلّ من النصوص المشتملة عليه إلّا إلىٰ لقطة الأموال غير الضوالّ.

و الأوّل أحوط، بل لعلّه أظهر؛ للصحيح المتقدّم الصريح في ذلك المعتضد بإطلاق الصحيح الآخر، بل عمومه الناشئ عن ترك الاستفصال:

عن الرجل يصيب درهماً أو ثوباً أو دابّة، كيف يصنع؟ قال: «يعرّفها سنة، فإن لم يعرّف حفظها في عرض ماله حتّى يجيء طالبها، فيعطيها إيّاه، و إن مات أوصىٰ بها، و هو لها ضامن» (5) فتأمّل.

و الصحيح: «من وجد ضالّة فلم يعرّفها، ثمّ وجدت عنده، فإنّها

____________

(1) الكافي 5: 141/ 17، الفقيه 3: 187/ 843، التهذيب 6: 393/ 1180، الوسائل 25: 460 أبواب اللقطة ب 14 ح 1.

(2) انظر تحرير الأحكام 2: 126.

(3) منهم العلّامة في التذكرة 2: 268، و المحقق الثاني في جامع المقاصد 6: 140، و الشهيد الثاني في الروضة 7: 87.

(4) المراد عدم توقّف التملك علىٰ التعريف، و العبارة غير ملائمة للسياق، و الأنسب: الجواز.

(5) الفقيه 3: 186/ 840، التهذيب 6: 397/ 1198، الوسائل 25: 466 أبواب اللقطة ب 20 ح 2.

163

لربّها» و الخبر: «الضوالّ لا يأكلها إلّا الضالّون إذا لم يعرّفوها» (1).

و في رواية ضعيفة (2) أنّ واجد الشاة يحبسها عنده ثلاثة أيّام، فإن جاء صاحبها، و إلّا تصدّق بثمنها عن صاحبها. و قد حملها الأصحاب علىٰ ما إذا أُخذت من العمران، و المساكن المأهولة، و ما هو قريب منها بحيث لا يخاف عليها من السباع.

و ظاهرهم الإطباق علىٰ العمل بها حينئذٍ، و لكن اختلفوا في جواز الأخذ فيه، فعن المبسوط أنّه جوّز فيه و فيما كان متّصلًا به نصف فرسخ أخذ الحيوان ممتنعاً أو لا، و يتخيّر الآخذ بين الإنفاق تطوّعاً، أو الدفع إلىٰ الحاكم، و ليس له أكله (3).

و المشهور كما في التنقيح (4)، و عن التذكرة عدم الخلاف فيه (5) المنع إلّا مع خوف التلف أو النهب، فيجوز أخذه حينئذٍ حفظاً لمالكه علىٰ وجه الحسبة. و في الدروس عن الفاضل الموافقة لهم إلّا في الشاة، قال:

و منع الفاضل من أخذ ما في العمران عدا الشاة إلّا أنْ يخاف عليه النهب أو التلف (6).

و وجهه كوجه ما في المبسوط غير واضح، مع أنّ الأصل عدم جواز الأخذ و التصرّف في ملك الغير بدون إذن من الشرع، كما هو مفروض

____________

(1) التهذيب 6: 394/ 1182، الوسائل 25: 442 أبواب اللقطة ب 2 ح 4.

(2) التهذيب 6: 397/ 1196، الوسائل 25: 459 أبواب اللقطة ب 13 ح 6.

(3) المبسوط 3: 320.

(4) التنقيح 4: 113.

(5) التذكرة 2: 267.

(6) الدروس 3: 83.

164

البحث. فإذا الأظهر قول الأكثر.

و يجب أن ينفق الواجد علىٰ الضالّة إن لم يتّفق سلطان ينفق عليها من بيت المال أو يأمره بالإنفاق؛ حفظاً لنفسها المحترمة عن الهلكة، و لا يرجع بالنفقة علىٰ المالك حيثما لم يجز له أخذها قطعاً؛ لعدم الإذن له في الأخذ و لا الإنفاق و إن وجب عليه من باب الحفظ.

و هل يرجع بها علىٰ المالك حيثما جاز له الأخذ مع نيّة الرجوع؟ قولان، الأشبه نعم و عليه الأكثر، بل لعلّه عليه عامّة من تأخّر؛ لما مرّ في بحث الإنفاق علىٰ اللقيط، خلافاً لمن سبق ثمة (1). و دليله مع جوابه يعلم من هناك.

و لو كان للضالّة نفع كالظهر و الركوب أو اللبن جاز الانتفاع به في مقابلة الإنفاق، بلا خلاف كما يفهم من الروضة (2). و يعضده الصحيح الوارد في تجويز استخدام اللقيطة في مقابلة النفقة (3).

و في كيفيّة الاحتساب بالمنفعة مكان النفقة قولان قال الشيخ في النهاية (4): كان ما استوفاه من المنافع بإزاء ما أنفق عليها. و حجّته هنا غير واضحة عدا ما ذكره جماعة من الحوالة علىٰ ما ورد في الرهن من الرواية (5).

____________

(1) راجع ص: 153 154.

(2) الروضة 7: 91.

(3) المتقدم في ص: 154.

(4) النهاية: 324.

(5) منهم الفاضل المقداد في التنقيح الرائع 4: 115، و ابن فهد في المهذب البارع 4: 305، و الشهيد الثاني في المسالك 2: 302.

165

و يضعّف زيادة علىٰ ما أوردنا عليها ثمّة من ضعف السند، و قصور الدلالة و المخالفة للقواعد الشرعية بأنّه قياس فاسد في الشريعة، مع أنّ الرواية الدالّة علىٰ ذلك ثمّة مشترطة للرهينة، فإنّه «قال (عليه السلام): الظهر يركب إذا كان مرهوناً، و علىٰ الذي يركب نفقته، و الدرُّ يشرب إذا كان مرهوناً، و علىٰ الذي يشرب نفقته» (1).

و من هنا ينقدح أنّ الوجه في المسألة ما اخترناه ثمّة من لزوم التقاص بالنفقة، و رجوع كلّ ذي فضل بفضله؛ لأنّ لكل منهما حقاً عند الآخر فيتقاصّان كسائر الحقوق.

[القسم الثالث في لقطة المال الصامت و فيه ثلاثة فصول]

[الأوّل: اللقطة]

القسم الثالث في لقطة المال الصامت و فيه ثلاثة فصول:

الأوّل: اللقطة: كلّ مال ضائع أُخذ و لا يد عليه هذا تعريف لها بالمعنى الأخصّ الذي هو المعروف منها لغةً كما مضى.

و ربما كان فيه مع جعل المعروف قسماً ثالثاً من اللقطة تقسيم للشيء إلىٰ نفسه و غيره.

و يندفع بأنّ المراد من المقسم المعنىٰ الأعمّ الذي هو المصطلح في استعمال الفقهاء، فلا محذور؛ لتغاير الاعتبارين.

و كان عليه أنْ يقيّد المال بالصامت كي لا ينتقض في طرده بالحيوان الضائع حتى العبد فإنّه داخل في المال المطلق.

إذا عرفت هذا ف اعلم أنّ ما كان منه دون الدرهم يجوز

____________

(1) الفقيه 3: 195/ 886، التهذيب 7: 175/ 775، الوسائل 18: 398 أبواب أحكام الرهن ب 12 ح 2.

166

التقاطه و ينتفع به من غير تعريف بلا خلاف ظاهر، بل عليه الإجماع عن التذكرة و في التنقيح (1) لكن فيما عدا لقطة الحرم؛ و هو الحجّة، مضافاً إلىٰ صريح الروايات الآتية.

و هل يجب ضمانه مع ظهور مالكه؟ قولان، أحوطهما ذلك، وفاقاً للقواعد و التنقيح و غيرهما (2)؛ للأصل، و عدم صراحة النصوص في التملّك بناءً علىٰ عدم صراحة اللام فيه، مع أنّ بعضها الذي هو المعتبر سنداً دون ما تضمّن اللام؛ لإرساله، مع عدم جابر له فيه جدّاً لم يتضمّن عدا نفي وجوب التعريف في هذا المقدار، و هو لا يستلزم التملك؛ لاجتماعه مع جواز التصرّف فيه، هذا. مضافاً إلىٰ اعتضاده ببعض ما مرّ فيما يشابه المسألة قريباً.

و في إلحاق قدر الدرهم بما دونه في الحكم المتقدّم قولان، أظهرهما بل و أشهرهما العدم، وفاقاً للصدوقين و الشيخين، و القاضي و الحلي (3)؛ للأصل المعتضد بإطلاق النصوص المستفيضة، بل المتواترة بلزوم تعريف اللقطة (4)، مع أنّ جملة منها عامّة؛ لما فيها من ترك الاستفصال، و هي حجّة أُخرى مستقلّة و إن كانت للأوّل معاضدة.

و خصوص الروايات، منها: الصحيح الصريح المتقدّم: عن الرجل يصيب درهماً أو ثوباً أو دابّةً كيف يصنع؟ قال: «يعرّفها سنة» (5) فتأمّل.

____________

(1) التذكرة 2: 256، التنقيح 4: 115.

(2) القواعد 1: 198، التنقيح 4: 116؛ و انظر جامع المقاصد 6: 158.

(3) الصدوق في المقنع: 127، و حكاه عن والده في المختلف: 449، المفيد في المقنعة: 647، الطوسي في المبسوط 3: 324، القاضي في المهذّب 2: 567، الحلي في السرائر 2: 101.

(4) الوسائل 25: 441 أبواب أحكام اللقطة ب 2.

(5) الفقيه 3: 186/ 840، قرب الإسناد: 269/ 1702، الوسائل 25: 444 أبواب أحكام اللقطة ب 2 ح 13.

167

و المرسل كالصحيح بابن أبي عمير المجمع علىٰ تصحيح رواياته-: عن اللقطة، قال: «تعرّف سنةً قليلًا كان أو كثيراً» قال: «و ما كان دون الدرهم فلا يعرّف» (1).

و مرسل الفقيه: «و إن كانت اللقطة دون درهم فهي لك فلا تعرّفها» (2) الخبر.

خلافاً للديلمي و التقي و ابن حمزة (3)، فاختاروا الإلحاق. و حجّتهم عليه غير واضحة، و مع ذلك الأدلّة علىٰ خلافه كما عرفت متكاثرة متعاضدة.

نعم يستفاد من قول الماتن: فيه روايتان وجود رواية لهم، و لم نقف عليها بعد التتبّع، و به صرّح في التنقيح (4).

و إطلاق الخبرين الأخيرين يقتضي عدم الفرق في جواز أخذ ما دون الدرهم، و تملّكه بين التقاطه من الحرم و غيره، و هو ظاهر المتن أيضاً.

بل يستفاد من قوله: و ما كان أزيد من الدرهم فإن وجده في الحرم كره أخذه، و قيل: يحرم و لا يحلّ أخذه إلّا مع نيّة التعريف عدم الخلاف فيه. و نحوه عبارة الشيخ في النهاية، و القاضي و الحلي (5) كما حكي.

____________

(1) الكافي 5: 137/ 4، التهذيب 6: 389/ 1162، الإستبصار 3: 68/ 226، الوسائل 25: 446 أبواب أحكام اللقطة ب 4 ح 1.

(2) الفقيه 3: 190/ 855، الوسائل 25: 443 أبواب أحكام اللقطة ب 2 ح 9.

(3) الديلمي في المراسم: 206، التقي في الكافي في الفقه: 350، ابن حمزة في الوسيلة: 278.

(4) التنقيح الرائع: 116.

(5) النهاية: 320، المهذّب 2: 567، السرائر 2: 101.

168

و في كلّ من الحكم بعدم الفرق في ذلك، و الإشعار بعدم الخلاف فيه، و اختصاصه بما زاد من لقطة الحرم نظر.

فالأوّل: بعدم دليل عليه عدا إطلاق الخبرين، و ليسا يشملان بحكم التبادر و الغلبة محلّ الفرض. و أدلّة المنع و الجواز المستدلّ بها في لقطة الحرم مطلقة لا تفصيل فيها بين الزائد علىٰ الدرهم و الناقص عنه، فلا وجه للحكم به.

و الثاني: بما يحكىٰ عن جماعة من عدم الفرق بينهما، و إن اختلفوا في الحكم كراهةً كما عن الخلاف و والد الصدوق (1)، أو تحريماً كما عن النهاية (2)، و جماعة و منهم الماتن في كتاب الحج، و الدروس فيه أيضاً، و الفاضل في المختلف و القواعد، و المقداد في التنقيح، و الصيمري في شرح الشرائع، و الشهيد في اللمعة (3) مشترطاً في التحريم نيّة التملّك، مصرّحاً بالجواز إذا كان بنيّة الإنشاد.

و نسبه في المسالك و غيره (4) إلىٰ المشهور، و احتجّ فيه لهم بالآية أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنّٰا جَعَلْنٰا حَرَماً آمِناً (5) فإنّ مقتضاه أن يكون الإنسان آمنا فيه علىٰ نفسه و ماله، و هو ينافي جواز أخذه.

و النصوص، منها: «لقطة الحرم لا تمسّ بيد و لا رجل، و لو أنّ الناس

____________

(1) الخلاف 3: 585، و حكاه عن والد الصدوق في المختلف: 448.

(2) النهاية: 284.

(3) الشرائع 1: 277، الدروس 1: 472، المختلف: 248، القواعد 1: 197، التنقيح 4: 117، غاية المرام 4: 155، اللمعة (الروضة البهية 7): 92.

(4) المسالك 2: 303؛ و انظر جامع المقاصد 6: 147.

(5) العنكبوت: 67.

169

تركوها لجاء صاحبها فأخذها» (1).

و منها: عن رجل وجد ديناراً في الحرم فأخذه، قال: «بئس ما صنع، ما كان ينبغي له أن يأخذه» قلت: ابتلي بذلك، قال: «يعرّفه» (2) الحديث.

و منها: عن لقطة الحرم، فقال: «لا تمسّ أبداً حتى يجيء صاحبها فيأخذها» قلت: فإن كان مالًا كثيراً، قال: «فإن لم يأخذها إلّا مثلك فليعرّفها» (3).

و ضعّف الجميع بما يرجع حاصله إلىٰ منع دلالة الآية، و تضعيف أسانيد الروايات، مع تضمّن بعضها لفظة: «لا ينبغي» الصريحة في الكراهة، و آخر منها لفظة: «لم يأخذها إلّا مثلك فليعرّفها» الظاهر فيها؛ إذ لو كان محرّماً لساوى غيره. بل الظاهر منه أنّ أخذ الثقة غير مكروه، أو أقلّ كراهة، و حال مطلق اللقطة كذلك.

بل قد ورد فيها بمثل هذه العبارة ما هو أصحّ سنداً، منها: «كان علي ابن الحسين (عليه السلام) يقول لأهله: لا تمسّوها» (4).

و منها: «لا تعرّض لها، فلو أنّ الناس تركوها لجاء صاحبها فأخذها» (5).

قال: و يؤيدّ الحكم بالكراهة الخبر: عن اللقطة، فقال: «أمّا بأرضنا

____________

(1) التهذيب 6: 390/ 1167، الوسائل 25: 439، أبواب اللقطة ب 1 ح 3.

(2) التهذيب 6: 395/ 1190، الوسائل 25: 463 أبواب اللقطة ب 17 ح 2.

(3) التهذيب 5: 421/ 1461، الوسائل 13: 260 أبواب مقدمات الطواف ب 28 ح 2.

(4) التهذيب 6: 389/ 1163، الإستبصار 3: 68/ 227، الوسائل 25: 439 أبواب اللقطة ب 1 ح 1.

(5) التهذيب 6: 390/ 1166، الوسائل 25: 439 أبواب اللقطة ب 1 ح 2.

170

هذه فلا يصلح» (1).

و في جميع ما ذكره عدا الجواب عن الآية نظر؛ لانجبار قصور الأسانيد بالشهرة الظاهرة المحكيّة في كلام جماعة (2)، و اعتضاده بالأصل المتقدّم إليه الإشارة غير مرّة من حرمة التصرّف في ملك الغير إلّا برخصة من الشرع، هي في المقام مفقودة.

و «لا ينبغي» و إن أشعر بالكراهة إلّا أنّ «بئس ما صنع» أظهر دلالةً علىٰ الحرمة منه علىٰ الكراهة.

و دعواه الصراحة في «لا ينبغي» ممنوعة، كيف لا؟! و استعماله في الحرمة و الأعمّ منها و من الكراهة شائع في الأخبار غايته، حتى أنكر بعض الأصحاب لذلك إشعاره بالكراهة (3).

و دلالة «إن لم يأخذها إلّا مثلك» عليها علىٰ تقدير تسليمها غير نافعة للقائلين بالكراهة؛ لعدم تفصيلهم في الحكم بها بين الفاسق و الثقة، نعم ربما يوجد هذا التفصيل في كلام بعض القائلين بالحرمة (4)، فتكون ضارّة لهم لا نافعة.

و أمّا النصوص الصحيحة المتضمّنة لنحو ما في الروايات السابقة من المنع عن أخذ مطلق اللقطة، فهي ممّا يؤيّد القول بالحرمة؛ لإطلاقها الشامل للقطتي الحرم و غيره. و لا إجماع يقيّده بالثاني و يصرف النهي فيها

____________

(1) التهذيب 5: 421/ 1463، الوسائل 13: 259 أبواب مقدمات الطواف ب 28 ح 1.

(2) منهم فخر المحققين في إيضاح الفوائد 2: 15، و المحقق الثاني في جامع المقاصد 6: 147، و الشهيد الثاني في المسالك 2: 303.

(3) انظر مجمع الفائدة و البرهان 10: 454.

(4) انظر الدروس 1: 473.

171

إلىٰ الكراهة؛ لوقوع الخلاف فيه أيضاً حرمةً و كراهةً، كما يستفاد من المختلف، حيث قال: الأشهر الكراهة (1)، بعد أن حكىٰ المنع عن الصدوق و النهاية.

و علىٰ تقدير الإجماع علىٰ الكراهة فلا دلالة فيه علىٰ تعيّن التقييد المتقدّم إليه الإشارة بعد احتمال كونه مقيّداً لها بصورة العكس، بل هذا أولىٰ؛ لتعدّد المجازيّة في الاحتمال الأوّل من التقييد و صرف النهي فيها إلىٰ الكراهة، و لا كذلك الثاني، فإنّ اللازم فيه إنّما هو الأوّل، و يكون النهي فيه باقياً علىٰ الحرمة.

لكن يتوجّه عليه استلزامه حمل الإطلاق علىٰ الفرد النادر؛ لندرة لقطة الحرم بالإضافة إلىٰ غيرها.

و به يجاب عمّا لو استدلّ به علىٰ الكراهة في لقطة الحرم من إطلاق مرسل الفقيه: «إنّ أفضل ما يستعمله الإنسان في اللقطة إذا وجدها أن لا يأخذها، و لا يتعرّض لها، فلو أنّ الناس تركوا ما يجدونه لجاء صاحبه فأخذه» (2) الخبر؛ لوروده مورد الغالب و هو ما عدا لقطة الحرم، مع أنّه مرسل، لكنّه بعد حمله علىٰ الغالب من لقطة غير الحرم كما بني عليه الجواب بالشهرة المحكيّة في المختلف بل الظاهرة منجبر، فيصرف به ظواهر النهي في تلك النصوص الصحيحة إلىٰ الكراهة.

و منه يظهر صحّة ما عليه المشهور في لقطة غير الحرم من الكراهة (3).

____________

(1) المختلف: 449.

(2) الفقيه 3: 190/ 855، الوسائل 25: 443 أبواب اللقطة ب 2 ح 9.

(3) في «ح» و «ر» زيادة: بل قيل: يفهم عليه الإجماع من التذكرة، و هو حجّة أخرى مستقلّة. انظر مجمع الفائدة و البرهان 10: 470، و التذكرة 2: 251، 256.

172

[بل قيل: يفهم عليه الإجماع من التذكرة، و هو حجّة أخرى مستقلّة أيضا مضافاً إلىٰ الموثق كالصحيح: عن اللقطة، فأراني خاتماً في يده من فضّة، قال: «إنّ هذا ممّا جاء به السيل، و أنا أُريد أن أتصدّق به» (1).

و يبقى الجواب حينئذٍ عن تمسّك المسالك (2) بها لصرف النهي في تلك الروايات أيضاً إلىٰ الكراهة. و يمكن أن يقال: إنّ صرف النهي إليها في تلك الصحاح لقرينة من إجماع أو رواية لا يستلزم صرفه إليها في هذه الروايات من دون قرينة كما هو المفروض.

و تأييد الكراهة بالرواية الأخيرة (3) غير واضح؛ لإشعارها بل ظهورها في اختصاص عدم الصلاحية و الكراهة بأرض منى خاصّة، و لا قائل به من الطائفة فلتطرح، أو تؤوّل بحمل «لا يصلح» علىٰ الحرمة، و يلحق مكة و باقي الحرم بمنىٰ بعدم القائل بالفرق بين الطائفة، و لا محذور. و لا كذلك لو أُبقيت علىٰ ظاهرها من الكراهة؛ إذ عدم القول بالفرق المزبور إنّما يتمّ به الكراهة في لقطة جميعه، و لا يدفع محذور اختصاصها به، فإنّ مقتضاه عدم الكراهة في لقطة غيره، و لا قائل به.

و حمل «لا يصلح» علىٰ تأكّد الكراهة و إن أمكن و يندفع به هذا المحذور، إلّا أنّه مجاز كالحمل علىٰ الحرمة، لا يمكن اختياره خاصّة إلّا بعد قرينة معيّنة هي في الرواية مفقودة.

اللّهم إلّا أنْ يقال: إنّه أقرب المجازين إلىٰ أصل الكراهة الذي هو الحقيقة، لكنّه معارض بظهور الروايات السابقة في الحرمة، مع اشتهارها بين الطائفة، كما اعترف به هو و غيره، و أخبارهم (عليهم السلام) يكشف بعضها عن

____________

(1) التهذيب 6: 391/ 1172، الوسائل 25: 451 أبواب اللقطة ب 7 ح 3.

(2) المسالك 2: 303.

(3) المتقدمة في ص: 166.

173

بعض.

فإن لم يكن الحمل علىٰ الحرمة بهذا راجحاً علىٰ الحمل الآخر فلا أقلّ من التساوي بينهما، و هو يوجب الإجمال المنافي للاستدلال.

و بما حرّرناه ظهر قوّة القول في لقطة الحرم بالحرمة، و ضعف القول فيها بالكراهة غايته.

و علىٰ كلا القولين يعرّف ها حولًا واحداً، إجماعاً فيما زاد عن الدرهم، و علىٰ الأشهر الأقوىٰ مطلقاً، بناءً علىٰ عدم تملّكه و ما نقص عنه أيضاً كما مضى فإن جاء صاحبه سلّمه إليه و إلّا تصدّق به بعد الحول أو استبقاه أمانة في يده.

و لا يجوز له أن يملك ه بلا خلاف في شيء من ذلك إلّا في عدم جواز التملّك، فقد جوّزه جماعة في الناقص عن الدرهم و لو من دون تعريف كما مرّ (1). و عن الحلبي تجويزه في الزائد أيضاً بعد التعريف (2).

و قد مرّ ضعف الأوّل مفصّلًا، و مثله الثاني فيه جدّاً، مع كونه شاذّاً محجوجاً هو كسابقه بالأصل، و عدم دليل علىٰ الملك مطلقاً، عدا ما يأتي من النصوص الدالّة عليه الواردة في مطلق اللقطة الغير المنصرفة كما عرفت بحكم التبادر و الغلبة إلىٰ مفروض المسألة.

و مع ذلك معارضة بصريح الرواية المنجبرة بالشهرة العظيمة في الجملة التي كادت تكون إجماعاً، بل لعلّها إجماع في الحقيقة كما في المختلف و عن التذكرة (3)، و فيها: «اللقطة لقطتان: لقطة الحرم و تعرّف

____________

(1) راجع ص: 164.

(2) الكافي في الفقه: 350.

(3) المختلف: 448، التذكرة 2: 256.

174

سنةً، فإن وجدت لها طالباً، و إلّا تصدّقت بها. و لقطة غيرها تعرّف سنةً فإن لم تجد صاحبها فهي كسبيل مالك» (1).

و لا يعارضه الخبر: فيمن وجد في الطواف ديناراً قد انسحق كتابته، قال: «له» (2) و كذا الآخر: «فإن وجدت في الحرم ديناراً مطلّساً فهو لك لا تعرِّفه» (3).

لضعفهما سنداً، و مخالفتهما الإجماع ظاهراً؛ لدلالتهما علىٰ إطلاق جواز التملّك من دون تقييد بالتعريف سنةً، مع تصريح الأخير بالنهي عنه، و لم يذهب إليه أحد من الأصحاب عدا الصدوقين (4)، و هما شاذّان انعقد علىٰ خلافهما الإجماع، فليطرحا، أو يؤوّلا بما يؤولان به إليه من حملهما علىٰ غير اللقطة من المدفون أو غيره، أو علىٰ أنّه (عليه السلام) كان يعلم أنّه من خارجي أو ناصبيّ، فتأمّل.

و لو تصدّق به بعد الحول، و كره المالك فلم يرض به لم يضمن الملتقط علىٰ الأشهر علىٰ حكاية الماتن هنا، و لم ينقل إلّا عن المفيد و الديلمي و القاضي و ابن حمزة (5).

و في المسالك نسب الضمان إلىٰ الشهرة (6). و حكي عن الشيخ في

____________

(1) التهذيب 6: 389/ 1163، الإستبصار 3: 68/ 227، الوسائل 25: 441 أبواب اللقطة ب 2 ح 1.

(2) التهذيب 6: 394/ 1187، الوسائل 25: 463 أبواب اللقطة ب 17 ح 1.

(3) الفقيه 3: 190/ 855، الوسائل 25: 443 أبواب اللقطة ب 2 ح 9.

(4) الصدوق في المقنع: 127، و حكاه عن والد الصدوق في المختلف: 448. و انظر فقه الرضا (عليه السلام): 266.

(5) المفيد في المقنعة: 646، الديلمي في المراسم: 206، القاضي في المهذّب 2: 567، ابن حمزة في الوسيلة: 278.

(6) المسالك 2: 303.

175

كتبه الثلاثة و الإسكافي و الحلّي (1)، و اختاره في المختلف و الصيمري في شرح الشرائع (2). و لعلّه أظهر؛ للخبر المتضمّن بعد الأمر بالتصدّق قوله (عليه السلام): «فإن جاء صاحبه فهو له ضامن» (3).

و ضعفه منجبر بعموم: «علىٰ اليد ما أخذت حتى تؤدّي» (4) و فحوى الأدلّة الآتية في لقطة غير الحرم من الضمان بعد الصدقة و الكراهة؛ و ذلك لأنّها جائزة له و لو على كراهة كما مر إليه الإشارة، فضمانها حينئذٍ بعد الأمرين مع كونه مأذوناً في الالتقاط و الصدقة يستلزم الضمان بعدهما في مفروض المسألة بالأولوية؛ لأنّه لم يرخّص فيه إلّا بالصدقة دون الالتقاط؛ للنهي عنه، كما عرفته.

مضافاً إلىٰ انجباره من أصله بالشهرة الظاهرة، و فيما تضمّنه من حكم المسألة بالشهرة المحكية.

نعم يعارضها حكاية الشهرة علىٰ العكس في العبارة، لكنّها علىٰ تقدير تسليمها غير واضحة الحجّة عدا ما صرّح به في الشرائع و غيره (5) من أنّ الصدقة بها تصرّف مشروع بالإجماع فلا يتعقّبها ضمان.

و هو حسن لولا ما قدّمناه من الحجة القويّة المترجّحة علىٰ هذه بوجوه عديدة، أقواها الأولويّة المتقدّمة، و هي و إن اختصّت بصورة تعمّد

____________

(1) النهاية: 284، المبسوط 3: 321، الخلاف 3: 585، و حكاه عن الإسكافي في إيضاح الفوائد 2: 154، السرائر 2: 101.

(2) المختلف: 448، غاية المرام 4: 156.

(3) التهذيب 6: 395/ 1190، الوسائل 25: 463 أبواب اللقطة ب 17 ح 2.

(4) عوالي اللئالئ 2: 345/ 10، مسند أحمد 5: 12، سنن أبي داود 3: 296/ 3561، سنن الترمذي 2: 368/ 1284، مستدرك الحاكم 2: 47، مستدرك الوسائل 17: 88/ 4.

(5) الشرائع 3: 292؛ و انظر التنقيح الرائع 4: 118.

176

الالتقاط فلا تشمل غيرها من الصور، لكنّها تتمّ حجّة علىٰ تمام المدّعىٰ بعدم القائل بالفرق بين الطائفة إن صحّ، و إلّا فتخصيص الضمان بالصورة الاولىٰ لا يخلو عن وجه؛ لاختصاص الخبر المتقدّم الدالّ عليه مع بعض معاضداته بها، فلا معارضة للقاعدة من جهته فيما عداها.

و إن وجده في غير الحرم و كان زائداً عمّا دون الدرهم يعرّف ه حولًا واحداً، بلا خلاف فيه في الجملة، و النصوص به مع ذلك مستفيضة.

ففي الصحيح: «يعرّفها سنة، فإن جاء لها طالب، و إلّا فهي كسبيل ماله» (1).

و فيه: «لا ترفعوها، فإن ابتليت بها فعرّفها سنةً، فإن جاء طالبها، و إلّا فاجعلها في عرض مالك، يجري عليها ما يجري علىٰ مالك، إلّا أن يجيء طالب» (2).

و فيه: «يعرّفها سنةً، فإن لم يُعرَف حفظها في عرض ماله حتّى يجيء طالبها فيعطيها إيّاه، و إن مات أوصىٰ بها، و هو لها ضامن» (3) فتأمّل.

و في المرسل كالصحيح: «تعرّف سنة قليلًا كان أو كثيراً، و ما كان دون الدرهم فلا يعرّف» (4). إلىٰ غير ذلك من النصوص الكثيرة.

____________

(1) التهذيب 6: 389/ 1163، الإستبصار 3: 68/ 227، الوسائل 25: 441 أبواب اللقطة ب 2 ح 1.

(2) التهذيب 6: 390/ 1165، الإستبصار 3: 68/ 229، الوسائل 25: 442 أبواب اللقطة ب 2 ح 3.

(3) الفقيه 3: 186/ 840، قرب الإسناد: 269/ 1072، الوسائل 25: 444 أبواب اللقطة ب 2 ح 13.

(4) الكافي 5: 137/ 4، التهذيب 6: 389/ 1162، الإستبصار 3: 68/ 226، الوسائل 25: 446 أبواب اللقطة ب 4 ح 1.

177

و إطلاقها كالعبارة و نحوها من عبائر الجماعة يقتضي عدم الفرق في وجوب التعريف بين صورتي نيّة التملّك بعده و عدمها. و هو أقوى وفاقاً لأكثر أصحابنا؛ لذلك؛ و لأنّه مال الغير حصل في يده، فيجب عليه دفعه إلىٰ مالكه، و التعريف وسيلة إلىٰ علمه به، فيجب من باب المقدّمة؛ و لما في تركه من الكتمان المفوّت للحقّ علىٰ مستحقّه.

خلافاً للمبسوط (1)، فخصّه بالصورة الأُولىٰ، محتجّاً بأنّ التعريف إنّما وجب لتحقّق شرط التملّك، فإذا لم يقصده لم يجب و يكون مالًا مجهول المالك.

و فيه مع مخالفته لما مرّ نظر؛ لمنع حصر سبب وجوب التعريف فيما ذكر، بل السبب الأقوىٰ فيه هو ما مرّ من وجوب إيصال المال إلىٰ مالكه بأيّ وجه اتّفق. و يفرّق بينه و بين المال المجهول المالك بأنّه لم يقدّر له طريق إلىٰ التوصّل إلىٰ مالكه، بخلاف محلّ الفرض فقد جعل الشارع التعريف طريقاً إليه، كما عرفت من إطلاق النصّ.

ثم إنّ الملتقط بعد التعريف تمام الحول بالخيار بين التملّك مع الضمان كما في بعض الصحاح المتقدّمة، و غيره من المعتبرة.

ففي الخبر: «ينبغي أن يعرّفها سنة في مجمع، فإن جاء طالبها دفعها إليه، و إلّا كانت في ماله، فإن مات كانت ميراثاً لولده و لمن ورثه، فإن لم يجيء لها طالب كانت في أموالهم، هي لهم، و إن جاء طالبها بعد دفعوها إليه» (2).

____________

(1) المبسوط 3: 322.

(2) الكافي 5: 309/ 23، الفقيه 3: 188/ 845، التهذيب 6: 397/ 1197، الوسائل 25: 465 أبواب اللقطة ب 20 ح 1.

178

و في آخر: «خيّره إذا جاءك بعد سنة بين أجرها، و بين أن تغرمها إذا كنت أكلتها» (1).

إلىٰ غير ذلك من النصوص الكثيرة المعتضدة بفحوىٰ الضمان مع الصدقة، و بالشهرة العظيمة التي كادت تكون إجماعاً، كما يشعر به كلام صاحب الكفاية (2) حيث نسبه إلىٰ الأصحاب كافّةً. فاحتماله عدم الضمان و كونه علىٰ جهة الاستحباب لا وجه له.

و الصدقة بها عن مالكها، كما في النصوص المستفيضة، ففي الخبر القريب من الصحيح بفضالة و أبان المجمع علىٰ تصحيح ما يصح عنهما كما حكاه بعض أصحابنا (3)-: عن اللقطة، فقال: «يعرّفها سنة، فإن جاء صاحبها دفعها إليه، و إلّا حبسها حولًا، فإن لم يجيء صاحبها و من يطلبها تصدّق بها، فإن جاء صاحبها بعد ما تصدّق بها إن شاء اغترمها الذي كانت عنده و كان الأجر له، و إن كره ذلك احتسبها و الأجر له» (4).

و في آخر: عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص، إلىٰ أن قال (عليه السلام): «و إلّا كانت في يده بمنزلة اللقطة يصيبها، فيعرّفها حولًا، فإن أصاب صاحبها ردّها عليه، و إلّا تصدّق بها، فإن جاء صاحبها بعد ذلك خيّره بين الأجر و الغرم، فإن اختار الأجر فله الأجر، و إن اختار الغرم غرم له و كان الأجر له» (5).

____________

(1) التهذيب 6: 396/ 1194، الوسائل 25: 442 أبواب اللقطة ب 2 ح 5.

(2) الكفاية: 238.

(3) رجال الكشي 2: 673، 831.

(4) التهذيب 6: 389/ 1164، الإستبصار 3: 68/ 228، الوسائل 25: 441 أبواب اللقطة ب 2 ح 2.

(5) الكافي 5: 308/ 21، الفقيه 3: 190/ 856، التهذيب 6: 396/ 1191، الإستبصار 3: 124/ 440، الوسائل 25: 463 أبواب اللقطة ب 18 ح 1.

179

و إبقائها أمانةً موضوعاً في حرز أمثاله كالوديعة، فلا يضمنها إلّا مع التعدي أو التفريط؛ لأنّه حينئذٍ محسن إلىٰ المالك يحفظ ماله و حراسته له، فلا يتعلّق به ضمان؛ لانتفاء السبيل عن المحسنين.

و هذا لم يرد به نصّ كأصل التخيير بينه و بين أحد الأوّلين؛ لظهور النصوص الواردة فيهما في تعيّن أحدهما لا التخيير مطلقاً، إلّا أنّه قيل:

يفهم الإجماع عليه من التذكرة (1). فإن تمّ، و إلّا كان مشكلًا؛ لوقوع الخلاف في توقّف التملك علىٰ النيّة أو حصوله قهراً، و عليه لا معنىٰ للإبقاء أمانةً، و سيأتي الكلام فيه إن شاء اللّٰه تعالىٰ.

و يستفاد من المستفيضة أنّه لو تصدّق الملتقط بها بعد الحول فكره المالك ذلك ضمن الملتقط و لا خلاف فيه ظاهراً، و نفاه في المسالك (2) صريحاً. و جعله في المختلف إجماعاً (3).

ثم إنّ كلّ ذا إذا كانت مأمونة البقاء تمام الحول كالدراهم و الدنانير و نحوهما و لو كانت ممّا لا يبقىٰ بل يفسد عاجلًا كالطعام قوّمها علىٰ نفسه عند الوجدان، و ضمنها للمالك و انتفع بها، و إن شاء دفعها إلىٰ الحاكم أوّلًا و لا ضمان عليه حينئذٍ أصلًا، بلا خلاف ظاهر مصرّح به في شرح الإرشاد للمقدس الأردبيلي (رحمه الله) ناقلًا فيه عن ظاهر التذكرة الإجماع عليه (4).

و هو الحجّة الجامعة بين القاعدة الدالّة علىٰ الثاني لأنّ الحاكم وليّ

____________

(1) قال به في مجمع الفائدة و البرهان 10: 461، و هو في التذكرة 2: 260.

(2) المسالك 2: 303.

(3) المختلف: 449.

(4) مجمع الفائدة و البرهان 10: 469، و هو في التذكرة 2: 259.

180

الغُيّب، و القويّ بالسكوني و صاحبه الدالّ علىٰ الأوّل: عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة، كثير لحمها و خبزها و جبنها و بيضها، و فيها سكين، قال:

«يقوّم ما فيها، ثم يؤكل لأنّه يفسد و ليس له بقاء، فإن جاء طالبها غرموا له الثمن» (1) الخبر.

و نحوه آخر: «فإن وجدت طعاماً في مفازة فقوّمه علىٰ نفسك لصاحبه ثمّ كله، فإن جاء صاحبها فردّ عليه القيمة» (2).

و ليس في الأوّل كالعبارة التصريح بالتقويم علىٰ نفسه؛ لإطلاق التقويم مع عموم مفهوم التعليل فيه الشاملين له و للتقويم علىٰ غيره.

و في تقييده بالخبر الثاني إشكال ينشأ من قوّة احتمال ورود الأمر بالتقويم علىٰ نفسه علىٰ الغالب من تعسّر تقويمه علىٰ الغير في المفاوز، و احتمال ورود إطلاق الخبر الأوّل عليه و إن أمكن، إلّا أنّ عموم مفهوم التعليل مع عدم تعقّل الفرق بل القطع بعدمه يدفعه.

و لذا ذكر جماعة (3) التخيير بينهما أيضاً من غير خلاف، و إن اختلفوا في وجوب استئذان الحاكم و عدمه مطلقاً علىٰ قولين، فعن التذكرة:

الأوّل (4)، و يعضده أنّ الأصل عدم التسلط علىٰ بيع مال محترم إلّا بإذن الشارع أو الصاحب، و لم يثبت جوازه بدون إذنهما.

و اختار بعض الأجلّة الثاني (5)، و يعضده إطلاق الخبر المتقدّم،

____________

(1) الكافي 6: 297/ 2، الوسائل 25: 468 أبواب اللقطة ب 23 ح 1.

(2) الفقيه 3: 190/ 855، الوسائل 25: 443 أبواب اللقطة ب 2 ح 9.

(3) منهم المحقق الثاني في جامع المقاصد 6: 165، و الشهيد الثاني في المسالك 2: 303، و السبزواري في الكفاية: 237.

(4) التذكرة 2: 259.

(5) مجمع الفائدة و البرهان 10: 469.

181

و نحوه الصحيح الوارد في التقاط الجارية: هل يحلّ فرجها لمن التقطها؟

قال: «لا، إنّما يحلّ له بيعها بما أنفق عليها» (1).

و ربما عضده بعض بالأصل، و بأنّ له ولاية التملك و الصدقة بعد التعريف فالبيع بالطريق الأولىٰ، و التعريف ساقط للعذر (2).

و يضعّف الأوّل بما مرّ، و الأولوية بأنّ التملّك و ما بعده إنّما يكونان بالضمان بالقيمة السوقية بعد التعريف لا قبله. و كيف كان فلا ريب أنّ الأوّل أحوط.

كل ذا مع وجود الحاكم، و مع عدمه يتعيّن عليه التقويم، فإن أخلّ به فتلف أو عاب ضمن.

و لو كان ممّا يتلف علىٰ تطاول الأوقات لا عاجلًا كالثياب تعلّق الحكم بها عند خوف التلف. و لو افتقر إبقاؤه إلىٰ علاج كالرطب المفتقر إلىٰ التجفيف، أصلحه الحاكم ببعضه، بأن يجعل بعضه عوضاً عن إصلاح الباقي، أو يبيع بعضه و ينفقه عليه وجوباً؛ حذراً من تلف الجميع. و يجب علىٰ الملتقط إعلامه بحاله إن لم يعلم، و مع عدمه يتولّاه بنفسه؛ حذراً من الضرر بتركه.

و يكره أخذ الإداوة بالكسر، و هي المِطْهَرة به أيضاً و المِخْصَرَة به أيضاً، و هي كل ما اختصر الإنسان بيده فأمسكه من عصاً و نحوها، قاله الجوهري (3) و النعلين غير الجلد، أو مطلقاً إذا أُخذ في بلاد الإسلام، و إلّا فيحرم التقاطه لكونه ميتة و الشظاظ بالكسر، خشبة

____________

(1) التهذيب 6: 397/ 1198، الوسائل 25: 443 أبواب اللقطة ب 2 ح 8.

(2) و هو المقدس الأردبيلي في مجمع الفائدة 10: 469.

(3) الصحاح 2: 646.

182

محدّدة الطرف تدخل في عروة الجِوالِقَيْن ليجمع بينهما عند حملهما علىٰ البعير. و الجمع أشظّة و العصا و الوتِد بكسر الوسط و الحبل و العقال بالكسر، و هو حبل يشدّ به قائمة البعير، و السوط و أشباهه من الآلات التي يعظم نفعها و تصغر قيمتها.

بلا خلاف في أكثرها؛ للصحيح: «لا بأس بلقطة العصا، و الشظاظ، و الوتد، و الحبل، و العقال، و أشباهه» قال: «و قال أبو جعفر (عليه السلام): ليس لهذا طالب» (1).

و علىٰ الأظهر في الجميع، و هو أشهر، بل عليه عامّة من تأخّر.

لا للأصل و الصحيح المزبور كما قيل (2)؛ لضعف الأوّل بعدم دليل عليه، بل قيام الدليل علىٰ خلافه؛ لما عرفت من حرمة التصرّف في مال الغير بغير إذن من الشرع. و الثاني باختصاصه بغير محلّ الخلاف. و شموله له بقوله: «و أشباهه» محلّ نظر؛ لخفاء وجه الشبه فيحتمل ما (3) يعم معه له، و كذا التعليل في الذيل.

بل لفحوىٰ الأدلّة الدالّة علىٰ جواز التقاط ما عدا محلّ الخلاف ممّا يكثر قيمته؛ مضافاً إلىٰ إطلاق المرسلة المتقدّمة (4) بأفضليّة ترك اللقطة، بل عمومها الشامل لمحلّ البحث؛ مضافاً إلىٰ الاعتضاد بالشهرة العظيمة المحقّقة و المحكيّة في كلام جماعة (5) التي كادت تكون لنا إجماعاً.

____________

(1) الكافي 5: 140/ 15، الوسائل 25: 456 أبواب اللقطة ب 12 ح 1.

(2) قاله العلّامة في المختلف: 450.

(3) في «ح» و «ر» زيادة: لا.

(4) في ص: 168.

(5) منهم السبزواري في الكفاية: 237، و انظر مجمع الفائدة و البرهان 10: 472، و المفاتيح 3: 177.

183

خلافاً لصريح الحلبي (1) و ظاهر الصدوقين (2) و الديلمي (3) فحرّموا التقاط الأوّلين و السوط؛ للخبرين، أحدهما: الصحيح المروي في الفقيه (4).

و هو حسن لولا ما قدّمناه من الدليل القابل لصرف النهي فيهما إلىٰ الكراهة كما في نظائرهما، لكنّها هنا أشدّ؛ لقوّة شبهة الخلاف بمصير هؤلاء الأعاظم إلىٰ الحرمة. و من هنا يندفع ما قيل: من عدم وضوح دليل علىٰ شدّتها (5).

و يظهر من المفيد أنّ الوجه فيها أنّ فقدها قد يؤدّي إلىٰ هلاك صاحبها؛ لأنّ الإداوة تحفظ ما يقوم به الرمق من الماء، و الحذاء يحفظ رجل الماشي من الزمانة و الآفات، و السوط يسيّر البعير، فإذا تلف خيف عليه العطب (6).

و من شيخنا في المسالك أنّ الوجه في إطلاق النهي عن مسّها كونها من الجلود غالباً، و هي ميتة مع جهالة التذكية (7).

و فيه مناقشة واضحة؛ لورود الإطلاق في بلاد الإسلام، و الجلود فيها محكوم بطهارتها اتّفاقاً، فتوًى و نصّاً، كما مضى. و كذا الوجه الأوّل لا يخلو

____________

(1) الكافي في الفقه: 350.

(2) الصدوق في الفقيه 3: 188، و حكاه عن والده في المختلف: 450.

(3) المراسم: 206.

(4) الفقيه 3: 188/ 846، الوسائل 25: 457 أبواب اللقطة ب 12 ح 3، و الآخر في: التهذيب 6: 394/ 1183، الوسائل 25: 456 أبواب اللقطة ب 12 ح 2.

(5) انظر مجمع الفائدة و البرهان 10: 472 474.

(6) المقنعة: 647.

(7) المسالك 2: 304.

184

عن مناقشة ما، و الوجه التعبّد.

و اعلم أنّه يستفاد من تخصيص الماتن الكراهة هنا بهذه الأشياء و سابقاً بلقطة الحرم خاصّة، عدمها في غيرهما.

و هو ضعيف جدّاً، مخالف للإجماع المحقّق، و المحكيّ عن التذكرة كما مرّ إليه الإشارة (1) قطعاً، و لكن الأمر سهل.

و هنا

[مسائل ثلاث:]

[الاولىٰ: ما يوجد في أرض خربة]

مسائل ثلاث: الاولىٰ: ما يوجد في أرض خربة قد جلى عنها أهلها بحيث لم يعرفوا أصلًا أو في فلاة أي أرض قفر غير معمورة من أصلها أو تحت الأرض التي لا مالك لها ظاهراً فهو لواجده فيملكه من غير تعريف إجماعاً، إذا لم يكن عليه أثر الإسلام من الشهادتين، أو اسم سلطان من سلاطينه. و علىٰ الأقوىٰ مطلقاً وفاقاً للنهاية و الحلي و غيرهما (2)؛ لإطلاق الصحيحين.

في أحدهما: عن الدار يوجد فيها الورق، فقال: «إن كانت معمورة فيها أهلها فهو لهم، و إن كانت خربة قد جلى أهلها، فالذي وجد المال أحقّ به» (3) و نحوه الثاني (4).

و أخصّيتهما عن المدّعىٰ باختصاصهما بالورق و الموجود في الدار الخربة، فلا يعمّان مطلق اللقطة، و لا الموجودة منها تحت الأرض

____________

(1) التذكرة 2: 251، و راجع ص: 168.

(2) النهاية: 320، السرائر 2: 101؛ و انظر التحرير 2: 129.

(3) الكافي 5: 138/ 5، التهذيب 6: 390/ 1169، الوسائل 25: 447 أبواب اللقطة ب 5 ح 1.

(4) التهذيب 6: 390/ 1165، الوسائل 25: 447 أبواب اللقطة ب 5 ح 2.

185

و المفازة.

مدفوعة بالإجماع المركّب، مع إمكان اندفاع الأخصّية باعتبار الاختصاص بالأرض الخربة باستلزام ثبوت الحكم في لقطتها إيّاه فيما عداها بطريق أولىٰ.

خلافاً للمبسوط، و الفاضل في جملة من كتبه (1)، و جماعة (2)، و نسبه في الروضة (3) إلىٰ الشهرة، فحكموا فيما عليه أثر الإسلام بأنّه لقطة؛ لدلالة الأثر علىٰ سبق يد المسلم فيستصحب.

و للجمع بين الصحيحين و الموثّق: «قضىٰ عليّ (عليه السلام) في رجل وجد ورقاً في خربة أن يعرّفها، فإن وجد من يعرفها، و إلّا تمتع بها» (4) بحمل الأوّلين علىٰ ما لا أثر عليه، و الأخير علىٰ ما عليه الأثر.

و فيهما نظر؛ لمنع الأوّل بأنّ أثر الإسلام قد يصدر من غير المسلم، نعم هو مخالف للظاهر، لكنّه لا يعارض به الأصل.

و الثاني: أوّلًا: بفقد التكافؤ في الموثق عدداً و سنداً. و ثانياً: بكونه قضيّة في واقعة، فلا يعمّ محلّ الفرض لاحتماله غيره. و ثالثاً: بعدم الشاهد علىٰ ذلك الجمع، مع استلزامه حمل الصحيحين علىٰ الفرد النادر؛ لورودهما في بلاد الإسلام، و الغالب في لقطتها من الدراهم و الدنانير كونها

____________

(1) المبسوط 1: 236 و 3: 338، القواعد 1: 199، المختلف: 203، التذكرة 2: 265.

(2) منهم فخر المحققين في إيضاح الفوائد 2: 159، و المحقق الثاني في جامع المقاصد 6: 175، و الشهيد الأوّل في اللمعة (الروضة البهية 7): 119، و السيوري في التنقيح 4: 120.

(3) الروضة 7: 120.

(4) التهذيب 6: 398/ 1199، الوسائل 25: 448 أبواب اللقطة ب 5 ح 5.

186

مسكوكة بسكّتهم.

مع إمكان الجمع بوجه آخر أوفق بالأصل، و هو حمل الأوّلين علىٰ الأحقّية بعد التعريف حملًا للمطلق علىٰ المقيّد، لكنّه لا قائل به.

و هو ضعيف كالأوّل بعدم الشاهد عليه عدا ما مرّ من العلّة، و فيها ما عرفته. مع أنّهم جعلوها حجّةً مستقلّةً.

و الشهرة علىٰ تقدير تحقّقها ليست بحجّة جامعة فما ظنّك بما إذا كانت محكيّة.

و يستفاد من تقييد الماتن الموجود في الأرض التي لا مالك لها بكونه تحتها، عدم اشتراطه في الأوّلين، بل يملك الموجود فيهما مطلقاً؛ عملًا بإطلاق النصّ و الفتوىٰ. و أمّا غير المدفون في الأرض المزبورة فهو لقطة.

قيل: هذا كلّه إذا كان في دار الإسلام، أمّا في دار الحرب فلواجده مطلقاً (1).

و لم يتعرّض الماتن و كثير هنا لوجوب الخمس في المدفون، مع تصريحهم به في كتابه. و لعلّهم أحالوه إلىٰ الظهور من ثمّة، أو أرادوا بالمدفون هنا ما لا يصدق عليه الكنز عرفاً. و الأوّل هو الظاهر؛ لمنافاة الثاني لإطلاق العبائر.

و لو وجده في أرض لها مالك معروف أو بائع، و لو كان ما وجده فيها مدفوناً عرّفه المالك أو البائع مطلقاً، و لو كان كلّ منهما مالكاً أو بائعاً بعيداً فإن عرفه (2) أحدهما يدفع إليه من غير بيّنة و لا وصف و إلّا يعترفا به كان للواجد علىٰ ما ذكره جمع من

____________

(1) قاله الشهيد الثاني في المسالك 2: 304، و الروضة 7: 120.

(2) في المطبوع من المختصر (262): فهو أحق به.

187

الأصحاب (1) من غير خلاف يعرف؛ لإطلاق الصحيحين المتقدّمين بالدفع إلىٰ أهل الأرض من دون تقييد باشتراط البيّنة أو الوصف. بل ليس فيهما تقييده بالتعريف، و لكنّه لا أعرف خلافاً فيه.

و لعلّه للجمع بينهما و بين الموثّق كالصحيح: عن رجل نزل في بعض بيوت مكّة، فوجد فيها نحواً من سبعين ديناراً مدفونة، فلم تزل معه و لم يذكرها حتى قدم الكوفة، كيف يصنع؟ قال: «يسأل عن أهل المنزل لعلّهم يعرفونها» قلت: فإن لم يعرفوها، قال: «يتصدّق بها» (2).

لكن ذيله منافٍ لما ذكروه من التملّك مع عدم المعرفة، إلّا أن يحمل علىٰ الاستحباب، أو غيره ممّا يجتمع معه.

و ربما يرشد إلىٰ التقييد الصحيح الآتي الوارد في المأخوذ من جوف الدابّة المتضمّن لعين ما ذكروه في المسألة. و إلحاقها به لعلّه من باب تنقيح المناط القطعيّ؛ لعدم تعقّل الفرق بين الأرض و الدابّة في ذلك، فتأمّل.

و إطلاق الحكم بكونه لواجده مع عدم اعترافهما الشامل لما عليه أثر الإسلام و غيره تبعاً لإطلاق النصّ، لكن في التنقيح الإجماع علىٰ كون الأوّل لقطة (3). فإن تمّ، و إلّا كما هو الظاهر المستفاد من الروضة و المسالك (4) حيث أجرى الخلاف السابق فيه في المسألة فالإطلاق أصحّ.

و إطلاق العبارة و غيرها بوجوب التعريف هنا يقتضي عدم الفرق بين

____________

(1) المقنعة: 646، النهاية: 321، المراسم: 206، الشرائع 3: 293، القواعد 1: 199، التحرير 2: 126، اللمعة (الروضة البهية 7): 121، جامع المقاصد 6: 176، المسالك 2: 304.

(2) التهذيب 6: 391/ 1171، الوسائل 25: 448 أبواب اللقطة ب 5: ح 3.

(3) التنقيح 4: 121.

(4) الروضة 7: 121، المسالك 2: 304.

188

القليل و الكثير. و به صرّح في المسالك (1)؛ و لعلّ الوجه فيه مع اختصاص النصّ بالأخير لتضمّنه الدراهم و الدنانير الأصل، و اختصاص ما دلّ علىٰ تملّك الأوّل بلا تعريف باللقطة التي ليست منها مفروض المسألة. لكنّه إنّما يصحّ علىٰ المختار من عدم الفرق بين ما عليه أثر الإسلام و غيره، و لا يصحّ علىٰ غيره؛ لكون ما عليه الأثر منها عند القائل بالفرق بينهما.

و حكىٰ في التنقيح (2) قولًا عن الشيخ بكون ما لا أثر فيه لقطة إذا لم يعرفه المالك أو البائع أيضاً.

و يدفعه النصّ جدّاً.

و كذا ما يجده في جوف دابّة مملوكة، عرّفه مالكها كما مضى؛ لسبق يده، و ظهور كونه من ماله دخل في علفها؛ لبعد وجوده في الصحراء و اعتلافه. فإن عرفه المالك، و إلّا فهو لواجده.

للصحيح: عن رجل اشترىٰ جزوراً أو بقرةً للأضاحي، فلمّا ذبحها وجد في جوفها صرّة، فيها دراهم أو دنانير أو جوهرة، أو غير ذلك من المنافع، لمن يكون ذلك؟ و كيف يعمل به؟ فوقّع (عليه السلام): «عرّفها البائع، فإن لم يعرفها فالشيء لك، رزقك اللّٰه تعالىٰ إيّاه» (3).

و إطلاقه كالعبارة و نحوها عدم الفرق بين ما عليه أثر الإسلام و غيره.

خلافاً للمختلف و الروضة و غيرهما (4)، فقالوا في الأوّل بأنّه لقطة؛

____________

(1) المسالك 2: 304.

(2) التنقيح الرائع 4: 121.

(3) الكافي 5: 139/ 9، الفقيه 3: 189/ 853، التهذيب 6: 392/ 1174، الوسائل 25: 452 أبواب اللقطة ب 9 ح 1 و 2.

(4) المختلف: 451، الروضة 7: 122؛ و انظر جامع المقاصد 6: 177.

189

لما مرّ مع جوابه، مع أنّ الأوّلين احتملا الإطلاق هنا، قال ثانيهما: لإطلاق النصّ و الفتوىٰ. و ظاهره إطباق الفتاوىٰ علىٰ عدم الفرق هنا، و لكن ظاهره في المسالك (1) وقوع الخلاف المتقدّم هنا أيضاً.

و لو وجده في جوف سمكة، قال الشيخ في النهاية، و المفيد و القاضي، و ابن حمزة (2): أخذه بلا تعريف و عليه المتأخّرون كافّةً.

خلافاً للديلمي و الحلّي (3) خاصة فهو كالمأخوذ من جوف الدابّة.

و ظاهر العبارة التردّد في ذلك، و يبنى الخلاف علىٰ الاختلاف في اشتراط النيّة في تملّك المباحات و عدمه. فعلى الأوّل يقوّى الأوّل؛ لأنّ المحيز إنّما قصد تملّكها خاصّةً لعدم علمه بما في بطنها، فلم يتوجّه قصده إليه. و علىٰ الثاني يقوّى الثاني كما هو واضح.

و احتمل في المختلف و التنقيح (4) قوّته علىٰ الأوّل أيضاً، قالا: لأنّه قصد ملك هذه الجملة، و ما في بطنها كأنّه جزء منها. لكنّهما ضعّفاه، قال أوّلهما بعد البناء و ما يترتّب عليه من القولين-: إلّا أنّ أصحابنا لم يفتوا بالتملّك له مع عدم المعرفة، و هو يدلّ علىٰ بطلان هذا القسم عندهم، و بقي الوجه الأوّل. و أشار به إلىٰ عدم اشتراط النيّة في التملّك، و عبارته ظاهرة في انعقاد الإجماع عليه. و عليه فالمذهب الأوّل؛ لكون المأخوذ مباحاً في الأصل، فإذا حيز مع النيّة ملك، هذا.

____________

(1) المسالك 2: 304.

(2) النهاية: 321، المفيد في المقنعة: 647، القاضي في المهذّب 2: 569، ابن حمزة في الوسيلة: 279.

(3) المراسم: 206، السرائر 2: 106.

(4) المختلف: 451، التنقيح 4: 122.

190

مضافاً إلىٰ اعتضاده بالنصوص المستفيضة المرويّة في الوسائل في الباب عن الكافي (1)، و قصص الأنبياء (2)، و الأمالي (3)، و تفسير مولانا العسكري (4)؛ لتضمّنها تقريرهم ((عليهم السلام)) لكثير في تصرّفهم فيما وجدوه في جوفها بعد الشراء من دون تعريف، علىٰ ما هو الظاهر منها. و أسانيدها و إن كانت قاصرة إلّا أنّها بالشهرة منجبرة، فلا وجه للقول الثاني.

نعم يتوجّه فيما لو كانت السمكة محصورة في ماء تعلف كما ذكره الشهيدان (5)؛ لعين ما ذكر في الدابّة أوّلًا. و منه يظهر أنّ المراد بها الأهليّة كما يظهر من الرواية، فلو كانت وحشيّةً لا تعتلف من مال المالك فكالسمكة.

و به صرّح في التنقيح (6) و المختلف، قال فيه: و لما كانت الأحكام الشرعيّة غالباً منوطة بالغالب دون النادر- (و الغالب) (7) فيما تبلعه الدابة أنّه من دار البائع، و فيما تبلعه السمكة أنّه من البحر أوجب الشارع التعريف في الأوّل للبائع دون الثاني، حتّى أنّا لو عرفنا مضادّ الحال في البابين حكمنا بضدّ الحكمين. و لو أنّ البائع قد اشترىٰ الدابّة ثم في ذلك الآن بعينه باعها لم يجب تعريفه، و عرّف البائع قبله. و لو أنّ السمكة محصورة في

____________

(1) الكافي 8: 385/ 585، الوسائل 25: 453 أبواب اللقطة ب 10 ح 1.

(2) قصص الأنبياء: 184/ 224 و 185/ 229، الوسائل 25: 453 أبواب اللقطة ب 10 ح 2 و 3.

(3) أمالي الصدوق: 367/ 3، الوسائل 25: 454 أبواب اللقطة ب 10 ح 4.

(4) تفسير الإمام العسكري (عليه السلام): 604/ ضمن الحديث 357، الوسائل 25: 454 أبواب اللقطة ب 10 ح 5.

(5) اللمعة (الروضة البهية 7): 123.

(6) التنقيح الرائع 4: 122.

(7) ما بين القوسين أثبتناه من «ح» و المصدر لاستقامة العبارة.

191

بركة في دار إنسان وجب أن يعرّف بما في بطنها (1). انتهىٰ.

[الثانية: ما وجده في صندوقه، أو داره]

الثانية: ما وجده في صندوقه، أو داره المختصّين بالتصرّف فيهما فهو له. و لو شاركه في التصرّف غيره كان كاللقطة عرّفه سنةً إذا عرّفه الشريك أوّلًا و أنكره بلا خلاف فيهما ظاهراً؛ لدلالة الصحيح عليهما منطوقاً و مفهوماً.

و فيه: «رجل وجد في بيته ديناراً، قال: «يدخل منزله غيره؟» قلت:

نعم كثير، قال: «هذه لقطة» قلت: فرجل وجد في صندوقه ديناراً، قال:

«فيدخل أحد يده في صندوقه غيره، أو يضع فيه شيئاً؟» قلت: لا، قال:

«فهو له» (2) هذا.

مع شهادة الظاهر في صورة عدم المشارك بأنّه له و قد يعرض له النسيان، لكنّه يختصّ بما إذا لم يقطع بانتفائه عنه، و مع القطع به يشكل، و لذا قيل: بأنّه حينئذٍ لقطة أيضاً، كصورة المشارك مع الإنكار (3).

و هذا أيضاً مشكل بعد إطلاق النصّ و الفتوىٰ، مع عدم صدق اللقطة علىٰ مثله ظاهرا. فمتابعة الإطلاق لعلّها أولىٰ، و لا ينافيه القطع بالانتفاء، فقد يكون شيئاً بعثه اللّٰه تعالىٰ و رزقه إيّاه.

و إطلاق النصّ و الفتوىٰ يقتضي عدم الفرق في الحكم بكونه لقطة مع المشارك بين المنحصر منه و غير المنحصر. و الوجه فيه ظاهر؛ لأنّه بمشاركة غيره لا يد له بخصوصه، فتكون لقطة. و أمّا مع انحصار المشارك؛

____________

(1) المختلف: 451.

(2) الكافي 5: 137/ 3، الفقيه 3: 187/ 841، التهذيب 6: 390/ 1168، الوسائل 25: 446 أبواب اللقطة ب 3 ح 1.

(3) قاله الشهيد الثاني في المسالك 2: 305.

192

فلأنّ المفروض أنّه لا يعرفه الواجد، فلا يملكه بدون التعريف سنة.

قيل: و يحتمل قويّاً كونه له مع تعريف المنحصر خاصّة؛ لأنّه بعدم اعتراف المشارك يصير كما لا مشارك له فيه (1).

و هو حَسَنٌ يمكن تنزيل إطلاق النصّ و الفتوىٰ عليه.

و لا فرق في وجوب تعريف المشارك هنا بين ما نقص عن الدرهم و ما زاد؛ للإطلاق، و لاشتراكهم في اليد بسبب التصرّف.

قيل: و لا يفتقر مدّعيه منهم إلىٰ البيّنة و لا الوصف؛ لأنّه مال لا يدّعيه أحد. و لو جهلوا جميعاً أمره فلم يعترفوا به و لم ينفوه، فإن كان الاشتراك في التصرّف خاصّةً فهو للمالك منهم، و إن لم يكن فيهم مالك فهو للمالك، و إن كان الاشتراك في الملك و التصرّف فهم فيه سواء (2).

و دليل بعض ما ذكر غير واضح.

[الثالثة: لا يملك اللقطة بحول الحول و إن عرّفها]

الثالثة: لا يملك اللقطة بحول الحول و إن عرّفها سنةً ما لم ينو التملّك علىٰ الأشهر بين المتأخّرين، بل مطلقاً كما في المختلف و الروضة و الكفاية (3)؛ اقتصاراً فيما خالف الأصل علىٰ المتيقّن.

و للصحيح (4) المتضمّن للأمر بجعلها في عرض المال بعد التعريف، مع عدم التصريح فيه بجعله مالًا، فيكون ظاهراً في الأمر بجعلها أمانة.

و الخبر: «من وجد شيئاً فهو له، فليتمتع به حتّى يأتيه طالبه، فإذا جاء طالبه ردّه إليه» (5) لإيجابه ردّ العين بعد التصرّف، و ليس ذلك قبل

____________

(1) الروضة 7: 124.

(2) قال به الشهيد الثاني في الروضة 7: 125.

(3) المختلف: 450، الروضة 7: 126، الكفاية: 238.

(4) الكافي 5: 139/ 11، الوسائل 25: 444 أبواب اللقطة ب 2 ح 10.

(5) الكافي 5: 139/ 10، التهذيب 6: 392/ 1175، الوسائل 25: 447 أبواب اللقطة ب 4 ح 2.

193

الحول إجماعاً؛ لتحريم التصرّف فيه، بل بعده، فهو ظاهر في كونه عنده أمانةً، و لو حصل الملك قهراً لما كان لجعلها أمانةً معنىٰ.

و في الجميع نظر؛ للزوم الخروج عن الأوّل بما يأتي، و قصور دلالة الخبرين، مع ضعف الثاني، و مخالفة إطلاقه الإجماع من حيث تجويزه الانتفاع مطلقاً من دون تقييد له بالتعريف سنةً و حول الحول، و ذلك لأنّ الأمر بجعله في عرض المال غير صريح، بل و لا ظاهر في جعله أمانةً، كيف لا و هو أمانة أيضاً سابقاً، مع ما في ذيله من قوله (عليه السلام): «يجري عليها ما يجري علىٰ مالك» الظاهر في جريان جميع أحكام ماله عليه و من جملتها وجوب الزكاة عليه بعد حول الحول إذا كانت نقداً. و هذا إحدىٰ ثمرات النزاع التي رتّبت عليه، فهو دليل للملك قهراً، لا لما ذكروه، كما لا يخفىٰ.

و أمّا ما يستفاد من الروضة (1) من أنّ وجه الاستدلال بهذه الرواية أنّ الأمر بجعلها في عرض المال أمر أقلّه الإباحة، فيستدعي أن يكون المأمور به مقدوراً بعد التعريف و عدم مجيء المالك، و هو لا يجتمع مع الملك قهراً. فهو إنّما يتمّ لو كان المأمور به جعلها مالًا، و ليس، فإنّ جعلها في عرض المال غيره، كما صرّح به في المختلف (2)، و لذا لم يجعل وجه الاستدلال به ذلك، بل ما عقّبناه [عيناه به.

و الأمر بردّ العين في الأخير لا يختص بكونها أمانةً» بل يجتمع مع الملك سابقاً قهرياً كان أو اختياراً، و لذا أنّ بعضاً من الأصحاب القائلين بالملك الاختياري أوجب ردّ العين بعينها بعد مطالبة المالك لها، قائلًا: إنّ

____________

(1) الروضة 7: 127.

(2) المختلف: 450.

194

الملك السابق ملك متزلزل مراعىً ليس مستقرّاً (1)، فلا دلالة في الخبر علىٰ ذلك أصلًا، سيّما مع الحكم فيه أوّلًا بأنّه له يتمتّع به، الظاهر في ثبوت الملك له جدّاً.

و بالجملة الاستدلال بهذه الأدلّة كما ترى.

و نحوه الاستدلال بالصحيح: «يعرّفها سنةً، فإن لم يعرفها حفظها في عرض ماله، حتّى يجيء صاحبها فيعطيها إيّاه، و إن مات أوصىٰ بها، و هو ضامن» (2) و لو كان مالكاً لها قهراً لكان له التصرّف فيها كيف شاء، و لم يأمره بحفظها.

و ذلك لقوّة احتمال أن يكون قوله (عليه السلام): «فإن لم يعرف» بالتشديد، و لا كلام فيه، لا بالتخفيف المبنيّ عليه الاستدلال.

و قيل كما عن الشيخين و الصدوقين و الحلي (3): إنّه يملك ها بمضيّ الحول بعد التعريف، مدّعياً الأخير الإجماع عليه من الأصحاب و تواتر الأخبار. و ليس ببعيد عن الصواب؛ تعويلًا علىٰ ما ذكره من الإجماع و الأخبار؛ لتضمّن كثير منها أنّها بعد التعريف كسبيل ماله، الظاهر في ذلك علىٰ الظاهر المصرّح به في الروضة و المختلف (4).

و الجواب عنها بأنّ التشبيه لا يقتضي الاتّفاق في جميع الأحكام و إلّا لكان هو هو، و ليس، بل يكفي في مطلق التشبيه الاتّفاق في بعضها، و هو

____________

(1) جامع المقاصد 6: 169.

(2) الفقيه 3: 186/ 840، مسائل علي بن جعفر: 165/ 265، قرب الإسناد: 269/ 1072، الوسائل 25: 444 أبواب اللقطة ب 2 ح 13.

(3) المفيد في المقنعة: 346، الطوسي في النهاية: 320، الصدوق في المقنع: 127، و حكاه عن والد الصدوق في المختلف: 449، الحلي في السرائر 2: 103.

(4) الروضة 7: 129، المختلف: 450.

195

هنا جواز التصرّف فيه بأحد الأُمور الثلاثة المتقدّم ذكرها.

مدفوع بما حقّق في محلّه من اقتضاء التشبيه الاتّفاق في الجميع، إلّا أن يكون فيها فرد متبادر فينصرف إليه، و ليس محلّ الفرض من المستثنىٰ.

و دعوىٰ استلزام الاتّفاق في الجميع الاتّحاد غريب واضح الفساد؛ لكفاية استناد التغاير إلىٰ أمر آخر غير الأحكام من نحو تغاير الماهيّة أو غيرها.

و دعوىٰ المختلف (1) وهن الإجماع بمصير أكثر الأصحاب إلىٰ الخلاف غريبة بعد نقله هو بنفسه هذا القول عمّن حكيناه عنه، و القول الأوّل عن الشيخ في الكتابين و الحلبي مقتصراً عليهما. و لا ريب أنّ الأوّلين أكثر عدداً بالنسبة إليهما. مع أنّ الشيخ قال بهذا القول في قوله الآخر (2)، فبقي الثاني خاصّة، فمع ذلك كيف يمكن دعوى الأكثريّة، بل الأنسب العكس كما اتفق لشيخنا في الدروس، حيث قال بعد نقل القولين-: و الروايات محتملة للقولين، و إن كان الملك بغير اختياره أشهر، و قال:

و تظهر الفائدة في اختيار الصدقة و النماء المتجدّد و الجريان في الحول و الضمان. ثمّ هل يملكها بعوض يثبت في ذمّته، أو بغير عوض ثمّ يتجدّد بمجيء مالكها؟ في الروايات احتمال الأمرين، و الأقرب الأوّل، فيلحق بسائر الديون (3).

و اعلم أنّ في أصل المسألة قولًا ثالثاً طرف النقيض للثاني، و هو احتياج التملّك إلىٰ النيّة و التلفّظ كما عن الشيخ و غيره (4). و دليله غير واضح و إن كان أحوط، و بعده الأحوط [فالأحوط القول الأوّل، فتأمّل.

____________

(1) المختلف: 450.

(2) النهاية: 320.

(3) الدروس 3: 88.

(4) الشيخ في الخلاف 3: 584، و انظر التذكرة 2: 261.

196

[الفصل الثاني في بيان الملتقط]

الفصل الثاني في بيان الملتقط للمال مطلقاً، و هو: من له أهلية الاكتساب، فلو التقط الصبي و المجنون جاز في المشهور بين الأصحاب، وفاقاً للشيخ (1) قاطعاً به، بل لا يكاد يتحقّق فيه مخالف صريحاً، و لم ينقل، كما صرّح به في المسالك (2)، لكن كلماته في مواضع يومئ إلى وقوع الخلاف فيه، و به صرّح في الكفاية (3) و المفاتيح، فقال: يشترط في الملتقط أهلية الاكتساب عند قوم، و أهلية الحفظ عند آخرين، و إحدى الأهليّتين عند ثالث (4).

و لم أقف على أرباب القولين الأخيرين عدا الماتن في الشرائع، حيث صرّح في تعريف الملتقط بثانيهما (5)، و تردّد في التقاط الصبي و المجنون للضالة في بحثها (6). و لعلّ نظر القائلين للخلاف إليه في المقامين، و إلّا فلم أقف على من عداه في البين. و ما أبعد ما بين هذا و بين ما ذكره الناقل الثاني من مصير قوم إلى التفسير الثاني في كلامه.

و كيف كان، فالتحقيق أن يقال: إمّا أن يراد بجواز التقاط غير المكلّف ما يقابل الحرمة بمعنى إباحته له، أو يراد به ترتّب أحكام اللقطة عليه من التملك أو التصدّق بها بعد التعريف، و خروجها بذلك عن الأمانة المحضة.

____________

(1) المبسوط 3: 324.

(2) المسالك 2: 301.

(3) الكفاية: 238.

(4) مفاتيح الشرائع 3: 183.

(5) الشرائع 3: 294.

(6) الشرائع 3: 290.

197

و لا معنى للجواز بالمعنى الأوّل؛ لكونه من صفات التكليف، و ليس غير المكلف أهلًا له و إن كان حكمه ثابتاً له، فتعيّن إرادة الثاني، و لا دليل عليه؛ لاختصاص النصوص المثبتة لأحكام اللقطة المزبورة بالمكلّف بحكم التبادر؛ و تضمّنِها الأمر بالحفظ أو التصدّق أو التملّك، و هو لا يتوجّه إلى غيره. فالحكم بالجواز مشكل بعد اقتضاء الأصل العدم.

و يمكن أن يقال: إنّ وجه الإشكال المزبور مقتضٍ لاعتبار الأهليّتين معاً، و ليس هو لأحد قولًا، فيكون للإجماع مخالفاً، فينبغي ترجيح أحد الأقوال المتقدّمة على تقدير ثبوتها. و لا ريب أنّ المشهور منها أولى؛ لما عرفت من عدم مخالف صريح فيه أو كونه نادراً، فتأمّل.

و عليه يتولّى الولي الحفظ و التعريف فيما يفتقر إليهما، ثم يفعل لهما ما هو الأغبط لهما من التملّك و الصدقة و الإبقاء أمانةً إن قلنا به.

و في جواز التقاط المملوك من دون إذن مولاه تردّد و اختلاف، فبين من حكم بالمنع عنه كالإسكافي (1)؛ للخبر الماضي (2) في المنع عن التقاطه اللقيط الصريح في ذلك، مضافاً إلى الأصل، و اختصاص ما دلّ على جواز الالتقاط بغيره إمّا للتبادر أو لتصريح كثير من النصوص المتقدّمة، مع الفتاوى بجواز التملك و الصدقة بعد التعريف، و ليس أهلًا للأمرين إجماعاً في الثاني؛ لمكان الحجر عليه (3)، و على الأصحّ الأشهر في الأوّل بناءً على عدم قابليّته للملك.

____________

(1) حكاه عنه في المختلف: 453.

(2) المتقدم في ص: 142.

(3) في «ر» و «ح» زيادة: في مطلق التصرف.

198

و بين من قال بالضدّ، و نسبه في المختلف إلى المشهور (1)، و منهم الماتن لقوله: أشبهه الجواز لأنّ المملوك له أهلية الاستئمان لأنّه أهل للوديعة و غيرها من الأمانات، و أهلية الاكتساب لجواز اكتسابه بالاحتطاب و الاحتشاش و الاصطياد و إن كان المتملّك هو المولى؛ لأنّ كسبه له، و المسألة كسابقتها محل إشكال.

و كذا الكلام في التقاط المكاتب مطلقاً و المدبّر و أُمّ الولد منعاً و جوازاً، و لكن احتمال الحكم بالأخير في المكاتب أقوى كما لا يخفى. هذا في غير لقطة الحرم، و أمّا فيها فجائز أخذها للعبد، كما في الدروس معلّلًا بأنّها أمانة، حاكياً عن الفاضل نفي الخلاف عنه (2).

[الفصل الثالث في الأحكام المتعلقة بالمقام و هي ثلاثة:]

[الأوّل: لا تدفع اللقطة إلى مدّعيها وجوباً إلّا بالبيّنة]

الفصل الثالث في الأحكام المتعلقة بالمقام و هي ثلاثة:

الأوّل: لا تدفع اللقطة إلى مدّعيها وجوباً إلّا بالبيّنة العادلة، أو الشاهد و اليمين، أو العلم بأنّه له و لا يكفي الوصف إجماعاً إذا لم يورث ظنّاً، بل عن الحلي (3) عدم كفايته مطلقاً؛ لاشتغال الذمّة بحفظها و إيصالها إلى مالكها، و لم يثبت (كون) (4) الوصف (حجّة) (5) و الواصف به مالكاً.

و قيل كما عن الشيخ (6): إنّه يكفي في الأموال الباطنة (7)، و هو

____________

(1) المختلف: 453.

(2) الدروس 3: 93، و هو في التذكرة 2: 254.

(3) السرائر 2: 111.

(4) ما بين القوسين أثبتناه من «ر» و «ح».

(5) ما بين القوسين أثبتناه من «ر» و «ح».

(6) المبسوط 3: 329، الخلاف 3: 587.

(7) في «ر» و «ح» و المطبوع من المختصر زيادة: كالذهب و الفضّة.

199

حسن و غير خالٍ عن القوّة إذا أفاد المظنّة، كما هو الغالب في وصفها، وفاقاً للأكثر، بل عليه عامّة من تأخّر؛ لأنّ مناط أكثر الشرعيّات الظن، فيلحق المقام به إلحاقاً له بالأعمّ الأغلب؛ و لتعذّر إقامة البيّنة في الأغلب، فلولاه لزم عدم وصولها إلى مالكها كذلك.

و في كثير من النصوص إرشاد إليه، ففي الصحيح في ملتقط الطير و واجده: «و إن جاءك طالب لا تتّهمه ردّه عليه» (1).

و نحوه الخبر الطويل المتضمن لتقرير مولانا الصادق (عليه السلام) ملتقط الدنانير الدافع لها إلى من وصفها من دون بيّنة على ذلك (2).

و قريب منهما النبوي المقبول (3). و ظاهره كالصحيح و سابقه و إن كان وجوب الدفع، إلّا أنّ الفتاوى مطبقة على التعبير بالجواز، و به صرّح في المسالك مدّعياً عليه دون الوجوب إجماع الأصحاب (4).

و به و بسابقه يصرف الأمر في الخبرين عن ظاهره، مع قوّة احتمال عدم دلالته فيهما على الوجوب من أصله بوروده مورد توهّم حظر الدفع و حرمته. فلا إشكال في عدم وجوبه، كما لا إشكال في جوازه؛ لندرة القائل بخلافه؛ و قيام الدليل على فساده.

و عليه فلو أقام غير الواصف بها بيّنة بعد دفعها إليه استعيدت منه بلا خلاف؛ لأنّ البيّنة حجة شرعيّة بالملك، و الدفع بالوصف إنّما كان

____________

(1) في «ص»: و إن جاءك طالب فلا تتّهمه. و ما أثبتناه من «ر» و «ح» و المصدر، التهذيب 6: 394/ 1186، الوسائل 25: 461 أبواب اللقطة ب 15 ح 1.

(2) الكافي 5: 138/ 6، التهذيب 6: 390/ 1170، الوسائل 25: 449 أبواب اللقطة ب 6 ح 1.

(3) سنن البيهقي 6: 185 186.

(4) المسالك 2: 308.

200

رخصةً و بناءً على الظاهر. فإن تعذّر انتزاعها من الواصف ضمن الدافع لذي البيّنة مثلها أو قيمتها؛ لإتلافه لها عليه بالدفع.

و لا ينافيه الرخصة له من الشرع فيه؛ لأنّ غايتها دفع الإثم، و هو لا يستلزم نفي الضمان مع عموم دليل ثبوته من نحو قوله: «على اليد» و غيره من أدلّته، كما ثبت نظيره في الإذن في التصرّف في اللقطة بعد التعريف مع الضمان بظهور المالك.

فإذا ضمن رجع على القابض بما غرم؛ لمباشرته الإتلاف؛ و لأنّه عادٍ بادّعائه ما ليس له، فيستقرّ الضمان عليه، إلّا أن يعترف الدافع له بالملك، فلا يرجع عليه لو رجع عليه؛ لاعترافه بكون ذي البيّنة الآخذ منه عاديا عليه ظالماً.

[الثاني: لا بأس بجعل الآبق فإن عيّنه لزم بالردّ]

الثاني: لا بأس بجعل الآبق و أخذ مالٍ لردّه و نحوه إجماعاً، فتوًى و نصّاً فإن عيّنه المالك كأنْ قال: من ردّ عبدي مثلًا فله كذا لزم بالردّ مع عدم قصد التبرع كائناً ما كان بلا كلام و لا إشكال، كما في المسالك و شرح الشرائع للصيمري (1) مؤذنين بدعوى الإجماع عليه. و يدلّ عليه عموم: «المؤمنون عند شروطهم» (2).

و إن لم يعيّن الجعل بأن قال: من ردّ عبدي فله عليّ شيء، أو عوض، و أبهم ففي ردّ العبد من المصر الذي فيه مالكه إليه دينار قيمته عشرة دراهم.

و من خارج البلد الذي هو فيه سواء كان من مصر آخر أم

____________

(1) المسالك 2: 183، غاية المرام 3: 453.

(2) التهذيب 7: 371/ 1503، عوالي اللئلئ 3: 217/ 77، الوسائل 21: 276 أبواب المهور ب 20 ح 4، المستدرك 13: 301 أبواب الخيار ب 5 ح 7.

201

لا أربعة دنانير قيمتها أربعون درهماً على رواية مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «إنّ النبي (صلى الله عليه و آله) جعل في الآبق ديناراً إن أخذه في مصره، و إن أخذه في غيره فأربعة دنانير» (1).

و هي و إن كانت ضعيفة السند بجماعة (2)، و المتنِ بمخالفة القاعدة الدالّة على ثبوت اجرة المثل فيما له اجرة في العادة، و عدم شيء فيما لا اجرة له، إلّا أنّها يعضدها (3) الشهرة المتقدّمة و المتأخّرة حتى من الحلي (4) الغير العامل بأخبار الآحاد الغير المحفوفة بالقرائن القطعية، لكنّه خصّها بصورة ذكر الجعل مبهماً، كما نزّلنا عليه العبارة.

و نسبه الشهيد في الدروس و الصيمري في شرح الشرائع (5) إلى المتأخّرين كافّة. و نسب الأوّل كالمختلف (6) العمل بإطلاق الرواية الشامل لما لم يذكر جعل بالكلية و لم يستدع الردّ بالمرّة إلى ظاهر النهاية و المقنعة و الوسيلة (7).

و ما عليه الحلي و تابعوه في غاية القوة؛ عملًا بالقاعدة؛ و اقتصاراً في تخصيصها بالرواية على ما تحقّق فيه منها جبر بالشهرة، و ليس في محل

____________

(1) التهذيب 6: 398/ 1203.

(2) هم: محمّد بن الحسن بن شمون، و عبد اللّٰه بن عبد الرحمن الأصمّ، و سهل بن زياد، ضعّفهم أصحاب الرجال، لاحظ رجال الكشي 2: 613/ 584، رجال النجاشي: 185/ 490 و 217/ 566 و 335/ 899، رجال الطوسي: 436/ 20، الفهرست: 80/ 329.

(3) في المطبوع من المختصر (262): يؤيّدها.

(4) السرائر 2: 109.

(5) الدروس 3: 97، غاية المرام 3: 454.

(6) المختلف: 454.

(7) النهاية: 323، المقنعة: 648، الوسيلة: 277.

202

البحث بلا شبهة.

و إطلاقها كالعبارة و ما ضاهاها من عبائر الجماعة يقتضي عدم الفرق في وجوب المقدّر بين نقصانه عن قيمة العبد و عدمه. و به صرّح الماتن في الشرائع و الفاضل في التحرير (1).

و استشكل في القواعد (2) و الروضة، بل قال فيها: و ينبغي حينئذٍ أن يثبت على المالك أقلّ الأمرين من قيمته و المقدّر شرعاً. و مبنى الرواية على الغالب من زيادة قيمته كثيراً (3).

و هو حَسَنٌ، لكن في كلام الصيمري أنّ الإطلاق مشهور بين الأصحاب، فيمكن جعل الشهرة قرينة على إرادة الفرد النادر. و فيه إشكال.

و ظاهر النص و الفتوى وجوب دفع المقدّر لا استحبابه. و نسبه في المختلف (4) إلى الأشهر.

خلافاً للمبسوط (5) فنزّل الرواية على الفضيلة، و حجّته غير واضحة عدا العمل بالقاعدة، و ترك أصل الرواية. و هو حَسَنٌ لولا ما عرفت من الشهرة الجابرة. فهو ضعيف و إن اختاره شيخنا في المسالك و الروضة و بعض من تبعه (6)، فحكموا بلزوم الأُجرة دون المقدّر في الرواية.

ثم إنّ مورد العبارة و الرواية العبد خاصّة، و لكن ألحق به

____________

(1) الشرائع 3: 164، التحرير 2: 122.

(2) القواعد 1: 200.

(3) الروضة 4: 450.

(4) المختلف: 454.

(5) المبسوط 3: 333.

(6) المسالك 2: 185، الروضة 4: 448؛ و انظر الكفاية: 233.

203

الشيخان و الحلي و غيرهم (1) البعير و نسبه في المختلف (2) إلى الأكثر. و يظهر من المفيد(رحمه الله) أنّ به رواية؛ لأنّه قال: بذلك ثبتت السنّة.

و فيه إشكال، و لعلّ المصير إلى القاعدة أجود وفاقاً لجماعة (3).

و أما فيما عداهما فتتعيّن أُجرة المثل إذا كان العمل ممّا له اجرة في العادة و ذكر المالك لها و لو مبهمة؛ عملًا بالقاعدة المتقدّمة، مع أنّه إجماعي كما صرّح به بعض الأجلة. فلا إشكال فيه، كما لا إشكال في عدم لزوم شيء مع فقد الشرطين، أو تبرّع العامل بعمله؛ لأصالة البراءة.

[الثالث: لا يضمن الملتقط في الحول و بعده لقطةً و لا لقيطاً]

الثالث: لا يضمن الملتقط في الحول و بعده لقطةً و لا لقيطاً و لا ضالّةً ما لم يفرّط أو يتعدّى، بلا خلاف في شيء من حكمي المستثنى منه و المستثنى، و لا إشكال فيهما أصلًا.

و من التعدي أخذها بنيّة التملك قبل الوقت المشروع للتملك فيه في أثناء الحول كانت أو ابتداء لكون اليد حينئذٍ عارية مستعقبة للضمان إجماعاً. و كذا ترك التعريف حيث يجب عليه مطلقاً و إن لم ينوِ التملك، بل الحفظ خاصّة.

و ليس منه الأخذ بنيّة الحفظ دائماً مع المواظبة على التعريف سنةً، و لا الأخذ ليعرّفها سنةً و يتملّكها بعدها، فإنّها أمانة فيها إذا عرّفها، و يجوز له التملّك بعدها مع الضمان، كما مضى.

و في ثبوته بعد الحول بمجرد نيّة التملك السابقة أو توقفه على نية

____________

(1) المفيد في المقنعة: 648، الطوسي في النهاية: 323، الحلي في السرائر 2: 109، الشهيد في اللمعة (الروضة 4): 448.

(2) المختلف: 455.

(3) الخلاف 3: 589، المبسوط 3: 332، كشف الرموز 2: 415 416، التنقيح الرائع 4: 128.

204

اخرى له متجدّدة وجهان على القول بافتقار التملّك بعد التعريف إليها.

و على القول بحصوله بعده قهراً فالضمان بعد مضيّ الحول متعيّن جدّاً.

و حيث ثبت الضمان بموجبه من نيّة التملك قبل الحول أو ترك التعريف لم يزل بزواله من نيّة الحفظ و الأخذ في التعريف؛ استصحاباً لما ثبت من حاله سابقاً.

و ممّا ذكرنا ظهر أنّ العين لا تخرج بالتقاطها قبل الحول عن ملك مالكها، فالنماء المتجدّد في أثنائه للمالك مطلقاً، متصلًا كان أو منفصلًا.

و أقرب الوجهين و أظهرهما أنّه يتبع العين مطلقاً، و لا يشترط لتملّكه حول بانفراده بعد إكمال حول أصله.

و إطلاق العبارة و سائر الفتاوى بكون اللقطة مع عدم التفريط أمانة يقتضي عدم الفرق فيها بين لقطة الحرم و غيرها.

و هو حسن إن قلنا بعدم الفرق بينهما حكماً، و أمّا على القول بالفرق بينهما كراهةً في الثانية و حرمةً في الأُولى فمشكل جدّاً. بل الأوفق بالأُصول عدم كون لقطة الحرم أمانة؛ لكون اليد الآخذة لها عادية من حيث النهي عن التقاطها فلا إذن لها في التصرّف فيها أصلًا، فتأمّل جدّاً.