رياض المسائل - ج14

- السيد علي الطباطبائي المزيد...
496 /
305

فوقّع (عليه السلام): «للزوج النصف، و ما بقي للأبوين» (1).

و في القريب منه: عن امرأة مملّكة، لم يدخل بها زوجها، ماتت و تركت أُمّها، و أخوين لها من أبيها و أُمّها، و جدّها أبا أُمّها، و زوجها؟ قال:

«يعطى الزوج النصف، و يعطى الأُمّ الباقي، و لا يعطى الجدّ شيئاً؛ لأنّ ابنته حجبته عن الميراث، و لا يعطى الإخوة شيئاً» (2).

و في آخر مثله: عن رجل مات، و ترك أباه و عمّه و جدّه؟ قال: فقال:

«حجب الأب الجدّ الميراث، و ليس للعمّ و لا للجدّ شيء» (3).

و بالجملة لا ريب في المسألة، سيّما مع عدم وضوح حجّة على قولي الصدوق و الإسكافي و لا أمارة، عدا ما يستدل للثاني أوّلًا: بمشاركة الأجداد للأبوين في التسمية التي أخذوا بها الميراث الذي عيّن لهم، و هي الأُبوة.

و ثانياً: ببعض أخبار الطعمة الآتية.

و المناقشة فيهما واضحة، أمّا الأوّل: فبعد ما عرفته؛ مضافاً إلى منع المشاركة في التسمية عرفاً و لغةً؛ لأنّ الجدّ لا يدخل في اسم الأب حقيقة، بدليل صحّة السلب، بل مجازاً، و كذا الجدّة بالنسبة إلى الأُمّ.

و أمّا الثاني: فلأنّ ذلك محمول على إعطاء الجدّ و الجدّة طعمة، كما سيأتي التصريح به في الأخبار؛ مضافاً إلى ما مرّ من صريح الآثار المعتضدة بعمل كافّة الأصحاب.

____________

(1) التهذيب 9: 310/ 1113، الإستبصار 4: 161/ 610، الوسائل 26: 135 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 19 ح 4.

(2) الكافي 7: 113/ 8، التهذيب 9: 310/ 1111، الإستبصار 4: 161/ 608، الوسائل 26: 134 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 19 ح 2.

(3) الكافي 7: 114/ 9، التهذيب 9: 310/ 1112، الإستبصار 4: 161/ 609، الوسائل 26: 135 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 19 ح 3.

306

و أمّا الصحيح: عن بنات الابنة و الجدّ؟ فقال: «للجدّ السدس، و الباقي لبنات الابنة» (1) فغير صريح فيما ذهب إليه الصدوق من مشاركة الجدّ مع أولاد الأولاد، و لا يمكن الاستناد إليه له.

أمّا أوّلًا: فلعدم تصريح فيه بكون الجدّ المشارك لبنات البنت جدّ الميت، فيحتمل كونه جدّ البنات أب الميت، فيصح ما فيه من المشاركة، و لكن يبقى حكم الردّ فيه غير مذكور، و لا بأس به، لاستفادته من غيره من الأخبار.

و أمّا ثانياً: فلأخصّيته من المدّعى، و إن أمكن تطبيقه له، إلّا أنّ ذلك لا يدفع المرجوحيّة الثابتة له بذلك، المعتبر مثله في مقام التعارض جدّاً.

و أما ثالثاً: فلعدم معارضته لما قدّمناه من الأدلّة الدالّة على أنّ الجدّ بمنزلة الأخ، فلا يرث مع ولد الولد، كما لا يرث الأخ معه.

و أمّا رابعاً: فلنقل الشيخ عن ابن فضال دعوى إجماع الطائفة على ترك العمل به (2)، مع احتماله الحمل على التقية، كما صرّح به جماعة (3).

و أمّا خامساً: فبمعارضته لما دلّ على أنّ أولاد الأولاد بمنزلة الأولاد، و من أحكامهم حجبهم الأجداد عن الميراث إجماعاً، فيثبت لأولادهم ذلك أيضاً؛ التفاتاً إلى عموم المنزلة، مع وقوع التصريح به في بعض ما دلّ عليه، فإنّ فيه بعد بيانه: «يرثون ما يرث ولد الصلب، و يحجبون ما يحجب ولد الصلب» (4).

____________

(1) الفقيه 4: 205/ 682، الوسائل 26: 113 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 7 ح 10.

(2) التهذيب 9: 315.

(3) الوسائل 26: 114، روضة المتقين 11: 285.

(4) الكافي 7: 97/ 3، التهذيب 9: 288/ 1043، الوسائل 26: 132 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 18 ح 3.

307

و لا ريب أنّ هذه الأدلّة أرجح من تلك الصحيحة من وجوه عديدة، فالقول بظاهرها على تقدير تسليمه ضعيف غايته، كقول الإسكافي.

لكن يستحب للأب أن يطعم أباه جدّ الميت و أُمّه جدّته السدس من أصل التركة يقتسمانه بينهما بالسوية إذا حصل له الثلثان فما زاد و كذا يستحب أن تطعم الأُمّ أباها جدّ الميت و أُمّها جدّته النصف من نصيبها بالسوية إذا حصل لها الثلث فما زاد بلا خلاف فيه في الجملة؛ للمعتبرة المستفيضة، ففي الصحيح: «أنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) أطعم الجدّة أُمّ الأب السدس، و ابنها حيّ، و أطعم الجدّة أُمّ الأُمّ، و ابنتها حيّة» (1).

و نحوه صحيحان آخران (2)، لكن من دون ذكر جدّة الأب فيهما، بل اقتصر في أحدهما بذكر الجدّة مطلقاً، من دون إضافة الأب أو الأُمّ.

و في رابع: إنّ ابنتي هلكت، و أُمّي حيّة، فقال أبان: لا، ليس لأُمّك شيء، فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «سبحان اللّٰه، أعطها السدس» (3).

و في الموثق (4) و غيره (5) من المعتبرة القريبة من الصحيح: أنّ رسول

____________

(1) الفقيه 4: 204/ 680، التهذيب 9: 311/ 1118، الإستبصار 4: 162/ 616، الوسائل 26: 139 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 20 ح 9.

(2) الأول في: الكافي 7: 114/ 12، الوسائل 26: 136 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 20 ح 1. و الآخر في: الكافي 7: 114/ 11، التهذيب 9: 311/ 1115، الإستبصار 4: 162/ 614، الوسائل 26: 137 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 20 ح 2.

(3) الكافي 7: 114/ 15، الفقيه 4: 204/ 681 بتفاوت، التهذيب 9: 310/ 1114، الإستبصار 4: 162/ 613، الوسائل 26: 138 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 20 ح 6.

(4) الكافي 7: 114/ 13، الفقيه 4: 205/ 683، التهذيب 9: 311/ 1116، الوسائل 26: 137 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 20 ح 3.

(5) الكافي 7: 114/ 14، التهذيب 9: 311/ 1117، الإستبصار 4: 162/ 615، الوسائل 26: 137 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 20 ح 4.

308

اللّٰه (صلى الله عليه و آله) أطعم الجدّة السدس، و لم يفرض لها شيئاً، كما في الأوّل، و في غيره: أطعمها طعمة.

و ظاهر الجميع عدا الصحيح الأخير كون إعطاء السدس لا على جهة الميراث، بل على سبيل الطعمة التي هي في اللغة بمعنى الهبة، و هي غير الإرث بلا شبهة، و عليها يحمل الصحيحة الرابعة و غيرها، ممّا يأتي إليه الإشارة.

و حيث تعيّن كونه طعمة لا إرثاً، ظهر كونه على الاستحباب لا الإيجاب؛ لعدم قائل بوجوبها، مع منافاته لما تقدّم من الأخبار المصرّحة بعدم شيء للأجداد مع الأبوين و الزوج، أو أحدهما.

و صريح الصحيحين الأوّلين عدم اختصاص الطعمة بأُمّ الأب، و ثبوتها أيضاً لأُمّ الأُمّ.

خلافاً للمحكي في المختلف و التنقيح عن الحلبي (1)، فخصّها بالأُولى.

و حجته عليه غير واضحة، سيّما في مقابلة الصحيحين و غيرهما من الأخبار، منها: «الجدّة لها السدس مع ابنها و مع ابنتها» (2) و منها: في أبوين و جدّة لُامّ، قال: «للُامّ السدس، و للجدّة السدس، و ما بقي و هو الثلثان للأب» (3).

و هذه النصوص و إن اختصّت بذكر الجدّة خاصّة، إلّا أنّه لا قائل

____________

(1) المختلف: 753، التنقيح 4: 172، و هو في الكافي في الفقه: 378.

(2) الفقيه 4: 205/ 685، التهذيب 9: 312/ 1120، الإستبصار 4: 163/ 618، الوسائل 26: 140 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 20 ح 11.

(3) الفقيه 4: 205/ 684، التهذيب 9: 312/ 1119، الإستبصار 4: 163/ 617، الوسائل 26: 140 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 20 ح 10.

309

بالفرق بينها و بين الجدّ في استحباب الطعمة له، و هو كافٍ في التعدية.

مضافاً إلى ثبوتها بالأولوية، و كثير من النصوص المصرحة بالجدّ أيضاً، منها المرسلة المروية في الكافي، قال فيه: و قد روي أنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) أطعم الجدّ و الجدّة السدس (1).

و منها النصوص المروية في التهذيب و بصائر الدرجات، الدالّة على أنّ اللّٰه تعالى لم يذكر الجدّ، و لم يفرض له فرضاً، و إنّما جعل له رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) سهماً، كما في بعض (2)، أو أطعمه سهماً، كما في آخر (3)، أو أطعم، من دون ذكر السهم، كما في ثالث (4)، فأجاز اللّٰه تعالى له ذلك.

و قصور الأسانيد أو ضعفها مجبور بعمل الطائفة، و الأولوية المتقدّمة، فما يوجد في كلام بعض (5) من الطعن على الأصحاب في إلحاقهم الجدّ بالجدّة لا وجه له، بل ضعيف غايته.

و السدس في هذه الأخبار و إن كان مطلقاً غير مبيّن فيه أنّه من الأصل أو من نصيب المُطعِم، إلّا أنّ الظاهر منه كما فهمه الأصحاب هو الأوّل.

____________

(1) الكافي 7: 114/ 10، الوسائل 26: 136 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 19 ح 5.

(2) التهذيب 9: 397/ 1417، الوسائل 26: 140 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 20 ح 13.

(3) بصائر الدرجات: 398/ 3، الوسائل 26: 142 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 20 ح 16.

(4) بصائر الدرجات: 401/ 13، الوسائل 26: 142 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 20 ح 17.

(5) انظر المفاتيح 3: 302، 303.

310

خلافاً للمحكي عن الإسكافي (1)، فالثاني. و لا دليل عليه سوى الأصل الغير المعارض لما مرّ من الظهور المعتضد بفهم الأكثر. مع أنّ الخبر الأخير في الردّ على الحلبي صريح في ردّه؛ لتصريحه بالثلثين في مقابلة السدسين.

و اعلم أنّ ما ذكره الماتن هنا من تقييد الحكم بما إذا زاد نصيب المُطعِم بقدر السدس فما زاد شيء لم يذكره أحد من الأصحاب عدا الشهيد في اللمعة و الدروس (2)، و إنّما المشهور كما في المختلف و المسالك و غيرهما (3) تقييده بما إذا زاد نصيبه عن السدس و لو بما دونه.

و تظهر الفائدة في اجتماع الأبوين مع البنت، أو أحدهما مع البنات، فإنّه على القول الأوّل لا يفضل لهما سدس، فلا يستحبّ الطعمة، و على الثاني يزيد نصيبهما عن السدس، فيستحب.

و ليس في شيء من النصوص ما يدل على شيء منهما صريحاً، و لكن يمكن الاستناد إليها لكلّ منهما، مع تأيّد الأوّل بالأصل و الاعتبار، و الثاني بقاعدة التسامح في أدلّة السنن، و لعلّ هذا أجود، سيّما مع التأيّد بكونه الأشهر.

و ربما قيل باستحباب أقل الأمرين من الزائد عن السدس و منه (4).

و لا دليل عليه عدا ضمّ الاعتبار مع الأخبار، و هو ضعيف جدّاً؛ لاتفاق الأخبار على السدس خاصّة، من دون نقيصة.

____________

(1) حكاه عنه في المختلف: 751.

(2) اللمعة (الروضة البهية 8): 122، الدروس 2: 367.

(3) المختلف: 751، المسالك 2: 326؛ و انظر الكفاية: 297.

(4) قواعد الأحكام 2: 170.

311

و يستفاد من تغيير الماتن التعبير عن السدس في طرف الامّ بنصف الثلث فما زاد استحباب طعمتها لأبيها و (1) أُمّها السدس و ما زاد إن حصل بالردّ، بخلاف الأب، فطعمته لأبويه السدس خاصّة من دون زيادة.

و هو شيء لم يقم عليه في الأخبار دلالة، و لم يذكره أحد من الطائفة فيما أعلمه، و لعلّ ذلك منه مسامحة في التعبير، لا التنبيه على ما مرّ إليه الإشارة.

و لو حصل لأحدهما أي أحد الأبوين نصيبه الأعلى من الثلث فما زاد في الأُمّ، و الثلثين في الأب على مختار الماتن، و الزائد على السدس على مختار الأكثر دون الآخر استحب له طعمة الجدّ و الجدّة بالسدس دون صاحبه الذي لم يحصل له نصيبه الأعلى، أو الزائد عن السدس، فلو كانت الأُمّ محجوبة بالإخوة فالمستحب إطعام الأب خاصّة، و لو كان معهما زوج من غير حاجب فالمستحب لها خاصّة، بلا خلاف أجده؛ للأصل، مع اختصاص الأخبار المتقدّمة بحكم التبادر و الاعتبار بما إذا كان هناك للمطعم عن نصيبه زيادة سدساً أو غيره، و ليس في إطلاق ما دل منها على أنّه (صلى الله عليه و آله) أطعم الجدّة السدس، منافاة لذلك؛ لأنّه قضية في واقعة، فلا تعم، بل تحتمل الاختصاص بما ذكرناه، سيّما بعد تصريح جملة منها صحيحة بأنّه أطعمها مع ابنها أو ابنتها، و المتبادر منه إطعامه إيّاها مع اجتماعها معهما خاصّة، أو مع أحدهما كذلك، و الظاهر أنّ فعله (صلى الله عليه و آله) ذلك إنّما هو في قضية واحدة (2) فتكون هذه الأخبار مبيّنة لتلك الأخبار المجملة؛ لبيانها نصيب كلّ من الأبوين على ما فيها بحكم التبادر الذي مضى زائداً عن السدس، بل نصيبهما الأعلى، بل فصاعداً أيضاً إن كان

____________

(1) في «ب» و «ر»: أو.

(2) في «ب»: قضيّة في واقعة.

312

اجتماع الجدّة فيها مع أحدهما خاصّة.

و من هنا يتّجه ما ذكره الأصحاب من أنّه لا طعمة لأحد الأجداد إلّا مع وجود من يتقرب به من أب أو أُمّ، فلا يستحب للأولاد طعمة، و ذلك للأصل، مع اختصاص النصوص المفصّلة المبيّنة لفعله الذي هو الأصل في استحباب الطعمة بإطعامه الجدّة مع حياة ابنها أو ابنتها، و عليه يحمل بعض الأخبار المبيّنة لفعله مجملًا، كما نظيره قد مضى، و لعلّه إلى هذا نظر الشيخ (1) في استدلاله للحكم هنا بتلك الأخبار المفصّلة قاصداً به دفع المقتضي لعموم استحباب الطعمة، و إلّا فليس فيها دلالة على التخصيص، كما ذكره معترضاً عليه في الكفاية (2)، هذا.

و ربما يظهر من التنقيح الإجماع في المسألة، فإنّه قال: يدل على استحباب الطعمة قوله تعالى وَ إِذٰا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ (3) و هذا و إن كان عامّاً في طرفي المُطعِم و المُطعَم، لكن إجماع الأصحاب و الروايات خصّاه بالمسألة المذكورة (4).

و أشار بها إلى مسألة الطعمة للأبوين خاصّة المذكورة في العبارة و نحوها من عبائر الجماعة.

و اعلم أنّ مقتضى الأصل الذي مهّدناه في هاتين المسألتين لنفي الطعمة اختصاصها في كلّ من الأبوين بما إذا كان له جدّ واحد أو جدّة، دون ما إذا كانا له معاً؛ لعدم ظهور الأخبار إلّا في الصورة الأُولى خاصّة، فيتمسّك في نفي الطعمة في الثانية إلى الأصل، لكن عدم القائل بالفرق بين

____________

(1) التهذيب 9: 311.

(2) الكفاية: 297.

(3) النساء: 8.

(4) التنقيح الرائع 4: 172.

313

الصورتين كافٍ في ثبوتها فيها، مع قوّة احتمال ثبوتها فيها بطريق أولى، لكن مقتضاها كالإجماع استحباب السدس لهما، و حيث لا مرجّح لأحدهما في الاختصاص بالسدس يقسم بالسوية بينهما، و لا زيادة عن السدس لهما قطعاً؛ إذ نحن في ويل و عويل في إثبات أصل السدس لهما، فكيف لنا إثبات الزائد عنه أيضاً؟!

[الرابعة: شروط حجب الإخوة الأم عن كمال نصيبها]

[الأوّل: أن يكونوا أخوين فصاعداً أو أخاً و أُختين، أو أربع أخوات فما زاد]

الرابعة: الولد الحاجب لكلّ من الامّ و الزوجين عن كمال نصيبه يشمل ولد الولد و إن نزل، إجماعاً، كما مرّ (1).

قيل: لإطلاق لفظ الولد عليه عرفاً، فيدخل في ظاهر اللفظ (2). و فيه نظر.

و لخصوص النص: «أولاد الأولاد يحجبون الأبوين و الزوج و الزوجة عن سهامهم الأكثر، و إن سفلوا ببطنين و ثلاثة و أكثر، يرثون ما يرث ولد الصلب، و يحجبون ما يحجب ولد الصلب» (3).

و قريب منه المعتبرة المتقدّمة الدالّة على كون أولاد الأولاد بمنزلة آبائهم (4)، و من حكمهم الحجب، فليكن ذلك حكم أولادهم أيضاً؛ لعموم المنزلة.

و في شموله الممنوع من الإرث كالرقيق وجهان: من إطلاق ما دلّ على حجب الولد الشامل لمثله.

و من عموم ما دلّ على كمال النصيب لأهله، مع عدم معلومية شمول

____________

(1) في ص: 283.

(2) قاله الفيض الكاشاني في المفاتيح 3: 326.

(3) الكافي 7: 97/ 3، التهذيب 9: 288/ 1043، الوسائل 26: 132 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 18 ح 3.

(4) راجع ص: 285، 287.

314

الإطلاق لمثله، سيّما بعد ملاحظة عدم شمول الإخوة الحاجبين للُامّ عن كمال نصيبها لمثله، كما يأتي.

و لعلّ هذا لا يخلو عن قوة (1)، سيّما مع تضمّن بعض النصوص الدالّة على عدم شمولهم له لقوله (عليه السلام): «الكفّار بمنزلة الموتى، لا يحجبون و لا يرثون» (2) فإنّه يفهم منه أنّ عدم الإرث يجعلهم في حكم الموتى، فوجودهم كعدمهم، و هو جارٍ هنا، فتأمّل جدّاً. و لا يحجب الإخوة الأُمّ عن كمال نصيبها إلّا بشروط أربعة بل خمسة، مشهورة:

الأوّل: أن يكونوا أخوين فصاعداً أو أخاً و أُختين، أو أربع أخوات فما زاد و هم يحجبون دون غيرهم، بلا خلاف، بل عليه الإجماع منّا في كثير من العبارات (3)، و هو الحجة الصارفة للآية (4) عن ظاهرها.

مضافاً إلى المعتبرة المستفيضة جدّاً، ففي الصحيح: «لا يحجب الامّ عن الثلث إذا لم يكن ولد إلّا الأخوان، أو أربع أخوات» (5).

و فيه: «إذا ترك الميت أخوين فهم إخوة مع الميت، حجبا الامّ، و إن كان واحداً لم يحجب الأمّ» و قال: «إذا كنّ أربع أخوات حجبن الامّ عن الثلث؛ لأنّهنّ بمنزلة الأخوين، و إن كنّ ثلاثاً لم يحجبن» (6).

____________

(1) في «ب»: قرب.

(2) الفقيه 4: 243/ 778، الوسائل 26: 125 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 15 ح 2.

(3) المسالك 2: 317، مجمع الفائدة و البرهان 11: 554، المفاتيح 3: 327، كشف اللثام 2: 287.

(4) النساء: 11.

(5) الكافي 7: 92/ 4، التهذيب 9: 282/ 1019، الإستبصار 4: 141/ 527، الوسائل 26: 121 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 11 ح 4.

(6) الكافي 7: 92/ 2، التهذيب 9: 281/ 1015، الإستبصار 4: 141/ 524، الوسائل 26: 120 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 11 ح 1.

315

و في الموثق: «لا يحجب الامّ عن الثلث إلّا الأخوان، أو أربع أخوات لأبٍ و أُمّ، أو لأب» (1).

و الحصر فيه و في الأوّل إضافي، بدلالة الإجماع، و الصحيح الثاني و غيره ممّا دلّ على حجب الأخ و الأُختين، كالخبر المروي في الفقيه، و فيه:

«لا يحجبها إلّا أخوان أو أخ و أُختان، أو أربع أخوات لأب، أو لأبٍ و أُمّ، [أو (2)] أكثر من ذلك، و المملوك لا يحجب، و لا يرث» (3).

و في آخر مروي عن تفسير العياشي: «لا يحجب عن الثلث الأخ و الأُخت حتى يكونا أخوين، أو أخاً و أُختين» (4) الخبر.

و من هنا يظهر فساد ما قيل على الأصحاب من أنّ روايات الباب لا تدلّ على حجب ذكر و امرأتين، و أنّ الخبرين المتقدّمين المتضمّنين للحصر يدلان على خلافه (5).

و فيه أيضاً أنّه يمكن استفادة حجب الذكر و المرأتين من المنزلة المستفادة من الصحيحة الثانية، فإنّ فيها أنّ الأربع أخوات بمنزلة الأخوين، فالثنتان بمنزلة أخٍ واحد، فهما مع أخٍ واحد كالأخوين.

[الثاني أن يكونوا لأبٍ و أُمّ أو للأب]

الثاني: أن يكونوا لأبٍ و أُمّ، أو للأب فلا يحجب كلالة الأُمّ،

____________

(1) الكافي 7: 92/ 5، التهذيب 9: 281/ 1017، الإستبصار 4: 141/ 526، الوسائل 26: 120 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 11 ح 3.

(2) في النسخ: و، و ما أثبتناه من المصادر.

(3) الفقيه 4: 198/ 674، الوسائل 26: 123 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 13 ح 1.

(4) تفسير العياشي 1: 226/ 52، الوسائل 26: 122 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 11 ح 7.

(5) قاله السبزواري في الكفاية: 293.

316

بلا خلاف، بل عليه الإجماع في عبائر جماعة (1)، و هو الحجة.

مضافاً إلى المعتبرة المستفيضة، المتقدّم إلى جملة منها الإشارة، و منها زيادة عليها الخبر المتقدّم روايته عن الفقيه، و فيه: «و لا يحجب الامّ عن الثلث الإخوة و الأخوات من الامّ ما بلغوا». و في موقوف زرارة: «و أمّا الإخوة لأُمّ ليسوا لأبٍ فإنّهم لا يحجبون الامّ عن الثلث» (2).

و في ثالث في تفسير الكلالة الحاجبة: «أُولئك الإخوة من الأب، فإذا كان الإخوة من الامّ لم يحجبوا الامّ عن الثلث» (3).

و في القوي: رجل مات و ترك أبويه و إخوة لُامّ، قال: «اللّٰه سبحانه أكرم من أن يزيدها في العيال، و ينقصها من الثلث» (4).

[الثالث: مع وجود الأب فلا يحجبون مع موته]

الثالث: ما أشار إليه بقوله: مع وجود الأب فلا يحجبون مع موته، على الأظهر الأشهر، بل عليه عامّة من تقدّم و تأخّر، إلّا الصدوق (5) «مع تأمّل فيه، كما سيظهر.

قيل: لظاهر الآية فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَوٰاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ

____________

(1) لاحظ المسالك 2: 318، المفاتيح 3: 327، كشف اللثام 2: 288.

(2) الكافي 7: 92/ 1، التهذيب 9: 280/ 1013، الوسائل 26/ 117 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 10 ح 4.

(3) الكافي 7: 93/ 7، التهذيب 9: 280/ 1014، الوسائل 26: 117 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 10 ح 2.

(4) التهذيب 9: 284/ 1026، الوسائل 26: 118 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 10 ح 5.

(5) الفقيه 4: 198.

317

فَإِنْ كٰانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ (1) لدلالته على أنّ حجبهم لها فيما إذا ورثه أبواه، فلا يثبت الحجب مع فقد الأب (2).

و فيه نظر؛ لعدم استفادة الاشتراط منها، بل غايتها الاختصاص بالحجب في حياة الأب، فلا يدل عليه.

نعم يصلح ما ذكر ردّاً على من يستدل بعمومها؛ لعدم الاشتراط.

و الأجود الاستدلال عليه بالنصوص، منها الصحيح: «إن مات رجل، و ترك امّه و إخوة و أخوات لأب و أُمّ، و إخوة و أخوات لأبٍ، و إخوة و أخوات لُامّ، و ليس الأب حيّاً، فإنّهم لا يرثون، و لا يحجبونها؛ لأنّه لم يورث كلالة» (3).

و منها الخبر: «الامّ لا تنقص عن الثلث أبداً إلّا مع الولد، أو الإخوة إذا كان الأب حيّاً» (4) و نحوه غيره (5).

و قصور السند مجبور بعمل الأكثر، مع اعتباره في نفسه، و اعتضاد الحكم بما يستفاد من النصوص من أنّ علّة الحجب التوفير على الأب.

و قال الصدوق في الفقيه: لو خلّف زوجها و أُمّها و إخوة فللأُم السدس، و الباقي يردّ عليها.

____________

(1) النساء: 11.

(2) قاله المحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان 11: 553.

(3) الكافي 7: 91/ 1، التهذيب 9: 280/ 1013، الإستبصار 4: 145/ 545، الوسائل 26: 123 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 12 ح 3.

(4) التهذيب 9: 282/ 1020، الوسائل 26: 122 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 12 ح 1.

(5) الكافي 7: 92/ 4، التهذيب 9: 282/ 1019، الإستبصار 4: 141/ 527، الوسائل 26: 121 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 11 ح 4.

318

و ظاهره الحجب هنا، و هو شاذّ، و دليله غير واضح إلّا ما استدل به من ظاهر عموم الآية، و قد عرفت جوابه.

نعم له خبران يقربان من الصحة، إلّا أنّهما متروكان بالإجماع؛ لاشتمالهما علىٰ إرث الإخوة مع الامّ، و حملا على التقية، أو إلزامهم بمعتقدهم، بمعنى: أنّ الأُمّ لو كانت ترى ذلك جاز للأخوات إلزاماً لها بمعتقدها، هذا.

و أرى النزاع هنا لفظيّاً، كما صرّح به في الدروس و المختلف (1)، قال: و لا منازعة هنا في الحاصل لها بالردّ و التسمية؛ لأنّ الباقي كلّه لها، و إنّما النزاع في التقدير، فعندنا لها الثلث؛ لقوله تعالىٰ وَ وَرِثَهُ أَبَوٰاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ (2) ثم قال: فإن اعترض بقوله تعالى فَإِنْ كٰانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ (3) أجبنا بأنّ شرط حجب الإخوة وجود الأب، و الأب هنا مفقود.

و يستفاد منه الاتفاق حتى من الصدوق على اعتبار هذا الشرط، و يعضده تصريح الصدوق بما علّل به الحجب في النصوص، فقال: و إنّما حجبوا الامّ عن الثلث؛ لأنّهم في عيال الأب، و عليه نفقتهم، فيحجبون، و لا يرثون (4).

و لعلّه لذا لم ينسبه كثير إلى المخالفة هنا، و يحتمل لقلّة الثمرة فيها؛ لما عرفت من أنّها لفظيّة لا فائدة لها إلّا نادرة فرضية.

____________

(1) الدروس 2: 256، المختلف: 739.

(2) النساء: 11.

(3) النساء: 11.

(4) الفقيه 4: 197.

319

[و الرابع: أن يكونوا غير كفرة و لا أرقّاء]

و الرابع: أن يكونوا غير كفرة و لا أرقّاء إذا كانت الأُمّ مسلمة حرّة، إجماعاً، كما حكاه جماعة (1)، و هو الحجة.

مضافاً إلى المعتبرة المستفيضة، منها زيادة على ما مرّ إليه الإشارة الصحيح: عن المملوك و المشرك، يحجبان إذا لم يرثا؟ قال: «لا» (2).

و الموثقان: عن المملوك و المملوكة هل يحجبان إذا لم يرثا؟ قال:

«لا» (3).

و في الخبر: «المسلم يحجب الكافر، و يرثه، و الكافر لا يحجب المسلم، و لا يرثه» (4).

و في آخر «الكفّار بمنزلة الموتى، لا يحجبون، و لا يرثون» (5).

و قصور سندهما كدلالة الجميع من حيث احتمالها كون المراد الحجب عن أصل الإرث خاصّة، لا عن الزائد عن كمال النصيب، فيكون المرادبالحجب فيها حجب حرمان لا حجب نقصان مجبور بعمل الأصحاب و فهمهم.

مع أنّ قصور الدلالة إنّما هو عن الصراحة، و إلّا فالظهور موجود؛

____________

(1) منهم الشيخ في الخلاف 4: 33، و الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 288، و الفيض الكاشاني في المفاتيح 3: 327.

(2) التهذيب 9: 284/ 1027، الوسائل 26: 124 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 14 ح 1.

(3) الفقيه 4: 247/ 798، التهذيب 9: 282/ 1021، الوسائل 26: 124 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 14 ح 2، 3.

(4) الكافي 7: 143/ 5، الفقيه 4: 244/ 783، الوسائل 26: 124 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 15 ح 1.

(5) الفقيه 4: 243/ 778، الوسائل 26: 125 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 15 ح 2.

320

للإطلاق و العموم، و هو كافٍ، سيّما مع عدم عموم في الإخوة الحاجبة في الآية، و إنّما هي مطلقة غير معلومة الشمول لمثل الإخوة في المسألة، هذا.

مع أنّ عطف عدم الحجب على عدم الإرث في جملة منها ربما يدل على أنّ المراد بالحجب حجب نقصان لا حجب حرمان، و إلّا فعدم الإرث يستلزم عدمه بالمعنى الثاني، فلا فائدة في العطف إلّا التأكيد، و التأسيس أرجح منه.

و من هنا ربما يظهر أنّ المراد بالحجب حيث يطلق في الأخبار الحجب بالمعنى الأوّل لا الثاني، فتدبّر، و بمجموع ما ذكرنا لا يبقى إشكال أصلًا، و الحمد للّٰه.

و في حجب الإخوة القتلة لأخيهم المورث امّه عن كمال النصيب قولان: أشبههما و أشهرهما عدم الحجب للإجماع المحكي في الخلاف عن الطائفة، بل قال: من الأُمّة، و ابن مسعود خالف فيه، و قد انقرض خلافه (1). هذا.

مضافاً إلى الاعتضاد بما قدّمناه في عدم حجب الولد من المؤيّدات، بل الأدلّة، قيل: لمشاركة القاتل مع الكافر و المملوك في العلّة الموجبة للحكم (2).

خلافاً للصدوق و العماني (3)، فيحجبون، و نفى عنه البأس في المختلف (4)؛ لعموم الآية، و صدق الإخوة على القاتل، و منع التعدّي، فإنّ

____________

(1) الخلاف 4: 33.

(2) قاله الشهيد الثاني في المسالك 2: 318.

(3) الفقيه 4: 234، و حكاه عن العماني في المختلف: 743.

(4) المختلف: 743.

321

العلّة ليست منصوصة بل مستنبطة، فيكون الإلحاق بها قياساً لا يقول به الأصحاب، و منع الإجماع لمخالفة القديمين.

و في الجميع نظر يظهر وجهه بعد تتميم الإجماع بمنع منعه بمخالفتهما؛ لشذوذهما، مع معلومية نسبهما، فلا يقدح خروجهما في انعقاد الإجماع إجماعاً منّا، بل و أكثر من خالفنا أيضاً؛ نظراً إلى حصول اتفاق الكلّ بعد عصرهما، بل و قبلهما، فتأمّل جدّاً.

و به يخصّص العموم على تقديره، مع إمكان القدح فيه بعدم عموم في الإخوة و إنّما هو جمع منكر في سياق الإثبات لا يفيده لغة، على الأشهر الأقوى، فهو مطلق، و في شموله لمثل الإخوة القتلة مناقشة، أو شك و ريبة، فيبقى عموم ما دل على ثبوت الثلث للُامّ من الكتاب و السنّة سليماً عمّا يصلح للمعارضة.

و أمّا العلّة المستنبطة فهي و إن لم تكن حجة إلّا أنّها مؤيّدة، سيّما بعد اجتماعها مع المؤيّدات المتقدّمة في عدم حجب الولد، بل لا يبعد جعل مجموعها حجة، سيّما بعد الاعتضاد بالشهرة العظيمة المحققة و المحكية في كلام جماعة حدّ الاستفاضة، و منهم الفاضل في المختلف، و جَعَلَها على المختار حجة، فقال في الاستدلال: لنا أنّه المشهور بين علمائنا، فيتعيّن العمل به (1). و هو ظاهر في بلوغها حدّ الإجماع، و إلّا لما استدل بها؛ إذ ليس من طريقته جعل الشهرة حجة في مقام أصلًا، و لو لا نفيه البأس عن القول الثاني أخيراً لكان استدلاله المزبور بالشهرة في انعقاد الإجماع ظاهراً، بل صريحاً.

____________

(1) المختلف: 743.

322

[و الخامس أن يكونوا منفصلين بالولادة]

و الخامس أن يكونوا منفصلين بالولادة، ف لا يكفي كونهم حملًا بلا خلاف ظاهر، إلّا من الماتن في الشرائع (1)، فتردّد فيه أوّلًا:

من العموم، و أصالة عدم اشتراط الانفصال.

و من الخبر: «إنّ الطفل و الوليد لا يحجب، و لا يرث، إلّا ما آذن بالصراخ، و لا شيء أكنّه البطن و إن تحرّك، إلّا ما اختلف عليه الليل و النهار» (2) و انتفاء العلّة المنصوصة لحجبهم، و هي إنفاق الأب عليهم.

و لكن جَعَل هذا أظهر ثانياً، و هو كذلك و إن كان في الدليل الأخير نظر لانجبار ضعف الخبر بالعمل، و منع العموم؛ لفقد اللفظ الدالّ عليه، و إنّما غايته الإطلاق، و في شموله لمثل الحمل شكّ و نظر، سيّما بعد ملاحظة منعه عن الإرث و إن عزل له نصيب حتى يظهر.

و ليس في اعتبار الإيذان بالصراخ في الخبر اشتراط له فيخالف الإجماع من هذا الوجه فلا يمكن الاستدلال به؛ لوروده مورد الغالب في تولّد الحمل و مجيئه، فلا عبرة بمفهومه، كما هو الحال في نظائره، فيكون المراد منه الكناية عن اعتبار حياته دون صراخه الحقيقي.

و من هنا اشترط الشهيدان في الدروس و الروضة (3) سادساً، و هو كونهم عند موت المورّث أحياء، و إلّا فلو كان بعضهم ميّتاً أو كلّهم عنده لم يحجب، و كذا لو اقترن موتهما، أو اشتبه المتقدّم منهما و المتأخّر.

و توقّف في الدروس لو كانوا غرقى، من حيث إنّ فرض موت كلّ

____________

(1) الشرائع 4: 19.

(2) الفقيه 4: 198/ 674، التهذيب 9: 282/ 1022، الوسائل 26: 123 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 13 ح 1.

(3) الدروس 2: 357، الروضة 8: 63.

323

واحد منهما يستدعي كون الآخر حيّاً، فيتحقق الحجب، و من عدم القطع بوجوده و الإرث حكم شرعي، فلا يلزم منه اطّراد الحكم بالحياة، قال: و لم أجد في هذا كلاماً لمن سَبَق.

و قوّى في الروضة عدم الحجب؛ للشك، و الوقوف فيما خالف الأصل على مورده.

أقول: و منه يظهر الوجه في اشتراط أصل هذا الشرط، و مرجعه إلى عموم ما دل على فرض النصيب الأكمل، و منع عموم الإخوة؛ للشك في شموله للميّت منهم. و هو حسن، كما مرّ، بل جريان منع العموم هنا أظهر؛ لتبادر الأحياء من الإخوة دون الأموات.

و منه يظهر الوجه في اشتراط الثاني منهما في الروضة (1) سابعاً، و هو المغايرة بين الحاجب و المحجوب، فلو كانت الأُمّ أُختاً لأب فلا حجب، كما يتفق في المجوس، أو الشبهة بوطء الرجل ابنته، فولدها أخوها لأبيها.

و فيما صرّح به الشهيدان في الكتابين (2) من عدم حجب الإخوة للأب المنفيّين عنه بالملاعنة؛ مضافاً إلى ما دل على اشتراط كونهم للأب، فإنّ المتبادر منه كونهم له شرعاً، و هو منتفٍ عنهم، و إن كانوا له في نفس الأمر، و لذا لا توارث بينه و بينهم، كما يأتي.

و منه أيضاً يظهر عدم حجب الأولاد للُامّ و الزوجين عن كمال النصيب إذا كانوا كذلك.

و اعلم أنّ أولاد الإخوة لا يحجبون هنا، و إن حجبوا من كان أبعد

____________

(1) الروضة 8: 64.

(2) الدروس 2: 357، الروضة 8: 62.

324

عنهم بمرتبة، كما صرّح به جماعة (1) من غير خلاف بينهم أجده؛ أخذاً بعموم ما دل على كمال النصيب، و اختصاص ما دل على الحجب عنه بالإخوة بهم دون أولادهم؛ لعدم صدق الإخوة عليهم حقيقة، و إلحاقهم بهم في حجب الحرمان، و بالأولاد فيه و في حجب النقصان قياس فاسد في الشريعة.

[المرتبة الثانية الإخوة مطلقاً، و يعبّر عنهم بالكلالة و الأجداد]

المرتبة الثانية الإخوة مطلقاً، و يعبّر عنهم بالكلالة و الأجداد كذلك.

اعلم أنّه إذا لم يكن للميت أحد الأبوين، و لا ولد و إن نزلوا أو كانوا ممنوعين عن إرثه فالميراث للإخوة له، و أولادهم و إن نزلوا، بشرط الأقرب فالأقرب و الأجداد و إن علوا مرتّبين مطلقاً، انفردوا أو اجتمعوا، لأبٍ و أُمٍّ كانوا أم لُامٍّ، أم لأب، على تفصيل يأتي ذكره إن شاء اللّٰه تعالى.

فالأخ الواحد للأب و الأُمّ يرث المال و يحوز كلّه بالقرابة و كذا الإخوة المتعدّدون لهما.

و الأُخت كذلك، إلّا أنّها إنّما ترث النصف بالتسمية، و الباقي بالردّ عليها، دون العصبة بالقرابة، بخلاف الإخوة، فإنّهم يحوزون الجميع بها خاصّة.

و للأُختين فصاعداً لهما الثلثان بالتسمية، و الباقي بالردّ

____________

(1) منهم المحقق في الشرائع 4: 19، و الشهيد الثاني في المسالك 2: 318، و السبزواري في الكفاية: 293.

325

و لو اجتمع الإخوة و الأخوات لهما كان المال بينهم، للذّكر سهمان، و للأُنثى سهم و للواحد من ولد الامّ السدس بالتسمية، مطلقاً ذكراً كان أو أُنثى و الباقي بالقرابة.

و للاثنين فصاعداً من ولدها الثلث بالتسمية، و الباقي بالقرابة، يقتسمونه بينهم بالسوية مطلقاً ذكراناً كانوا أو إناثاً أو ذكراناً و إناثاً.

و لا يرث مع الإخوة و الأخوات للأب و الأُمّ، و لا مع أحدهم أحد من ولد الأب خاصّة، لا من الفريضة و لا من القرابة مطلقاً، اجتمعوا مع كلالة الأُمّ أيضاً أم لا، بلا خلاف أجده، بل عليه الإجماع في كلام جماعة (1)، و منهم الفضل بن شاذان من قدماء الطائفة (2)، و هو الحجة المخصّصة لعمومات الإرث بالقرابة و الفريضة من الكتاب و السنّة.

مضافاً إلى المعتبرة، منها النبوي و المرتضوي: «أنّ أعيان بني الأُمّ أحق بالميراث من ولد العلات» (3).

و الأعيان: الإخوة لأبٍ واحد و أُمٍّ واحدة، مأخوذة من عين الشيء، و هو النفيس منه، و بنو العلات: هم لأبٍ واحد و أُمّهات شتّى؛ لأنّ الذي

____________

(1) كالمفيد في المقنعة: 689، و ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 607، و الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان 11: 390، و الهندي في كشف اللثام 2: 292.

(2) حكاه عنه في الكافي 7: 105.

(3) الأوّل في: الفقيه 4: 199/ 675، الوسائل 26: 183 أبواب ميراث الأخوة و الأجداد ب 13 ح 4. و الثاني في: التهذيب 9: 326/ 1172، الإستبصار 4: 170/ 644، الوسائل 26: 183 أبواب ميراث الاخوة و الأجداد ب 13 ح 3.

326

تزوّجها بعد اولى قد كان ناهلًا؛ لأنّ النهل شرب الإبل الماء أوّلًا ثم يترك حتى يسري في عروقه و يشرب مرّة أُخرى، و هذا الشرب علل بعد نهل، فكأنّ من تزوّج بأُمّهم بعد اخرى نهل بالأُولى ثم علّ بالثانية.

و الخبر: «أخوك لأبيك و أمّك أولى بك من أخيك لأبيك، و ابن أخيك لأبيك و أُمّك أولى بك من ابن أخيك لأبيك» (1).

و إرسال الأوّل كقصور سند الثاني بالعمل مجبور، فلا إشكال فيه.

لكن يقومون أي إخوة الأب مقامهم أي مقام إخوة الأب و الأُمّ عند عدمهم أو منعهم عن الإرث و يكون حكمهم في الانفراد و الاجتماع بعضهم مع بعض، أو مع كلالة الأُمّ ذلك الحكم الذي ذكر في الإخوة لهما، إجماعاً؛ للعمومات، و النصوص المستفيضة.

فلو انفرد الأخ أو الأُخت للأب حاز المال كلّه، لكن الأوّل جميعه بالقرابة، و الثانية النصف بها و الباقي بالتسمية.

و كذا الإخوة و الأخوات المتعدّدون، لكن فريضتهنّ الثلثان، و الباقي بالقرابة، و يقتسمونه بالسوية مع التساوي في الذكورية و الأُنوثية، و بالتفاوت مع الاختلاف فيهما للذّكر مثل حظّ الأُنثيين.

هذا حكم انفرادهم عن باقي الكلالات للأبوين أو للأُمّ.

و أمّا حكم اجتماعهم معها فهو أنّه لو اجتمع الكلالات الثلاث كان لولد الأُمّ خاصّة السدس إن كان واحداً، و الثلث إن كانوا أكثر، و الباقي لولد الأب و الأُمّ معاً مطلقاً، ذكراً كان أو أُنثى، واحداً أو متعدّداً و يسقط معهم أولاد الأب خاصّة، كما مرّ.

____________

(1) الكافي 7: 76/ 1، التهذيب 9: 268/ 974، الوسائل 26: 182 أبواب ميراث الاخوة و الأجداد ب 13 ح 1.

327

فإن أبقت الفريضة و زادت التركة عن السهام، بأن كان كلالة الأبوين أُختاً خاصّةً مطلقاً، أو أُختين كذلك مع واحد من كلالة الأُمّ فالردّ على كلالة الأب و الأُم خاصّة، على الأشهر الأظهر، بل عليه عامّة من تأخّر، و في السرائر بل في كلام جماعة كما في المسالك، بل في كلام أكثر علمائنا كما في المختلف الإجماع عليه (1)، و هو الحجة.

مضافاً إلى المعتبرة المستفيضة، منها زيادة على ما يأتي من فحوى المعتبرة، و صريح بعضها الصحيح: ما تقول في امرأة ماتت، و تركت زوجها، و إخوتها لُامّها، و إخوة و أخوات لأبيها؟ قال: «للزوج النصف ثلاثة أسهم، و لإخوتها لُامّها الثلث سهمان، الذكر و الأُنثى فيه سواء، و بقي سهم، فهو للإخوة و الأخوات من الأب، للذّكر مثل حظّ الأُنثيين؛ لأنّ السهام لا تعول، و أنّ الزوج لا ينقص من النصف، و لا الإخوة من الامّ من ثلثهم؛ لأنّ اللّٰه عزّ و جلّ يقول فَإِنْ كٰانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذٰلِكَ فَهُمْ شُرَكٰاءُ فِي الثُّلُثِ (2) و إن كان واحداً فله السدس، و إنّما عنى اللّٰه تعالى في قوله وَ إِنْ كٰانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلٰالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَ لَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وٰاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ (3) إنّما عنى اللّٰه تعالى بذلك الإخوة و الأخوات من الأُمّ خاصّة و قال في آخر سورة النساء يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّٰهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلٰالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُخْتٌ يعني بذلك: أُختاً لأب و أُمٍّ، أو أُختاً لأب فَلَهٰا نِصْفُ مٰا تَرَكَ- وَ إِنْ كٰانُوا إِخْوَةً رِجٰالًا وَ نِسٰاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (4) فهم الذين يزادون و ينقصون» قال: «و لو أنّ امرأة

____________

(1) السرائر 3: 260، المسالك 2: 327، المختلف: 738.

(2) النساء: 12.

(3) النساء: 12.

(4) النساء: 176.

328

تركت زوجها، و أُختيها (1) لُامّها، و أُختيها لأبيها، كان للزوج النصف: ثلاثة أسهم، و لأُختيها لُامّها (2) الثلث، و لأُختيها لأبيها السدس: سهم، و إن كانت واحدة فهو لها؛ لأنّ الأُختين من الأب لا يزادون على ما بقي، و لو كان له أخ لم يزد على ما بقي» (3) و نحوه بعينه إلّا في يسير الحسن (4).

و إنّما ذكرناه بطوله لتكفّله لبيان كثير ممّا سبق من الأحكام، و تفسيره الكلالتين في الآيتين بما فسّرهما به المفسّرون، و بيانه حكم ما إذا عالت الفريضة بمزاحمة الزوج أو الزوجة من ردّ النقص على الأخوات من الأب خاصّة، و قد تركه الماتن هنا اتّكالًا على ما قدّمه من بطلان العول و العصبة.

و وجه دلالته على الحكم في المسألة الحصر المستفاد من قوله (عليه السلام):

«فهم الذين يزادون و ينقصون». و قريب منهما فيه بعض المعتبرة، كالموثقة بالحسن بن علي، عن عبد اللّٰه بن المغيرة المجمع على تصحيح ما يصح عنه، و فيه: قلت لزرارة:

إنّ بكيراً حدثني عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّ الأُخت للأب و الأخوات للأب و الأُمّ يزادون و ينقصون؛ لأنّهنّ إلى أن قال فقال زرارة: و هذا قائم عند أصحابنا، لا يختلفون فيه (5). و ظاهره إجماع قدماء الرواة و الأصحاب على

____________

(1) في المصادر: و إخوتها.

(2) في المصادر: و للإخوة من الامّ.

(3) الكافي 7: 101/ 3، التهذيب 9: 290/ 1045، الوسائل 26: 154 أبواب ميراث الإخوة و الأجداد ب 3 ح 2.

(4) الكافي 7: 103/ 5، الوسائل 26: 157 أبواب ميراث الأخوة و الأجداد ب 3 ذيل الحديث 3.

(5) الكافي 7: 104/ 7، التهذيب 9: 319/ 1148، الوسائل 26: 152 أبواب ميراث الاخوة و الأجداد ب 2 ح 2.

329

ذلك.

و هذا الخبر و إن لم يتضمّن الحصر، إلّا أنّ السياق قريب منه في الدلالة.

مضافاً إلى أنّ بكيراً الراوي لهذا هو الذي روى الحسن المتقدّم، و الظاهر اتحادهما.

فقول الفضل بن شاذان و العماني بالردّ عليهم جميعاً على قدر أنصبائهم (1) ضعيف، سيّما مع شذوذه كما في المسالك (2)، و عدم وضوح مستنده عدا ما يتخيّل من التساوي في القرب، و عدم أولويّة بعض على بعض، و هو بعد تسليمه اجتهاد في مقابلة النص، فلا يعتبر.

و لو أبقت الفريضة مع ولد الامّ و ولد الأب بعد اجتماعهما ففي الردّ على قرابة الأب خاصّة، أو عليهما قولان مشهوران أحدهما قول الصدوق و الشيخين و أتباعهما و أكثر المتأخّرين كما في المسالك و غيره (3): إنّه يردّ على كلالة الأب خاصّة؛ للموثق: في ابن أُختٍ لأب و ابن أُختٍ لأُمّ، قال: «لابن الأُخت للأُمّ السدس، و لابن الأُخت للأب الباقي» (4) و هو يستلزم كون الامّ كذلك؛ لأنّ الولد إنّما يرث بواسطتها.

____________

(1) حكاه عنهما في المختلف: 728، و الدروس 2: 368.

(2) المسالك 2: 327.

(3) الصدوق في المقنع: 172، المفيد في المقنعة: 691، الطوسي في النهاية: 638، و تبعهما ابن البراج في المهذّب 2: 138، و أبو الصلاح في الكافي: 372، و ابن حمزة في الوسيلة: 389، و نجيب الدين في الجامع للشرائع: 513، المسالك 2: 327، الكفاية: 298.

(4) التهذيب 9: 322/ 1157، الإستبصار 4: 168/ 637، الوسائل 26: 162 أبواب ميراث الاخوة و الأجداد ب 5 ح 11.

330

و لأنّ النقص يدخل عليهم بمزاحمة الزوج أو الزوجة، دون كلالة الأُمّ، إجماعاً، و من كان عليه الغُرم فله الغُنم، و ذلك: مثل أُخت لأب مع واحد أو اثنين فصاعداً من ولد الأُمّ، أو أُختين للأب مع واحد من ولد الامّ فيحوز كلالة الأُمّ السدس، أو الثلث، على تقدير التعدّد فرضاً، و الباقي مطلقاً للأُخت و الأُختين فرضاً و ردّاً.

و القول الآخر: إنّه يردّ على الفريقين بنسبة مستحقهما أرباعاً في الفرض الأوّل، و أخماساً في الأخيرين.

و هو أشبه عند الماتن هنا و في الشرائع و الفاضل في أحد قوليه (1)، وفاقاً للإسكافي و الحلي و المبسوط (2)؛ لتساويهما في المرتبة، و فقد المخصّص؛ استضعافاً للرواية، فإنّ في طريقها علي بن فضال، و هو فطحي، و منع اقتضاء دخول النقص الاختصاص بالردّ؛ لتخلّفه في البنت و الأبوين.

و هو حسن لولا ورود النص المعتبر بالاختصاص، و ضعف السند ممنوع؛ لوثاقة عليّ بتصريح العدول من أرباب الرجال بها (3)، و مع ذلك معتضدة بالشهرة (4) المحقّقة و المحكية، بل ظاهر الكليني في باب بيان الفرائض دعوى الإجماع، فإنّه قال: و الإخوة و الأخوات من الامّ لا يزادون على الثلث، و لا ينقصون من السدس، و الذكر و الأُنثى فيه سواء، و هذا كلّه

____________

(1) الشرائع 4: 28، التحرير 2: 164.

(2) حكاه عن الإسكافي في المختلف: 738، الحلي في السرائر 3: 260، المبسوط 4: 73.

(3) رجال الكشي 2: 812، رجال النجاشي: 257/ 676، الفهرست: 92/ 381.

(4) في «ر» زيادة: العظيمة.

331

مجمع عليه (1).

و هو كما ترى عامّ يشمل محلّ النزاع، هذا.

مضافاً إلى مفهوم الحصر و ما يقرب منه في النصوص الصحيحة المتقدّمة، التي هي العمدة في ثبوت الحكم المشهور في المسألة السابقة.

مع تأيّد الجميع بما في بعض المعتبرة من قوله (عليه السلام): «و أخوك لأبيك أولى بك من أخيك لأُمّك» (2) بناءً على ما ذكره بعض المحدثين في توجيهه نظراً إلىٰ مخالفة ظاهره الإجماع من أنّ وجهه أنّ له ما بقي إن كان ذكراً و يردّ عليه خاصّة إن كان أُنثى (3). فتأمّل جدّاً. و أصرح من الجميع المرسلة المروية في مجمع البيان، فإنّ فيها:

«و يصح اجتماع الكلالتين معاً؛ لتساوي قرابتهما، و إذا فضلت التركة يردّ الفاضل على كلالة الأب و الأُمّ، أو الأب دون كلالة الأُمّ» (4) فإذاً القول الأوّل أقوى.

و للجدّ المال كلّه إذا انفرد مطلقاً لأبٍ كان أو لُامٍّ، و كذا الجدّة المنفردة، ترثه مطلقاً.

و لو اجتمع جدّ و جدّة، فإن كانا معاً لأبٍ فلهما المال كلّه، يقتسمونه بينهم للذّكر مثل حظّ الأُنثيين، و إن كانا معاً لُامٍّ فالمال لهم يقتسمونه بينهم بالسوية بلا خلاف في شيء من ذلك أجده، و به صرّح جماعة (5)، و هو الحجة.

____________

(1) الكافي 7: 74.

(2) الكافي 7: 76/ 1، الوسائل 26: 171 أبواب ميراث الأخوة و الأجداد ب 7 ح 4.

(3) الوسائل 26: 171/ ذيل الحديث 4.

(4) مجمع البيان 2: 18.

(5) منهم السبزواري في الكفاية: 298، و انظر مجمع الفائدة و البرهان 11: 395.

332

مضافاً إلى عموم أدلّة الإرث بالقرابة من الكتاب و السنّة، التي هي المستند أيضاً في إرث الأخوات و الإخوة، بل جميع أهل هذه المراتب و المرتبة المتقدّمة و المتأخّرة، كما عرفته غير مرّة.

لكن لا يستفاد منها كيفية القسمة في المتقربين بالأب بالتفاوت و المتقربين بالأُمّ بالسوية، و هي ثابتة في الإخوة بالكتاب و الإجماع و السنّة، و لم أقف على نص معتبر سنداً يدل عليها هنا، و لا إشكال فيها في المتقرّبين بالأُم؛ لموافقتها الأصل في الشركة الثابتة بالأدلّة، و هو التسوية، كما مرّ نظيره في مواضع عديدة.

و يشكل فيها في الطرف الآخر، سيّما مع مخالفتها الأصل المزبور، لكنّه يرتفع بعدم الخلاف فيها هنا أيضاً، مع وقوع التصريح بها في الرضوي: «فإن ترك جدّين من قبل الامّ و جدّين من قبل الأب، فللجدّ و الجدّة من قبل الامّ الثلث بينهما بالسوية، و ما بقي فللجدّ و الجدّة من قبل الأب، للذّكر مثل حظّ الأُنثيين» (1).

و قريب منه المرسلة المروية في مجمع البيان، و فيها: «فالجدّ أب الأب مع الأخ الذي هو ولده في درجة، و كذلك الجدّة مع الأُخت، فهم يتقاسمون المال للذّكر مثل حظّ الأُنثيين» إلى أن قال: «و متى اجتمع قرابة الأب مع قرابة الأُمّ مع استوائهم في الدرج كان لقرابة الأُمّ الثلث بينهم بالسوية، و الباقي لقرابة الأب للذّكر مثل حظّ الأُنثيين» (2).

مضافاً إلى عموم المعتبرة الواردة في علّة تفضيل الذكران على النسوة

____________

(1) فقه الرضا (عليه السلام): 290، المستدرك 17: 183 أبواب ميراث الاخوة و الأجداد ب 8 ح 2.

(2) مجمع البيان 2: 18، الوسائل 26: 65 أبواب موجبات الإرث ب 1 ح 5.

333

بأنّ ذلك لأنّهنّ ليس عليهنّ جهاد و لا نفقة و لا معقلة (1)، و إنّما ذلك على الرجال، و لذلك جعل للمرأة سهماً واحداً و للرجل سهمين، كما في الصحيح (2) و غيره (3)، و في ثالث: «لأنّ اللّٰه تبارك و تعالى فضّل الرجال على النساء بدرجة و لأنّ النساء يرجعن عيالًا على الرجال» (4).

و هي كما ترى عامة من حيث التعليل أوّلًا، و من جهة الإطلاق بل العموم ثانياً، و لا وجه لتقييده أو تخصيصه ببيان علّة تفضيل الأولاد و الكلالة الذين تضمّنتهم الآية الكريمة بعد عموم العلّة و اللفظ، و لا يرد ذلك في المتقربين بالأُمّ مطلقاً بعد وضوح قيام دليل على التخصيص من الإجماع و الكتاب و السنّة فيهم دون غيرهم، هذا.

مضافاً إلى المؤيّدات الأُخر التي تظهر بالتأمّل فيما يأتي من الأدلّة على تنزيل الأجداد من كلّ جهة منزلة الإخوة من تلك الجهة، و لو لا ما نورد عليها من المناقشة في التمسّك بها لإثبات حكم في نحو المسألة لكانت حجة مستقلة.

و بالجملة لا شبهة في المسألة و إن أطلق عنان المناقشة فيها بعض الأجلّة، لكنّه بعد ما عرفت لا وجه له، و الحمد للّٰه سبحانه.

و إذا اجتمع الأجداد المختلفون قرابة، بأن كان بعضهم لأبٍ

____________

(1) المَعْقُلَة: الدية. النهاية لابن الأثير 3: 279.

(2) الكافي 7: 85/ 3، التهذيب 9: 275/ 993، المحاسن: 329/ 89، الوسائل 26: 93 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 2 ح 1.

(3) الكافي 7: 85/ 2، التهذيب 9: 274/ 992، الوسائل 26: 94 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 2 ح 3.

(4) الكافي 7: 84/ 1، التهذيب 9: 274/ 991، الوسائل 26: 94 أبواب ميراث الأبوين و الأولاد ب 2 ح 2.

334

و بعضهم لُامّ فلمن يتقرب بالأُمّ الثلث، على الأصح مطلقاً واحداً كان أو أكثر، و لمن يتقرب بالأب الثلثان كذلك و لو كان المتقرب به واحداً وفاقاً لوالد الصدوق و النهاية و القاضي و الحلي و ابن حمزة (1)، و عليه المتأخّرون كافّة كما في المسالك (2)، مدّعياً اتفاقهم عليه، و به يشعر عبارة الروضة (3)، حيث نسب فيها الأقوال الآتية إلى الندرة، و هو الحجة.

مضافاً إلى عموم الأدلّة الدالة على أنّ لكلّ قريب نصيب من يتقرب به إلى الميت و سهمه، و لا ريب أنّ الأُمّ سهمها الثلث، فليكن ذلك لقريبها الجدّ و لو انفرد.

و القول بأنّه كما أنّ الثلث نصيبها كذلك السدس نصيبها فترجيح الأوّل على الثاني في إعطائه القريب دونه يحتاج إلى مرجّح.

فاسد؛ لمنع كون السدس فريضتها الأصلي، بل هي الثلث، و إنّما السدس فريضتها بالحاجب، مشروطة به، و هو في المقام مفقود، فيتبعه عدمه، و يلزم منه ثبوت النصيب الأصلي الذي هو الثلث.

و من هنا يظهر فساد التأمّل في هذه الحجة، كما اتفق لصاحب الكفاية (4)، و إن لم يبيّن وجهه.

و خصوص الموثق: «إذا لم يترك الميت إلّا جدّه أبا أبيه و جدّته أُمّ امّه، فإنّ للجدّة الثلث، و للجدّ الباقي، و إذا ترك جدّه من قبل أبيه، و جدّ أبيه، و جدّته من قبل امّه، و جدّة امّه، كان للجدّة من قبل الامّ الثلث،

____________

(1) حكاه عن والد الصدوق في المختلف: 733، النهاية: 649، القاضي في المهذّب 2: 142، الحلي في السرائر 3: 260، ابن حمزة في الوسيلة: 392.

(2) المسالك 2: 327.

(3) الروضة 8: 127.

(4) الكفاية: 298.

335

و سقطت جدّة الأُمّ، و الباقي للجدّ من قبل الأب، و سقط جدّ الأب» (1).

و نحوه الرضوي: «فإن ترك جدّاً من قبل الامّ، و جدّاً من قبل الأب، فللجدّ من قبل الامّ الثلث، و للجدّ من قبل الأب الثلثان» (2).

و في المسألة أقوال أُخر:

منها: قول الصدوق: للجدّ من الامّ مع الجدّ للأب أو الأخ للأب السدس، و الباقي للجدّ للأب أو الأخ (3).

و منها: قول الفضل بن شاذان: إنّه لو ترك جدّته أُمّ امّه و أُخته للأبوين، فللجدّة السدس (4).

و منها: قوله و قول العماني: إنّه لو ترك جدّته أُمّ امّه و جدّته أُمّ أبيه، فلأُمّ الامّ السدس، و لأُمّ الأب النصف، و الباقي يردّ عليهما بالنسبة (5).

و منها: قول التقي و ابن زهرة و الكيدري: إنّ للجدّ أو الجدّة للأُمّ السدس، و لهما الثلث بالسوية (6).

و مستندهم غير واضح و لا متوهّم، غير ما في النكت من أنّ لهم رواية محمّد بن حمران، عن زرارة، قال: أراني أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) صحيفة الفرائض، فإذاً فيها: «لا ينقص الجدّ من السدس شيئاً» و رأيت سهم الجدّ

____________

(1) التهذيب 9: 313/ 1124، الإستبصار 4: 165/ 625، الوسائل 26: 176 أبواب ميراث الاخوة و الأجداد ب 9 ح 2.

(2) فقه الرضا (عليه السلام): 290، المستدرك 17: 183 أبواب ميراث الاخوة و الأجداد ب 8 ح 2.

(3) حكاه عنه في المختلف: 733.

(4) حكا عنه في الدروس 2: 370.

(5) حكاه عنه في المختلف: 733.

(6) الكافي في الفقه: 372، الغنية (الجوامع الفقهية): 607، و نقله عن الكيدري في المختلف: 733.

336

فيها مثبتاً (1). قال في وجه الاستدلال بها: و هو غير محمول على الجدّ للأب؛ لأنّ النص أنّه إذا كان مع إخوة كان كأحدهم (2). انتهى.

و هو ضعيف جدّاً، أوّلًا: بضعف السند باشتراك الراوي، و ثانياً: بما ذكره في الجواب عنها من أنّ حديثنا أي الموثق المتقدّم صريح، مع اعتضاده بما تقدّم، أي من العمومات و عمل الأصحاب، و أنّ الشيخ حملها على التقية (3)، فإنّه يشمل الجدّ مطلقاً، و هو غير مذهبنا.

أقول: و يحتمل حملها أيضاً على الطعمة على بعض الوجوه.

و ربما انتصر لهم بعض أفاضل المعاصرين و غيره بما سيأتي من الأخبار المنزّلة للأجداد منزلة الإخوة، و مقتضاه ما ذكروه؛ لأنّ الواحد من كلالة الأُمّ نصيبه السدس، فليكن أيضاً نصيب الجدّ المنزّل منزلته؛ عملًا بعموم المنزلة.

و فيه أوّلًا: أنّه لا دلالة فيها على أزيد من تنزيل الجدّ للأب منزلة الإخوة و الأخوات له، و هو لا يستلزم تنزيل الجدّ للأُمّ منزلة كلالتها، و لا يتم الاستدلال على هذا التقدير قطعاً.

و ثانياً: أنّه على تقدير تسليم ذلك غايتها إثبات المنزلة لهم إذا كانوا مع الكلالة، لا مطلقا، و نبّه على هذا الصدوق في الفقيه، فقال في جملة كلام له في الردّ على الفضل فيما قال به من أنّ الجدّ بمنزلة الأخ أبداً، يرث حيث يرث، و يسقط حيث يسقط ما لفظه: فكيف يكون الجدّ بمنزلة الأخ

____________

(1) التهذيب 9: 306/ 1095، الإستبصار 4: 158/ 597، الوسائل 26: 170 أبواب ميراث الاخوة و الأجداد 6 ح 21.

(2) غاية المراد 3: 564.

(3) التهذيب 9: 306.

337

أبداً؟ و كيف يرث حيث يرث، و يسقط حيث يسقط؟ بل الجدّ مع الإخوة بمنزلة واحد منهم، فأمّا أن يكون أبداً بمنزلتهم يرث حيث يرث و يسقط حيث يسقط الأخ فلا (1)، إلى آخر ما ذكره و أطال في ردّه و تضعيف مستنده.

و من هنا يظهر وجه ثالث لفساد الاستدلال بها لجميع تلك الأقوال، فإنّ منها قول الصدوق، و هو كما ترى يأبى مناط الاستدلال و ينكره غاية الإنكار.

و يشهد له في إنكاره مضافاً إلى الأصل، مع اختصاص أكثر تلك النصوص المثبتة للمنزلة مع الإخوة خاصّة، كما مرّ إليه الإشارة تقييد جملة منها لها بما إذا اجتمع الجدّ مع الكلالة، كالصحيحين: «إنّ الجدّ مع الإخوة من الأب يصير مثل واحد من الإخوة ما بلغوا» (2).

و نحوهما المرسل المروي عن العماني: أنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) أملى على أمير المؤمنين (عليه السلام) في صحيفة الفرائض: «أنّ الجدّ مع الإخوة، يرث حيث ترث الإخوة، و يسقط حيث تسقط، و كذلك الجدّة أُخت مع الأخوات، ترث حيث يرثن، و تسقط حيث يسقطن» (3).

و لو لا اختصاص المنزلة بصورة الاجتماع مع الكلالة لما كان للتقييد بقوله: «مع الإخوة» فائدة، بل كان ينبغي أن يقال: إنّ الجدّ مثل واحد من

____________

(1) الفقيه 4: 208/ ذيل الحديث 705.

(2) الأوّل في: الفقيه 4: 206/ 693، الوسائل 26: 164 أبواب ميراث الاخوة و الأجداد ب 6 ح 4. و الثاني في: الكافي 7: 109/ 2، التهذيب 9: 303/ 1081، الإستبصار 4: 155/ 583، الوسائل 26: 165 أبواب ميراث الاخوة و الأجداد ب 6 ح 9.

(3) الوسائل 26: 170 أبواب ميراث الأخوة و الأجداد ب 6 ح 22.

338

الإخوة، ترث حيث يرث الإخوة، و يسقط حيث تسقط، فتأمّل جدّاً. و لو اجتمع معهم أي مع الأجداد زوج أو زوجة أخذ كل منهما النصيب الأعلى له من النصف أو الربع و لمن يتقرب منهم بالأُمّ ثلث الأصل لأنّه نصيبها المفروض لها، فيأخذه المتقرّبون بها و الباقي لمن يتقرب بالأب منهم.

و الجدّ الأدنى يمنع الجدّ الأعلى بلا خلاف و لا إشكال فيه، و لا فيما مضى؛ للقواعد المقررة.

مضافاً إلى خصوص المعتبرة، منها: عن زوج و جدّ، قال: «يجعل المال بينهما نصفين» (1) و مضى في الموثق السابق ما يدل على منع الأدنى الأعلى (2).

و إذا اجتمع معهم الإخوة فالجدّ و الجدّة للأب كالأخ و الأُخت له، و الجدّ و الجدّة للأمّ ك الأخ و الأخت لها، على المعروف من مذهب الأصحاب من غير خلاف يعرف بينهم، بل ادّعى جماعة منهم الإجماع عليه، كالكليني في الكافي و الشيخ في الاستبصار و الفاضل المقداد في كنز العرفان (3)، و نسبه الشهيدان إلى الأصحاب (4) معربين عن دعوى الإجماع عليه، لكن عبارة الأوّلين مختصّة بدعواه على قيام الجدّ منزلة الأخ من الأب، و عبارة الثالث كما بعده و إن كانت ناصّة بالعموم، إلّا أنّها غير صريحة في دعوى الإجماع، فإنّه قال: الأجداد عندنا في مرتبة الإخوة، فإذا

____________

(1) التهذيب 9: 315/ 1129، الوسائل 26: 180 أبواب ميراث الاخوة و الأجداد ب 11 ح 2.

(2) راجع ص: 331.

(3) الكافي 7: 115، الاستبصار 4: 158، كنز العرفان 2: 334.

(4) غاية المراد 3: 565، المسالك 2: 327.

339

اجتمعوا معهم كان الجدّ للأب كالأخ له، و الجدّة له كالأُخت له، و الجدّ للأُمّ كالأخ منها، و كذا الجدّة، انتهى.

و لكنّها فيها ظاهرة غاية الظهور، سيّما مع كون ما ذكره المعروف من مذهبهم و المشهور، فهي الحجة المثبتة لهذا التفصيل المزبور.

مضافاً إلى إطلاق المرسلة المتقدّمة؛ إذ ليس فيها التقييد للإخوة بكونهم من الأبوين أو الأب خاصّة، كما في إجماعي الكليني و الشيخ، و أكثر النصوص المستفيضة بل المتواترة الواردة في المسألة.

مع أنّ جملة منها أيضاً مطلقة، كالصحيح: في رجل مات، و ترك ستّة إخوة و جدّاً، قال: «هو كأحدهم» (1).

و الموثق: في ستّة إخوة و جدّ، قال: «للجدّ السبع» (2).

و الخبر: في رجل ترك خمسة إخوة و جدّاً، قال: «هي من ستّة، لكل واحد منهم سهم» (3).

فإنّ إطلاق الجدّ و الإخوة فيها شامل للمتقربين بالأُمّ أيضاً، لكنّها مع ذلك مجملة، قاصرة عن بيان التفصيل المعروف بينهم من أنّ جدود الأب و جدّاته ككلالته، و جدود الامّ و جدّاتها ككلالتها، يقتسمون تقسيم الكلالة مع الاختلاف في الذكورية و الأُنوثية بالتفاوت أو التسوية، لكن الإجماع الظاهر المصرّح به كفانا مئونة الاشتغال بطلب حجة أُخرى في المسألة، أو تطبيق الأخبار عليها بجهد و مشقّة.

____________

(1) الفقيه 4: 207/ 697، الوسائل 26: 165 أبواب ميراث الاخوة و الأجداد ب 6 ح 7.

(2) الكافي 7: 110/ 5، الفقيه 4: 207/ 698، التهذيب 9: 304/ 1084، الإستبصار 4: 156/ 586، الوسائل 26: 168 أبواب ميراث الاخوة و الأجداد ب 6 ح 15.

(3) الكافي 7: 110/ 6، التهذيب 9: 304/ 1085، الإستبصار 4: 156/ 587، الوسائل 26: 168 أبواب ميراث الاخوة و الأجداد ب 6 ح 16.

340

مع تكفّل كثير من النصوص لبيان التقسيم بالتفاوت بين الأجداد للأب و الإخوة له إذا اجتمعوا، كالصحيح: «إنّ الجدّ مع الإخوة من الأب يصير مثل واحد من الإخوة ما بلغوا» قال: قلت: رجل ترك أخاه لأبيه و أُمّه و جدّه، أو قلت: ترك جدّه و أخاه لأبيه (1) و أُمّه، قال: «المال بينهما، فإن كانا أخوين أو مائة ألف فله نصيب مثل واحد من الإخوة» قال: قلت: رجل ترك جدّه و أُخته، فقال: «لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، و إن كانتا أُختين فالنصف للجدّ، و النصف الآخر للأُختين، و إن كنّ أكثر من ذلك فعلى هذا الحساب، و إن ترك إخوة و أخوات لأب و أُمّ، أو لأب، و جدّاً فالجدّ أحد الإخوة، المال بينهم، للذّكر مثل حظّ الأُنثيين» قال زرارة: هذا مما لا يؤخذ عليّ فيه، قد سمعته من أبيه و منه قبل ذلك، و ليس عندنا في ذلك شك و لا اختلاف (2).

و الصحيح: عن رجل ترك أخاه لأبيه و أُمّه و جدّه، قال: «المال بينهما و لو كانا أخوين أو مائة، كان الجدّ معهم كواحد منهم، للجدّ نصيب واحد من الإخوة، قال: «فإن ترك أُخته فللجدّ سهمان، و للأُخت سهم، و إن كانتا أُختين فللجدّ النصف، و للأُختين النصف» قال: «فإن ترك إخوة و أخوات من أب و أُمّ كان الجدّ كواحد من الإخوة، للذّكر مثل حظّ الأُنثيين» (3) إلى غير ذلك من الأخبار التي يضيق عن نشرها المقام.

بقي هنا شيء، و هو أنّه إذا اجتمع الجدّ أو الجدّة للأُمّ مع الأُخت للأب، فلأحدهما السدس، أو الثلث، على الخلاف، و للأُخت النصف،

____________

(1) في «ب» و التهذيب و الاستبصار زيادة: أو أخاه لأبيه.

(2) الكافي 7: 109/ 2، التهذيب 9: 303/ 1081، الإستبصار 4: 155/ 583، الوسائل 26: 165 أبواب ميراث الاخوة و الأجداد ب 6 ح 9.

(3) الكافي 7: 110/ 8، الفقيه 4: 206/ 694، التهذيب 9: 305/ 1087، الإستبصار 4: 156/ 589، الوسائل 26: 167 أبواب ميراث الاخوة و الأجداد ب 6 ح 13.

341

بلا خلاف.

و هل يكون الفاضل عن سهامهما مردوداً عليهما بالنسبة، كما هو فتوى ابن زهرة و الكيدري (1)، أو على الأُخت خاصّة، كما عن النهاية و القاضي و نجيب الدين (2)؟ قولان، تردّد بينهما الفاضل في الإرشاد (3).

و لا وجه له بعد عموم مفهوم الحصر المتقدّم في قوله (عليه السلام): «فهم الذين يزادون و ينقصون» (4) مشيراً بهم إلى كلالة الأب، و ليس فيه تقييد ذلك بما إذا اجتمعوا مع كلالة الأُمّ خاصّة، بل هو عام شامل له و لما إذا اجتمعوا مع الأجداد لها.

و لا يقدح في ذلك تضمّن صدر بعض النصوص المتضمّنة له أو جملتها خصوص الصورة الأُولى، فيخصّ بها عموم ذيلها، إلّا على تقدير تخصيص السؤال لعموم الجواب، و هو خلاف التحقيق، كما برهن في محلّه.

فالقول الثاني أظهر، وفاقاً للشهيد في الدروس و النكت (5)، قائلًا فيه:

الظاهر أنّه يلزم كلّ من قال باختصاص الأُخت في مسألة قيام كلالة الأب مقام كلالة الأب و الأُمّ.

و هنا

[مسألتان:]

[الاولى: لو اجتمع أربعة أجداد لأب]

مسألتان:

الاولى: لو اجتمع أربعة أجداد لأب أي جدّ أبيه و جدّته لأبيه

____________

(1) الغنية (الجوامع الفقهية): 607، و حكاه عن الكيدري في المختلف: 733.

(2) حكاه عنهم في غاية المراد 3: 566، و هو في النهاية: 651، المهذب 2: 144، 145، الجامع للشرائع: 516، 517.

(3) الإرشاد 2: 121.

(4) راجع ص: 324.

(5) الدروس 2: 371، غاية المراد 3: 566.

342

و هما لُامّه و مثلهم لُامّ أي جدّ امّه و جدّتها لأبيها و هما لُامّها كان لأجداد الأُمّ و جدّاتها الأربعة الثلث يقتسمونه بينهم أرباعاً، و لأجداد الأب و جدّاته الثلثان يقتسمونهما بينهم بالتفاوت لأبوي أبيه ثلثا الثلثين أثلاثاً للذّكر منهما ضعف الأُنثى و لأبوي امّه الثلث أثلاثاً أيضاً كذلك.

هذا على المشهور بين أصحابنا، كما صرّح به جماعة (1).

قيل: اعتباراً للنسبة إلى نفس الميت (2).

خلافاً لمعين الدين المصري، فثلث الثلث لأبوي أُمّ الأُمّ بالسوية، و ثلثاه لأبوي أبيها كذلك أيضاً، و ثلث الثلثين لأبوي أُمّ الأب بالسوية، و ثلثاهما لأبوي أبيه أثلاثاً (3).

قيل: اعتباراً في الطرفين بالتقرب إلى الأُمّ في الجملة المقتضي للتسوية (4).

و للبَرزَهي (5)، فثلث الثلث لأبوي أُمّ الأُمّ بالسوية، و ثلثاه لأبوي أبيها أثلاثاً، للذّكر ضعف الأُنثى. و قسمة أجداد الأب كالأوّل، قيل: اعتباراً في

____________

(1) منهم الشهيد في الروضة 7: 147، و الفيض الكاشاني في المفاتيح 3: 323، و الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 293.

(2) قاله الفيض الكاشاني في المفاتيح 3: 324.

(3) حكاه عنه في الدروس 2: 370.

(4) قال به الفيض الكاشاني في المفاتيح 3: 324.

(5) حكاه عنه في الدروس 2: 371. و هو الشيخ زين الدين محمّد بن القاسم البرزهي، عالم، فقيه، فاضل، ينقل له أقوال في كتب الاستدلال، و البرزهي بفتح الباء و الزاي نسبة إلى البَرزَة بالهاء الصريحة و هي قرية من أعمال بيهق، و البرزة بتاء التأنيث قرية من غوطة دمشق إلّا أن النسبة إليها البرزي. أمل الآمل 2: 293/ 884، رياض العلماء 5: 152، الكنى و الألقاب 2: 68، القاموس المحيط 2: 172 (برز)، معجم البلدان 1: 382.

343

الطرفين بالتقرب إلى الأب (1).

و المسألة محلّ إشكال؛ لعدم وضوح الدليل على شيء من هذه الأقوال، و ضعف الاعتبارات، مع تعارض بعضها مع بعض.

و ندرة اتفاق هذه المسألة كفتنا مئونة الاشتغال بتحصيل ما يرجّح أحد هذه الأقوال، مع أنّ العمل بالمشهور متعيّن في أمثال المجال لو لم يكن بدّ و لا يمكن احتياط.

و تصح المسألة على القولين الأخيرين من أربعة و خمسين، و إن اختلف وجه الارتفاع فيهما؛ لأنّ على الأوّل: سهام قرابة الأُمّ ستّة، و سهام قرابة الأب ثمانية عشر، و على الثاني: الثمانية عشر سهام قرابة الأُمّ، و سهام قرابة الأب تسعة، و على التقديرين يجتزأ بالثمانية عشر التي هي العدد الأكثر لدخول الأقل فيه، و هو الستّة في الأوّل و التسعة في الثاني، و تضرب في أصل المسألة، و هو ثلاثة، تبلغ العدد المتقدّم إليه الإشارة.

و أمّا على القول الأوّل: فتصح من مائة و ثمانية لأنّ أصلها كما عرفت من ثلاثة أسهم هي مخرج ما فيها من الفروض، و هو الثلث، سهم منها لأقرباء الأُمّ و هو ثلثها لا ينقسم على عددهم و هو أربعة، و سهمان لأقرباء الأب لا ينقسم على عدد سهامهم و هي تسعة؛ لأنّ ثلثي الثلثين لجدّ أبيه و جدّته لأبيه بينهما أثلاثاً، و ثلثه لجدّ أبيه و جدّته لأُمّه أثلاثاً أيضاً، فترتقي سهام الأربعة إلى تسعة، فقد انكسرت على الفريقين، و بين عدد سهم كلّ فريق و نصيبه مباينة، و كذا بين العددين، فيطرح النصيب، و يضرب أحد العددين في الآخر يحصل ستّة و ثلاثون، تضرب في أصل

____________

(1) مفاتيح الشرائع 3: 324.

344

الفريضة ثلاثة تبلغ مائة و ثمانية، ثلثها ستّة و ثلاثون ينقسم على أجداد أُمّه الأربعة بالسوية، لكلّ واحد تسعة، و ثلثاها اثنان و سبعون ينقسم على تسعة، لكلّ سهم ثمانية، فلجدّ الأب و جدّته لأبيه ثلثا ذلك ثمانية و أربعون، ثلثه للجدّة ستّة عشر، و ثلثاه للجد اثنان و ثلاثون، و لجدّ الأب و جدّته لأمّه أربعة و عشرون، ثلثا ذلك للجدّ ستّة عشر، و ثلثه للجدّة ثمانية.

[الثانية: الجدّ و إن علا يقاسم الإخوة و الأخوات]

الثانية: الجدّ و إن علا مطلقاً، بشرط الترتيب الأقرب فالأقرب يقاسم الإخوة و الأخوات مطلقاً، بغير خلاف ظاهر، مصرّح به في كلام جماعة (1)، و هو الحجة.

مضافاً إلى الصحاح المستفيضة و نحوها من المعتبرة، المتقدّم إلى جملة منها الإشارة، الدالّة على تنزيل الجدّ منزلة الإخوة و اقتسامهما التركة (2).

و جملة منها و إن كانت مطلقة غير منصرفة بحكم التبادر و الغلبة إلى الجدّ الأعلى، بل إلى الأدنى خاصّة، إلّا أنّ جملة أُخرى منها وافرة عامّة لهما، و إن كان الجدّ فيها أيضاً مطلقاً، إلّا أنّه في السؤال، و حيث لم يستفصل عن أفراده و محتملاته التي منها الجدّ الأعلى أفاد العموم لهما على الأقوى، كما برهن في محلّه مستقصى.

نعم ربما يتوجّه السؤال بأنّ هذا العموم معارض بعموم ما دلّ على منع الأقرب الأبعد، و الأخ أقرب من أب الجدّ، و الجمع بينهما كما يمكن بتخصيص هذا العموم و إبقاء عموم مقاسمة الجدّ للأخ بحاله، كذا يمكن

____________

(1) كشف الرموز 2: 457.

(2) راجع ص: 333.

345

العكس، فلا وجه لترجيح الأوّل عليه، سيّما مع العمل به في الحكم بترتّب الأجداد بعضهم مع بعض و منع الأقرب منهم الأبعد، فليكن هذا بالترجيح أجدر، و هذا السؤال متوجّه لولا فتوى الأصحاب المرجّح للجمع الأوّل.

و أولاد الإخوة و الأخوات مطلقاً و إن نزلوا لكن مرتّبين يقومون مقام آبائهم عند عدمهم في مقاسمة الأجداد و الجدّات خاصّة، بلا خلاف أجده، بل عليه الإجماع في السرائر و الانتصار و الغنية و كنز العرفان و غيرها (1)، و هو الحجة.

مضافاً إلى النصوص المستفيضة عموماً و خصوصاً، فمن الأوّل:

المعتبرة من الصحيح و غيره، الدالّة على أنّ كلّ ذي رحم بمنزلة الرحم الذي يجرّ به، إلّا أن يكون وارث أقرب إلى الميت فيحجبه (2).

و من الثاني: الصحاح و المعتبرة من الموثق و غيره، الدالّة على مقاسمة ابن الأخ مع الجدّ المال بينهما نصفين (3).

و الصحيح: «بنت الأخ بمنزلة الأخ» (4).

و المرسل القريب من الصحيح: في بنات أُخت و جدّ، قال: «لبنات الأُخت الثلث، و ما بقي فللجدّ» (5) إلى غير ذلك من الأخبار.

____________

(1) السرائر 3: 260، الانتصار: 302، الغنية (الجوامع الفقهية): 607، كنز العرفان 2: 334؛ كشف اللثام 2: 293.

(2) الوسائل 26: 63 أبواب موجبات الإرث ب 1 ح 1، و 68 ب 2 ح 1، و 162 أبواب ميراث الإخوة و الأجداد ب 5 ح 9.

(3) الوسائل 26: 159 أبواب ميراث الاخوة و الأجداد ب 5.

(4) التهذيب 9: 325/ 1170، الوسائل 26: 162 أبواب ميراث الاخوة و الأجداد ب 5 ح 9.

(5) الكافي 7: 113/ 7، الفقيه 4: 207/ 702، التهذيب 9: 309/ 1109، الوسائل 26: 161 أبواب ميراث الاخوة و الأجداد ب 5 ح 7.

346

و قصورها عن إفادة تمام المدّعى مجبور بعدم القائل بالفرق بين جزئيات المسألة و أفرادها، مع الاعتضاد بعموم المعتبرة المتقدّمة الدالّة على المنزلة.

و الاستثناء في بعضها كآية الإرث بالقرابة و غيرها و إن اقتضى منع الجدّ من بَعُد عن درجته من أولاد الإخوة، إلّا أنّه مخصّص هنا أيضاً بالإجماع، و صريح الأخبار الخاصّة.

و يستفاد من عموم المنزلة المتقدّمة مضافاً إلى عدم الخلاف أنّه يرث كلّ واحد منهم أي من المتقاسمين من الأجداد و أولاد الإخوة نصيب من يتقرب به إلى الميت.

ثم إن كانوا أولاد أخ أو إخوة أو أولاد أُخت أو أخوات لأب اقتسموا نصيبهم من المال مع الاختلاف في الذكورة و الأُنوثة بالتفاوت للذّكر مثل حظّ الأُنثيين، و إن كانوا أي أولاد الإخوة و الأخوات لأُمّ خاصة اقتسموا نصيبهم بينهم بالسوية مطلقاً، و لو اختلفوا في الذكورة و الأُنوثة، فإنّ ذلك حكم المنزلة.

و لنذكر أمثلة اقتسام أولاد الإخوة منفردين عن الأجداد، ثم أمثلة اقتسامهم مجتمعين معهم، فنقول:

لو خلف الميت أولاد أخ لأُمّ أو أُخت لها خاصّة، كان المال لهم بالسوية، السدس فرضاً و الباقي ردّاً، من غير فرق بين الذكر و الأُنثى.

و إن تعدّد من تقربوا به من الإخوة للُامّ أو الأخوات أو الجميع، كان لكلّ فريق من الأولاد نصيب من يتقرب به، يقتسمونه بالسوية.

و إن كانوا أولاد أخ للأبوين أو لأب و لا وارث سواهم كان المال بينهم بالسوية إن اتفقوا ذكورية أو أُنوثية، و إلّا بالتفاضل.

347

و إن كانوا أولاد أُخت للأبوين أو الأب، كان النصف فرضاً، و الباقي ردّاً مع عدم غيرهم.

و إن كانوا أولاد أُختين فصاعداً كذلك، فالثلثان لهم فرضاً، و الباقي ردّاً مع عدم غيرهم، و يقتسمونه بالسوية أو التفاضل، كما تقدّم.

و لو اجتمع أولاد الأُخت للأبوين أو الأب مع أولاد الأخ أو الأُخت أو الأخوة أو الأخوات للأُمّ، فللفريق الثاني السدس مع وحدة من يتقربون به، و الثلث مع تعدّده، و للفريق الأوّل النصف، و الباقي يردّ عليهم خاصّة، أو عليهما، على الاختلاف المتقدّم إليه الإشارة.

و لو اجتمع أولاد الكلالات الثلاث سقط أولاد من يتقرب بالأب، و كان لمن يتقرب بالأُمّ السدس مع وحدة من يتقرب به، و إلّا فالثلث، و لمن يتقرب بالأبوين الباقي.

و لو دخل في هذه الفروض زوج أو زوجة، كان له النصيب الأعلى، و الباقي ينقسم كما تقدّم.

و لو خلف أولاد أخ للأبوين و أولاد أُخت لهما، و مثلهم من قبل الامّ، و جدّاً و جدّة من قبل الأب، و مثلهما من قبل الأُمّ، فلكلالة الأُمّ مع الجدّين لها الثلث، يقتسمونه أرباعاً، ربع للجدّ، و ربع للجدّة، و ربع لأولاد الأخ، و ربع لأولاد الأُخت، و كلّ من هؤلاء الأولاد يقتسمونه بالسوية، و الباقي و هو الثلثان يقسم على الباقين بالتفاضل، فثلثاه للجدّ من الأب و لأولاد الأخ من الأبوين انصافاً بينه و بينهم، بالتفاضل بينهم، و ثلثه للجدّة و أولاد الأُخت انصافاً بينها و بينهم كذلك.

و لا فرق بين كون الأخ موافقاً للجدّ في النسبة أو مخالفاً، فلو كان ابن أخ لأُمّ مع جدّ لأب، فلابن الأخ السدس فريضة أبيه، و للجدّ الباقي، و لو

348

انعكس فكان الجدّ للُامّ و ابن الأخ للأب، فللجدّ الثلث أو السدس، على الخلاف المتقدم، و لابن الأخ الباقي.

و بالجملة فإنّك تنزل هؤلاء الأولاد من أيّ جهة كانوا منزلة من يتقربون به، و تقسم عليهم حصته كما تقسم عليه لو كان، و كذلك الجدّ.

و اعلم أنّ اشتراط عدم الإخوة في إرث أولادهم مطلقا هو المشهور بين الأصحاب؛ لعموم ما دل على منع الأقرب الأبعد، و لا يكاد يتحقق فيه خلاف، و لم ينقل إلّا عن الفضل بن شاذان، حيث شرك ابن الأخ من الأبوين مع الأخ من الامّ، و ابن ابن الأخ منهما مع ابن الأخ منها، و نحو ذلك، فجعل السدس للمتقرب بالأُمّ، و الباقي للمتقرب بالأبوين، بناءً على أصله من جعل الإخوة صنفين، و اعتبار الأقرب من إخوة الأُمّ فالأقرب على حدة، و الأقرب من إخوة الأبوين و الأب فالأقرب على حدة، و عدم اعتبار قرب أحد الصنفين بالنسبة إلى الآخر، كما في الأخ بالنسبة إلى الجدّ الأعلى (1).

و هو مع شذوذه (2) ضعيف؛ لاتحاد صنف الإخوة جميعاً كالجدّ، كما هو المفهوم من تقديم الأقرب فالأقرب لغة و عرفاً؛ مضافاً إلى النص الصحيح كما قيل (3)، و لم أقف عليه.

نعم في الرضوي: «من ترك واحداً ممّن له سهم، ينظر فإن كان من بقي من درجته [أولى بالميراث] ممّن سفل [فهو أولى] و هو أن يترك الرجل أخاه و ابن أخيه، فالأخ أولى من ابن أخيه» (4) و الحمد للّٰه.

____________

(1) حكاه عنه في الفقيه 4: 200، و الكافي 7: 107.

(2) في «ر» زيادة: بل دعوى الإجماع على خلافه في السرائر (3: 262).

(3) قاله الشهيد الثاني في المسالك 2: 328.

(4) فقه الرضا (عليه السلام): 289، المستدرك 17: 180 أبواب ميراث الاخوة و الأجداد ب 4 ح 4؛ بتفاوت، و ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.

349

[المرتبة الثالثة: الأعمام، و الأخوال]

المرتبة الثالثة:

الأعمام، و الأخوال و أولادهم، و هم أُولوا الأرحام، و إنّما يرثون على المشهور مع فقد الإخوة و بنيهم و الأجداد فصاعداً.

و عن الفضل: أنّه لو خلّف خالًا و جدّة لُامّ اقتسما المال نصفين (1).

و في الدروس: أنّ الذي في كتابه: أنّه لو ترك جدّته و عمّته و خالته فالمال للجدّة. و نقل عن يونس مشاركة العمّة و الخالة، و أنّه جعل العمّة تساوي الجدّة و غلّطه في ذلك، و في قوله: إنّه لو خلّف عمّاً و ابن أخ اقتسما المال نصفين (2).

و هذا منه موافقة للمشهور، فتأمّل. و كيف كان فالمذهب الأوّل؛ لعدم وضوح دليل على الخلاف، مع ظهور أقربيّة كلّ من آحاد المرتبة الثانية من كلّ من أهل هذه المرتبة، فالميراث لهم؛ لعموم ما دل على منع الأقرب الأبعد من الآية و الرواية.

مضافاً إلى صريح الرضوي: «و من ترك عمّاً و جدّاً، فالمال للجدّ، و إن ترك عمّاً و خالًا و جدّاً و أخاً، فالمال بين الأخ و الجدّ، و يسقط العم و الخال» (3).

و اعلم أنّ للعمّ جميع المال إذا انفرد عمّن عداه ممّن يرث و كذا المال للعمّين المنفردين فصاعداً، و كذا العمّة المنفردة و العمّتان المنفردتان و العمّات المنفردات، يقتسمون المال بينهم

____________

(1) حكاه عنه في الفقيه 4: 213، و انظر الكافي 7: 118.

(2) الدروس 2: 372.

(3) فقه الرضا (عليه السلام): 289، المستدرك 17: 189 أبواب ميراث الأعمام و الأخوال ب 1 ح 1.

350

بالسوية، لأب و أُمّ كانوا أو لأب أو لُامّ، بلا خلاف فيه.

و في أنّه لو اجتمع العمومة جمع عمّ، أي الأعمام و العمّات اقتسموا المال بينهم بالتفاضل للذّكر مثل حظّ الأُنثيين إن كانوا جميعاً من قبل الأبوين أو الأب، بمعنى أنّهم كانوا إخوة لأب الميت من قبل أبويه أو أبيه خاصّة، و الدليل عليه بعد عدم الخلاف فيه على الظاهر، بل الإجماع كما في الغنية (1) الخبر المنجبر قصور سنده بالعمل:

في عمّة و عمّ، قال: «للعمّ الثلثان، و للعمّة الثلث» (2) و نحوه الرضوي (3).

و أمّا إذا كانوا جميعاً لُامّ فالذي يقتضيه إطلاق العبارة هنا و في الشرائع و الصدوق في الفقيه و الفضل بن شاذان و الغنية (4) مدّعياً عليه إجماع الإماميّة أنّه أيضاً كذلك، يقتسمونه بينهم بالتفاضل، و يعضده إطلاق الرواية.

خلافاً لصريح جماعة، كالفاضل في الإرشاد و التحرير و القواعد و الشهيدين في الدروس و اللمعتين و غيرهم (5)، فيقتسمونه بالسوية.

و هذا أوفق بالأصل؛ لاقتضاء شركة المتعدّدين في شيء اقتسامهم له بينهم بالسوية، خرج عنه هنا ما لو كانوا للأب بالإجماع و الرواية، و تبقى هذه الصورة تحته مندرجة؛ لعدم مخرج لها عنه عدا إطلاق الرواية، و هي

____________

(1) الغنية (الجوامع الفقهية): 607.

(2) التهذيب 9: 328/ 1179، الإستبصار 4: 171/ 645، الوسائل 26: 189 أبواب ميراث الأعمام و الأخوال ب 2 ح 9.

(3) فقه الرضا (عليه السلام): 289، المستدرك 17: 190 أبواب ميراث الأعمام و الأخوال ب 2 ح 4.

(4) الشرائع 4: 30، الفقيه 4: 211، و حكاه عن الفضل بن شاذان في الكافي 7: 120، الغنية (الجوامع الفقهية): 607.

(5) الإرشاد 2: 122، التحرير 2: 166، القواعد 2: 175، الدروس 2: 372، اللمعة (الروضة البهية 8): 153؛ كشف اللثام 2: 296.

351

مع قصور سندها بالجهالة مع عدم جابر لها في هذه الصورة غير مقاومة للأصل المعتضد بالشهرة، بل نفى عنه الخلاف جملة، و منهم صاحب الكفاية (1).

و لا يعارضه عموم ما دل على تفضيل الذكر على الأُنثى بقول مطلق؛ لرجحان الأصل عليه بالشهرة العظيمة، مع حكاية نفي الخلاف المتقدّمة، هذا.

مع عدم صراحة في الدلالة؛ لاحتمالها الاختصاص بالعمّ و العمّة للأب أو الأبوين خاصّة، و يؤيّده إطلاق أنّ الجدّ يقاسم الإخوة للأب في الأخبار المستفيضة بل المتواترة، مع أنّ المراد منه الجدّ من قبل الأب خاصّة، فتدبّر. و إذا قام مثل هذا الاحتمال انتفت الصراحة في الرواية، التي هي مناط التخصيص للعمومات، كما مرّ إليه الإشارة غير مرّة.

ثم إنّ جميع ما ذكر إنّما هو إذا كانوا مجتمعين في الدرجة، بأن كانوا جميعاً للأبوين، أو أحدهما خاصّة.

و أمّا لو كانوا متفرقين بأن كان بعضهم للأبوين أو الأب خاصّة، و بعضهم للُامّ كذلك ف قد ذكر الأصحاب من غير خلاف يعرف بينهم، و به صرّح جماعة (2) أنّ لمن تقرب منهم بالأُمّ السدس إن كان واحداً مطلقاً، ذكراً كان أو أُنثى و الثلث إن كانوا أكثر يقتسمونه بينهم بالسوية و لو اختلفوا ذكورة و أُنوثة و الباقي عن الثلث أو السدس لمن تقرب منهم بالأب و الأُمّ أو الأب عند عدم

____________

(1) الكفاية: 300.

(2) منهم الحلي في السرائر 3: 262، و الكاشاني في المفاتيح 3: 321 322، و السبزواري في الكفاية: 298.

352

من يتقرب بهما، واحداً كان أو متعددّاً، يقتسمونه بينهم بالتفاضل للذّكر مثل حظّ الأُنثيين و لم أقف لهم بعد الاتفاق على حجة ظاهرة و لا متوهّمة عدا إلحاق الأعمام بالكلالة، و أنّ إرثهم إنّما هو من حيث الأُخوّة لأب الميت، فكما أنّ لمن تقرب منهم بالأُمّ السدس مع الوحدة و الثلث مع الكثرة بينهم بالسوية، و لمن تقرب منهم بالأبوين أو الأب بالتفاضل، فكذلك هنا. و هو كما ترى؛ لعدم دليل عليه بعد الوفاق أصلًا، فيكون لولاه قياساً.

و ربما يتأمّل في الاتفاق أيضاً؛ نظراً إلى إطلاق عبارتي الصدوق و الفضل باقتسام العمّ و العمّة المال بالتفاضل، من دون تفصيل بين كونهما معاً لأب أو لُامّ أو مختلفين، و نحوهما إطلاق الرواية المتقدّمة.

و يمكن الذبّ عن الجميع، فعن الرواية بما مرّ إليه الإشارة، و عن مخالفتهما به أيضاً على احتمال، و بمعلومية نسبهما، فلا يقدح في انعقاد الإجماع مخالفتهما على تقدير تسليمها، فتأمّل جدّاً. و يسقط معهم أي مع الأعمام للأبوين من يتقرب من الأعمام إلى الميت بالأب خاصّة و يقومون أي المتقربون به خاصّة مقامهم أي مقام المتقربين بالأبوين عند عدمهم بلا خلاف في شيء من الأمرين أجده، و به صرّح جماعة (1)، بل في الغنية و السرائر (2) الإجماع عليهما، و هو الحجة فيهما.

مضافاً إلى بعض المعتبرة في الأوّل: «و عمّك أخو أبيك من أبيه و أُمّه أولى بك من عمّك أخي أبيك من أبيه» قال: «و ابن عمّك أخي أبيك من

____________

(1) انظر مجمع الفائدة و البرهان 11: 413 414، و الكفاية: 300.

(2) الغنية (الجوامع الفقهية): 607، السرائر 3: 262.

353

أبيه و أُمّه أولى بك من ابن عمّك أخي أبيك لأبيه» (1).

و اعلم أنّ هذه المرتبة ليست كسابقتها مشتملة على صنفين يجتمع أعلى أحدهما مع أدنى الآخر، بل الصنفان فيها أحدهما بحكم الآخر؛ نظراً إلى أنّ إرثهم إنّما يكون من جهة كونهم إخوة لأب الميت و أُمّه، كما هو ظاهر الأصحاب، أو من جهة كونهم بمنزلة الأبوين، كما يستفاد من الأخبار، و لا شيء من صنفي الإخوة و الأبوين بمتعدّد، بل كل منهما صنف واحد، فيكون ما نُزّل منزلتهما كذلك.

و لهذا الصنف درجات متفاوتة صعوداً و نزولًا بحسب القرب و البعد، فالعمّ و العمّة مثلًا مطلقاً أقرب من بنيهما و بني الخال، و الخال و الخالة كذلك.

و لا يرث الأبعد منهم مع الأقرب، مثل ابن خال مع خال، أو مع عمّ، أو ابن عمّ مع خال، أو مع عمّ إجماعاً، إلّا من الإسكافي في ابن خال مع عمّ، حيث قال: إنّ للعم الثلثين، و لابن الخال الثلث (2).

و هو شاذّ، محجوج بالإجماع الظاهر المحكي في الغنية و السرائر (3)، و الآية (4)، و المعتبرة الدالّة على أنّ: «كلّ ذي رحم بمنزلة الرحم الذي يجرّ به، إلّا أن يكون وارث أقرب إلى الميت منه، فيحجبه» (5) و لا ريب أنّ العمّ

____________

(1) الكافي 7: 76/ 1، التهذيب 9: 268/ 974، الوسائل 26: 190 أبواب ميراث الأعمام و الأخوال ب 4 ح 1.

(2) حكاه عنه في المختلف: 751.

(3) الغنية (الجوامع الفقهية): 607، السرائر 3: 262.

(4) الأنفال: 75، الأحزاب: 6.

(5) الكافي 7: 77/ 2، التهذيب 9: 269/ 976، و 325/ 1170، الوسائل 26: 68 أبواب موجبات الإرث ب 2 ح 1، و 188 أبواب ميراث الأعمام و الأخوال ب 2 ح 6.

354

أقرب من ابن الخال، و أنّ العمّ أقوى من الخال؛ لأنّه أكثر نصيباً، و الخالة تحجب ابن العمّ، كما في الخبر: في ابن عمّ و خالة، قال: «المال للخالة» و قال في ابن عمّ و خال، قال: «المال للخال» (1) فالعمّ أولى أن يحجب ابن الخال، فتدبّر.

و بالجملة لا شبهة فيما ذكره الأصحاب من كلّيّة قاعدة منع الأقرب الأبعد إلّا في اجتماع ابن عمّ لأب و أُمّ مع عم لأب ف إنّ ابن العمّ أولى بالميراث عند الإمامية، حكى إجماعهم عليه جماعة حدّ الاستفاضة (2)، بل لعلّ الحكاية متواترة، و هو الحجة المخصّصة لتلك القاعدة.

مضافاً إلى النصوص المستفيضة، كما ذكرها بعض الأجلّة (3).

و لم أقف عليها كذلك، مع أنّها غير معتبرة السند، لكن في الفقيه: إن ترك عمّاً لأب و ابن عمّ لأب و أُمّ فالمال كله لابن العمّ للأب و الأُمّ؛ لأنّه قد جمع الكلالتين كلالة الأب و كلالة الامّ، و ذلك بالخبر الصحيح عن الأئمّة ((عليهم السلام)) (4).

فتأمّل، مع أنّ ذلك مجبور بالعمل.

و هل يتعدّى الحكم من هذه الصورة إلى ما تقاربها من الصور، كما لو حصل التعدّد في أحد الجانبين أو كليهما، أو دخل في الفرض المذكور

____________

(1) التهذيب 9: 328/ 1179، الإستبصار 4: 171/ 645، الوسائل 26: 193 أبواب ميراث الأعمام و الأخوال ب 5 ح 4.

(2) منهم ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 607، و الحلي في السرائر 3: 262، و الفاضل المقداد في التنقيح 4: 181، و ابن فهد في المهذّب البارع 4: 393، و السبزواري في الكفاية: 301.

(3) المفاتيح 3: 302.

(4) الفقيه 4: 212.