رياض المسائل - ج14

- السيد علي الطباطبائي المزيد...
496 /
205

[كتاب المواريث]

كتاب المواريث هو أعم من الفرائض مطلقاً إن أُريد بها المفروض بالتفصيل، و إن أُريد بها ما يعمّ الإجمال كإرث اولي الأرحام فهو بمعناه، و من ثم كان التعبير بما هنا أولى من التعبير بالفرائض.

و الأصل فيه بعد الإجماع الكتاب و السنّة، قال سبحانه:

يُوصِيكُمُ اللّٰهُ فِي أَوْلٰادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ إلى آخر الآيتين (1).

و في النبوي: «تعلّموا الفرائض و علّموها الناس، فإنّي امرء مقبوض، و إنّ العلم سيقبض، و تظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما» (2).

قيل: و ذلك لابتناء مسائل الفرائض على أُصول غير عقليّة، و عدم اشتمال القرآن على جميعها، و لأهل البيت ((عليهم السلام)) فيها أُصول باينوا بها سائر الفِرَق، و هم أدرى بما في بيت النبي (صلى الله عليه و آله) (3).

و فيه أيضاً: «تعلّموا الفرائض، فإنّها من دينكم، و إنّه نصف العلم، و إنّه أوّل ما ينتزع من أُمّتي» (4).

و قد ذكروا في توجيه التنصيف وجوهاً كلّها تعسّفات.

____________

(1) النساء: 11، 12.

(2) سنن البيهقي 6: 208، الوافي 25: 701.

(3) مفاتيح الشرائع 3: 300.

(4) سنن البيهقي 6: 209، الوافي 25: 701.

206

و النظر فيه يكون في المقدّمات، و المقاصد، و اللواحق

[و المقدّمات ثلاث]

[الاولى: في بيان موجبات الإرث]

و المقدّمات ثلاث:

الاولى: في بيان موجبات الإرث و أسبابه و هي: نسب و سبب، فالنسب هو الاتّصال بالولادة بانتهاء أحد الشخصين إلى الآخر، كالأب و الابن، أو بانتهائهما إلى ثالث مع صدق اسم النسب عرفاً على الوجه الشرعي.

و هو ثلاث مراتب: لا يرث أحد من المرتبة التالية مع وجود واحد من المرتبة السابقة خال من موانع الإرث.

فالأُولى: الأبوان من غير ارتفاع و الولد و إن نزل بشرط الترتيب، الأقرب فالأقرب.

و بعدها الأجداد و الجدّات و إن علوا مرتّبين و الإخوة و الأخوات و أولادهم مع فقدهم و إن نزلوا كذلك.

و بعدهما الأعمام و العمّات و الأخوال و الخالات، و أولادهم مع فقدهم و إن نزلوا، ثم أعمام الأبوين، و عمّاتهما، و أخوالهما، و خالاتهما، و أولادهم مع فقدهم و إن نزلوا كذلك، ثم أعمام الجدّ و الجدّة، و عمّاتهما، و أخوالهما، و خالاتهما، و أولادهم مع فقدهم و إن نزلوا، الأقرب فالأقرب، و هكذا إلى سائر الدرجات. ففي كلّ من المرتبتين الأُوليين صنفان، و في الباقي صنف واحد؛ لأنّهم إخوة الأب و الأُمّ.

و لا يحجب الأقرب من كلّ صنف الأبعد من الصنف الذي في مرتبته، بل يحجبه إذا كان من صنفه، و الواحد من كلّ مرتبة أو درجة و إن كان أُنثى يحجب من وراءه من المراتب و الدرجات، إلّا في صورة واحدة

207

إجماعية، هي: أنّ ابن العمّ للأب و الأُمّ يحجب العمّ للأب وحده، و يأخذ نصيبه.

و الأصل في جميع ذلك بعد الإجماع عليه في الجملة الكتاب و السنّة، قال سبحانه وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ* الآية (1).

و في الصحيح: «أنّ كل ذي رحم بمنزلة الرحم الذي يجرّ به، إلّا أن يكون وارث أقرب إلى الميت فيحجبه منه» (2) و نحوه غيره (3).

و في الخبر: «ابنك أولى بك من ابن ابنك، و ابن ابنك أولى بك من أخيك، و أخوك لأبيك و أُمّك أولى من أخيك لأبيك، و أخوك لأبيك أولى بك من أخيك لأُمّك، و ابن أخيك لأبيك و أُمّك أولى بك من ابن أخيك لأبيك، و ابن أخيك لأبيك أولى بك من عمّك، و عمّك أخو أبيك من أبيه و أمّه أولى بك من عمّك أخي أبيك من أبيه، و عمّك أخو أبيك من أبيه أولى بك من عمّك أخي أبيك لأُمّه، و ابن عمّك أخي أبيك من أبيه و أُمّه أولى بك من ابن عمّك أخي أبيك لأبيه، و ابن عمّك أخي أبيك من أبيه أولى بك من ابن عمّك أخي أبيك لأُمّه» (4).

و ما فيه من أولويّة المتقرّب بالأب وحده على المتقرّب بالأُمّ وحدها من الإخوة و الأعمام و أولادهم بمعنى زيادتهم الميراث، و في غيرهم بمعنى

____________

(1) الأنفال: 75، الأحزاب: 6.

(2) الكافي 7: 77/ 1، التهذيب 9: 269/ 976، الوسائل 26: 68 أبواب موجبات الإرث ب 2 ح 1.

(3) الكافي 7: 77/ 2، التهذيب 9: 269/ 977، الوسائل 26: 68 أبواب موجبات الإرث ب 2 ح 2.

(4) الكافي 7: 76/ 1، التهذيب 9: 268/ 974، الوسائل 26: 63 أبواب موجبات الإرث ب 1 ح 2.

208

الحجب، إجماعاً (1) كما يأتي.

و السبب هو الاتّصال بما عدا الولادة من ولاء أو زوجيّة، و هو لتعدّد ما به الاتّصال فيه قسمان: زوجيّة من الجانبين مع دوام العقد، أو شرط الإرث، على الخلاف المتقدّم في كتاب النكاح وَ وَلاء بفتح الواو، واصلة القرب و الدنوّ، و المراد به هنا تقرّب أحد الشخصين بالآخر على وجه يوجب الإرث بغير نسب و لا زوجيّة.

و الوَلاء له ثلاث مراتب كالنسب، لا يرث أحد من المرتبة التالية مع وجود واحد من المرتبة السابقة خال من الموانع، فأقربها: ولاء العتق، ثم ولاء تضمن الجريرة، ثم ولاء الإمامة و القسم الأوّل يجامع جميع الورّاث، و الثاني لا يجامع النسب و إن بَعُد.

[الثانية: في بيان موانع الإرث]

الثانية: في بيان موانع الإرث، و هي كثيرة، ذكر الماتن منها هنا ثلاثة هي أظهر أفرادها الكفر، و القتل، و الرقّ أمّا الكفر فإنّه يمنع في طرف الوارث يعني: أنّه لو كان كافراً لا يرث مسلماً، و يرث لو كان بالعكس.

و الأصل فيه بعد اتّفاق المسلمين كافّة، كما في صريح المسالك و ظاهر غيره (2) المعتبرة المستفيضة التي كادت تكون متواترة، بل لعلّها متواترة، ففي الموثق: عن الرجل المسلم هل يرث المشرك؟ قال: «نعم،

____________

(1) و في هذا الخبر دلالة على ما ذهب إليه المشهور من غير خلاف يظهر بينهم من اختصاص الرد فيما لو اجتمع المتقرب بالأُمّ خاصّة مع المتقرب بالأب كذلك به، و اعتذروا له بما في هذه الرواية من الأولوية، و تأمّل فيه في الكفاية: (291) و لا وجه له. منه (رحمه الله).

(2) المسالك 2: 311، و انظر المفاتيح 3: 311.

209

و لا يرث المشرك المسلم» (1).

و في الصحيح: «المسلم يرث امرأته الذمّيّة، و لا ترثه» (2).

و فيه: «لا يرث اليهودي و النصراني المسلمين، و يرث المسلم اليهودي و النصراني» (3).

و في الخبر القريب من الصحيح برواية ابن محبوب المجمع على تصحيح رواياته عن راويه الموجب لقصوره: «المسلم يحجب الكافر، و يرثه، و الكافر لا يحجب المؤمن، و لا يرثه» (4).

فلا إشكال في أنّه يرث الكافر مسلماً مطلقاً حربيّا كان الكافر أو ذمّيا أو مرتدّاً، و إنّما خصّ المنع بما إذا كان الكفر في طرف الوارث؛ لأنّه يرث المسلمُ الكافرَ مطلقاً أصليّاً كان أو مرتدّاً بإجماعنا المحكي في عبائر جماعة من أصحابنا (5)، مع وقوع التصريح به في الأخبار التي تلوناها سابقاً.

و أمّا النصوص المستفيضة الدالّة على أنّه لا توارث بين أهل ملّتين من الموثقين و غيرهما فمع قصور أسانيدها، و ضعف جملة منها محمولة إمّا

____________

(1) التهذيب 9: 366/ 1304، الإستبصار 4: 190/ 708، الوسائل 26: 13 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 5.

(2) الكافي 7: 143/ 6، الفقيه 4: 244/ 784، التهذيب 9: 366/ 1306، الإستبصار 4: 190/ 710، الوسائل 26: 11 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 1.

(3) الكافي 7: 143/ 2، الفقيه 4: 244/ 786، التهذيب 9: 366/ 1303، الإستبصار 4: 190/ 707، الوسائل 26: 13 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 7؛ بتفاوت.

(4) الكافي 7: 143/ 5، الفقيه 4: 244/ 783، التهذيب 9: 366/ 1307، الإستبصار 4: 190/ 711، الوسائل 26: 11 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 2.

(5) منهم الشيخ في الخلاف 4: 23، 24، و الحلي في السرائر 3: 266، و الفاضل المقداد في التنقيح الرائع 4: 132.

210

على التقيّة؛ لموافقتها لمذهب أكثر العامّة، كما صرّح به جماعة، و منهم شيخ الطائفة (1).

أو على نفي التوارث من الجانبين على وجه يرث كل منهما صاحبه، كما يتوارث المسلمان، و هو لا ينافي إرث أحدهما عن الآخر خاصّة.

و بهذا التوجيه وقع التصريح في كثير من المعتبرة و لو بعمل الطائفة، منها الصحيح: عن مولانا الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «فيما يروي الناس عن رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) أنّه قال: لا يتوارث أهل ملّتين» فقال: «نرثهم و لا يرثونا، إنّ الإسلام لم يزده إلّا عزّاً في حقّه» (2).

و الخبر: عن قوله: «لا يتوارث أهل ملّتين» فقال (عليه السلام): «نرثهم و لا يرثونا، إنّ الإسلام لم يزده في ميراثه إلّا شدّة» (3).

و في آخر: «لا يتوارث أهل ملّتين، يرث هذا هذا، و هذا هذا، إلّا أنّ المسلم يرث الكافر، و الكافر لا يرث المسلم» (4).

و في الموثق: «لا يزداد الإسلام إلّا عزّاً، فنحن نرثهم، و لا يرثونا» (5).

و في الخبر: النصراني يموت و له ابن مسلم، أ يرثه؟ قال: فقال:

«نعم، إن اللّٰه تعالى لم يزده في الإسلام إلّا عزّاً، فنحن نرثهم،

____________

(1) التهذيب 9: 368؛ و انظر التنقيح الرائع 4: 133، و الكفاية: 289.

(2) الكافي 7: 142/ 1، التهذيب 9: 365/ 1302، الإستبصار 4: 189/ 706، الوسائل 26: 15 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 14.

(3) التهذيب 9: 367/ 1312، الإستبصار 4: 191/ 716، الوسائل 26: 15 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 17.

(4) التهذيب 9: 367/ 1313، الإستبصار 4: 191/ 717، الوسائل 26: 15 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 15.

(5) التهذيب 9: 370/ 1321، الإستبصار 4: 192/ 719، الوسائل 26: 16 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 19.

211

و لا يرثونا» (1).

و حيث قد ظهر أنّ الكافر لا يرث المسلم ف قد ظهر منه أنّ ميراث المسلم لوارثه المسلم مطلقاً انفرد بالنسب و ما بعده من الأسباب أو شاركه الكافر فإنّه لا يرثه مطلقاً و لو (2) كان أقرب إليه من الوارث المسلم حتى أنّه لو كان ذلك الوارث المسلم ضامن جريرة اتفق مع ولد كافر للميت فالميراث للضامن دون الولد الكافر.

و بالإجماع على هذا بالخصوص صرّح جماعة من الأصحاب (3)، و نفى عنه الخلاف في السرائر و المسالك و غيرهما (4).

و لعلّه يفهم من إطلاق الأخبار المتقدّمة في صدر الباب، سيّما الأخيرة منها، فإنّه كالصريح فيه، بل جزم بصراحته في المسالك و غيره (5).

و قصور سنده منجبر بما مرّ، و بالعمل به من الكلّ من دون خلاف يظهر.

مضافاً إلى اعتضاده بصريح كثير من النصوص المعتبرة الآتية، كالصحيح الوارد في إسلام الكافر على الميراث قبل القسمة (6)، و رواية

____________

(1) الكافي 7: 143/ 4، الفقيه 4: 243/ 780، التهذيب 9: 366/ 1305، الإستبصار 4: 190/ 709، الوسائل 26: 12 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 4.

(2) في المطبوع من المختصر (263): أو.

(3) منهم الفاضل في التحرير 2: 171، و الكاشاني في المفاتيح 3: 312، و الهندي في كشف اللثام 2: 278.

(4) السرائر 3: 270، و المسالك 2: 311؛ و انظر الكفاية: 289.

(5) انظر كفاية الأحكام: 289.

(6) الكافي 7: 144/ 3، التهذيب 9: 369/ 1317، الوسائل 26: 21 أبواب موانع الإرث ب 3 ح 2.

212

مالك بن أعين الآتية في المسألة الثانية (1) من المسائل الستّ الملحقة (2).

و هي و إن لم تنهض حجة على تمام المدّعى من تقديم الأبعد على القريب مطلقاً، و لو كان ضامن جريرة؛ لاختصاص الأوّل بتقديم ذي القرابة عدا الأولاد و الزوجة على الأُمّ النصرانيّة، و الثاني بتقديم ابني الأخ و الأُخت على الأولاد، و هما في ذوي الأنساب خاصّة، إلّا أنّها ناهضة عليه بعد ضمّ الإجماع، و عدم القول بالفرق.

و فحوى النص الدالّ على أنّه لو لم يكن للمسلم وارث مسلم فميراثه للإمام (عليه السلام)، فإنّ ثبوت أولويّة إرثه (عليه السلام) من الكافر بولاية الذي هو متأخّر عن أنواع الولاء يستلزم إرث من قبله منه من اولي الولاء الذين منهم ضامن الجريرة بطريق أولى، كما لا يخفى، و النص هو الصحيح المشار إليه سابقاً، الوارد في إسلام الكافر على الميراث قبل قسمته.

و قريب منه الصحيح الآخر: في رجل مسلم قُتِل و له أب نصراني، لمن تكون ديته؟ قال: «تؤخذ ديته فتجعل في بيت مال المسلمين؛ لأنّ جنايته على بيت مال المسلمين» (3) فتأمّل. و يعضدهما عموم النصوص الدالّة على أنّ الإمام (عليه السلام) وارث من لا وارث له (4)، بناءً على أنّ ورثة المسلم الكفّار لا يرثونه كما مرّ، فهم بالإضافة إليه بحكم العدم، و لا خلاف فيه أيضاً بين الأصحاب ظاهراً، و به

____________

(1) في النسخ: الثالثة، و الصواب ما أثبتناه.

(2) تأتي في ص: 217.

(3) الفقيه 4: 243/ 775، التهذيب 9: 370/ 1322، الوسائل 26: 22 أبواب موانع الإرث ب 3 ح 6.

(4) الوسائل 9: 523 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 1، و ج 26: 246 أبواب ولاء ضمان الجريرة ب 3.

213

صرّح بعض أصحابنا (1).

و اعلم أنّ الحكم بأنّ الكافر يرثه المسلم إن اتفق وارثاً، مطلقاً و لو كان بعيداً، و عارضه وارث كافر أقرب منه إلى الميت و أولى ممّا لا إشكال فيه أصلًا، كما مضى، فلا وجه لإعادته تارة أخرى.

و لا كذلك الحكم بأنّ الكافر لا يرثه الكافر فإنّه في الجملة و إن كان لا إشكال فيه أيضاً، إلّا أنّه ليس على إطلاقه إجماعاً، بل يستثني منه ما أشار إليه بقوله: إلّا إذا لم يكن له وارث خاص مسلم فيرثه الكفار حينئذٍ، و لذا يتوجّه إعادته بعد فهمه سابقاً؛ تنبيهاً على أنّ الحكم ليس على إطلاقه؛ لثبوت التوارث بين الكفّار في صورة الاستثناء، بلا خلاف فيه ظاهراً، و صرّح به بعض أصحابنا (2).

لعموم أدلّة الإرث، مع سلامته عن المعارض في محلّ البحث؛ لاختصاصه بما إذا كان هنا وارث خاص مسلم.

و لمرسلة ابن أبي عمير الموثقة كالصحيحة إليه: في يهودي أو نصراني يموت، و له أولاد غير مسلمين، فقال: «هم على ميراثهم» (3).

و لما سيأتي من النص في ميراث المجوس (4).

و في الصحيح: «إنّ عليّاً (عليه السلام) كان يقضي في المواريث فيما أدرك الإسلام من مال مشرك تركه لم يكن قسم قبل الإسلام، أنّه كان يجعل للنساء و الرجال حظوظهم منه على كتاب اللّٰه تعالى و سنّة نبيّه (صلى الله عليه و آله)» (5)

____________

(1) الكفاية: 289.

(2) انظر الكفاية: 289.

(3) التهذيب 9: 372/ 1330، الوسائل 26: 25 أبواب موانع الإرث ب 5 ح 3.

(4) في ص: 470.

(5) الكافي 7: 144/ 1، التهذيب 9: 370/ 1324، الإستبصار 4: 192/ 720، الوسائل 26: 23 أبواب موانع الإرث ب 4 ح 1.

214

و نحوه آخر (1).

و يظهر من الكليني و غيره (2) دلالتهما على حكم المسألة.

و فيه مناقشة؛ لاحتمالهما وجوهاً ثلاثة، منها: أن يكون المراد أنّه إذا أسلم واحد من الورثة أو أكثر قبل القسمة فإنّه يشارك و لو كان امرأة، ردّاً على بعض العامة القائل: إنّه لا يرث منهم سوى الرجال أو العصبة، على ما حكاه جدّي العلّامة المجلسي (3) طاب رمسه.

و منها: أن يكون المراد أنّه يجري على أهل الذمّة أحكام المواريث، و ليست كغيرها من الأحكام، بأن يكون مخيّراً في الحكم أو الردّ إلى أهل ملّتهم، كما قال سبحانه فَإِنْ جٰاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ (4).

و منها: أن يكون المراد أنّهم إذا أسلموا و كان لم يقسم بينهم التركة يقسم التركة بينهم على قانون الإسلام، و ليس لهم أن يقولوا: إنّ المال بموته انتقل إلينا على القانون السابق على الإسلام فنقسمه عليه.

و لا يتم الدلالة إلّا على الوجهين الأخيرين، و لا قرينة فيهما تعيّن إرادتهما، مع احتمال أظهرية الوجه الأوّل منها، كما ذكره جدّي (5)(رحمه الله).

و لو كان للكافر وارث مسلم كان أحقّ بالإرث من وارثه الكافر و إن بَعُد هو و قرب ذلك الكافر لبعض ما مرّ في أولويّة

____________

(1) الكافي 7: 145/ 2، التهذيب 9: 371/ 1325، الإستبصار 4: 192/ 721، الوسائل 26: 23 أبواب موانع الإرث ب 4 ح 2.

(2) الكافي 7: 144؛ و انظر التهذيب 9: 370.

(3) روضة المتقين 11: 385.

(4) المائدة: 42.

(5) روضة المتقين 11: 386.

215

الوارث المسلم للمسلم من وارثه الكافر و إن قرب و بَعُد هو، و الفرق بين المسألتين مع تشابههما كون المورّث في الأُولى مسلماً و في الثانية كافراً، فلا يتوهّم التكرار هنا.

و إذا أسلم الكافر على ميراث مورّثه، المحجوب منه بكفره، مع وجود ورثة له مسلمين قبل قسمته عليهم شارك في الإرث بحسب حاله إن كان مساوياً لهم في النسب و المرتبة، كما لو كان الكافر ابناً و الورثة إخوته مثلًا. و حاز الميراث و جمعه كَمَلًا إن كان أولى منهم في المرتبة، كما لو كانوا في المثال إخوة الميت، و الحكم بذلك مطلق سواء كان المورّث مسلماً أو كافراً بلا خلاف في شيء من ذلك في الظاهر، بل عليه الإجماع في بعض العبائر، و هو الحجة.

مضافاً إلى المعتبرة المستفيضة، و فيها الصحاح و الموثّقات، ففي الصحيح: «من أسلم على ميراث قبل أن يقسم فله ميراثه، و إن أسلم و قد قسم فلا ميراث له» (1) و نحوه الموثقان (2) كالصحيحين بأبان المجمع على تصحيح رواياته، و الخبران (3) أحدهما الموثق.

و في الصحيح أيضاً: عن رجل مسلم مات، و له أُمّ نصرانية، و له

____________

(1) الكافي 7: 144/ 3، التهذيب 9: 369/ 1317، الوسائل 26: 21 أبواب موانع الإرث ب 3 ح 2.

(2) الأوّل في: الكافي 7: 144/ 4، التهذيب 9: 369/ 1318، الوسائل 26: 21 أبواب موانع الإرث ب 3 ح 3. و الثاني في: الفقيه 4: 237/ 758، التهذيب 9: 336/ 1211، الوسائل 26: 21 أبواب موانع الإرث ب 3 ح 4.

(3) التهذيب 9: 370/ 1320، الوسائل 26: 22 أبواب موانع الإرث ب 3 ح 5، دعائم الإسلام 2: 386/ 1370، المستدرك 17: 144 أبواب موانع الإرث ب 2 ح 1.

216

زوجة و ولد مسلمون؟ فقال: «إن أسلمت أُمّه قبل أن يقسم ميراثه أُعطيت السدس» قلت: فإن لم يكن له امرأة، و لا ولد، و لا وارث له سهم في الكتاب مسلمين، و له قرابة نصارى ممّن له سهم في الكتاب لو كانوا مسلمين، لمن يكون ميراثه؟ قال: «إن أسلمت امّه فإنّ ميراثه لها، و إن لم تسلم امّه، و أسلم بعض قرابته ممّن له سهم في الكتاب فإنّ ميراثه له، فإن لم يسلم أحد من قرابته فإنّ ميراثه للإمام (عليه السلام)» (1). و هل يبقى الميراث على حكم مال الميت إلى أن يقسم أو يسلم الباقي و يصير بلا مالك بالفعل غير اللّٰه تعالى، أو ينتقل إلى الموجودين ملكاً متزلزلًا ثم ينتقل منهم إلى من يسلم بعدهم كلّاً أو بعضاً، أو يكون إسلامه كاشفاً عن الملكيّة بعد الموت؟ فيه أوجه ثلاثة.

و قطع الشهيدان في الدروس و المسالك و الروضة و غيرهما (2) بأنّ النماء المتجدّد بعد الموت و قبل القسمة تابع للأصل. و لو أسلم الكافر بعد القسمة لم يرث، بلا خلاف؛ للأخبار المزبورة.

و كذا لو كان الوارث المسلم واحداً لم يزاحمه الكافر في الميراث مطلقاً و إن أسلم إجماعاً، كما في السرائر (3)، و لا خلاف فيه في الجملة إذا كان الواحد من عدا الإمام (عليه السلام) لأنّه لا يتحقق هنا قسمة مع انتقال المال إليه و حصوله في ملكه، فالانتقال إلى غيره يحتاج إلى دليل، و ليس، و لا فرق في ذلك بين بقاء عين التركة و عدمه.

____________

(1) الكافي 7: 144/ 2، الفقيه 4: 244/ 787، التهذيب 9: 369/ 1316، الوسائل 26: 20 أبواب موانع الإرث ب 3 ح 1.

(2) الدروس 2: 345، المسالك 2: 311، الروضة 8: 28، كشف اللثام 2: 278.

(3) السرائر 3: 268.

217

خلافاً للمحكي في المسالك و غيره عن الإسكافي (1)، فحكم بالمشاركة في الصورة الاولى إن كان الوارث الواحد فيها حيّاً. و في المسالك أنّه نادر، و وجهه مع ذلك، و مخالفته للنصوص غير واضح.

أمّا لو كان الوارث الواحد هو الإمام، و كان المورث مسلماً، فأسلم الكافر، فهو أولى بالميراث، على المشهور، كما في الكفاية (2)، و عن فخر الدين نسبته إلى كثير (3)، و اختاره الماتن في الشرائع (4)؛ للصحيح الأخير.

و الصحيح الآخر: عن رجل قتل رجلًا مسلماً فلم يكن للمقتول أولياء من المسلمين إلّا أولياء من أهل الذمّة من قرابته؟ فقال: «على الإمام (عليه السلام) أن يعرض على قرابته من أهل بيته الإسلام، فمن أسلم منهم فهو وليّه يدفع القاتل إليه، فإن شاء قتل، و إن شاء عفا، و إن شاء أخذ الدية، فإن لم يسلم أحد كان الإمام (عليه السلام) وليّ أمره» (5) الحديث.

خلافاً لإطلاق العبارة، و صريح جماعة، كالحلي و الشيخ في النهاية (6)؛ للتعليل المتقدّم إليه الإشارة.

و المناقشة فيه بعد ورود النص الصحيح الصريح بخلافه واضحة، فالقول به ضعيف غايته.

____________

(1) المسالك 2: 311، المختلف: 751.

(2) الكفاية: 289.

(3) الإيضاح 4: 175.

(4) الشرائع 4: 12.

(5) الكافي 7: 359/ 1، الفقيه 4: 79/ 248، التهذيب 10: 178/ 697، العلل: 581/ 15، الوسائل 29: 124 أبواب القصاص في النفس ب 60 ح 1.

(6) السرائر 2: 268، النهاية: 663.

218

و أضعف منه المحكي عن ظاهر المبسوط و صريح ابن حمزة (1) من التفصيل بين نقل التركة إلى بيت المال فالثاني، و عدمه فالأوّل.

فإنّه لا وجه له، كما في الروضة (2)، و إن جزم به الفاضل في الإرشاد و ولده قد تبعه (3).

[و يلحق بهذه المقدّمة مسائل ستّ:]

[الاولى: الزوج المسلم أحقّ بميراث زوجته من ذوي قرابتها الكفّار]

و يلحق بهذه المقدّمة مسائل ستّ: الاولى: الزوج المسلم أحقّ بميراث زوجته من ذوي قرابتها الكفّار مطلقاً كافرة كانت الزوجة أو مسلمة فإنّ له النصف بالزوجية حيث لا يكون لها ولد حاجب و الباقي بالردّ على الأظهر الأشهر فيه.

و في أنّ للزوجة المسلمة الربع من التركة إن لم يكن له ولد حاجب مع الورثة الكفّار كانت أم لا و الباقي للإمام (عليه السلام)، مع عدمهم مطلقاً، و مع وجودهم أيضاً إذا كان الزوج المورّث مسلماً، و لهم إذا كان كافراً، كما مضى، و سيأتي الكلام في المسألتين إن شاء اللّٰه تعالى مفصّلًا.

و إنّما ذكرتا هنا مقدّمةً لذكر مسألة هنا محلّها و هي: أنّه لو أسلموا أي الورثة الكفّار أو أحدهم بعد أن أخذ الزوجان نصيبهما من التركة كلّاً أو بعضاً قال الشيخ في النهاية و القاضي و الماتن في النكت (4) يردّ عليهم أي على الورثة أو بعضهم بعد إسلامهم ما فضل عن سهم

____________

(1) المبسوط 4: 79، الوسيلة: 394.

(2) الروضة 8: 29.

(3) الإرشاد 2: 127، إيضاح الفوائد 4: 175.

(4) النهاية: 664، المهذّب 2: 157، نكت النهاية 3: 234.

219

الزوجية من النصف في الفرض الأوّل، و الزائد عن الربع في الثاني.

و لا ريب في الحكم بذلك في الفرضين على القول النادر بعدم الردّ فيهما، و في الثاني خاصّة على مختار الأكثر و الماتن هنا إذا كان الإسلام قبل القسمة بين ذي الفرض و الإمام (عليه السلام)؛ لاندراج الحكم على التقديرين تحت النصوص المتقدّمة الدالّة على الإرث بالإسلام قبل القسمة، و عدمه إذا كان بعدها.

و ينبغي القطع بعدمه في الفرض الأوّل على قول الأكثر، و في الثاني أيضاً على القول الثالث من ثبوت الردّ فيهما؛ لما مرّ في الإسلام مع الوارث المسلم الواحد من الأصل، و اختصاص ما دلّ على خلافه و انتقال المال عنه بعضاً أو كلّاً إلى غيره الوارث بما إذا أسلم قبل القسمة، و هي لا تصدق إلّا مع التعدّد، دون الوحدة المفروضة في المسألة، فلا وجه لما ذكره الجماعة في الفرض الأوّل مع قولهم بالردّ فيه.

كما لا وجه لإطلاق قول الماتن هنا: و فيه تردّد الظاهر في رجوع التردّد إلى الحكم المذكور في الفرضين، بل كان ينبغي تخصيصه بالفرض الأوّل الذي قال فيه بالردّ.

اللّهم إلّا أن يجعل مورد التردّد ثبوت الحكم في المقامين معاً، و هو يجامع عدم التردّد في ثبوته في أحدهما.

و كيف كان وجه تردّده في الحكم في الفرض الأوّل مع حكمه فيه بالردّ غير واضح، عدا ما في التنقيح (1) من الاستناد في جهة منع المسلم عمّا فضل إلى ما قدّمنا، و في جهة المقابل إلى قول الشيخ خاصّة.

____________

(1) التنقيح الرائع 4: 134، 135.

220

و هو كما ترى، فإن قول الشيخ بنفسه لا يصلح حجّة، سيّما و أن يعارض به الحجة الأقوى.

و الماتن استشكل الحكم المذكور في الشرائع (1) أيضاً كما هنا، لكن لم يذكر وجهه إلّا في الجهة الأُولى، و لم يشر إلى وجهه في الجهة الثانية أصلًا، و الظاهر أنّه ما حكي عن الماتن في النكت (2) من أنّ الزوج لا يستحق سوى النصف، و الردّ إنّما يستحقه إذا لم يوجد للميت وارث محقق و لا مقدّر، و هنا الوارث المقدّر موجود، فإنّه إذا عرض على الكافر الإسلام و أسلم صار وارثاً و منع الردّ؛ و أنّ استحقاق الزوج الفاضل ليس استحقاقاً أصليّاً، بل لعدم الوارث؛ و كونه أقوى من الإمام و الزوج، فيجري في الردّ مجرى الإمام، فإنّه إذا أسلم على الميراث منع الإمام.

و يضعّف بأنّ المعتبر في الحكم بالردّ على الزوج و عدمه إنّما هو بعد الموت بلا فصل؛ لأنّه وقت الحكم بالإرث و انتقال التركة إلى الوارث، و الاعتبار حينئذٍ بالوارث المحقّق لا المقدّر، مع عدم دليل على اعتباره، و انتقاضه بكل وارث واحد منع كافراً عن الإرث، سواء ورث فرضاً و ردّاً أو قرابةً، خصوصاً الذي يرث بالفرض و الردّ، و الاتحاد على تقدير القول بالردّ حاصل، و الفرق بين الاستحقاق الأصلي و غيره لا دخل له في الحكم بعد القول بثبوته في الجملة عند عدم الوارث وقت الحكم بالإرث.

و بالجملة لا ريب في ضعف هذا القول، و ابتناء الحكم فيه على الردّ على الزوجين مع عدم الوارث و عدمه، فيقبل على الثاني، و يردّ على

____________

(1) الشرائع 4: 12.

(2) النكت 3: 235.

221

الأوّل، و هذا البناء مشهور بين المتأخّرين، بل عليه عامّتهم وفاقاً للحليّ (1).

[الثانية: روى مالك بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام): في نصراني مات، و له ابن أخ و ابن أُخت مسلمان، و أولاد صغار]

الثانية: روى المشايخ الثلاثة في الصحيح (2) إلى: مالك بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام): في نصراني مات، و له ابن أخ و ابن أُخت مسلمان، و أولاد صغار أنّه لابن الأخ الثلثان، و لابن الأُخت الثلث، و أنّه ينفقان على الأولاد بالنسبة أي بنسبة حقوقهما و ميراثهما من أبيهم، فينفق عليهم ابن الأخ ثلثي النفقة، و ابن الأُخت ثلثها، هذا إذا لم يسلموا قبل البلوغ.

ف أمّا إن أسلم الصغار قبله دفع المال أي التركة إلى الإمام، فإن بلغوا باقين على الإسلام دفعه الإمام إليهم، و لو (3) لم يسلموا، أو لم يبقوا بعده على إسلامهم دفع الإمام المال إلى ابن الأخ الثلثين، و إلى ابن الأُخت الثلث و ظاهر نقلهم لها من دون معارض صريح بل و لا ظاهر عملهم بها، مع تصريح الشيخ في النهاية (4) بالفتوى بها، كالمفيد و القاضي و الحلبي و ابن زهرة و الكيدري و نجيب الدين (5)، كما حكى ذلك عنهم الشهيد في

____________

(1) السرائر 3: 268.

(2) الكافي 7: 143/ 1، الفقيه 4: 245/ 788، التهذيب 9: 368/ 1315، الوسائل 26: 18 أبواب موانع الإرث ب 2 ح 1.

(3) في «ر» و المطبوع من المختصر (264): فإن.

(4) النهاية: 665.

(5) المفيد في المقنعة: 701، القاضي في المهذّب 2: 159، الحلبي في الكافي في الفقه: 375، ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 608، نجيب الدين في الجامع: 502.

222

النكت (1) مدّعياً هو فيه و في الدروس (2) كونها مذهب الأكثر و المعظم، و نحوه شيخنا الشهيد الثاني في المسالك (3)، فقد نسبه إلى أكثر الأصحاب، قال: خصوصاً المتقدّمين منهم كالشيخين و الصدوق (4) و الأتباع، و بذلك أيضاً صرّح المقدس الأردبيلي(رحمه الله) و صاحب الكفاية (5).

و لا ريب في اشتهار الرواية بين القدماء، بل و المتأخّرين أيضاً، كما يفهم من عبائر هؤلاء الجماعة، فلا بعد في المصير إليها، و إن ضعف السند بالراوي، و المتن بمخالفة الأُصول المقرّرة و القواعد الممهّدة من أنّ الولد يتبع أبويه في الكفر و الإسلام بلا خلاف، و ما مرّ من أنّ من أسلم من الأقارب الكفّار بعد اقتسام الورثة المسلمين لا يرث، و من أسلم قبله يشارك أو يختصّ، و من لوازم عدم المشاركة اختصاص الوارث المسلم بنصيبه من الإرث، و لا يجب عليه بذله و لا شيء منه للقريب الكافر صغيراً كان أم كبيراً؛ لانجبار جميع ذلك بالشهرة المطلقة المحكية، بل المحقّقة بين القدماء بلا شبهة، بل لا يرى لهم منهم مخالف عدا الحلي (6)، و هو بالإضافة إليهم شاذّ، هذا.

مضافاً إلى قوّة السند في نفسه بتضمّن الحسن بن محبوب المجمع على تصحيح رواياته، مع أنّه في الفقيه أسنده إلى عبد الملك بن أعين أيضاً، لكن مردّداً بينهما في النسخة المشهورة، و في غيرها أسنده إليهما

____________

(1) غاية المراد 3: 597.

(2) الدروس 2: 346.

(3) المسالك 2: 312.

(4) الفقيه 4: 245.

(5) مجمع الفائدة و البرهان 11: 483، الكفاية: 289.

(6) السرائر 3: 268.

223

معاً، و هو حسن و إن ضعف مالك بن أعين، و يحصل من ذلك تأييد ما للسند أيضاً، كما يحصل من وصف جماعة إيّاه بالصحة، كالفاضل في المختلف و الشهيد في الكتابين (1)، بل نسبه جدّي المجلسي(رحمه الله) إلى أكثر الأصحاب (2)، فتأمّل جدّاً. و الخروج عن الأُصول بمثل هذا الخبر المنجبر بالعمل غير عزيز، و لكن المسألة مع ذلك لعلّها لا تخلو عن إشكال؛ لإطباق المتأخّرين على عدم الجزم به، و إن اختلفوا في التوقّف فيه أو ردّه.

فبين من اختار الثاني، كالفاضل في الإرشاد و المختلف و المقداد في التنقيح و شيخنا في المسالك و المقدس الأردبيلي(رحمه الله) و جدّي العلّامة المجلسي (3)(رحمه الله) و نسبه شيخنا في المسالك و بعض من تبعه (4) إلى أكثر المتأخّرين.

و بين من مال إلى الأوّل، كالماتن هنا و في الشرائع و الشهيد في الكتابين و صاحب الكفاية و غيرهم (5).

و لعلّه في محلّه، و إن كان المصير إلى ما عليه الأكثر لما مرّ غير بعيد.

و اختلفوا في تنزيل الخبر على ما يوافق الأصل فرادّوه على الاستحباب و غيرهم من العاملين به على محامل [بعيدة تأبى عنها نفس الرواية.

____________

(1) المختلف: 740، الدروس 2: 345، غاية المراد 3: 597.

(2) روضة المتقين 11: 387.

(3) الإرشاد 2: 127، المختلف: 741، التنقيح الرائع 4: 137، المسالك 2: 312، مجمع الفائدة 11: 483، روضة المتقين 11: 387.

(4) مفاتيح الشرائع 3: 312.

(5) الشرائع 4: 13، الدروس 2: 346، غاية المراد 3: 598 599، الكفاية: 289؛ و انظر كشف اللثام 2: 277.

224

و هل يختص الحكم على تقدير ثبوته بمورد الخبر، كما هو ظاهر الأكثر، أم يطّرد في ذي القرابة المسلم على الإطلاق مع الأولاد، كما في المختلف عن ابن زهرة و الحلبي (1)؟ وجهان، و لا ينبغي ترك الاحتياط فيه، بل في أصل المسألة على حال.

[الثالثة: إذا كان أحد أبوي الصغير مسلماً الحق به]

الثالثة: إذا كان أحد أبوي الصغير مطلقاً مسلماً الحق به في إسلامه، سواء كان حين علوق الصغير أو بعده قبل بلوغه، و يتبع ذلك حكم التوارث فلو بلغ اجبر على الإسلام، و لو أبى عنه كان كالمرتدّ في وجوب قتله و حكم إرثه الآتي، و لا أعرف في شيء من ذلك خلافاً بين الأصحاب، بل ادّعى عليه في المسالك (2) الوفاق، و نفى الخلاف عن أصل التبعيّة في المفاتيح و الكفاية (3)، و لا شبهة فيه، كما لا شبهة في التبعيّة في الكفر أيضاً إذا كان أبواه كافرين معاً، و ادّعى فيه بالخصوص الإجماع في التنقيح، قال: و لهذا يسترقّ كما يسترقّ أبوه الكافر (4).

أقول: و لعلّ التبعيّة للأبوين في الإسلام و الكفر من الضروريّات يمكن استفادته من الأخبار المتواترة معنىً، المتشتّتة في مواضع عديدة، ككتاب الميراث، و الحدود، و الجهاد، و الوصية.

و يدلُّ على إجباره على الإسلام بعد الإدراك الخبران المرويان في الكافي و التهذيب في باب حدّ المرتدّ، أحدهما المرسل كالموثق على الأصح: في الصبي إذا شبّ فاختار النصرانية، و أحد أبويه نصراني، أو

____________

(1) المختلف: 740، الغنية (الجوامع الفقهية): 608، الكافي في الفقه: 375.

(2) المسالك 2: 312.

(3) المفاتيح 2: 363، الكفاية: 289.

(4) التنقيح 4: 135.

225

جميعاً مسلمين، قال: «لا يترك، و لكن يضرب على الإسلام» (1).

و في الثاني: في الصبي يختار الشرك و هو بين أبويه، قال: «لا يترك، و ذاك إذا كان أحد أبويه نصرانياً» (2) فتأمّل جدّاً. و على أنّه لو أبى قُتِل، المرسلة الآتية.

و إنّما الشبهة في الحكم بالارتداد و ثبوت جميع أحكامه له بالإباء عن الإسلام مع ثبوته بمجرّد التبعيّة، فإنّي لم أقف فيه على رواية عدا رواية مرسلة رواها الصدوق، قال: قال النبي (صلى الله عليه و آله): «إذا أسلم الأب جرّ الولد إلى الإسلام، فمن أدرك من ولده دعي إلى الإسلام فإن أبى قُتل، و إن أسلم الولد لم يجرّ أبويه، و لم يكن بينهما ميراث» (3).

و إطلاقات النصوص المتضمّنة لأحكام الارتداد غير شاملة لمثل هذا المرتدّ، بحكم التبادر في جملتها، و الصريح في بعضها، إلّا أنّ دعوى الوفاق المعتضدة بعدم الخلاف و بالمرسلة المزبورة الدالّة على ما ذكروه و لو في الجملة حجّة قويّة كفتنا مئونة الاشتغال بتحصيل غيرها من الحجج الشرعيّة.

[الرابعة: المسلمون يتوارثون]

الرابعة: المسلمون يتوارثون بعضهم من بعض و إن اختلفت آراؤهم و مذاهبهم ما لم ينكروا ما علم ضرورة من الدين، و معه لا يرث المنكر غيره، و هو يرثه.

____________

(1) الكافي 7: 257/ 7، الفقيه 3: 91/ 341، التهذيب 10: 140/ 554، الوسائل 28: 326 أبواب حد المرتد ب 2 ح 2.

(2) الكافي 7: 256/ 4، التهذيب 10: 140/ 553، الوسائل 28: 326 أبواب حد المرتد ب 2 ح 1.

(3) الفقيه 3: 92/ 343، الوسائل 28: 329 أبواب حد المرتد ب 3 ح 7.

226

و كذا الكفّار يتوارثون بعضهم من بعض و إن اختلفت ملتهم (1) بلا خلاف في شيء من ذلك، إلّا من المفيد في المقنعة في بعض نسخها، فقال: يرث المؤمن أهل البدع من المعتزلة و المرجئة و الخوارج من الحشوية، و لا ترث هذه الفرق مؤمناً (2). و وافق القوم في النسخة الأُخرى (3).

و من الحلبي، فقال: يرث كفّار ملّتنا غيرهم من الكفّار، و لا يرثونهم، و قال: المجبّرة و المشبّهة و جاحد الإمامة لا يرثون المسلم (4).

و هما مع شذوذهما محجوجان بعمومات أدلّة الإرث من الكتاب و السنّة، السليمة هنا عن المعارض بالكلّيّة؛ لاختصاص الأدلّة المانعة عن إرث الكافر عن المسلم فتوًى و روايةً بالكافر مقابل المسلم، و هو من لم يظهر الشهادتين، أو أظهرهما و أنكر من الدين ما علم ضرورة.

و هذا و إن لم يتعرض له كثير من أصحابنا هنا، إلّا أنّ الحكم به مستفاد من قواعدهم التي مهّدوها في مواضع أُخر شتّى، و به صرّح الشهيد في الدروس و العلّامة في القواعد (5) و الفاضل المقداد هنا، فقال بعد الاستدلال لما عليه الأصحاب من أنّ المقتضي للتوارث هو الإسلام لا غير-: نعم الغلاة و المجسّمة و الخوارج و المرجئة و الجبريّة لا يرثون غيرهم من أرباب المذاهب؛ لأنّهم منكرون لما علم ضرورة من دين النبي (صلى الله عليه و آله)، فهم كفرة، و الكافر لا يرث المسلم؛ لما تقدّم (6). انتهى.

____________

(1) في «ر» و المطبوع من المختصر (264): مللهم.

(2) المقنعة: 701.

(3) قاله في المختلف: 741.

(4) الكافي في الفقه: 375.

(5) الدروس 2: 346، القواعد 2: 163.

(6) التنقيح الرائع 4: 137.

227

و مقتضى ذلك ثبوت التوارث بينهم و بين سائر الكفّار، لكنّه صرّح بعد ذلك بما يدل على أنّ مثل هذا الكافر من ملّتنا يرث مثله و غيره من أقسام الكفّار من غير ملّتنا، و لا يرثونه إذا كانوا من غير ملّتنا، قال: لأنّ لهم خصوصية بذلك زادوا على غيرهم، فهم يرثون غيرهم من الكفّار، و لا ينعكس، و لم أقف على من تعرّض لذلك غيره.

[الخامسة: المرتدّ]

الخامسة: المرتدّ و هو الكافر بعد الإسلام أعاذنا اللّٰه تعالى ممّا يوبق الأديان إذا كان ارتداده عن فطرة الإسلام بأن ارتدّ عنه بعد أن انعقد و أحد أبويه مسلم، كما صرّح به الفاضلان و الشهيدان و غيرهم (1)، من دون خلاف بينهم يعرف، و يعضده ظواهر بعض النصوص الآتية المتضمن له مع حكمه من حيث التعبير فيه عنه بمن ولد على الإسلام كما في بعض، أو على الفطرة كما في آخر، و لا يصدق شيء منهما إلّا بما ذكروه يقتل، و لا يستتاب، و تعتدّ امرأته عدّة الوفاة مطلقاً، و لو لم يدخل بها، على قول قوي. و تقسم أمواله بين ورثته، و لو كان حيّاً.

بلا خلاف في شيء من ذلك أجده، و لا حكاه أحد من الطائفة، إلّا شيخنا في المسالك و بعض من تبعه (2)، فحكياه عن ظاهر الإسكافي، حيث لم يفصّل في الاستتابة و القتل بعدها مع عدم التوبة بين الفطري و الملّي، قال التابع بعد نقله: و هو شاذّ. و هو ظاهر في انعقاد الإجماع على خلافه، و به صرّح في الروضة و غيرها (3)، و هو الحجة.

____________

(1) المحقق في الشرائع 4: 13، العلّامة في التحرير 2: 171، الشهيد الأوّل في الدروس 2: 52، الشهيد الثاني في المسالك 2: 451؛ و انظر كشف اللثام 2: 435.

(2) المسالك 2: 451؛ و انظر المفاتيح 2: 104.

(3) الروضة 9: 337، و المسالك 2: 451.

228

مضافاً إلى المعتبرة المستفيضة، ففي الصحيح: «من رغب عن الإسلام، و كفر بما انزل على محمّد (صلى الله عليه و آله) بعد إسلامه فلا توبة له، و قد وجب قتله، و بانت منه امرأته، و قسم ما ترك على ولده» (1).

و إنّما خصّ بالفطري مع شموله أيضاً للملّي جمعاً بينه و بين ما دلّ على لزوم قتل المرتدّ بقول مطلق بعد امتناعه من التوبة، كالصحيح عن غير واحد من أصحابنا عنهما ((عليهما السلام)) في المرتدّ: «يستتاب، فإن تاب، و إلّا قتل» (2) إلى غير ذلك من النصوص، بحملها على الملّي خاصّة.

و الجامع بعد الإجماع المتقدّم إليه الإشارة المعتبرة، منها الصحيح:

عن مسلم تنصّر كما في الكافي و التهذيب أو: ارتدّ كما في الاستبصار قال: «يقتل، و لا يستتاب» قلت: فنصراني أسلم، ثم ارتدّ عن الإسلام، قال: «يستتاب، فإن رجع، و إلّا قتل» (3).

و الموثق: «كل مسلم بين مسلمين ارتدّ عن الإسلام و جحد محمّداً (صلى الله عليه و آله) نبوّته و كذّبه فإنّ دمه مباح لكل من سمع ذلك منه، و امرأته بائنة منه يوم ارتدّ فلا تقربه، و يقسم ماله على ورثته، و تعتدّ امرأته عدّة المتوفّى عنها زوجها، و على الإمام أن يقتله و لا يستتيبه» (4).

____________

(1) الكافي 7: 153/ 4، التهذيب 9: 373/ 1333، الوسائل 26: 27 أبواب موانع الإرث ب 6 ح 5.

(2) الكافي 7: 256/ 3، التهذيب 10: 137/ 543، الإستبصار 4: 253/ 959، الوسائل 28: 327 أبواب حد المرتد ب 3 ح 2.

(3) الكافي 7: 257/ 10، التهذيب 10: 138/ 548، الإستبصار 4: 254/ 963، الوسائل 28: 327 أبواب حد المرتد ب 3 ح 1.

(4) الكافي 7: 257/ 11، الفقيه 3: 89/ 333، التهذيب 10: 136/ 541، الإستبصار 4: 253/ 957، الوسائل 28: 324 أبواب حد المرتد ب 1 ح 3.

229

و المرفوع كالموثق بعثمان بن عيسى المجمع على تصحيح رواياته:

«أمّا من كان من المسلمين ولد على الفطرة ثم تزندق فاضرب عنقه، و لا تستتبه، و من لم يولد منهم على الفطرة فاستتبه، فإن تاب، و إلّا فاضرب عنقه» (1).

و في الصحيح: رجل ولد على الإسلام ثم كفر و أشرك و خرج عن الإسلام، هل يستتاب، أو يقتل و لا يستتاب؟ فكتب: «يقتل» (2).

و فيه تصريح بقتل الفطري و عدم استتابته، و في كثير من النصوص عدم قتل الملّي إلّا بعد امتناعه من التوبة، و لا تعارض بينهما، فيجب العمل بهما بلا شبهة، و فيهما قرينة أُخرى أيضاً على الجمع المتقدّم إليه الإشارة، فلا شبهة في المسألة.

و قصور اسناد بعض المعتبرة المتقدّمة كقصور دلالة بعض آخر منها عن إفادة تمام ما ذكره الجماعة معتضد و مجبور بعملهم، فلا وجه لمناقشة بعض متأخّري الطائفة (3) فيها بذينك الأمرين و غيرهما بالمرّة.

و ممّا ذكرناه يستفاد ما ذكره الأصحاب من غير خلاف فيه بينهم يعرف أنّ من ليس ارتداده عن فطرة كأن أسلم عن كفر ثم ارتدّ لا يقتل ابتداء، بل يستتاب، فإن تاب، و إلّا قتل و النصوص به زيادة على ما مرّ مستفيضة، ما بين مطلقة للحكم بالاستتابة غير مقيّدة للمرتدّ بالملّي، و مقيّدة له به.

____________

(1) الفقيه 3: 91/ 339، التهذيب 10: 139/ 550، الوسائل 28: 333 أبواب حد المرتد ب 5 ح 5.

(2) التهذيب 10: 139/ 549، الإستبصار 4: 254/ 964، الوسائل 28: 325 أبواب حد المرتد ب 1 ح 6.

(3) مجمع الفائدة و البرهان 13: 322.

230

و قد عرفت الجواب عن الأدلّة بحملها على المقيّدة؛ لما عرفت من الأدلّة، مع أنّها ضعيفة، و أكثر رجالها من العامّة، موافقة لمذاهبهم، كما صرّح به جماعة (1)، فيحتمل الحمل أيضاً على التقية، و يعضده مصير الإسكافي (2) إليها، كما مرّ غير مرّة.

و سقوطها من البيت بهذا الحمل غير ضائر، فإنّ في بقيّة النصوص كفاية إن شاء اللّٰه تعالى.

مع عدم الخلاف هنا أصلًا، و به صرّح الفاضل المقداد في التنقيح، فقال بعد نقل ما قدّمناه هنا من المتن مع ما بعده من قوله: و تعتدّ زوجته عدّة الطلاق مع الحياة، و عدّة الوفاة لا معها-: هذا ممّا لا خلاف فيه عندنا، لكن الشيخ في النهاية زاد على هذا أنّه إذا التحق بدار الحرب و لم يقدر عليه يقسم ميراثه بين أهله، و تبعه القاضي، و نازعه الحلي قائلًا بأنّ الأصل بقاء الملك على مالكه، و لا دليل على قسمة أمواله بارتداده، قال:

و قد رجع الشيخ عن ذلك في المبسوط و الخلاف، و هذا هو المفتي به (3).

انتهى.

و ظاهره كما ترى عدم الخلاف في مبلغ العدّة في صورتي الحياة و الوفاة أيضاً و قد قدّمنا التحقيق فيه في كتاب النكاح.

و هل الملّي لتوبته حدّ و تقدير مدّة؟ قيل: لا؛ لعدم دليل عليه (4).

____________

(1) منهم الشيخ في المبسوط 8: 71، و الخلاف 5: 353، و الشهيد الثاني في المسالك 2: 451.

(2) على ما نقله عنه في المسالك 2: 451.

(3) التنقيح 4: 138، و هو في النهاية: 666، و المهذب 2: 161، و السرائر 3: 271، 272، و المبسوط 7: 283، و الخلاف 5: 358.

(4) قاله الشيخ في الخلاف 5: 356.

231

و قيل: القدر الذي يمكن معه الرجوع؛ احتياطاً في الدماء؛ و إزاحةً للشبهة العارضة في الحدّ (1). و قيل: ثلاثة أيّام (2)؛ للخبر الضعيف لجماعة (3)، و فيه: «المرتدّ تعزل عنه امرأته، و لا تؤكل ذبيحته، و يستتاب ثلاثة أيّام، فإن تاب، و إلّا قتل يوم الرابع» (4) و لعلّ الوسط أجود.

و أمّا المرأة ف لا تقتل بالردّة بل تحبس، و تضرب أوقات الصلاة حتى تتوب مطلقاً و لو كانت مرتدّة عن فطرة للمعتبرة المستفيضة، ففي المرسل كالصحيح بل الصحيح على الصحيح:

«و المرأة إذا ارتدّت استتيبت فإن تابت و رجعت، و إلّا خلّدت السجن، و ضيّق عليها في حبسها» (5).

و في الصحيح: في المرتدّة عن الإسلام، قال: «لا تقتل، و تستخدم خدمة شديدة، و تمنع الطعام و الشراب إلّا ما تمسك نفسها، و تلبس خشن الثياب، و تضرب على الصلوات» (6).

و أمّا الصحيح الدالّ على قتل المرتدّة عن ملّة بعد إبائها عن التوبة (7)،

____________

(1) حكاه الشيخ في المبسوط 7: 283، ثم قال: و هو الأقوى، و اعتمد عليه الصيمري في تلخيص الخلاف 3: 217.

(2) حكاه الشيخ في المبسوط 7: 282، و جعله أحوط، و استحسنه المحقق في الشرائع 4: 184.

(3) تقدّم ذكرهم في ص: 198 الرقم 2.

(4) الكافي 7: 258/ 17، الفقيه 3: 89/ 334، التهذيب 10: 138/ 546، الاستبصار 4: 254/ 961، المقنع: 162، الوسائل 28: 328 أبواب حد المرتد ب 3 ح 5.

(5) الكافي 7: 256/ 3، التهذيب 10: 137/ 543، الإستبصار 4: 253/ 959، الوسائل 28: 332 أبواب حد المرتد ب 4 ح 6.

(6) الفقيه 3: 89/ 335، التهذيب 10: 143/ 565، الوسائل 28: 330 أبواب حد المرتد ب 4 ح 1.

(7) التهذيب 10: 143/ 567، الإستبصار 4: 255/ 968، الوسائل 28: 331 أبواب حد المرتد 4 ح 5.

232

فمع أنّه شاذّ، مخالف للإجماع قضيّة في واقعة، يحتمل الاختصاص بها، و غيره، مع توجيهات فيه بها لا ينافي الأخبار الأوّلة، ذكر بعضها الشيخ في الكتابين (1) و غيره، مع أنّه غير مكافئ لها.

و اعلم أنّه ذكر شيخنا في المسالك و بعض من تبعه أنّه ليس فيها ما يدلّ على قبول توبتها مطلقاً، و الأوّل منها و إن كان ظاهره ذلك إلّا أنّه تضمّن حكم الرجل بذلك أيضاً، و حمله على الملّي يرد مثله فيها، فحمل الدالّ على تخليد حبسها دائماً من غير تفصيل على الفطري و عدم قبول توبتها كالرجل ممكن، و في التحرير إشعار بالخلاف في ذلك، و هو مناسب للأخبار (2).

أقول: و أظهر من عبارة التحرير عبارة المهذّب (3) المحكيّة في بعض الحواشي المعتبرة، و فيها بعد الحكم بأنّ حكم المرتدّة مطلقاً حكم المرتدّ عن غير فطرة-: و ذهب بعضهم إلى أنّها تحبس دائماً مع التوبة إن كانت عن فطرة.

و لكنّه لم يظهر منها و لا من العبارة الأُولى كون المخالف منّا، فلعلّه من العامّة العمياء، أو من لم يعتدّ به أصلًا، و ربما يشير إلى هذا ما حكي عن المهذب أيضاً في ذيل تلك العبارة في ردّه، قال: و هو و هم، لم يقل به أحد، و لا يدل عليه دليل، بل الأخبار تدل على خلافه (4). انتهى.

و ما أبعد ما بين ما ذكره من دلالة الأخبار على خلافه و ما ذكره شيخنا

____________

(1) التهذيب 10: 143، 144، الاستبصار 4: 256.

(2) المسالك 2: 451، و تبعه الفيض الكاشاني في المفاتيح 2: 105، و هو في التحرير 2: 235.

(3) المهذّب البارع 4: 344.

(4) المهذّب البارع 4: 344.

233

من مناسبته لها.

و كيف كان فعبارته ظاهرة في عدم الخلاف، كعبارة من تبع شيخنا في إشكاله، حيث قال بعد ذكر الحكم أوّلًا-: بلا خلاف. و هو الظاهر منه أيضاً حيث نسب الحكم بعد ذكره إلى الأصحاب كافّة من دون خلاف ذكره، و لا ريب فيه، فإنّ عبائر الأصحاب مطبقة على ذلك من دون نقل خلاف عمّن يعتدّ به، و لا ذكر إشكال، و حيث كانت المسألة بهذه المثابة فلا إشكال فيها بحمد اللّٰه سبحانه.

مع إمكان استفادتها من الرواية الأُولى بنوع من التوجيه، كأن يذبّ عمّا أُورد عليها من استلزام حمل المرتدّ فيها على الملّي مثله في المرتدّة بمنع التلازم بين الحملين؛ لتغاير اللفظين، فلا بعد في تقييد إطلاق أحدهما بالدليل الخارجي، و إبقاء الآخر على إطلاقه.

نعم ربما نافى ذلك السياق فكان مستبعداً، لكنّه مندفع بعد ضمّ الفتاوى من دون خلاف إليها، و لعلّه لذا لم يستشكل الحكم بذلك في الروضة (1) أصلًا، و جعله التابع أحوط و أولى (2).

[السادسة: لو مات المرتدّ كان ميراثه لوارثه المسلم]

السادسة: لو مات المرتدّ كان ميراثه لوارثه المسلم و إن بَعُد و قرب وارثه الكافر، إجماعاً؛ لما مرّ.

و لو لم يكن له وارث إلّا كافر كان ميراث المرتدّ الأجود الاكتفاء عنه بالضمير للإمام (عليه السلام)، بلا خلاف يظهر فيما إذا كان المرتدّ عن فطرة.

و كذا مطلقاً على الأظهر الأشهر، بل عليه عامّة من تأخّر، و في

____________

(1) الروضة 9: 344.

(2) انظر المفاتيح 2: 105.

234

عبارة الماتن في الشرائع و غيره (1) إشعار بالإجماع عليه، حيث نسبا الرواية و قائلها إلى الشذوذ، و لعلّه الظاهر من تتبّع الفتاوى؛ لاتفاقها على ذلك من دون ظهور مخالف صريح و لا ظاهر، عدا الصدوق في الفقيه، حيث روى ما يدل على أنّ ميراث الملّي لورثته، في الموثق كالصحيح عن إبراهيم بن عبد الحميد: في نصراني أسلم، ثم رجع إلى النصرانية، ثم مات، قال:

«ميراثه لولده النصارى» و مسلم تنصّر، ثم مات، قال: «ميراثه لولده المسلمين» (2).

و ظاهره الفتوى بمضمونه؛ لما ذكره في أوّل كتابه، مع أنّه حكي عنه المصير إليه صريحاً في مقنعه (3).

و لم نر موافقاً له عدا الشيخ في استبصاره، حيث حكى الرواية فيه بعينها متناً و سنداً، لكن مرسلًا، و قال بعدها: ميراث النصراني يكون لولده النصارى إذا لم يكن له ولد مسلمون (4).

لكنّه غير صريح بل و لا ظاهر في فتواه به؛ لما هو معلوم في كتابيه من حاله، مع أنّه صرّح في النهاية بخلاف الرواية، حاملًا لها على التقية، قال: لأنّها مذهب العامة (5). و بذلك ردّها جماعة (6). و آخرون

____________

(1) الشرائع 4: 12؛ و انظر المفاتيح 3: 312.

(2) الفقيه 3: 245/ 789، الوسائل 26: 26 أبواب موانع الإرث ب 6 ذيل الحديث 1.

(3) حكاه عنه في المهذب البارع 4: 347، و المسالك 2: 311، و هو في المقنع: 179.

(4) الاستبصار 4: 193، و كذا في التهذيب 9: 372/ 1328.

(5) النهاية: 667.

(6) منهم الفاضل في المختلف: 751، و ابن فهد في المهذب البارع 4: 347، و المقداد في التنقيح 4: 139.

235

بإرسالها (1).

و هو كما ترى؛ لاختصاص الإرسال بكتابية، و إلّا فهي مسندة في الفقيه، مع أنّ في سنده ابن أبي عمير المجمع على تصحيح ما يصح عنه.

و ثالث: بعدم مقاومتها للقاعدة الدالّة على أنّ المرتدّ بحكم المسلم، فلا يرثه الكافر (2).

و هو حسن إن ثبتت الكلّيّة و عموم المنزلة بحيث يشمل مفروض المسألة من إجماع أو رواية، و لم أتحقّقهما كذلك بالكلّيّة.

و رابع: بمعارضتها بالمرسلة كالصحيحة بأبان و ابن أبي عمير المجمع على تصحيح رواياتهما، كما مرَّ غير مرة: في رجل يموت مرتدّاً، و له أولاد، فقال: «ماله لولده المسلمين» (3) بناءً على دلالة تقييد الولد بالمسلمين بمفهوم القيد المعتبر على عدم كون إرثه لأولاده الكافرين، فلا يكون لغيرهم من الورثة الكفّار بالإجماع و فحوى الخطاب، فانحصر الميراث للإمام (عليه السلام) (4).

و هو حسن إن لم يكن القيد وارداً مورد الغالب، كما ذكره هذا المجيب في الذبّ عن معارضة هذا المرسل بإطلاق الصحيحين، في أحدهما: عن رجل ارتدّ عن الإسلام لمن يكون ميراثه؟ قال: «يقسم ميراثه

____________

(1) منهم الفاضل الآبي في كشف الرموز 2: 425، و ابن فهد في المهذب البارع 4: 347.

(2) انظر مجمع الفائدة و البرهان 11: 473.

(3) الكافي 7: 152/ 1، التهذيب 9: 374/ 1335، الوسائل 26: 28 أبواب موانع الإرث ب 6 ح 6.

(4) انظر كفاية الأحكام: 289.

236

على ورثته على كتاب اللّٰه تعالى» (1) و نحوه الثاني (2)، قال بعدهما: إنّهما مبنيّان على الغالب من كون ورثة المرتدّ عن الإسلام مسلمين.

و مقصوده أنّه لا عبرة بإطلاقه؛ لوروده مورده، فلا يعمّ ورثته الكفّار كما هو محلّ البحث و مفروضه.

قلنا: فاقبل مثله في القيد الوارد في المرسل؛ لوروده مورده أيضاً، فلا يعمّ غيره.

و خامس: بحمل الأولاد فيها على الصغار، و هم بحكم المسلمين تبعاً لإسلام أبيهم قبل ارتداده (3).

و فيه نظر؛ لما فيه من تقييد الأولاد بالصغار، ثم تقييدهم بالمنعقدين حال إسلام الأب، و ليس فيها ما يرشد إليهما، مع إشعار وصفهم بالنصارى على خلافهما، و لو لا الإجماع الظاهر المستشعر من جملة من العبائر لكان المصير إليها ليس بذلك البعيد؛ لاعتبار السند، و الاعتضاد بعمومات أدلّة الإرث، السليمة هنا عن المعارض ممّا دل على عدم إرث الكافر عن المسلم؛ لاختصاصه بحكم التبادر بعدم الإرث عن المسلم الحقيقي، لا مطلق من في حكمه، و برواية الإسكافي لها عن ابن فضال و ابن يحيى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4).

و الحمل على التقيّة يصار إليه مع وجود المعارض الأقوى، و ليس

____________

(1) الكافي 7: 152/ 2، الفقيه 4: 242/ 771، التهذيب 9: 374/ 1334، الوسائل 26: 27 أبواب موانع الإرث ب 6 ح 3.

(2) الكافي 7: 153/ 4، التهذيب 9: 373/ 1333، الوسائل 26: 27 أبواب موانع الإرث ب 6 ح 5.

(3) روضة المتقين 11: 389، و ملاذ الأخبار 15: 399.

(4) حكاه عنه في المختلف: 751.

237

بعد الإجماع كما فرضنا.

مضافاً إلى انجبار ضعفها بذلك بموافقتها للعمومات السليمة هنا كما عرفت عن المعارض.

و أمّا القتل أي قتل الوارث لولاه المورّث فيمنع الوارث من الإرث أي إرث المقتول إذا كان عمداً ظلماً إجماعاً محقّقاً، و محكيّاً في كلام جماعة (1) حدّ الاستفاضة، و الصحاح به مع ذلك كغيرها من المعتبرة مستفيضة، ففي الصحيح و غيره: «لا ميراث للقاتل» (2).

و احترز بالظلم عمّا لو قتله حدّا، أو قصاصاً، و نحوهما من القتل بحق، فإنّه لا يمنع بلا خلاف، كما في كلام جماعة (3)، و هو الحجة المؤيّدة بعمومات أدلّة الإرث كتاباً و سنّة، السليمة هنا عمّا يصلح للمعارضة، عدا إطلاقات النصوص المتقدّمة، و هي غير صريحة في المعارضة، بل و لا ظاهرة؛ لاختصاصها بحكم التبادر بغير مفروض المسألة، و هو القتل ظلماً لا حقّاً، هذا.

مضافاً إلى صريح الخبر المنجبر ضعفه بالعمل: عن طائفتين من المؤمنين، إحداهما باغية، و الأُخرى عادلة، اقتتلوا، فقتل رجل من أهل العراق أباه، أو ابنه، أو أخاه، أو حميمه، و هو من أهل البغي، و هو وارثه،

____________

(1) منهم الشيخ في الخلاف 2: 39، و الشهيد في اللمعة (الروضة البهية 8): 31، و الفيض الكاشاني في المفاتيح 3: 314.

(2) الصحيح في: الكافي 7: 141/ 5، التهذيب 9: 378/ 1352، الوسائل 26: 30 أبواب موانع الإرث ب 7 ح 1. و غيره في: الكافي 7: 140/ 2، التهذيب 9: 377/ 1349، الوسائل 26: 31 أبواب موانع الإرث ب 7 ح 6.

(3) منهم السبزواري في الكفاية: 290، و الفيض الكاشاني في المفاتيح 3: 314، و انظر المسالك 2: 313، و كشف اللثام 2: 280.

238

هل يرثه؟ قال: «نعم، لأنّه قتله بحق» (1).

و لا يمنع لو كان خطأً مطلقاً عند المفيد في نقل (2)، و الديلمي و الماتن هنا و في الشرائع (3)، و إليه يميل شيخنا في المسالك (4)؛ للصحيح:

عن رجل قتل امّه، أ يرثها؟ قال: «إن كان خطأً ورثها، و إن كان عمداً لم يرثها» (5) و نحوه الموثق في التهذيبين، الصحيح في الفقيه (6).

مع انتفاء الحكمة الباعثة على نفي الإرث حيث لم يقصد القتل، و هي مقابلته بنقيض مقصوده.

خلافاً للعماني (7)، فيمنع مطلقاً؛ أخذاً بإطلاق النصوص المانعة، و خصوص الخبر: «لا يرث الرجل أباه إذا قتله و إن كان خطأً» (8) و نحوه آخر (9).

و هو شاذّ، و مستنده ضعيف؛ لتقييد الإطلاق بما مرّ من الصحيحين و غيرهما ممّا يأتي في البين، و ضعف الخبرين سنداً، و مكافأةً لما مرّ

____________

(1) الفقيه 4: 233/ 748، التهذيب 9: 381/ 1364، الوسائل 26: 41 أبواب موانع الإرث ب 13 ح 1.

(2) المقنعة: 703.

(3) المراسم: 218، الشرائع 4: 14.

(4) المسالك 2: 313.

(5) التهذيب 9: 379/ 1358، الإستبصار 4: 193/ 726، الوسائل 26: 34 أبواب موانع الإرث ب 9 ح 2.

(6) الفقيه 4: 232/ 742، التهذيب 9: 379/ 1357، الإستبصار 4: 193/ 725، الوسائل 26: 33 أبواب موانع الإرث ب 9 ح 1.

(7) حكاه عنه في المختلف: 742.

(8) الكافي 7: 141/ 7، الوسائل 26: 34 أبواب موانع الإرث ب 9 ح 3.

(9) التهذيب 9: 379/ 1359، الإستبصار 4: 193/ 727، الوسائل 26: 34 أبواب موانع الإرث ب 9 ذيل الحديث 3.

239

و سيأتي من وجوه شتّى، مع احتمالهما الحمل على التقية، كما ذكره الشيخ في الكتابين (1).

و قال الشيخان و المرتضى و الإسكافي و الحلبي و القاضي و ابن حمزة و ابن زهرة و الحلي (2)، و بالجملة الأكثر، على الظاهر المصرّح به في كلام جمع ممّن تأخّر، كالشهيدين و غيرهما (3): إنّه يمنع من الدية حسب و يرث ممّا عداها من التركة.

و لعلّه الأظهر؛ لنقل المرتضى و الشيخ و ابن زهرة و الحلي الإجماع عليه من الطائفة، و هو الحجة الجامعة بين النصوص المختلفة، مع قصور ما دل منها على إرث الخاطئ عن الدلالة على إرثه من الدية المأخوذة منه أو من العصبة؛ لاختصاصه بحكم التبادر بإرث ما عداها من التركة.

مضافاً إلى رواية عاميّة هي بالتفصيل مصرّحة، و فيها: أنّ النبي (صلى الله عليه و آله) قال: «ترث المرأة من مال زوجها و من ديته، و يرث الرجل من مالها و ديتها، ما لم يقتل أحدهما صاحبه، فإن قتل أحدهما صاحبه عمداً فلا يرثه من ماله، و لا ديته، و إن قتله خطأً ورث من ماله و لا يرث من ديته» (4).

____________

(1) التهذيب 9: 380، الاستبصار 4: 194.

(2) حكاه عن المفيد في التهذيب 9: 380، و النهاية: 672، الطوسي في التهذيب 9: 380، المرتضى في الانتصار: 307، و حكاه عن الإسكافي في المختلف: 742، الحلبي في الكافي في الفقه: 375، القاضي في المهذّب 2: 162، ابن حمزة في الوسيلة: 396، ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 608، الحلي في السرائر 3: 274.

(3) الدروس 2: 347، المسالك 2: 313؛ و انظر الكفاية: 290.

(4) سنن ابن ماجة 2: 914/ 2736.

240

و ضعف السند مجبور بعمل الأكثر، و ذكر الزوجين غير مخصّص إجماعاً، هذا.

مضافاً إلى الاعتضاد بعموم المعتبرة المستفيضة أو إطلاقاتها الدالّة على عدم إرث القاتل شيئاً من الدية، ففي الصحيح: «المرأة ترث من دية زوجها و يرث من ديتها ما لم يقتل أحدهما صاحبه» (1) و نحوه الموثق (2) و غيره (3).

و أقرب منها دلالة الصحيح: عن امرأة شربت دواءً و هي حامل، و لم يعلم بذلك زوجها، فألقت ولدها، قال: فقال: «إن كان له عظم و نبت عليه اللحم عليها دية تسلّمها إلى أبيه، و إن كان حين طرحته علقة أو مضغة، فإنّ عليها أربعين ديناراً أو غرّة تؤدّيها إلى أبيه» قلت: فهي لا ترث ولدها من ديته مع أبيه؟ قال: «لا، لأنّها قتلته» (4) فتأمّل. و استدلوا عليه أيضاً بوجه اعتباري، و هو: أنّ الدية يجب عليه دفعها إلى الوارث على تقدير كون الخطأ شبه العمد، و يدفعها عاقلته إلى الوارث على تقدير كونه محضاً؛ لقوله تعالى وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلىٰ أَهْلِهِ (5) و لا شيء من الموروث له يجب دفعه إلى الوارث و الدفع إلى نفسه، و أخذه

____________

(1) الكافي 7: 141/ 8، التهذيب 9: 378/ 1353، الإستبصار 4: 194/ 728، الوسائل 26: 32 أبواب موانع الإرث ب 8 ح 2.

(2) التهذيب 9: 381/ 1362، الإستبصار 3: 343/ 1225، الوسائل 26: 33 أبواب موانع الإرث ب 8 ح 4.

(3) الكافي 7: 141/ 9، التهذيب 9: 378/ 1354، الوسائل 26: 32 أبواب موانع الإرث ب 8 ح 3.

(4) الكافي 7: 141/ 6، الفقيه 4: 233/ 746، التهذيب 9: 379/ 1356، الإستبصار 4: 301/ 1130، الوسائل 26: 31 أبواب موانع الإرث ب 8 ح 1.

(5) النساء: 92.

241

من عاقلته عوض ما جناه بنفسه لا يعقل.

و فيه: أنّه استبعاد محض، لكن لا بأس بتأييد الدليل به إن ثبت، كما مرّ.

و اعلم أنّه حكى الشهيد(رحمه الله) في النكت و الدروس تبعاً للفاضل في المختلف (1) عن الفضل بن شاذان و العماني أنّهما قالا: إنّ ضارب ابنه تأديباً يرثه؛ لأنّه كالإمام (عليه السلام) في إقامة الحدّ، و إنّ جناية دابة الراكب مانع من الإرث موجب للكفّارة، قال الفضل: بخلاف دابّة السائق، و لا قيد فيهما، ثم ورّثا السبب، كحافر البئر في غير ملكه؛ لأنّه لا يسمى قاتلًا، و ورّثا الصبي و المجنون إذا قتلا، قال الشهيد(رحمه الله) في كتابه الأوّل (2): و لم أقف على ذلك في كلام غيرهما من الأصحاب، إلّا أنّ المصنف ألحق السبب و الصبي و المجنون و السائق و القائد بالمباشر و الكامل و الراكب، و في الفرق بين السائق و الراكب بُعد؛ لأنّه أكثر ضماناً منه.

و لو اجتمع القاتل الممنوع من الإرث و غيره ممّن يرث المقتول فالميراث لغير القاتل مطلقاً و إن بَعُد من المقتول سواء تقرب ذلك الغير بالقاتل كابنه مثلًا أو بغيره كابن الأخ له و نحوه.

و لو لم يكن للمقتول وارث سوى القاتل فالإرث للإمام (عليه السلام)، بلا خلاف في شيء من ذلك و لا إشكال، فإنّ القاتل الممنوع من الإرث كالمعدوم، فيرثه من عداه من مراتب الورّاث على الترتيب المتقدّم، هذا.

مضافاً إلى الصحيحين الدالّين على بعض من ذلك، في أحدهما:

«لا يرث الرجل إذا قتل ولده أو والده، و لكن يكون الميراث لورثة

____________

(1) غاية المراد 3: 608، الدروس 2: 347، المختلف: 742.

(2) في «ب» زيادة: بعد الحكاية.

242

القاتل» (1).

و في الثاني: رجل قتل أباه؟ قال: «لا يرثه، و إن كان للقاتل ولد ورث الجدّ المقتول» (2).

و في الصحيح: في الرجل يقتل و ليس له وليّ إلّا الإمام: «إنّه ليس للإمام أن يعفو، و له أن يقتل، أو (3) يأخذ الدية» (4) فتدبّر.

[و هنا مسائل ثلاث.]

[الأُولى: الدية كأموال الميت تقضىٰ منها ديونه، و تنفذ وصاياه]

و هنا مسائل ثلاث.

الأُولى: الدية كأموال الميت تقضىٰ منها ديونه، و تنفذ وصاياه مطلقاً و إن قتل عمداً إذا أُخذت الدية و صولح عن القصاص عليها، علىٰ الأشهر الأقوى، و قد تقدّم الكلام في المسألة في آخر كتاب الوصية مستوفى.

و هل للديّان في صورة العمد منع الوارث من القصاص مع عدم الوفاء الوجه: لا وفاقاً للحلي و جماعة من المحققين كما في التنقيح (5)، و جعله أشهر في المسالك و غيره (6)؛ لأنّ أخذ الدية اكتساب، و هو غير واجب على الوارث في دين مورّثه، و للعمومات الواردة في

____________

(1) الكافي 7: 140/ 3، التهذيب 9: 378/ 1350، الوسائل 26: 30 أبواب موانع الإرث ب 7 ح 3.

(2) الفقيه 4: 232/ 741، التهذيب 9: 380/ 1361، الوسائل 26: 39 أبواب موانع الإرث ب 12 ح 1.

(3) في النسخ: و، و ما أثبتناه من المصدر.

(4) التهذيب 10: 178/ 696، الوسائل 29: 125 أبواب القصاص في النفس ب 60 ح 2.

(5) التنقيح 4: 141، و هو في السرائر 2: 49، التحرير 2: 172، تبصرة المتعلّمين: 180، المهذب البارع 4: 352، كشف الرموز 2: 428.

(6) المسالك 2: 313، مفاتيح الشرائع 3: 318.

243

القصاص.

و في رواية عمل بها الشيخ في النهاية و الحلبي و القاضي و الإسكافي و ابن زهرة (1) مدّعياً عليها إجماع الإمامية، و حكاه الشهيد في النكت (2) أيضاً عن جماعة أنّ لهم منع الوارث حتى يضمن الوارث الدين رواها في التهذيب في كتاب الديات، في آخر باب القضاء في اختلاف الأولياء، بسنده عن يونس عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، و فيها: «إنّ أصحاب الدين هم الخصماء للقاتل، فإن وهب أولياؤه دمه للقاتل ضمنوا الدية للغرماء، و إلّا فلا» (3).

و في أُخرى: «فإن وهبوا دمه للقاتل فجائز، و إن أرادوا القود ليس لهم ذلك حتى يضمنوا الدين للغرماء، و إلّا فلا» (4).

قيل: و الوجه في جواز الهبة لهم بدون الضمان في هذه أنّ مع الهبة يتمكن الغرماء من الرجوع إلى القاتل بحقّهم، بخلاف ما إذا قيد منه (5).

و حملهما الطبرسي على ما إذا بذل القاتل الدية، فإنّه يجب القبول، و إلّا جاز القود (6).

و هو حسن بعد وجود شاهد عليه، و ليس، مع قصور الروايتين سنداً

____________

(1) النهاية: 309، الكافي في الفقه: 332، حكاه عن القاضي و الإسكافي في المختلف: 413، الغنية (الجوامع الفقهية): 592.

(2) غاية المراد (مخطوط) النسخة الرضوية، الورقة: 304.

(3) الفقيه 4: 119/ 411، التهذيب 10: 180/ 703، الوسائل 29: 122 أبواب القصاص في النفس ب 59 ح 1.

(4) التهذيب 6: 312/ 861، الوسائل 18: 365 أبواب الدين و القرض ب 24 ح 2.

(5) الوافي 16: 865.

(6) حكاه عنه في المختلف: 413.

244

و مقاومة لما مضى من وجوه شتّى، أعظمها اعتضاده بالشهرة العظيمة بين الأصحاب دونهما، حتى أنّه في المهذب و عن الماتن في النكت (1) الحكم بضعف الرواية و شذوذها، مشعرين بدعوى الوفاق على خلافها.

و في رواية: «إن قتل عمداً قتل قاتله و ادّى عنه الإمام الدين من سهم الغارمين» (2) هذا.

و أمّا ما يستفاد من السرائر و المختلف و المسالك (3) من استناد الشيخ فيما أفتى به من مضمون الرواية المتقدّمة إلى الخبر: «عن رجل قتل و عليه دين و لم يترك مالًا، و أخذ أهله الدية من قاتله، أ عليهم أن يقضوا الدين؟

قال: «نعم» قلت: و هو لم يترك شيئاً، قال: «أما أخذوا الدية؟ فعليهم أن يقضوا عنه الدين» (4).

فقد ذكر في التنقيح أنّه و هم (5). و لعلّه كذلك، و لكنّهم أعرف، إلّا أنّ استناد الشيخ إليها مع عدم الدلالة على ما اختاره كما ذكروه مستبعد.

و اعلم أنّ في المسالك فرض الخلاف فيما لو بذل القاتل الدية (6).

و هو غريب، خلاف ما يستفاد من كلمات الأصحاب في بيان محلّه، حتى أنّه هو بعد ذلك نسب مضمون الرواية المطلقة الغير المقيّدة بما ذكره من القيد إلى القيل الذي هو الشيخ في النهاية و من تبعه، و عبارته كما نقل

____________

(1) المهذّب البارع 4: 353، نكت النهاية 2: 29.

(2) الفقيه 4: 83/ 264، الوسائل 29: 123 أبواب القصاص في النفس ب 59 ح 2.

(3) السرائر 2: 50، المختلف: 413، المسالك 2: 313.

(4) الكافي 7: 25/ 6، الفقيه 4: 167/ 584، التهذيب 9: 167/ 681، الوسائل 18: 364 أبواب الدين و القرض ب 24 ح 1؛ و فيها: إنّما أخذوا ..

(5) التنقيح 4: 142.

(6) المسالك 2: 479.

245

كالرواية مطلقة، ثم نسب تقييد الرواية بالقيد الذي ذكره إلى الطبرسي خاصّة (1)، و هو ظاهر بل صريح في مخالفته للنهاية، و لا وجه له سوى قوله بمضمون الرواية مقيّداً بدفع القاتل الدية و إطلاق القول بمضمونها من دون القيد في النهاية، و لذا أنّ بعض من ديدنه غالباً متابعته لم يترجم عن المسألة بما ذكره، بل ذكرها مطلقة (2)، هذا.

و الاحتياط في المسألة يقتضي المصير إلى القول الثاني؛ للإجماع المنقول المعتضد بدعوى الشهيد في الدروس في كتاب الدين الشهرة عليه (3)، مع عدم وجود مخالف له من القدماء عدا الحلي (4)، و هو بالإضافة إليهم نادر قطعاً، و الشهرة المحقّقة إنّما هي متأخّرة، و لو لا العمومات القطعية من الكتاب و السنّة و خصوص الرواية الأخيرة المعتضدة بالشهرة المتأخّرة العظيمة بحيث لا يكاد يوجد مخالف منهم لكان المصير إلى هذا القول في غاية القوّة، و لعلّه لهذا تردّد الشهيد في كتبه المزبورة و لم يحكم بشيء من القولين في المسألة.

[الثانية: يرث الدية من يتقرب بالأب ذكراناً أو إناثاً]

الثانية: يرث الدية دية المقتول مطلقاً، عمداً كان قتله أو خطأً من يتقرب إليه بالأب ذكراناً أو إناثاً بلا خلاف إلّا من الخلاف، فقال: لا يرثها إلّا المتقرب إليه بالأبوين دون أحدهما (5).

و هو شاذّ، و مستنده غير واضح، عدا ما يظهر من شرح الشرائع

____________

(1) المسالك 2: 479.

(2) مفاتيح الشرائع 3: 318.

(3) الدروس 3: 313.

(4) راجع ص: 239.

(5) انظر الخلاف 5: 178.

246

للصيمري (1) من أنّه رواية. و لم أقف عليها، و لا نقله غيره، فهي مرسلة لا تعارض عمومات الإرث و النصوص الآتية.

و كذا يرث الزوج و الزوجة كل منهما من دية الآخر، بلا خلاف يظهر، و به صرح في المبسوط (2)، بل بالوفاق عليه صرّح جمع و منهم الشيخ في الخلاف (3)، و هو الحجة.

مضافاً إلى عمومات الكتاب و السنّة، و خصوص المعتبرة المستفيضة الدالّة على أنّهما يتوارثان من الدية ما لم يقتل أحدهما صاحبه (4)، و قد تقدّم غير بعيد إلى بعض منها الإشارة.

و أمّا الرواية الدالّة على: «أنّ عليّاً (عليه السلام) كان لا يورث المرأة من دية زوجها، و لا يورث الرجل من دية امرأته شيئاً و لا الإخوة من الامّ من الدية شيئاً» (5) فمع أنّها شاذّة، قاصرة السند بالسكوني، غير معارضة لما مرّ من الأدلّة من وجوه عديدة، فلتكن مطرحة أو مؤوّلة بما ترجع به إلى الأوّلة من الحمل على صورة ما إذا قتل أحدهما صاحبه، مع احتمالها الحمل على التقية، كما ذكره شيخ الطائفة (6) و يؤيّده رواية الراوي لها الذي هو من قضاة العامّة.

و لا يرث من يتقرب إليه بالأُمّ خاصّة، وفاقاً للمقنعة و النهاية

____________

(1) غاية المرام 4: 170.

(2) المبسوط 7: 54.

(3) الخلاف 4: 114.

(4) الوسائل 26: 31، 38 أبواب موانع الإرث ب 8، 11.

(5) التهذيب 9: 380/ 1360، الإستبصار 4: 195/ 731، الوسائل 26: 39 أبواب موانع الإرث ب 11 ح 4.

(6) التهذيب 9: 380.

247

و القاضي و التقي و ابن زهرة و الحلي و الكيدري و الفاضل في القواعد و ولده و الشهيدين في الدروس و المسالك (1)، و نسبه فيه إلى الأكثر، و تبعه في النسبة جمع (2)، و سيأتي عن الحلي نفي الخلاف عنه (3)، و في الخلاف الإجماع عليه (4)، و هو الحجّة.

مضافاً إلى المعتبرة المستفيضة، ففي الصحيح: «يرثها الورثة على كتاب اللّٰه تعالى و سهامهم، إذا لم يكن على المقتول دين، إلّا الإخوة و الأخوات من الأُمّ فإنّهم لا يرثون من ديته شيئاً» (5) و نحوه آخران (6)، لكن بدون ذكر الأخوات فيهما.

و في الموثق: «لا يرث الإخوة من الامّ من الدية شيئاً» (7).

و في الخبر: هل للإخوة من الامّ من الدية شيء؟ قال:

«لا» (8).

____________

(1) المقنعة: 702، النهاية: 735، المهذّب 2: 163، الكافي في الفقه: 376، الغنية (الجوامع الفقهية): 608، السرائر 3: 274، القواعد 2: 163، إيضاح الفوائد 4: 180، الدروس 2: 347 المسالك 2: 313، 314.

(2) منهم السبزواري في الكفاية: 291، و الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 280.

(3) في ص: 245.

(4) الخلاف 2: 356.

(5) الكافي 7: 139/ 2، الفقيه 4: 232/ 744، التهذيب 9: 375/ 1338، الوسائل 26: 35 أبواب موانع الإرث ب 10 ح 1.

(6) أحدهما في الكافي 7: 139/ 5، التهذيب 9: 375/ 1340، الوسائل 26: 37 أبواب موانع الإرث ب 10 ح 4. و الآخر في: الكافي 7: 139/ 4 التهذيب 9: 375/ 1339، الوسائل 26: 36 أبواب موانع الإرث ب 10 ح 2.

(7) الكافي 7: 139/ 6، التهذيب 9: 376/ 1343، الوسائل 26: 37 أبواب موانع الإرث ب 10 ح 5.

(8) الكافي 7: 140/ 8، التهذيب 9: 375/ 1342، الوسائل 26: 37 أبواب موانع الإرث ب 10 ح 6.

248

و ليس في سنده سوى السهل الثقة عند بعض (1)، و ضعفه سهل عند آخرين (2)؛ و داود بن حصين، و هو موثق.

و هذه النصوص و إن قصرت عن إفادة تمام المدّعى من حرمان جميع من يتقرب بها؛ لاختصاصها بالإخوة و الأخوات منها، إلّا أنّه لا قائل بالفرق ظاهراً، و إن احتمله الشهيدان (3)، مع رجوع أوّلهما إلى عدم الفرق.

مضافاً إلى ثبوت الحكم في غير مواردها بطريق أولى، كما صرح به جماعة (4)، و إن أنكرها آخرون متردّدين فيها (5). و لا وجه له بعد ظهورها بحسب فهم العرف الذي هو المناط في حجيتها.

و قيل كما عن المبسوط (6) يرثها من يرث المال كائناً من كان؛ لعمومات الإرث. و لا وجه للاستناد إليها بعد تلك النصوص الخاصّة، إلّا على مختار من ضعّف العمل بأخبار الآحاد، أو عدم قابليتها لتخصيص نحو الكتاب، و هما عنده خلاف التحقيق.

و أمّا ما يظهر من الصيمري من أنّ سنده الرواية، فيتوجّه عليه عين ما سبق على حكايته السابقة من المناقشة (7).

____________

(1) كالطوسي في رجاله: 416/ 4.

(2) منهم المجلسي في رجاله: 224/ 870، و انظر تعليقات الوحيد البهبهاني على منهج المقال: 176، 177.

(3) الدروس 2: 347، 348، الروضة البهية 8: 36، 37، المسالك 2: 313، 314.

(4) منهم الشهيد الأوّل في غاية المراد 3: 610، و الشهيد الثاني في الروضة 8: 37، و الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 280.

(5) مجمع الفائدة 11: 511، الكفاية: 291.

(6) المبسوط 7: 54.

(7) راجع ص: 242.

249

و اعلم أنّ كثيراً من الأصحاب كالشهيدين و غيرهما (1) نسبوا هذا القول إلى الحلّي في كتاب الجنايات. و لم أقف فيه على ما يدل على ما ذكروه، مع أنّه قال في المسألة الآتية ردّاً على ما قاله الشيخ فيها في النهاية: هذا غير صحيح و لا مستقيم، بل الإمام وليّ المقتول المذكور، إن شاء قتل، و إن شاء عفا، فإن رضي هو و القاتل و اصطلحا على الدية فإنّها تكون له، دون بيت مال المسلمين؛ لأنّ الدية عندنا يرثها من يرث المال و التركة، سوى كلالة الأُمّ، فإنّ كلالة الأُمّ لا ترث الدية و لا القصاص و لا القود، بغير خلاف، و تركته لو مات كانت لإمام المسلمين، بغير خلاف بيننا (2). إلى آخر ما ذكره.

و هذا كما ترى ظاهر بل صريح في اختياره القول الأوّل، نافياً الخلاف فيه بيننا، و لم أَرَ منه في ذلك الكتاب ما يوجب توهّم ما ذكروه، عدا ما حكاه فيه عن الشيخ في النهاية و المبسوط في مسألة من يرث القصاص (3)، فإنّ عبارته في الكتابين المحكيّة في كتابه ذلك تضمّنت حكم تلك المسألة و المسألة التي نحن فيها، و عبارة النهاية صرّحت بمنع الكلالة للأُمّ عن إرث الدية (4)، و عبارة المبسوط أطلقت الحكم بأنّه يرثها من يرث المال (5)، ثم قال: و الأقوى ما اختاره في مبسوطه.

____________

(1) الدروس 2: 348، المسالك 2: 313؛ و انظر التنقيح 4: 143، و الكفاية: 291.

(2) السرائر 3: 336.

(3) السرائر 3: 328.

(4) النهاية: 673.

(5) المبسوط 7: 54.

250

و لعلّه لذا نسبوه إلى ما نسبوه زاعمين رجوع اختياره لما في المبسوط إلى المسألة التي نحن فيها أيضاً، و ما تفطّنوا لرجوعه إلى حكم مسألة من يرث القصاص خاصّة، فإنّ في عبارتي النهاية و المبسوط فيها أيضاً اختلافاً، حيث تضمّنت الاولى منع النساء من إرثهنّ القصاص، و الثانية أنّه يرثه من يرث المال حتى النساء، و اختار هو مختار المبسوط؛ استناداً، إلى عموم الآية وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ* (1). و يشير إلى ما ذكرناه من رجوع اختياره لما في المبسوط إلى مختاره هذا دون ما مضى أوّلًا: ما ذكرناه من عبارته الصريحة في موافقته المشهور هنا مدّعياً الوفاق عليه.

و ثانياً: فهم الفاضل في المختلف ما ذكرناه، فإنّه في كتاب الجناية بعد نقله عبارة الحلّي تلو عبارتي المبسوط و النهاية قال: و المعتمد ما قاله الشيخ في المبسوط؛ لعموم الآية، ثم قال: احتجّ الشيخ على قوله في النهاية بما رواه أبو العباس عن الصادق (عليه السلام)، قال: «ليس للنساء عفو و لا قود» (2) ثم قال: و الجواب المنع من صحة السند (3).

و هو كما ترى صريح في فهمه من تلك العبارات ما فهمناه، و أنّ عنوانها مسألة من يرث القصاص لا هذه المسألة.

و نسبه في الدروس أيضاً إلى الفاضل، بعد نسبته إيّاه إلى الحلي، قال: و في المبسوط: يرثها من يرث المال، و اختاره ابن إدريس و الفاضل؛

____________

(1) الأنفال: 75، الأحزاب: 6.

(2) الكافي 7: 357/ 5، التهذيب 10: 177/ 692، الإستبصار 4: 262/ 988، الوسائل 29: 118 أبواب القصاص في النفس ب 56 ح 1.

(3) المختلف: 786.

251

للآية (1).

و لم أقف على ما ذكره في شيء من كتبه التي تحضرني، و لا يبعد أن يكون منشأ نسبة ذلك إليه عبارته في المختلف المتقدّمة المتضمّنة لاختياره ما اختاره المبسوط و الحلي، لكنّها كما عرفت صريحة في أنّ عنوان مختارهم في تلك العبائر شيء آخر، لا هذه المسألة.

[الثالثة: إذا لم يكن للمقتول عمداً وارث سوى الإمام (عليه السلام)]

الثالثة: إذا لم يكن للمقتول عمداً وارث سوى الإمام (عليه السلام) فله القود، أو الدية مع التراضي عن القود عليها و ليس له العفو عنهما، وفاقاً للإسكافي و الشيخين و القاضي (2)، و لعلّه المشهور بين الأصحاب، كما صرّح به جمع (3)؛ للصحيح المروي في الكتب الثلاثة بعدّة طرق صحيحة: في الرجل يقتل و ليس له ولي إلّا الإمام: «إنّه ليس للإمام أن يعفو، و له أن يقتل، أو يأخذ الدية فيجعلها في بيت مال المسلمين، لأنّ جناية المقتول كانت على الإمام، و كذلك تكون ديته لإمام المسلمين» (4) و هو يتناول العمد و الخطأ، و نسبه في المختلف إلى الشيخين (5)، فلا يبعد.

و قيل و هو الحلّي كما مرّ: إنّ له العفو أيضاً كغيره من الأولياء، بل هو أولى (6)، و نفى عنه البأس في المختلف (7)، إلّا أنّه جعل

____________

(1) الدروس 2: 348.

(2) حكاه عن الإسكافي في المختلف: 788، المفيد في المقنعة: 743، الطوسي في النهاية: 673، القاضي في المهذّب 2: 162.

(3) منهم الفاضل المقداد في التنقيح 4: 143، و الشهيد الثاني في المسالك 2: 313، و السبزواري في الكفاية: 291.

(4) التهذيب 10: 178/ 696، الوسائل 29: 125 أبواب القصاص في النفس ب 60 ح 2.

(5) المختلف: 788.

(6) السرائر 3: 336.

(7) المختلف: 788.

252

العمل بالرواية أولى، و قريب منه كلام شيخنا في المسالك، فإنّه قال بعد نقل هذا القول-: و له وجه وجيه، إلّا أنّ صحة الرواية، و ذهاب معظم الأصحاب إلى العمل بمضمونها، مع عدم المعارض، يعيّن العمل بها (1).

و الأمر كما ذكراه، و لكن لا فائدة في نفي البأس عنه بعد ذلك أصلًا.

و أمّا الرقّ فيمنع من الإرث في الوارث بمعنى: أنّه لا يرث الإنسان إذا كان رقاً، و إن كان المورّث مثله، بل يرثه الحرّ و إن كان ضامن جريرة، دون الرقّ و إن كان ولداً.

و في الموروث بمعنى: أنّ الرقّ لا يورّث، بل ماله لمولاه بحق الملك، لا بالإرث و إن كان له وارث حرّ، و لا خلاف في شيء من ذلك، حتى على القول بأنّ العبد يملك، بل عليه الإجماع في عبائر جمع (2)، و هو الحجة.

مضافاً إلى النصوص المستفيضة، بل المتواترة، يقف عليها المتتبّع لتضاعيف أخبار أبحاث هذه المسألة، ففي جملة من المعتبرة المستفيضة، و فيها الصحيح و القريب منه و غيرهما: «لا يتوارث الحرّ و المملوك» (3).

و يستفاد منها منع الرقّ عن الإرث في المقامين، و من غير واحد من النصوص المعتبرة المنع في الأوّل (4).

و أمّا ما يدل عليه في الثاني فالمعتبرة الأُخر المستفيضة، الواردة في ميراث المكاتبين، منها الصحيح: في مكاتب توفّي و له مال، قال: «يحسب

____________

(1) المسالك 2: 313.

(2) كالخلاف 4: 26، و كشف اللثام 2: 281، و المفاتيح 3: 313.

(3) الوسائل 26: 43 أبواب موانع الإرث ب 16.

(4) الوسائل 26: 44 أبواب موانع الإرث ب 16 الأحاديث 3، 6، 7.

253

ميراثه على قدر ما أعتق منه لورثته، و ما لم يعتق منه لأربابه الذين كاتبوه» (1).

و نحوه آخر: في رجل مكاتب يموت و قد أدّى بعض مكاتبته، و له ابن من جاريته، قال: «إن كان اشترط عليه أنّه إن عجز فهو مملوك رجع إليه ابنه مملوكاً و الجارية، و إن لم يكن اشترط عليه ذلك أدّى ابنه ما بقي من مكاتبته، و ورث ما بقي» (2).

و نحوهما غيرهما من المعتبرة الأُخر، التي فيها الصحيح أيضاً و غيره (3).

و لو اجتمع الرقّ الوارث مع الحرّ مثله فالميراث للحرّ دونه و لو بَعُد الحر و قرب المملوك كما مرّ.

و لو كان للحرّ ولد رقّ و لذلك الولد الرقّ ابن حرّ ورث الابن الحرّ جدّه، و لا يحجبه رقّية أبيه، كما في الكافر و القاتل، فإنّهما لا يمنعان من يتقرّب بهما إلى الميت؛ لانتفاء المانع منه دونهما، و به خصوص الخبر المنجبر ضعفه بالعمل، و رواية الحسن بن محبوب المجمع على تصحيح ما يصح عنه عن موجبه: في عبد مسلم و له أُمّ نصرانية، و للعبد ابن حرّ، قيل: أ رأيت إن ماتت أُمّ العبد و تركت مالا؟ قال: «يرثها ابن ابنها الحرّ» (4).

____________

(1) الكافي 7: 151/ 4، الفقيه 4: 248/ 801، التهذيب 9: 349/ 1254، الوسائل 26: 48 أبواب موانع الإرث ب 19 ح 2.

(2) الكافي 7: 151/ 2، التهذيب 9: 349/ 1256، الإستبصار 4: 37/ 125، الوسائل 26: 57 أبواب موانع الإرث ب 23 ح 2.

(3) الوسائل 26: 57 أبواب موانع الإرث ب 23.

(4) الكافي 7: 150/ 1، التهذيب 9: 337/ 1214، الوسائل 26: 45 أبواب موانع الإرث ب 17 ح 1.

254

و لو أعتق على ميراث قبل قسمته يشارك باقي الورثة إن كان مساوياً لهم في الطبقة و الدرجة و حاز الإرث و جمعه كلّه إن كان أولى منهم، بلا خلاف، كما في المعتبرة المستفيضة.

ففي الصحيح: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) فيمن ادّعى عبد إنسان أنّه ابنه: أنّه يعتق من مال الذي ادّعاه، فإن توفّي المدعي، و قسم ماله قبل أن يعتق العبد، فقد سبقه المال، و إن أعتق قبل أن يقسم ماله فله نصيبه منه» (1).

و في القريب منه بأبان و ابن أبي عمير المجمع على تصحيح رواياتهما: «من أعتق على ميراث قبل أن يقسم الميراث فهو له، و من أعتق بعد ما قسم فلا ميراث له» (2) و نحوه غيره (3).

و في القريب منه أيضاً بأبان المتقدّم، الوارد فيمن أسلم على ميراث قبل قسمته: قلت: العبد يعتق على ميراث، قال: «هو بمنزلته» (4).

و منه يظهر أنّه لو كان الوارث الحرّ واحداً فأعتق الرق بعد موت مورّثه لم يرث مطلقاً و إن كان أقرب إلى الميت من الحرّ، و كذا لو أعتق بعد القسمة مع تعدّد الورثة لأنّه لا قسمة في الأوّل، و لا عتق قبلها في الثاني، فلا إرث له.

____________

(1) الفقيه 4: 246/ 794، التهذيب 9: 337/ 1212، الوسائل 26: 46 أبواب موانع الإرث ب 18 ح 1.

(2) الكافي 7: 144/ 4، التهذيب 9: 369/ 1318، الوسائل 26: 21 أبواب موانع الإرث ب 3 ح 3.

(3) التهذيب 9: 336/ 1210، الوسائل 26: 47 أبواب موانع الإرث ب 18 ح 2.

(4) الفقيه 4: 237/ 758، التهذيب 9: 336/ 1211، الوسائل 26: 21 أبواب موانع الإرث ب 3 ح 4.