رياض المسائل - ج14

- السيد علي الطباطبائي المزيد...
496 /
355

زوج أو زوجة، أو حصل التغير بالذكورة و الأُنوثة، أو انضمّ إلى ذلك الخال و الخالة؟ خلاف لا يليق بهذا الشرح نشره، و الاقتصار على مورد النص أظهر، وفاقاً لكثير؛ لأنّ المسألة جرت على خلاف الأُصول المقرّرة و القواعد الممهّدة، فالتعدية فيها عن موضع الإجماع و الرواية مشكلة، و إن وجّهت بتوجيهات اعتبارية ربما أوجبت مظنّة، إلّا أنّ في بلوغها حدّا يجوز معه تخصيص الأُصول بها إشكالًا.

و للخال جميع المال إذا انفرد عمّن عداه ممّن يرث و كذا المال للخالين المنفردين و الأخوال المنفردين و كذا الخالة المنفردة و الخالتين المنفردتين و الخالات المنفردات، لهنّ المال أجمع، يقتسمونه بينهم بالسوية.

و لو اجتمعوا ذكورة و أُنوثة فالمال بينهم أيضاً بالسوية كيف كانوا في المقامين، أي لأب كانوا أو لُامّ أو لهما، بشرط الاجتماع في الدرجة، بأن يكونوا كذلك جميعاً.

و أمّا لو كانوا متفرقين فيها، بأن كان بعضهم للأبوين و بعض للأب خاصّة و آخر للُام فلمن يتقرب بالأُمّ السدس إن كان واحداً مطلقاً، ذكراً كان أو أُنثى و الثلث إن كانوا أكثر كذلك، يقتسمونه بينهم بالسوية و الثلثان فما زاد لمن يتقرب بالأب و الأُمّ، و يسقط من يتقرب منهم بالأب (1) معهم أي مع المتقربين منهم بالأبوين، و يقومون مقامهم عند عدمهم و القسمة بينهم أي بين المتقربين بهما أو بالأب مع عدمهم بالسوية للذّكر مثل ميراث الأُنثى (2)

____________

(1) في المطبوع من المختصر (270): بالأُمّ.

(2) في المطبوع من المختصر (270): للذكر مثل حظّ الأُنثيين.

356

و لا خلاف في شيء من ذلك أجده، و به صرّح جماعة (1)، إلّا في الحكم الأخير من اقتسام الأخوال للأب و الخالات له بالتساوي، فقد خالف فيه بعض أصحابنا، كما في الخلاف (2)، فحكم بأنّ الخؤولة للأبوين أو الأب يقتسمون بالتفاضل؛ نظراً إلى تقربهم بأب في الجملة.

و ردّ بأنّ تقربهم للميت بالأُمّ مطلقا، و لا عبرة بجهة قربها (3).

و فيه: أنّه متى كان الحكم كذلك فالحكم في صورة التفرق بأنّ للمتقرب بالأُمّ السدس مع الوحدة و الثلث مع الكثرة و الباقي للمتقرب بالأبوين أو الأب خاصّة مع عدمه لا وجه له، بل الواجب على هذا الحكم بالتساوي.

و بالجملة فكلماتهم في هذه المسألة على الفقير مشتبهة، فإنّه إن كان الاعتبار بالنظر إلى تقرب هذا الوارث إلى الميت فتقرب الخؤولة مطلقاً إنّما هو بالأُمّ الموجب لاقتسام من تقرب بها بالسوية، أعم من أن يكون التقرب إليها بالأبوين أو أحدهما خاصّة، فلا وجه حينئذٍ لتخصيص المتقرب إليها بالأُمّ بالسدس أو الثلث، بل لا وجه لسقوط المتقرب إليها بالأب متى اجتمع مع المتقرب إليها بالأبوين.

و إن كان الاعتبار بالنظر إلى تقرب الوارث إلى الواسطة أعني الأُمّ، فلا ينبغي النظر إلى الأُمّ مطلقاً، و حيث إنّ النص مفقود في هذا المجال فالحكم فيه مطلقاً لا يخلو عن إشكال، و إن كان القول بالتسوية كما هو المشهور لا يخلو عن قرب؛ لأنّه مقتضى الشركة، كما مرّ مراراً إليه

____________

(1) انظر مفاتيح الشرائع 3: 321 322.

(2) الخلاف 4: 17.

(3) المسالك 2: 330.

357

الإشارة، و لكنّه يعارض بما مرّ من العمومات الدالّة على تفضيل الذكر على الأُنثى مع التعليل بقول مطلق، فالاحتياط بنحو من المصالحة لا يترك.

و إن أمكن الذبّ عن هذا بترجيح قاعدة الشركة عليه بالشهرة، فلا بأس بالعمل عليها حيث لا يمكن الاحتياط بنحو من المصالحة، سيّما مع ندرة قول بعض الأصحاب، كما صرّح بها في الروضة (1) مشعراً بدعوى الإجماع عليه، و قريب منها عبارة الكفاية و غيرها (2)، فلا يبعد ترجيح المشهور مطلقاً، سيّما بملاحظة الرضوي الآتي.

و لو اجتمع الأخوال و الأعمام، فللأخوال الثلث، و للأعمام الثلثان إجماعاً مع تعدّد الأخوال مطلقاً؛ للرضوي: «فإن ترك خالًا و خالة و عمّاً و عمّة، فللخال و الخالة الثلث بينهما بالسوية، و ما بقي فللعمّ و العمّة، للذّكر مثل حظّ الأُنثيين» (3).

و لأنّ الأخوال يرثون نصيب من تقربوا به و هو الأُخت أو الأُم، و نصيبهما الثلث، (و الأعمام يرثون نصيب من يتقربون به و هو الأخ أو الأب، و نصيبهما الثلثان) (4)، هذا.

مضافاً إلى فحاوي المعتبرة الآتية، و عموم التعليل في جملة منها.

و في الموثق: في رجل أوصى بثلث ماله في أعمامه و أخواله، فقال:

«لأعمامه الثلثان، و لأخواله الثلث» (5) و قد روى الشيخ في الكتابين في هذا

____________

(1) الروضة 8: 154.

(2) الكفاية: 301؛ و انظر الدروس 2: 373، و كشف اللثام 2: 297.

(3) فقه الرضا (عليه السلام): 289، المستدرك 17: 190 أبواب ميراث الأعمام و الأخوال ب 2 ح 4.

(4) ما بين القوسين ليس في «ح».

(5) الكافي 7: 45/ 3، الفقيه 4: 154/ 535، التهذيب 9: 325/ 1169، الوسائل 19: 393 أبواب أحكام الوصايا ب 62 ح 1.

358

الباب.

و يقتسمون كلّ منهم نصيبهم من الثلث و الثلثين اقتسامهم حال الانفراد، فالأخوال بالسوية مطلقاً، و الأعمام بالتفاوت مع الاختلاف في الذكورة و الأُنوثة، و مع الاتفاق فيهما بالسوية.

هذا إن اجتمعوا في الدرجة.

و لو كانوا متفرقين فللأخوال من جهة الأُمّ ثلث الثلث، و مع الاتحاد سدسه، و الباقي من الثلث للأخوال من جهة الأب و إن كان واحداً، و الثلثان للأعمام سدسهما للمتقرب منهم بالأُمّ إن كان واحداً، و ثلثهما إن كان أكثر بالسوية و إن اختلفوا في الذكورة و الأُنوثة، و الباقي للأعمام المتقربين بالأب بالتفاضل.

و أمّا مع اتحاد الأخوال و الأعمام بأن اجتمع خال أو خالة مع عمّ أو عمّة، فالمشهور أنّ لكلّ من الخال أو الخالة الثلث أيضاً كصورة التعدّد، و الثلثان لكلّ من العم و العمّة، بل عليه عامّة المتأخّرين، و في المسائل الناصرية الإجماع عليه (1)، و في السرائر أنّه مذهب المحصّلين (2)، و هو الحجة.

مضافاً إلى التعليل المتقدّم إليه الإشارة، و المعتبرة المستفيضة، ففي الصحيح إنّ في كتاب علي (عليه السلام): «رجل مات، و ترك عمّة و خالة، قال:

للعمة الثلثان و للخالة الثلث» (3) و إنّ فيه أيضاً: «إنّ العمّة بمنزلة الأب،

____________

(1) الناصرية (الجوامع الفقهية): 223.

(2) السرائر 3: 261.

(3) الكافي 7: 119/ 1، التهذيب 9: 324/ 1162، الوسائل 26: 186 أبواب ميراث الأعمام و الأخوال ب 2 ح 1، و فيها: العمّ و الخال، بدل العمّة و الخالة.

359

و الخالة بمنزلة الأُمّ، و بنت الأخ بمنزلة الأخ، و كلّ ذي رحم بمنزلة الرحم الذي يجرّ به، إلّا أن يكون وارث أقرب إلى الميت منه فيحجبه» و بمعنى ذيله الموثق و غيره (1).

و في الصحيح: رجل مات، و ترك عمّة و خالة، قال: «للعمّة الثلثان، و للخالة الثلث» (2).

و نحوه الخبر بل الصحيح كما قيل (3)-: رجل ترك عمّاً و خالًا، فأجاب: «الثلثان للعمّ، و الثلث للخال» (4).

خلافاً لصريح العماني و الكيدري و معين الدين المصري و ابن زهرة و ظاهر المفيد و الديلمي (5)، فقالوا: لكلّ من الخال أو الخالة السدس.

و حجتهم غير واضحة عدا إلحاق الأخوال و الأعمام بالكلالة.

و هو مع عدم دليل عليه من أصله كما عرفته اجتهاد صرف في مقابلة الأحاديث المعتبرة، المعتضدة بالشهرة العظيمة التي كادت تكون إجماعاً، بل لعلّها إجماع في الحقيقة، كما صرّح به في المسائل الناصرية (6). فقولهم ضعيف غايته، كقول العماني أيضاً بأنّ للعمّ أو العمّة

____________

(1) الوسائل 26: 186 أبواب ميراث الأعمام و الأخوال ب 2.

(2) انظر الوسائل 26: 187 أبواب ميراث الأعمام و الأخوال ب 2 ح 2، 3، 4، 5.

(3) قاله المجلسي في ملاذ الأخيار 15: 322.

(4) التهذيب 9: 327/ 1177، الوسائل 26: 189 أبواب ميراث الأعمام و الأخوال ب 2 ح 8.

(5) حكاه عن العماني و الكيدري و معين الدين في المختلف: 734، 735، ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 607، المفيد في المقنعة: 693، الديلمي في المراسم: 223.

(6) الناصريات (الجوامع الفقهية): 223.

360

النصف، و للخال أو الخالة السدس، و الباقي يردّ عليهما على قدر سهامهما (1).

و يزيد الحجة على هذا بأنّ الردّ إنّما هو مع التسمية و هؤلاء لا تسمية لهم.

و لو كان معهم أي مع الأعمام و الأخوال جميعاً زوج أو زوجة فل كل منه هما النصيب الأعلى من النصف أو الربع و لمن يتقرب منهم بالأُمّ أي الأخوال و إن اتحدوا و كانوا لُامّ، كما مرّ ثلث الأصل لا ثلث الباقي و الباقي و هو السدس على تقدير الزوج، و هو مع الربع على تقدير الزوجة لمن يتقرب منهم بالأب أي الأعمام.

و لو تفرق الفريقان المجتمعان مع أحدهما، أخذ كلّ منهما نصيبه الأعلى، و للأخوال الثلث، سدسه لمن تقرب منهم بالأُمّ مع الوحدة، و ثلثه لا معها، و الباقي من الثلث للأخوال من قبل الأبوين أو الأب عند عدمهم، و الباقي بعد نصيب أحد الزوجين و الأخوال للأعمام، سدسه للمتقرب بالأُمّ مع الوحدة، و ثلثه لا معها بالسوية، و الباقي للمتقرب منهم بالأبوين أو الأب عند عدمهم بالتفاضل.

و لو اجتمع أحدهما مع أحد الفريقين خاصّة، فله نصيبه الأعلى كذلك، و الباقي لأحد الفريقين و إن اتحدوا، و مع التعدّد و اتفاق الجهة كالأعمام من الأب خاصّة أو من الام كذلك أو الأخوال كذلك يقتسمون الباقي كما فصّل.

____________

(1) حكاه عنه في المختلف: 735.

361

و لو اختلف الجهة فإن كان الفريق المجامع لأحدهما الأعمام خاصّة فلمن تقرب منهم بالأُمّ سدس الأصل أو ثلثه، بلا خلاف على ما يظهر منهم، و به صرّح في المسالك و الروضة و غيرهما من كتب الجماعة (1). و إن كان الأخوال خاصّة فكذلك أيضاً، على الأظهر الأشهر بين الطائفة، بل نسبه الشهيدان في الدروس و المسالك (2) إلى ظاهر كلام الأصحاب مشعرين بدعوى الإجماع عليه.

خلافاً للمحكي في القواعد و التحرير و الدروس و المسالك عن بعض الأصحاب (3) فلمن تقرب منهم بالأُمّ سدس الباقي.

و للقواعد و فخر الدين (4)، فله سدس الثلث؛ لأنّ الثلث نصيب الخؤولة، فللمتقرّب منهم بالأُمّ سدسه مع اتحاده، و ثلثه مع تعدّده.

و يضعف: بأنّ الثلث إنّما يكون نصيبهم مع مجامعة الأعمام، و إلّا فجميع المال لهم، فإذا زاحمهم أحد الزوجين زاحم المتقرب منهم بالأب و بقيت حصة المتقرب بالأُمّ و هو السدس مع وحدته، و الثلث مع تعدّده خالية عن المعارض.

مع أنّ هذا القول بل و سابقه أيضاً لو صحا يجريان في اجتماع أحد الزوجين مع الأعمام خاصّة أيضاً، فيكون للمتقرب بالأُم منهم سدس الباقي خاصّة، أو ثلثه، أو سدس الثلثين، أو ثلثهما، مع أنّهم لا يقولون بذلك

____________

(1) المسالك 2: 332، الروضة 8: 160.

(2) الدروس 2: 374، المسالك 2: 331.

(3) القواعد 2: 175، التحرير 2: 166، الدروس 2: 373، المسالك 2: 332.

(4) القواعد 2: 175، إيضاح الفوائد 4: 231.

362

ثمّة.

و اعلم أنّ هذه المرتبة مشتملة على طبقات متعدّدة مترتّبة، فالأُولى:

أعمام الميت، و عمّاته، و أخواله، و خالاته، ثم أولادهم مع عدمهم، ثم أولاد الأولاد، و هكذا مرتّبين.

و الثانية: أعمام أب الميت و أُمّه، و عمّاتهما، و أخوالهما، و خالاتهما، ثم أولادهم فنازلًا مرتّبين، كما في سابقتها.

و الثالثة: أعمام الجدّ و الجدّة، و عمّاتهما، و أخوالهما، و خالاتهما، ثم أولادهم فنازلًا مرتّبين.

و الرابعة: أعمام أب الجدّ و أُمّه، و أب الجدّة و أُمّها، و عمّات كل منهم، و أخوال كل منهم، و خالاتهم، ثم أولادهم و إن نزلوا مرتّبين.

و على هذا، فإذا انتقل فرض الميت إلى الطبقة الثانية من طبقات الفريقين ف لو اجتمع عمّ الأب أب الميت و عمّته و خاله و خالته و عمّ الأُمّ أُمّ الميت و عمّتها و خالها و خالتها ورثوا جميعاً؛ لاستوائهم في الطبقة، و كان لمن يتقرب منهم بالأُمّ من العمّ و العمّة و الخال و الخالة الثلث بينهم بالسوية أرباعاً، و لمن يتقرب منهم بالأب الثلثان الباقيان ثلثاه لعمّه و عمّته بينهما أثلاثاً للذّكر مثل حظّ الأُنثيين و ثلثه الباقي لخاله و خالته بينهما نصفين بالسوية هذا على قول مشهور.

و قيل (1): بل يجعل لخال الامّ و خالتها ثلث الثلث بالسوية، و لعمّها

____________

(1) حكاه عن المحقق الطوسي في الإيضاح 4: 230.

363

و عمّتها ثلثاه كذلك، و أمّا الأعمام فكالمشهور.

و احتمل بعضهم (1) أن يكون للخؤولة الأربعة من الطرفين الثلث بينهم بالسوية، و فريضة الأعمام الثلثان، ثلثهما لعمّ الامّ و عمّتها بالسوية أيضاً؛ لتقربهما بالأُمّ، و ثلثاهما لعمّ الأب و عمته أثلاثاً، للذّكر مثل حظّ الأُنثيين.

و المسألة خالية من النصوص، فسلوك جادّة الاحتياط فيها بصُلح و نحوه مطلوب مع الإمكان، و إلّا فلا محيص عن المشهور.

و تصح المسألة عليه من مائة و ثمانية، كمسألة الأجداد الثمانية، إلّا أنّ الطريق هنا أنّ سهام أقرباء الأب ثمانية عشر توافق سهام أقرباء الأُمّ الأربعة بالنصف، فيضرب نصف أحدهما في الآخر، ثم المجتمع في أصل الفريضة، و هو ثلاثة، تبلغ مائة و ثمانية، و كذا على القول الأخير.

و أمّا على القول الثاني فتصح من أربعة و خمسين؛ لأنّ سهام أقرباء الأُمّ ستّة تداخل سهام أقرباء الأب الثمانية عشر، فيجتزى بالأكثر و يضرب في الثلاثة أصل الفريضة، تبلغ ذلك.

و هنا

[مسائل ثلاث:]

[الأُولى: عمومة الميت و عمّاته و خؤولته و خالاته و أولادهم و إن نزلوا أولى من عمومة أبيه و خئولته]

مسائل ثلاث: الأُولى: عمومة الميت و عمّاته و خئولته و خالاته و أولادهم و إن نزلوا أولى من عمومة أبيه و خئولته و عمومة امّه و خئولتها، و عمومتهما و خئولتهما و أولادهم و إن نزلوا أولى من عمومة الجدّ و الجدّة و خئولتهما، و هكذا.

و كذا أولاد كلّ بطن أقرب أولى من البطن الأبعد و الأصل فيه

____________

(1) انظر القواعد 2: 176.

364

بعد الوفاق الظاهر المحكي في كلام جمع (1) الأولوية المستفادة من آية إرث القرابة (2)، و الكلّيّة الناطقة بتنزيل كل ذي رحم منزلة الرحم الذي يجرّ به كما في النصوص المتقدّمة (3).

و منها مضافاً إلى خصوص بعض النصوص: «إذا اجتمع ولد العمّ و ولد العمّة، فلولد العمّ و إن كان أُنثى الثلثان، و لولد العمّة و إن كان ذكراً الثلث» (4) يظهر الوجه في أنّه يقوم أولاد العمومة و العمّات و الخؤولة و الخالات من كلّ طبقة مقام آبائهم و أُمّهاتهم في الإرث عند عدمهم، و يأخذ كل منهم نصيب من يتقرب به، واحداً كان أو أكثر فيأخذ ولد العمّ أو العمّة و إن كان أُنثى الثلثين، و ولد الخال أو الخالة و إن كان ذكراً الثلث، و ابن العمّة مع بنت العمّ الثلث كذلك، و يتساوى ابن الخال و ابن الخالة و بنتهما، و يأخذ أولاد العمّ أو العمّة للأُمّ السدس إن كان واحداً، و الثلث إن كان أكثر، و الباقي لأولاد العمّ للأبوين أو للأب مع عدمهم.

و كذا القول في أولاد الخؤولة المتفرقين، و لو اجتمعوا جميعاً فلأولاد الخال الواحد أو الخالة كذلك للُامّ سدس الثلث، و لأولاد الخالين أو الخالتين فصاعداً أو هما كذلك ثلث الثلث، و باقيه للمتقرب منهم بالأب.

و كذا القول في أولاد العمومة المتفرقين بالإضافة إلى الثلثين، و هكذا.

و يقتسم أولاد العمومة من الأبوين أو الأب عند عدمهم بالتفاوت،

____________

(1) منهم الشهيد الثاني في المسالك 2: 331، و السبزواري في الكفاية: 301، انظر المفاتيح 3: 301 302.

(2) الأنفال: 75، الأحزاب: 6.

(3) في ص: 341.

(4) انظر الفقيه 4: 219، و الكافي 7: 122.

365

للذّكر مثل حظّ الأُنثيين إذا كانوا إخوة مختلفين في الذكورية و الأُنوثية، و يقتسم أولاد العمومة من الأُمّ بالتساوي، و كذا أولاد الخؤولة مطلقاً، لأب كانوا أو لُامّ أو لهما.

[الثانية: من اجتمع له سببان موجبان للإرث، ورث بهما ما لم يمنع أحدهما الآخر]

الثانية: من اجتمع له سببان أي موجبان للإرث، و المراد بالسبب هنا المعنى الأعمّ من السبب بالمعنى السابق؛ لشموله النسب ورث بهما معاً ما لم يمنع أحدهما الآخر و لم يكن ثمّة من هو أقرب منه فيهما أو في أحدهما.

فالأوّل أي الذي يرث بالسببين اللذين لم يمنع أحدهما الآخر كابن عمّ لأب هو ابن خال لأُمّ أ و زوج هو ابن عمّ أ و عمّة لأب هي خالة لأُمّ و يتصور الأوّل فيما لو تزوّج أخ الشخص من أبيه بأُخته من امّه، فهذا الشخص بالنسبة إلى ولد هذين عمّ؛ لأنّه أخو أبيه من الأب، و خال؛ لأنّه أخو امّه من الامّ، و ولده ابن عمّ لأب و ابن خال لُامّ، و كلّ من الولد و الوالد يصلح للمثال، فيرث نصيب الخؤولة و العمومة، حيث لا مانع له منهما أو من أحدهما، فلو اجتمع معه عمّ للأبوين حجبه عن الإرث بنصيب العمومة، و كان له الثلث بنصيب الخؤلة.

و يتصور الثالث في رجل له ابن، تزوّج بامرأة لها بنت، ثم ولدت منه بنتا، و تزوّج ابن الرجل من غير هذه المرأة بنتها من غيره، فابنته منها عمّة و خالة لمن يتولد من ولديهما اللذين تزوّج أحدهما بالآخر.

و الثاني أي الذي أحد السببين فيه يحجب الآخر، فلا يرث بهما

366

معاً، بل بأحدهما هو كابن عمّ هو أخ لأُمّ و يتصور في رجل تزوّج بامرأة أخيه، و لأخيه منها ولد اسمه حسن، ثم ولد له منها ولد اسمه حسين، فحسن ابن عمّ لحسين و أخوه لُامّه، فإذا توفّي ورثه حسين من جهة كونه أخاً، لا من جهة كونه ابن عمّ، لأنّ الأخ حاجب لابن العم.

و لا خلاف في شيء من ذلك، و لا في أنّه لا يمنع ذو السبب المتعدّد من هو في طبقته من ذي السبب الواحد من حيث توهّم قوّة السبب بتعدّده؛ لأنّ مدار الحجب إنّما هو على الاختلاف في القرب و البعد بحسب البطون، لا علىٰ وحدة القرابة و تعدّدها، فيأخذ ذو القرابتين مع عدم المانع من جهتي استحقاق النصيبين، و يأخذ ذو القرابة الواحدة من جهتها نصيب واحد.

و لا يعترض بتقديم المتقرب بالأبوين على المتقرب بالأب و حجبه إيّاه، فإنّ ذلك جارٍ على خلاف الأصل، و من ثم شاركه المتقرب بالأُمّ.

[الثالثة: حكم أولاد العمومة و أولاد الخؤلة مع الزوج و الزوجة حكم آبائهم]

الثالثة: لا ريب و لا خلاف في أنّ حكم أولاد العمومة و أولاد الخؤلة مع مجامعتهم الزوج و الزوجة حكم آبائهم و أُمّهاتهم في أنّه يأخذ من يتقرب بالأُمّ منهم نصيبها، و هو ثلث الأصل و يأخذ كلّ من الزوج و الزوجة نصيبه الأعلى منه من النصف أو الربع و يكون ما بقي عن أنصبائهم لمن يتقرب منهم بالأب و يقتسم كلّ منهم اقتسامهم حال انفرادهم عن الزوجين بنحو ما سبق تفصيله.

367

[المقصد الثاني: في ميراث الأزواج]

المقصد الثاني:

في بيان ميراث الأزواج اعلم أنّ الزوجين يدخلان على جميع الطبقات، و لا يحجبهما حجب حرمان أحد؛ لعموم الآية (1)، و المعتبرة المستفيضة (2)، بل المتواترة، و خصوص المعتبرة، منها القريب من الصحيح: «إنّ اللّٰه تعالى أدخل الزوج و الزوجة على جميع أهل المواريث، فلم ينقصهما من الربع و الثمن» (3) و الإجماع، بل الضرورة.

و قد مرّ أنّ للزوج مع عدم الولد الغير الممنوع من الإرث و إن نزل النصف، و للزوجة مع عدمه كذلك الربع، و أنّ لكلّ واحد منهما مع وجوده و إن نزل نصف النصيب من الربع أو الثمن، و يكون الباقي لباقي الورثة من أرباب الطبقات الثلاث، كائناً من كانوا و لو معتقين أو ضمناء جريرة.

و لو لم يكن منهم وارث سوى الزوج ردّ عليه الفاضل من نصيبه الأعلى، على الأشهر الأقوى، بل ظاهر العبارة و نحوها و التنقيح (4) عدم الخلاف فيه، و في صريح كلام الشيخين في كتاب الإعلام و الإيجاز و الاستبصار و السيدين في الغنية و الانتصار و الحلي في السرائر (5) الإجماع

____________

(1) النساء: 12.

(2) الوسائل 26: 195 أبواب ميراث الأزواج ب 1.

(3) الكافي 7: 82/ 4، الوسائل 26: 195 أبواب ميراث الأزواج ب 1 ح 2.

(4) التنقيح 4: 189.

(5) الإعلام (مصنفات الشيخ المفيد 9): 55، الإيجاز (الرسائل العشر): 271، الاستبصار 4: 149، الغنية (الجوامع الفقهية): 608، الانتصار: 300، السرائر 3: 284.

368

عليه، و هو الحجة.

مضافاً إلى المعتبرة المستفيضة الصريحة، ففي الصحيح: كنت عند أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فدعا بالجامعة، فنظر فيها، فإذاً فيها: «امرأة ماتت، و تركت زوجها، لا وارث لها غيره، المال له كلّه» (1).

و فيه: امرأة توفّيت، و لم يعلم لها أحد، و لها زوج، قال: «الميراث لزوجها» (2).

و في الموثق: امرأة تركت زوجها، قال: «المال كلّه له إذا لم يكن لها وارث غيره» (3).

و فيه: قرأ عليَّ أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) فرائض علي (عليه السلام)، فإذاً فيها: «الزوج يحوز المال إذا لم يكن غيره» (4) و نحوها غيرها (5).

خلافاً للمحكي عن ظاهر الديلمي (6)، فلا يردّ عليه، بل هو للإمام (عليه السلام)؛ لظاهر الآية، المؤيّد بالأصل؛ لأنّ الردّ إنّما يستفاد من آية اولي الأرحام (7)، و الرحم منتفٍ عن الزوج من حيث هو زوج.

____________

(1) الكافي 7: 125/ 2، التهذيب 9: 294/ 1053، الإستبصار 4: 149/ 561، الوسائل 26: 197 أبواب ميراث الأزواج ب 3 ح 3.

(2) الكافي 7: 125/ 1، التهذيب 9: 294/ 1051، الإستبصار 4: 149/ 559، الوسائل 26: 197 أبواب ميراث الأزواج ب 3 ح 1.

(3) التهذيب 9: 294/ 1050، الإستبصار 4: 148/ 558، الوسائل 26: 198 أبواب ميراث الأزواج ب 3 ح 7.

(4) التهذيب 9: 294/ 1052، الإستبصار 4: 149/ 560، الوسائل 26: 197 أبواب ميراث الأزواج ب 3 ح 2.

(5) الوسائل 26: 197 أبواب ميراث الأزواج ب 3.

(6) المراسم: 222.

(7) الأنفال: 75، الأحزاب: 6.

369

و للموثق: «لا يكون ردّ على زوج و لا زوجة» (1).

و هو شاذّ، و مستنده ضعيف؛ لوجوب الخروج عن الأصل بما مر، و عدم مقاومة الموثق له من وجوه، مع احتماله الحمل على التقية، بل حمله عليها بعض الأجلّة، قال: لموافقتها لمذاهب العامة (2). و بكون ذلك مذهبهم كافّة صرّح في الانتصار (3)، فلا ريب في المسألة بحمد اللّٰه سبحانه.

و في ردّ الفاضل عن نصيب الزوجة عليها إذا لم يكن بعد الإمام (عليه السلام) وارث سواها قولان بل أقوال: أحدهما: أنّه لا ردّ عليها، بل لها الربع خاصّة و الباقي للإمام (عليه السلام) مطلقاً؛ للأصل المتقدّم إليه الإشارة، و المعتبرة المستفيضة، منها الصحيح: كتب محمّد بن حمزة العلوي إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام):

مولى لك أوصى إليّ بمائة درهم، و كنت أسمعه يقول: كلّ شيء لي فهو لمولاي، فمات و تركها، و لم يأمر فيها بشيء و له امرأتان إلى أن قال-: فكتب (عليه السلام): «انظر أن تدفع هذه الدراهم إلى زوجتي الرجل، و حقهما من ذلك الثمن إن كان له ولد، و إن لم يكن له ولد فالربع، و تصدّق بالباقي على من تعرف أنّ له إليه حاجة إن شاء اللّٰه» (4).

و لا قصور فيه بالمكاتبة كما قرّر في محلّه، و لا في الدلالة من حيث

____________

(1) التهذيب 9: 296/ 1061، الإستبصار 4: 149/ 563، الوسائل 26: 199 أبواب ميراث الأزواج ب 3 ح 8.

(2) المفاتيح 3: 304.

(3) الانتصار: 300.

(4) الكافي 7: 126/ 4، التهذيب 9: 296/ 1059، الإستبصار 4: 15/ 566، الوسائل 26: 201 أبواب ميراث الأزواج ب 4 ح 1.

370

توهّم كون المائة له (عليه السلام) بالإقرار لا بالإرث؛ لأنّ كون السهم المذكور حقّا للزوجتين على التفصيل الذي يقتضيه الإرث يدل دلالة ظاهرة على أنّه بطريق الإرث.

مع أنّ الإقرار يختلف حاله في الصحة و المرض، فيقبل في الأوّل مطلقاً، و في الثاني في بعض الصور كذلك، و في الباقي يمضى عليه من الثلث لا مطلقاً، فترك الاستفصال عن أحوال المقرّ و صور إقراره و الجواب بالتصدّق بعد إخراج الربع بقول مطلق كالصريح في أنّ ذلك بالإرث.

و احتمال علمه (عليه السلام) بحقيقة حال المقرّ و إقراره بحيث يناسب كونه بالإقرار غير مذكور في الخبر فيدفع بالأصل.

و منها الموثقات، في أحدها: قرأ عليَّ أبو جعفر (عليه السلام) في الفرائض:

«امرأة توفّيت، و تركت زوجها، قال: المال للزوج، و رجل توفّي، و ترك امرأته، قال: للمرأة الربع، و ما بقي فللإمام (عليه السلام)» (1). و في الثاني: توفّي رجل و ترك امرأته، قال: «للمرأة الربع، و ما بقي فللإمام (عليه السلام)» (2). و في الثالث: «أعط المرأة الربع، و احمل الباقي إلينا» (3) و نحوها غيرها (4).

و أكثر هذه الأخبار و إن كان يتوهّم منها الاختصاص بحال حضور الإمام (عليه السلام) من حيث وقوع التعبير فيها عن الموت في الأسئلة بلفظ الماضي

____________

(1) الكافي 7: 126/ 2، الوسائل 26: 202 أبواب ميراث الأزواج ب 4 ح 3.

(2) الكافي 7: 126/ 3، الوسائل 26: 202 أبواب ميراث الأزواج ب 4 ح 4.

(3) الكافي 7: 126/ 1، التهذيب 9: 295/ 1058، الإستبصار 4: 150/ 565، الوسائل 26: 202 أبواب ميراث الأزواج ب 4 ح 2.

(4) الوسائل 26: 201 أبواب ميراث الأزواج ب 4.

371

الظاهر في وقوعه حال السؤال المصاحب لحضور الإمام (عليه السلام)، لكن الموثقة الأُولى ظاهرة في العموم لحالتي الحضور و الغيبة؛ لحكايتها الحكم المذكور عن صحيفة الفرائض التي تضمّنت الأحكام على سبيل القاعدة و الكلّيّة، هذا.

مع أنّ الظاهر من الأسئلة و إن تضمّنت لفظ الماضي السؤال عن الحكم بعنوان الكلّيّة في الرجل المتوفّى المخلّف للزوجة خاصّة، من دون قصد إلى صورة خاصّة تضمّنتها الأسئلة، بل ربما لم تكن واقعة حينها.

و ربما يومئ إلى ظهور ما ذكرنا فهم الأصحاب أوّلًا، حيث استدلوا بهذه الأخبار لعدم الردّ مطلقاً.

و ثانياً: قولهم (عليه السلام) في أكثرها بعد الأمر بإعطاء الربع: «و الباقي للإمام (عليه السلام)» و لو كان موردها صورة الحضور خاصّة لكان المناسب أن يقولوا: و الباقي يبعث إليّ، أو: هو لي، أو ما شاكل ذلك كما وقع التعبير به في الموثق الثالث، فالعدول عنه إلى قول: إنّ الباقي للإمام، بقول مطلق ظاهر في العموم.

و ثالثاً: وقوع التعبير بلفظ الماضي في مواضع لا يختص الحكم فيها بحال الحضور قطعاً، مثل ما ورد في صحيفة الفرائض و غيرها.

و القول الآخر: إنّه يردّ عليها الفاضل مطلقاً كالزوج للمعتبرين (1)، أحدهما الصحيح: «رجل مات، و ترك امرأته، قال: «المال

____________

(1) أحدهما في: الفقيه 4: 192/ 667، الوسائل 26: 203 أبواب ميراث الأزواج ب 4 ح 6. و الآخر في: التهذيب 9: 295/ 1056، الإستبصار 4: 150/ 568، الوسائل 26: 204 أبواب ميراث الأزواج ب 4 ح 9.

372

لها» فقال: امرأة ماتت، و تركت زوجها، قال: «المال له». و هذا القول شاذّ، مخالف للأصل، و النصوص المستفيضة المتقدّمة التي لا يعارضها المعتبران من وجوه عديدة، و مع ذلك القائل به غير معروف، عدا المفيد فيما يحكى عن ظاهره في المقنعة (1) في عبارة محتملة لكون ذلك حكم الزوج خاصّة، و مع ذلك ذكر الحلّي (2) أنّه رجع عنه في كتاب الإعلام.

و كيف كان فالمصير إلى هذا القول ضعيف غايته، و إن صحّ مستنده؛ لمعارضته بأجود منه ممّا مرّ، فليحمل على ما يأتي، أو على ما إذا كانت الزوجة قريبة للزوج، فترث الباقي بالقرابة، كما ذكره الشيخ في الكتابين (3)، مستشهداً عليه بالصحيح: عن رجل مات، و ترك امرأة قرابة، ليس له قرابة غيرها؟ قال: «يدفع المال كله إليها» (4).

و فيه نظر، و مع ذلك فهو أظهر من الجمع الذي سيذكر.

و قال ثالث و هو الصدوق (5): بالردّ عليها مع عدم ظهور الإمام (عليه السلام) و غيبته، و بعدمه مع حضوره، و تبعه جماعة من المتأخّرين (6)؛ جمعاً بين الأخبار بحمل ما دل منها على الردّ على حال

____________

(1) المقنعة: 691.

(2) السرائر 3: 244.

(3) التهذيب 9: 295، الاستبصار 4: 151.

(4) التهذيب 9: 295/ 1057، الإستبصار 4: 151/ 569، الوسائل 26: 205 أبواب ميراث الأزواج ب 5 ح 1.

(5) الفقيه 4: 192.

(6) منهم ابن سعيد في الجامع: 502، و العلّامة في التحرير 2: 168، و الإرشاد 2: 125، و الشهيد في اللمعة (الروضة البهية 8): 81.

373

الغيبة، و ما دل منها على عدمه على حال الحضور.

و لا شاهد عليه أصلًا، و لا موجب له جدّاً، سوى الحذر عن إهمال الحديث الصحيح لو لم يرتكب هذا الجمع، و لا وجه له بعد إمكان الجمع بغيره ممّا مرّ، بل جعله الشيخ أولى في التهذيب (1).

و منه يظهر ما في نسبة هذا القول إليه فيه (2)، بل و لو لم يجعله أولى كما في الاستبصار (3) لم تمكن النسبة أيضاً؛ لترديد الجمع بين الاحتمالين، مع عدم تصريحه بترجيح الجمع الذي يوافق هذا القول، مع أنّ احتمالاته في مقام الجمع في الكتابين و إن لم يقع فيها ترديد لم يمكن نسبة القول بها إليه فيهما، كما مضى التنبيه عليه مراراً، هذا.

و ربما يضعّف هذا الجمع بأنّ تخصيص ما دل على الردّ بحال الغيبة بعيد جدّاً؛ لأنّ السؤال فيه للباقر (عليه السلام) وقع من رجل مات بصيغة الماضي، و أمرهم ((عليهم السلام)) حينئذٍ ظاهر، و الدفع إليهم ممكن، فحمله على حال الغيبة المتأخرة عن زمن السؤال عن ميت بالفعل بأزيد من مائة و خمسين سنة أبعد كما قال ابن إدريس (4) ممّا بين المشرق و المغرب.

و فيه نظر، يظهر وجهه أوّلًا مما مرّ.

و ثانياً: أنّه على تقدير تسليمه إنّما يجري في الصحيح الذي مرّ حيث وقع التعبير فيه بلفظ الماضي، و ليس يجري في المعتبر الآخر القريب منه سنداً بابن أبي عمير عن أبان بن عثمان؛ لوقوع التعبير فيه بلفظ المضارع

____________

(1) التهذيب 9: 295.

(2) نسبه إليه في المسالك 2: 317.

(3) الإستبصار 4: 150، 151.

(4) السرائر 3: 243.

374

المحتملة لحصول المبدأ في حال الغيبة، و لم يستفصل عنه و عن حصوله في حال الحضور، فيعمّ الجواب بالردّ عليها لهما، و أوّل من جمع بهذا الجمع هو الصدوق في الفقيه، و هو لم يرد فيه إلّا هذا الخبر، دون الصحيح الذي مرّ، و بمقتضى ما ذكره المضعّف لهذا الجمع من مراعاة مدلول صيغتي الماضي و المضارع يقوّى هذا الجمع، و يتوجّه من الصدوق، حيث إنّه ذكر ممّا دل على عدم الردّ ما وقع التعبير فيه بلفظ الماضي، و ما دل على الردّ بلفظ المضارع.

نعم لا يتوجه من الشيخ الذي هو مورد اعتراض الحلي؛ حيث اقتصر على ذكر الصحيح المتقدم.

و بالجملة الأجود في ردّ هذا الجمع ما قدمناه من عدم شاهد عليه، و الترجيح لجانب ما دل على عدم الردّ؛ لموافقته الأصل، و العمومات، و التعدّد بحدّ الاستفاضة، و غير ذلك ممّا سيأتي إليه الإشارة.

و ممّا ذكرنا ظهر أنّ الأوّل من هذه الأقوال أظهر مع أنّه أشهر، كما في عبائر جمع (1)، بل يستفاد من الانتصار عدم الخلاف فيه، فإنّه قال: و أمّا الزوجة فقد وردت رواية شاذّة بأنّها ترث المال كله إذا انفردت كالزوج، و لكن لا معول عليها، و لا تعمل الطائفة بها (2). و قريب منه كلام الحلي، حيث قال مشيراً إلى المختار: إنّه لا خلاف فيه [من (3)] محصّل متأمّل، إلّا رواية شاذّة لا يلتفت إليها (4).

____________

(1) منهم الفاضل المقداد في التنقيح الرائع 4: 189، و السبزواري في الكفاية: 304، و الفيض الكاشاني في المفاتيح 3: 304.

(2) الانتصار: 301.

(3) في النسخ: بين، و ما أثبتناه من المصدر.

(4) السرائر 3: 242.

375

و هذه الأُمور من الشهرة المحكية، بل المحققة، و العبارات المعربة عن عدم الخلاف بين الطائفة معاضدات أُخر قويّة للأدلّة المتقدمة، فلا ريب أيضاً في هذه المسألة بحمد اللّٰه سبحانه.

و إذا كنّ أي الزوجات، و إنّما جمع الضمير نظراً إلى معنى الخبر، و هو أكثر من واحدة فهنّ مشتركات في الربع مع عدم الولد أو الثمن معه اتفاقاً، فتوًى و نصّاً، و منه الصحيح المتقدم في البحث السابق (1)، و نحوه الصحيح الآتي في المسألة الاولى من المسألتين (2).

و الخبر المنجبر قصوره بالعمل: «لا يزاد الزوج على النصف، و لا ينقص من الربع، و لا تزاد المرأة على الربع، و لا تنقص من الثمن، و إن كنّ أربعاً أو دون ذلك فهنّ فيه سواء» إلى أن قال الفضل الراوي له: و هذا حديث صحيح على موافقة الكتاب (3).

و ذكر الأربع فيه وارد على الغالب و المقرر بحسب أصل الشرع، و إلّا فلو فرض زيادتهنّ عليه اقتسمن أحد النصيبين بينهنّ أيضاً بالسوية، بلا خلاف، و به صرّح الحلي (4)، كما تقدمت إليه الإشارة، و ربما اقتضته إطلاق العبارة و ما ضاهاها من عبائر الجماعة.

و اعلم أنّ المعروف من مذهب الأصحاب أنّ مجرّد العقد مع عدم الدخول كافٍ في ثبوت التوارث بين الزوجين، ف ترث الزوجة زوجها و إن لم يدخل بها الزوج، و كذا الزوج يرثها و إن لم يدخل بها.

____________

(1) راجع ص: 365.

(2) يأتي في ص: 385.

(3) الفقيه 4: 188/ 657، التهذيب 9: 249/ 964، الوسائل 26: 196 أبواب ميراث الأزواج ب 2 ح 1.

(4) السرائر 3: 230.

376

و الأصل فيه بعد الإجماع، و عموم الكتاب و السنّة خصوص النصوص المستفيضة، و فيها الصحاح و غيرها من المعتبرة، منها: في امرأة توفّيت قبل أن يدخل بها، قال: «فلها نصف المهر، و هو يرثها» و في رجل توفّي قبل أن يدخل بامرأته، قال: «إن كان فرض لها مهراً فلها نصفه، و هي ترثه» (1).

و منها: في الرجل يموت و تحته امرأة لم يدخل بها، قال: «لها نصف المهر، و لها الميراث كاملًا» (2) إلى غير ذلك من النصوص المتقدمة في كتاب النكاح في بحث المهور.

و يستثنى منه عند الأصحاب ما لو تزوّج المريض و مات في مرضه قبل الدخول بها، فإنّها لا ترثه، كما يأتي.

و (3) يتوارثان ما دامت المرأة في حبال الزوج و لو بعد الطلاق إذا كانت في العدّة الرجعية خاصّة دون البائنة، فلا توارث بينهما فيها، و لا بعد العدّة مطلقاً، إجماعاً في المقامين، و للنصوص المستفيضة التي كادت تكون متواترة فيهما، تقدم في باب كراهة طلاق المريض إلى جملة منها الإشارة.

نعم يستثني عند الأصحاب من عدم التوارث في العدّة البائنة صورة واحدة، أشار إليها بقوله: لكن لو طلّقها حال كونه مريضاً ورثت منه هي خاصّة و إن كان الطلاق بائناً ما لم تخرج السنة من ابتداء الطلاق

____________

(1) الكافي 6: 119/ 6، التهذيب 8: 147/ 510، الإستبصار 3: 341/ 1220، الوسائل 21: 328 أبواب المهور ب 58 ح 8.

(2) الكافي 6: 118/ 1، التهذيب 8: 144/ 499، الإستبصار 3: 339/ 1207، الوسائل 21: 326 أبواب المهور ب 58 ح 1.

(3) في المطبوع من المختصر (271) زيادة: كذا.

377

إلى حين موت الزوج و لم يبرأ الزوج من مرضه الذي طلّقها فيه و لم تتزوّج هي، و قد مضى الكلام مستوفى في كتاب الطلاق في الباب المتقدم إليه الإشارة، في هذه المسألة.

و في أنّه لا ترث المطلّقة بالطلاق البائن إلّا هنا أي في هذه الصورة المستثناة.

و يرث الزوج من جميع ما تركته المرأة التي توفّيت و هي في حبالته مطلقاً، ذا ولد كان منها أم لا، بإجماع المسلمين كافّة كما في الإيضاح و التنقيح (1)؛ للعمومات من الكتاب و السنة، مع اختصاص الأدلّة المخصّصة لها من النصوص المستفيضة، بل المتواترة، و الإجماعات المنقول حدّ الاستفاضة بالزوجة؛ مضافاً إلى خصوص بعض النصوص الآتية.

و كذا المرأة ترث الزوج من جميع ما تركه عدا العقار فلا ترث منه عيناً، إجماعاً، و خلاف الإسكافي (2) بإرثها منه أيضاً شاذّ، مسبوق بالإجماع و ملحوق به، كما في نكت الإرشاد و شرح الشرائع للصيمري و غيرهما (3)، و في صريح الانتصار و السرائر و المسالك و غيرها من كتب الجماعة و ظاهر الغنية (4) أنّ الحكم بذلك من متفرّدات الإمامية.

و أمّا الصحيح: عن الرجل، هل يرث من دار امرأته أو أرضها من التربة شيئاً، أو يكون ذلك بمنزلة المرأة؟ فقال: «يرثها، و ترثه من كل شيء

____________

(1) الإيضاح 4: 240، التنقيح 4: 190.

(2) حكاه عنه في المختلف: 736.

(3) غاية المراد 3: 583، غاية المرام 4: 183، المهذب البارع 4: 399.

(4) الانتصار: 301، السرائر 3: 258، المسالك 2: 333؛ و انظر الغنية (الجوامع الفقهية): 607، و الكفاية: 302.

378

ترك، و تركت» (1).

فحمله على التقية متعيّن؛ لموافقته العامّة، كما صرّح به جماعة (2)، و يظهر من جملة من الروايات الآتية، و هو أولى من تخصيص العموم في جانب الزوجة بما عدا الأراضي؛ لمنافاته لسياق الرواية، و كذا من تخصيص الزوجة بذات الولد من الزوج؛ لعدم الشاهد عليه من إجماع أو رواية معتبرة، و إن اشتهر بين المتأخّرين كما سيأتي إليه الإشارة.

و لا قيمةً أيضاً، على الأشهر الأقوى، خلافاً للمرتضى (3). و هو ضعيف جدّاً، كما سيأتي بيانه مفصّلًا إن شاء اللّٰه تعالى.

و بالجملة لا شبهة في أنّها لا ترث من العقار شيئاً.

و ترث من قيمة الآلات أي آلات البناء من الأخشاب و الأبواب و الأبنية من الأحجار و الطوب (4) و غيرها، دون عينها، بلا خلاف فيهما ممّن عدا الإسكافي (5).

و خلافه في إرثها من عينها أيضاً كخلافه السابق شاذّ، لا يلتفت إليه؛ لاستفاضة النصوص قبل الإجماع بل تواترها على ردّه في المقامين، ففي الصحيح: «لا يرثن النساء من العقار شيئاً، و لهنّ قيمة البناء و الشجر و النخل» يعني بالبناء: الدور، و إنّما عنى من النساء: الزوجة (6).

____________

(1) الفقيه 4: 252/ 812، التهذيب 9: 300/ 1075، الإستبصار 4: 154/ 581، الوسائل 26: 212 أبواب ميراث الأزواج ب 7 ح 1.

(2) منهم فخر المحققين في إيضاح الفوائد 4: 242، و الفيض الكاشاني في المفاتيح 3: 329، و المجلسيان في روضة المتقين 11: 411، و ملاذ الأخيار 15: 282.

(3) الانتصار: 301.

(4) الطوب: الآجر. المصباح المنير: 380، مجمع البحرين 2: 111.

(5) حكاه عنه في المختلف: 736.

(6) الفقيه 4: 252/ 809، الوسائل 26: 211 أبواب ميراث الأزواج ب 6 ح 16.

379

و فيه: «لا ترث النساء من عقار الدور شيئاً، و لكن يقوّم البناء و الطوب، و تعطى ثُمنها أو ربعها» (1).

و في الخبر: «لا ترث النساء من عقار الأرض شيئاً» (2).

و في آخر: «المرأة ترث الطوب و لا ترث من الرباع شيئاً» (3) الحديث.

و المراد بإرثها من الطوب إرثها من قيمته لا من عينه، كما في الأخبار المفصّلة، منها زيادة على ما مرّ الخبر: «إنّما جعل للمرأة قيمة الخشب و الطوب لئلا يتزوّجن فيدخل عليهم من يفسد مواريثهم» (4).

و في آخر: «إنّ النساء لا يرثن من رباع الأرض شيئاً، و لكن لهنّ قيمة الطوب و الخشب» قال: قلت: إنّ الناس لا يأخذون بهذا، فقال: «إذا ولينا ضربناهم بالسوط، فإن انتهوا، و إلّا ضربناهم بالسيف» (5).

و في ثالث: «ليس للنساء من الدور و العقار شيء» (6) إلى غير ذلك من النصوص الآتية.

و اعلم أنّه قد اختلف الأصحاب فيما يحرم منه الزوجة، فمنهم من اقتصر على ما في العبارة من العقار خاصّة، كالمفيد و الحلي (7)؛ اقتصاراً في

____________

(1) الكافي 7: 129/ 6، الوسائل 26: 208 أبواب ميراث الأزواج ب 6 ح 7.

(2) الكافي 7: 128/ 4، الوسائل 26: 208 أبواب ميراث الأزواج ب 6 ح 6.

(3) الكافي 7: 128/ 5، قرب الاسناد: 56/ 182، الوسائل 26: 206 أبواب ميراث الأزواج ب 6 ح 2.

(4) الكافي 7: 129/ 7، التهذيب 9: 298/ 1068، الإستبصار 4: 152/ 574، الوسائل 26: 209 أبواب ميراث الأزواج ب 6 ح 9.

(5) الكافي 7: 129/ 10، التهذيب 9: 299/ 1069، الإستبصار 4: 152/ 575، الوسائل 26: 210 أبواب ميراث الأزواج ب 6 ح 11.

(6) الكافي 7: 129/ 9، التهذيب 9: 299/ 1070، الإستبصار 4: 152/ 576، الوسائل 26: 209 أبواب ميراث الأزواج ب 6 ح 10.

(7) المقنعة: 687، السرائر 3: 258.

380

تخصيص العمومات القطعية على القدر المتيقن المجمع عليه المصرّح به في النصوص المذكورة.

و منهم من طرد الحكم في أرض المزارع و القرى و غيرها، و بالجملة نفس الأرض مطلقاً، سواء كانت بياضاً أم مشغولة بزرع و شجر و بناء و غيرها، كالنهاية و القاضي و الحلبي و ابن حمزة (1)، بل ادّعى عليه الشهرة جماعة، كالفاضل في التحرير و القواعد و ولده في الشرح و الشهيدين في النكت و المسالك و المفلح الصيمري في شرح الشرائع و المقدس الأردبيلي(رحمه الله) و صاحبي المفاتيح و الكفاية (2)، و بالجملة أكثر من وقفت على كلماتهم في المسألة، و مع ذلك اختاروه إلّا نادراً منهم، و هو أيضاً مذهب الماتن في الشرائع و الفاضل في المختلف و الإرشاد و الشهيد في الدروس و اللمعة (3)، و في الخلاف الإجماع عليه (4).

و هو الأظهر؛ للنصوص المستفيضة المصرّحة بذلك، ففي الصحيح:

«إنّ المرأة لا ترث من تركة زوجها من تربة دار أو أرض، إلّا أن يقوّم الطوب و الخشب قيمة، فتعطى ربعها أو ثُمنها» (5).

____________

(1) النهاية: 642، القاضي في المهذّب 2: 140، الحلبي في الكافي في الفقه: 374، ابن حمزة في الوسيلة: 391.

(2) التحرير 2: 168، القواعد 2: 178، الإيضاح 4: 240، غاية المراد 3: 587، و المسالك 2: 333، غاية المرام 4: 183، و الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان 11: 450، المفاتيح 3: 329، الكفاية: 302.

(3) الشرائع 4: 34، المختلف: 736، الإرشاد 2: 125، الدروس 2: 358، اللمعة (الروضة البهية 8): 172.

(4) الخلاف 4: 116.

(5) الكافي 7: 128/ 3، التهذيب 9: 297/ 1064، الإستبصار 4: 151/ 570، الوسائل 26: 207 أبواب ميراث الأزواج ب 6 ح 5.

381

و فيه: «لا ترث ممّا ترك زوجها من القرى و الدور و السلاح و الدوابّ شيئاً، و ترث من المال و الفرش و الثياب و متاع البيت مما ترك، و تقوّم النقض و الأبواب و الجذوع و القصب، فتعطى حقّها منه» (1).

و نحوه الموثق: «لا ترث من تركة زوجها من القرى و الدور و السلاح و الدوابّ شيئاً، و ترث من المال و الرقيق و الثياب و متاع البيت مما ترك، و يقوّم النقض و الجذوع و القصب، فتعطى حقّها» (2).

و في القريب منه سنداً: «لهنّ قيمة الطوب و البناء و القصب و الخشب، فأمّا الأرض و العقارات فلا ميراث لهنّ فيه» قال: قلت: فالثياب؟ قال:

«لهنّ» (3) و نحوه الخبر (4).

و في آخر: «لا يرثن من الأرض و العقارات شيئاً» (5).

و في ثالث: «لا يرثن من الدور و الضياع شيئاً، إلّا أن يكون أحدث بناءً، فيرثن ذلك البناء» (6) و المراد بإرثهنّ منه إرثهنّ من القيمة، بدلالة الأخبار المفصّلة.

____________

(1) الكافي 7: 127/ 2، التهذيب 9: 298/ 1065، الإستبصار 4: 151/ 571، الوسائل 26: 205 أبواب ميراث الأزواج ب 6 ح 1.

(2) الفقيه 4: 252/ 811، التهذيب 9: 299/ 1072، الإستبصار 4: 153/ 578، الوسائل 26: 210 أبواب ميراث الأزواج ب 6 ح 12.

(3) الكافي 7: 130/ 11، التهذيب 9: 299/ 1071، الإستبصار 4: 152/ 577، الوسائل 26: 206 أبواب ميراث الأزواج ب 6 ح 3.

(4) الكافي 7: 129/ 10، التهذيب 9: 299/ 1069، الإستبصار 4: 152/ 575، الوسائل 26: 210 أبواب ميراث الأزواج ب 6 ح 11.

(5) الكافي 7: 127/ 1، التهذيب 9: 298/ 1066، الإستبصار 4: 152/ 572، الوسائل 26: 207 أبواب ميراث الأزواج ب 6 ح 4.

(6) التهذيب 9: 300/ 1073، الإستبصار 4: 153/ 579، الوسائل 26: 210 أبواب ميراث الأزواج ب 6 ح 13.

382

و في رابع: إنّ بكيراً حدثني عن أبي جعفر (عليه السلام): «أنّ النساء (لا يرثن) (1) ممّا ترك زوجها من تربة دار و لا أرض، إلّا أن يقوّم البناء و الجذوع و الخشب، فتعطى نصيبها من قيمة البناء، و أمّا التربة فلا تعطى شيئاً من أرض و لا تربة» قال زرارة: هذا لا شك فيه (2).

و هذه الأخبار مع اعتبار سند جملة منها بالصحة و الموثقية، و انجبار باقيها بالشهرة العظيمة المحققة جدّاً و المحكية ظاهرة الدلالة على المختار.

و لا يقدح في حجية بعضها تضمّنه لما لا يقول به أحد من السلاح و الدوابّ؛ لأنّ طرح بعض الخبر لمعارض أقوى لا يوجب طرح ما لا معارض فيه، كما مرّ مراراً.

و ربما يؤوّل ذلك بأنّهما من الحبوة، أو موصى به، أو صدقة، أو نحوها ممّا لا ترث الزوجة و لا غيرها معه.

نعم ذلك نقص في مقام التعارض إذا كان المعارض موجوداً، و لا وجود له هنا سوى العمومات المتفق على تخصيصها و لو في الجملة كثيراً، و هو نقص أيضاً، فيتساوى النقصان، و الخاص مقدّم.

و أمّا الأخبار السابقة فلا معارضة فيها لهذه الأخبار بوجه؛ إذ غايتها إثبات الحرمان في العقارات، و لا تنافي بينه و بين إثباته من جملة الأراضي و لو كانت غيرها من هذه الأخبار بوجه أصلًا.

فلا وجه مع ذلك للقول الأوّل إلّا مراعاة تقليل التخصيص و الاقتصار

____________

(1) في المصادر: لا ترث امرأة.

(2) التهذيب 9: 301/ 1077، الإستبصار 4: 153/ 580، الوسائل 26: 211 أبواب ميراث الأزواج ب 6 ح 15.

383

فيه على المتيقن منه، و ليس بوجه؛ لوجوب الالتزام به و لو كثر بعد قيام الدليل عليه، و قد قام، كما ظهر لك في المقام.

و الاقتصار على المتيقن غير لازم، بل يكفي المظنون بعد حصول الظن به من الأخبار المزبورة، و منع حصوله منها أو عدم حجية مثلها بناءً إمّا على عدم حجية أخبار الآحاد، أو عدم قابليتها لتخصيص نحو عمومات الكتاب ضعيف، على الأشهر الأقوى، كما حقق في محله مستقصى.

و أمّا ما في شرح الإرشاد للمقدس الأردبيلي(رحمه الله) و الكفاية (1) من المناقشات في جملة الأخبار الواردة في المسألة، و تأويلها بتأويلات بعيدة و تمحّلات غير سديدة فممّا لا ينبغي الالتفات إليه و العروج في مقام التحقيق عليه، و كفاه فساداً مخالفته لفهم الأصحاب كافّة، مع عدم تعرض أحد منهم لشيء منه أصلًا، و لو جرى أمثال هذه التأويلات في الروايات لا ندرس جملة الأحكام، و ما بقي لها أثر في محل و لا مقام.

ثم إنّ ظاهر العبارة و ما ضاهاها من عبائر الجماعة في الاقتصار فيما تحرم منه على العقار و الأبنية و الآلات عدم حرمانها من نحو الشجر و النخل، و هو أحد القولين في المسألة.

و الثاني: إلحاقه بالآلات، نسب إلى القواعد و الدروس و أكثر المتأخّرين (2)، و هو مذهب فخر الدين مدّعياً هو و والده و الصيمري و غيرهم (3) أنّه المشهور، بل الظاهر منهم أنّه لا خلاف فيه على المشهور،

____________

(1) الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان 11: 445، الكفاية: 303.

(2) نسبه إليهم في المسالك 2: 333، و هو في القواعد 2: 178، و الدروس 2: 358.

(3) فخر الدين في الإيضاح 4: 241، و والده في القواعد 2: 178، و الصيمري في غاية المرام 4: 183، المهذب البارع 4: 402.

384

و في المسالك (1) أنّه ممنوع، كما يظهر من تتبّع عباراتهم.

و كيف كان فالأقرب الإلحاق؛ للتصريح به في بعض الصحاح المتقدمة (2).

مضافاً إلى إمكان استفادته من جُملة من النصوص النافية لإرثهنّ من العقار شيئاً، و النخل و الشجر منها، كما صرّح به جماعة (3)، و منهم بعض أهل اللغة بل جماعة (4).

و عدم التعرض فيها للقيمة غير ضائر بعد قيام الإجماع على ثبوتها؛ إذ لا قائل بالحرمان منهما عيناً و قيمةً؛ لتردّده بين الحرمان منه عيناً خاصّة أو عدمه بالكلية، فإذا ثبت الحرمان عيناً من هذه الأخبار ثبتت القيمة بعدم القائل بالفرق بين الطائفة.

مع أنّ في إثباتها مناسبة لإثباتها في الآلات و الأبنية، بل ربما ادّعي دخول الشجر في الآلات (5)، و إن كان بعيداً، مع ما فيه من تقليل التخصيص للعمومات.

و ظاهر شيخنا في المسالك (6) الميل إلى هذا، و في الروضة إلى الأوّل قائلًا: إنّ النصوص الصحيحة و غيرها دالّة عليه أكثر من دلالتها على القول

____________

(1) المسالك 2: 333.

(2) في ص: 6482، 6483.

(3) منهم الشهيد الثاني في المسالك 2: 333، و الفيض الكاشاني في المفاتيح 3: 328، و انظر روضة المتقين 11: 412.

(4) منهم الجوهري في الصحاح 2: 754، و ابن الأثير في النهاية 3: 274، و الطريحي في مجمع البحرين 3: 410.

(5) الروضة 8: 173.

(6) المسالك 2: 333.

385

المشهور بين المتأخّرين (1). و فيه نظر.

و للسيّد المرتضى علم الهدى (رحمه الله) في أصل المسألة قول ثالث تفرّد به، حيث إنّه يمنعها أي الزوجة من العين أي عين الرباع خاصّة دون القيمة فيثبتها لها؛ مراعاة للجمع بين العمومات و ما أجمع عليه الأصحاب من الحرمان بتخصيص الحرمان بالعين و إيجاب القيمة، على نحو ما اختاره في الحبوة.

و هو شاذّ و مستنده ضعيف؛ لظهور كلمات القوم قديمهم و حديثهم في الحرمان منها عيناً و قيمة، و إن اختلفوا في مقدار ما تحرم منه، و يشير إلى ذلك استنادهم إلى الأخبار، و هي كما عرفت صريحة في حرمانها من الأرض مطلقاً، عيناً و قيمةً، بدليل استثناء القيمة من آلاتها خاصّة.

و مع ذلك فهي حجة برأسها في خلافه، فإنّها ليست من الآحاد حتى لا يقال بحجيتها، أو لا يخصّص عموم الكتاب بها، و لو سلّم فالقرينة على صحتها من فتاوى الأصحاب موجودة جدّاً، فيكون من الآحاد المحفوفة بالقرائن القطعية، و لا ريب في حجيتها لأحد حتى عنده، فتأمّل.

و اعلم أنّ مقتضى إطلاق العبارة و غيرها من عبائر الجماعة ممّا أُطلق فيه الزوجة عدم الفرق فيها بين كونها ذات ولد من زوجها أم لا، و هو الأقوى، وفاقاً لكثير من أصحابنا، كالكليني و المفيد و المرتضى و الشيخ في الاستبصار و الحلبي و ابن زهرة (2) ظاهراً، و الحلي و جماعة من المتأخّرين (3)

____________

(1) الروضة 8: 174.

(2) الكليني في الكافي 7: 127، المفيد في المقنعة: 687، المرتضى في الانتصار: 301، الاستبصار 4: 154، 155، الحلبي في الكافي في الفقه: 374، ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 607.

(3) السرائر 3: 259؛ كشف الرموز 2: 464، مفاتيح الشرائع 3: 328 329.

386

صريحاً، و في السرائر و عن الخلاف (1) الإجماع عليه، و هو الحجة.

مضافاً إلى إطلاق الأخبار السابقة، بل عمومها الثابت من صيغة الجمع في جُملة منها، و ترك الاستفصال في أُخرى، و عموم التعليل و وجه الحكمة في ثالثة.

خلافاً للصدوق و أكثر المتأخّرين (2)، فخصّوا الحكم بغير ذات الولد؛ تقليلًا للتخصيص؛ و عملًا بالمقطوع الغير المسند إلى إمام: إذا كان لهنّ ولد أُعطين من الرباع (3). و للجمع بين النصوص المتقدمة المختلفة في أصل الحرمان و عدمه بالكلية بحمل الأدلة على غير ذات الولد و الأخيرة على صاحبتها.

و في الجميع نظر؛ للزوم التخصيص و إن كثر بعد قيام الدليل عليه و لو من الإطلاق أو العموم، فإنّه في أفراد الخاص، و هو بالإضافة إلى أصل العمومات خاصّ فيقدّم عليها.

و المقطوع لا حجة فيه بعد القطع، و ليس مثل الإرسال ليجبر ضعفه بالشهرة و نحوها، كما صرّح به جماعة من أصحابنا (4).

و الجمع لا شاهد عليه، مع وضوح الجمع بغيره من حمل ما دلّ على عدم الحرمان بالكلية على التقية، كما تقدمت إليه الإشارة، و الاحتياط لا يترك هنا، بل في أصل المسألة أيضاً، فإنّه طريق السلامة.

____________

(1) السرائر 3: 259، الخلاف 4: 116.

(2) الفقيه 4: 252؛ و القواعد 2: 178، الإيضاح 4: 241، و الشهيد في اللمعة (الروضة 8): 172، التنقيح 4: 192.

(3) الفقيه 4: 252/ 813، التهذيب 9: 301/ 1076، الإستبصار 4: 155/ 582، الوسائل 26: 213 أبواب ميراث الأزواج ب 7 ح 2.

(4) منهم المحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة 11: 444، و صاحب الكفاية: 304.

387

و هنا فوائد مهمة يطول الكلام بذكرها جملة، إلّا أنّا نذكر منها ما لا بُدّ منه، و هو أنّ الظاهر كما صرّح به جماعة (1) من غير خلاف بينهم أجده أنّه لا فرق في الأبنية و المساكن على القول باعتبارها بين ما يسكنه الزوج و غيره، و لا بين الصالح للسكنى و غيره، كالحمّامات و الأرحية و غيرها إذا صدق عليه اسم البناء.

و أنّ المراد بالآلات المثبتة منها خاصّة دون المنقولة، فإنّها ترث من عينها إجماعاً، كما حكاه الصيمري في شرح الشرائع (2)، و لا فرق بين كونها قابلة للنقل بالفعل أو بالقوة، كالثمرة على الشجرة و الزرع على الأرض و إن لم يستحصد، أو كان بذراً، دون الشجر.

و أنّ كيفية التقويم للبناء و الآلات و الشجر على القول بانسحاب الحكم فيه أن يقوّم مستحق البقاء في الأرض مجاناً إلى أن يفنى، فيقدّر الدار كأنّها مبنية في ملك الغير على وجه لا يستحق عليها أُجرة إلى أن يفنى، و تعطى قيمة ما عدا الأرض من ذلك.

و ذكر الصيمري وجهاً آخر لكيفية التقويم أخصر من الأوّل، و هو أنّه يقوّم الأرض على تقدير خلوّها من الأبنية و الأشجار، ما يسوى؟ فإذا قيل:

عشرة، مثلًا قوّمت اخرى مضافة إليهما، فإذا قيل: عشرون، مثلًا كانت شريكة في العشرة الزائدة.

و هل القيمة رخصة للورثة لتسهيل الأمر لهم حتى لو بذلوا الأعيان لم

____________

(1) منهم الشهيد الثاني في المسالك 2: 334، و الروضة 8: 174، و السبزواري في الكفاية: 304.

(2) غاية المرام 4: 184.

388

يكن لها طلب القيمة، أم على سبيل الاستحقاق؟ فيه وجهان، و لعلّ الأقرب الأوّل، وفاقاً لجماعة من الأصحاب (1)، و إن كان الظاهر من النصوص وجوبها على الوارث على وجه قهري؛ لورودها في مقام توهّم تعيّن العين، فلا يفيد سوى إباحة القيمة، و سبيلها سبيل الأوامر الواردة مورد توهّم الحظر الغير المفيدة لذلك سواها، كما برهن في محله مستقصى؛ مضافاً إلى إشعار التعليل الوارد في جملة منها بذلك جدّاً.

خلافاً للصيمري و المحقق الثاني و الشهيد الثاني في المسالك و الروضة (2)، و الاحتياط معهم في الجملة.

و هنا

[مسألتان:]

[الأُولى: إذا طلّق ذو الأربع نساء واحدة من الأربع و تزوّج أُخرى]

مسألتان:

الأُولى: إذا طلّق ذو الأربع نساء واحدة من الأربع و تزوّج اخرى بعد العدّة، أو فيها إذا كانت بائنة، ثم مات و اشتبهت المطلّقة بين الأربع الأُول كان للأخيرة الخامسة المعلومة ربع الثمن مع الولد، و ربع الربع مع عدمه، و الباقي عن نصيبها بين الأربعة المشتبهة بينهنّ المطلّقة بالسوية بلا خلاف أجده، و لا نقله أحد من الطائفة، عدا الفاضل المقداد في التنقيح و الشهيدين في الدروس و المسالك و الروضة (3)، فنقلوه عن الحلي خاصّة، حيث صار إلى القرعة، فمن أخرجتها بالطلاق

____________

(1) منهم المحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة 11: 451، و السبزواري في الكفاية: 304.

(2) الصيمري في غاية المرام 4: 184، 185، المسالك 2: 334، الروضة 8: 175.

(3) التنقيح 4: 193، الدروس 2: 361، المسالك 2: 332، الروضة 8: 178.

389

منعت من الإرث، و حكم بالنصيب للباقيات بالسوية؛ لأنّ القرعة لكلّ أمر مشتبه إمّا مطلقاً، أو في الظاهر مع كونه متعيّناً عند اللّٰه تعالى، و الأمر هنا كذلك؛ لأنّ المطلّقة في نفس الأمر غير وارثة، و لأنّ الحكم بتوريث الجميع يستلزم توريث من يعلم عدم إرثه؛ للقطع بأنّ إحدى الأربع غير وارثة.

و هو حسن على أصله، و كذا على غيره لولا الشهرة المستندة إلى صريح بعض المعتبرة المروي في الكافي صحيحاً و التهذيب كذلك في باب ميراث المطلّقات و أواخر باب أحكام الطلاق، و موثّقاً في باب ميراث الأزواج، و فيه: أ رأيت إن هو خرج إلى بعض البلدان، فطلّق واحدة من الأربع، و أشهد على طلاقها قوماً من أهل تلك البلاد، و هم لا يعرفون المرأة، ثم تزوّج امرأة من أهل تلك البلاد بعد انقضاء عدّة التي طلّقت، ثم مات بعد ما دخل بها، كيف يقسم ميراثه؟ قال: «إن كان له ولد فإنّ للمرأة التي تزوّجها أخيراً من أهل تلك البلاد ربع ثُمن ما ترك، و إن عرفت التي طلّق من الأربع بعينها و اسمها و نسبها فلا شيء لها من الميراث، و عليها العدّة» قال: «و يقتسمن الثلاث نسوة ثلاثة أرباع ثُمن ما ترك بينهنّ، و عليهنّ العدّة، و إن لم يعرف التي طلّق من الأربع اقتسمن الأربع نسوة ثلاثة أرباع ثُمن ما ترك بينهنّ جميعاً، و عليهنّ جميعاً العدّة» (1).

و لو اشتبهت بواحدة أو باثنتين أو نحو ذلك، ففي انسحاب الحكم أو القرعة نظر، من الخروج عن النص، و تساويهما معنى، و استقرب الوجه الأوّل فخر الإسلام و شيخنا الشهيد الثاني في الروضة (2)، و إن اختار في

____________

(1) الكافي 7: 131/ 1، التهذيب 8: 93/ 319، و 9: 296/ 1062، الوسائل 26: 217 أبواب ميراث الأزواج ب 9 ح 1.

(2) إيضاح الفوائد 4: 240، الروضة 8: 181، و فيهما أنّه هو الأقوى.

390

المسالك (1) انسحاب الحكم، و توقف فيه الفاضل و الشهيد الأوّل (2)، و هو في محلّه، فلا بُدّ من الرجوع إلى الصلح.

[الثانية: نكاح المريض مشروط بالدخول]

الثانية: نكاح المريض مشروط بالدخول بمعنى أنّه لا يلزم بحيث يترتب عليه أحكامه من الإرث و نحوه فإن مات في مرضه ذلك قبله أي قبل الدخول فلا مهر لها و لا ميراث على الأشهر الأظهر، بل لا يكاد يتحقق فيه خلاف من أحد و لا تأمّل و لا نظر، إلّا من الماتن في الشرائع و الشهيد في الدروس (3)، حيث نسب الأوّل الحكم إلى الرواية، و الثاني إلى المشهور، و هو منهما مشعر بنوع تردّدٍ فيه لهما، و لعلّه من حيث مخالفته للعمومات القطعية من الكتاب و السنة، و خصوص إطلاق المعتبرة (4) الناطقة بجواز نكاح المريض بعد المنع عن طلاقه، من دون تقييد بالدخول، و لا اشتراط في لزومه.

و هو حسن لولا إطباق الفتاوى عليه، حتى منهما هنا و في اللمعة (5) المتأخّرة كالكتاب عن الكتابين السابقين، فهو رجوع منهما و جزم منهما بالحكم جدّاً.

و نسب الحكم في السرائر (6) إلى أصحابنا، مشعراً بكونه مجمعاً عليه

____________

(1) المسالك 2: 332.

(2) القواعد 2: 178، الدروس 2: 361.

(3) الشرائع 4: 35، الدروس 2: 358.

(4) الوسائل 20: 505 أبواب ما يحرم بالمصاهرة ب 43. و ج 22: 149 (أبواب أقسام الطلاق ب 21.

(5) اللمعة (الروضة البهية 8): 172.

(6) السرائر 3: 283.

391

بيننا، كما عن صريح التذكرة (1).

و مع ذلك النصوص الصريحة المعتبرة سنداً مطبقة على ذلك أيضاً، ففي الصحيح المروي في الفقيه: عن رجل تزوّج في مرضه؟ فقال: «إذا دخل بها فمات ورثته، و إن لم يدخل بها لم ترثه، و نكاحه باطل» (2).

و في نحوه المروي هو و ما يأتي في الكافي و التهذيب في باب طلاق المريض: «ليس للمريض أن يطلّق، و له أن يتزوّج، فإن هو تزوّج و دخل بها فهو جائز، و إن لم يدخل بها حتى مات في مرضه فنكاحه باطل، و لا مهر لها، و لا ميراث» (3).

و في القريب منهما سنداً بابني محبوب و بكير، المجمع على تصحيح ما يصح عنهما: عن المريض، إله أن يطلّق؟ قال: «لا، و لكن له أن يتزوّج إن شاء، فإن دخل بها ورثته، و إن لم يدخل بها فنكاحه باطل» (4).

و المراد ببطلان العقد في هذه النصوص عدم لزومه على وجه يترتب عليه جميع أحكامه حتى بعد الموت من الميراث و العدّة، لا البطلان و عدم الصحة حقيقةً، و إلّا لزم عدم جواز وطئه لها في المرض بذلك العقد، مع أنّ صدرها كغيرها من الأخبار الدالّة على جواز نكاح المريض بقول مطلق يدل على خلافه.

____________

(1) التذكرة 2: 518.

(2) الفقيه 4: 228/ 724، الوسائل 26: 231 أبواب ميراث الأزواج ب 18 ح 1.

(3) الكافي: 123/ 12، التهذيب 8: 77/ 261، الإستبصار 3: 304/ 1080، الوسائل 26: 232 أبواب ميراث الأزواج ب 18 ح 3.

(4) الكافي 6: 121/ 1، الوسائل 26: 232 أبواب ميراث الأزواج ب 18 ح 2.

392

و إن مات المريض في مرض آخر بعد برئه من المرض الأوّل، أو مات بعد الدخول، فلا ريب في صحة العقد، و لزومه، و ترتّب أحكامه؛ عملًا بالعمومات، و خصوص هذه الروايات جميعها في الفرض الثاني، و الصحيح الثاني منها في الفرض الأوّل؛ لتقييده البطلان بموته في مرضه، و به يقيّد الموت المطلق الموجب للبطلان في الآخرين، مع أنّ المتبادر منه فيهما المقيّد خاصّة.

و لو ماتت هي في مرضه الذي عقد فيه قبل الدخول بها، ففي توريثه منها إشكال ينشأ:

من أنّ صحة العقد و لزومه الموجب لترتّب جملة الأحكام عليه موقوفة على الدخول، أو البرء.

و من أنّ الحكم على خلاف الأُصول المقرّرة في الكتاب و السنة، فيقتصر فيه على مورد المعتبرة، و هو موته خاصّة.

و هذا أقوى، وفاقاً للروضة (1)؛ لمنع الدليل الأوّل، و احتمال الفرق بين موته و موتها في مرضه، حيث منع عن الإرث في الأوّل دون الثاني، باحتمال كون الحكمة في وجه المنع عن الإرث مقابلة المريض بضدّ قصده من الإضرار بالورثة بإدخال الزوجة عليهم، و بعبارة اخرى: كون الحكمة مراعاة حال الورثة، و هي في الفرض الثاني مفقودة، بل منعكسة، فينبغي الحكم فيه بالصحة، فتأمّل.

____________

(1) الروضة 8: 172.

393

[المقصد الثالث: في الولاء]

[الأوّل: ولاء العتق]

المقصد الثالث:

في بيان الإرث ب الولاء، و قد عرفت أنّ أقسامه ثلاثة مترتّبة.

الأوّل (1): ولاء العتق و الأصل فيه بعد الإجماع السنة المستفيضة، بل المتواترة من طرق العامّة و الخاصّة، و سيأتي إلى جملة منها الإشارة.

و يختص الإرث به بالمعتِق دون المعتَق، فلا يرث مولاه المعتِق له، بلا خلاف فيه إلّا من الإسكافي و الصدوق في الفقيه (2)، فأورثا منه أيضاً كالعكس. و هو شاذّ، بل عن الشيخ و في التنقيح (3) على خلافه الإجماع، و هو الحجة.

مضافاً إلى الأصل، فإنّ الإرث يحتاج إلى سبب شرعي، و لم يثبت في محل البحث؛ لاختصاص النصوص الدالّة على الإرث بإرث المولى من عتيقه خاصّة، و هي صحاح مستفيضة تضمّنت قولهم ((عليهم السلام)): «الولاء لمن أعتق» (4). و ربما يفهم منه عدم الإرث في محل البحث، مع أنّ في المسالك و غيره (5) أنّ بعض ألفاظ الحديث: «إنّما الولاء» و هو أظهر دلالة.

____________

(1) في المطبوع من المختصر (272): القسم الأوّل.

(2) حكاه عن الإسكافي في المختلف: 752، الفقيه 4: 224.

(3) حكاه عن الشيخ في الدروس 2: 214، و المفاتيح 3: 306، و هو في الخلاف 4: 84، و المبسوط 4: 95، التنقيح 4: 194.

(4) الكافي 7: 170/ 1، الفقيه 3: 74/ 261، التهذيب 8: 224/ 807، الوسائل 26: 243 أبواب ولاء ضمان الجريرة و الإمامة ب 1 ح 1.

(5) المسالك 2: 336؛ و انظر المفاتيح 3: 306.

394

و أمّا ما في الخبر: «الولاء لحمة كلحمة النسب» (1) فمع ضعف سنده بالسكوني مطلق يحتمل التقييد بما يوافق المذهب، كما نبّه عليه جدّي المجلسي(رحمه الله) في شرحه على الفقيه (2)، و مع ذلك غير مكافئ لشيء ممّا مرّ من الحجج، نعم لو دار الولاء توارثا، كما لو أعتق العتيق أب المنعم.

و يشترط في الإرث به التبرّع بالعتق (3) و أن لا يتبرّأ من ضمان (4) جريرته حال إعتاقه.

فلو كان العتق على المعتق واجباً في كفّارة أو نذر و شبههما كان العبد المعتَق سائبة أي لا عقل بينه و بين معتِقه، قال ابن الأثير:

تكرّر في الحديث ذكر السائبة و السوائب، كان الرجل إذا أعتق عبداً فقال:

هو سائبة، فلا عقل بينهما و لا ميراث (5).

و كذا لو تبرّع بالعتق و لكن تبرّأ من ضمان الجريرة على الأظهر الأشهر في الشرط الأوّل، بل عليه عامّة من تأخّر، و نفى عنه الخلاف في السرائر (6)، و في الانتصار و الغنية (7) الإجماع عليه، و هو الحجة.

مضافاً إلى الأصل، مع اختصاص النصوص المتقدمة بمباشرة العتق، فلا يشمل محل الخلاف و المشاجرة.

____________

(1) الفقيه 3: 78/ 281، الوسائل 23: 75 أبواب العتق ب 42 ح 2.

(2) روضة المتقين 11: 319.

(3) في «ح» زيادة: على الأظهر.

(4) ليس في «ب» و «ر».

(5) النهاية 2: 431.

(6) السرائر 3: 25.

(7) الانتصار: 168، الغنية (الجوامع الفقهية): 607.

395

و المعتبرة به مع ذلك مستفيضة، ففي الصحيح: «انظروا في القرآن، فما كان فيه: فتحرير رقبة فتلك السائبة التي لا ولاء لأحدٍ عليها إلّا اللّٰه تعالى، فما كان ولاؤه للّٰه تعالى فهو لرسوله، و ما كان لرسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) فإنّ ولاءه للإمام (عليه السلام)، و جنايته على الإمام (عليه السلام)، و ميراثه له» (1) و في معناه آخر (2).

و في ثالث: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) فيمن نكل بمملوكه: أنّه حرّ، و لا سبيل له عليه، سائبة، يذهب فيتوالىٰ إلى من أحبّ، فإذا ضمن جريرته فهو يرثه» (3).

و في الخبر: الرجل أُعتق، إله أن يضع نفسه حيث شاء، و يتولّى من أحبّ؟ فقال: «إذا أُعتق للّٰه تعالى فهو مولى للذي أعتقه، و إذا أُعتق و جعل سائبة، فله أن يضع نفسه حيث شاء، و يتولّى من شاء» (4).

خلافاً للمبسوط و ابن حمزة (5) في أُمّ الولد، فأثبتا الولاء لورثة مولاها بعد انعتاقها من نصيب ولدها، و نفى الأوّل الخلاف فيه.

و هو موهون بوجوده، مع مصير المشهور إلى الخلاف، و مع ذلك معارض بحكاية الإجماع و نفي الخلاف المتقدّمة.

____________

(1) الكافي 7: 171/ 2، التهذيب 9: 395/ 1410، الإستبصار 4: 199/ 748، الوسائل 26: 248 أبواب ولاء ضمان الجريرة و الإمامة ب 3 ح 6.

(2) الكافي 7: 171/ 7، الفقيه 3: 81/ 293، التهذيب 8: 254/ 925، الإستبصار 4: 23/ 76، الوسائل 23: 71 أبواب العتق ب 40 ح 2.

(3) التهذيب 9: 395/ 1411، الوسائل 26: 245 أبواب ولاء ضمان الجريرة و الإمامة ب 1 ح 6.

(4) الكافي 6: 197/ 2، التهذيب 8: 250/ 909، الوسائل 23: 63 أبواب العتق ب 36 ح 1.

(5) المبسوط 6: 71، الوسيلة: 344.

396

و لهما (1) أيضاً فيمن انعتق بالقرابة، فأوجبا الولاء لمن ملك أحد قرابته فانعتق عليه، سواء ملكه باختيار أو اضطرار؛ للموثق: في رجل يملك ذا رحمه، هل يصلح له أن يبيعه، أو يستعبده؟ قال: «لا يصلح أن يبيعه، و لا يتّخذه عبداً، و هو مولاه، و أخوه في الدين، و أيّهما مات ورثه صاحبه، إلّا أن يكون وارث أقرب إليه منه» (2).

و فيه نظر، فإنّ الظاهر أنّ المراد بالإرث فيه الإرث الحاصل بالقرابة دون الولاء، و يؤيّده الحكم فيه بالتوارث من الطرفين، فلا حجة فيه لهما.

و يتصوّر الإرث بالولاء هنا مع كون العتق بالقرابة، و يشترط في العتق (3) بالولاء عدم المناسب مطلقاً، كما سيأتي فيما إذا كان صاحب الولاء غير مناسب للعتيق أصلًا مع كونه نازلًا منزلة من يكون العتق بسبب قرابته، بأن يكون صاحب الولاء قريباً لذلك القريب مع عدم قرابته للعتيق، و قد مات ذلك القريب، فصار قريبه الذي ليس من أقرباء العتيق صاحب الولاء، كما إذا اشترى رجل امّه فانعتقت عليه، و مات الرجل، و كان له أخ لأبيه خاصّة، و لا وارث للُامّ نسباً أصلًا، فولاء الأُمّ للأخ المذكور.

و أما الصحيح: عن الرجل يعتق الرجل في كفّارة يمين أو ظهار، لمن يكون الولاء؟ قال: «للذي يعتق» (4) فشاذّ، فليطرح، أو يحمل على ما إذا توالى إليه بعد العتق، أو على التقية، كما يستفاد من الانتصار (5)، حيث

____________

(1) المبسوط 6: 71، الوسيلة: 343.

(2) الفقيه 3: 80/ 287، الوسائل 23: 29 أبواب العتق ب 13 ح 5.

(3) كذا، و لعلّ الأنسب: الإرث.

(4) الفقيه 3: 79/ 283، التهذيب 8: 256/ 931، الإستبصار 4: 26/ 86، الوسائل 23: 78 أبواب العتق ب 43 ح 5.

(5) الانتصار: 168.

397

نسب خلافنا إلى الفقهاء الأربعة، أو على الإعتاق تطوّعاً في كفّارة غيره، كما دل عليه بعض الصحاح المتقدمة (1).

و لا خلاف في الشرط الثاني، بل في عبائر جمع (2) الإجماع عليه، و هو الحجة.

مضافاً إلى المعتبرة، منها الخبر القريب من الصحيح بابن محبوب المجمع على تصحيح رواياته: عن السائبة؟ فقال: «الرجل يعتق غلامه، ثم يقول له: اذهب حيث شئت، ليس لي من ميراثك شيء، و لا عليّ من جريرتك شيء، و يشهد على ذلك» (3).

و في اشتراط الإشهاد في التبرّي قولان، و الأكثر على العدم؛ للأصل.

خلافاً للشيخ و الصدوق و الإسكافي (4)؛ للأمر به في الخبر المذكور و غيره، كالصحيح: «من أعتق رجلًا سائبة فليس عليه من جريرته شيء، و ليس له من الميراث شيء، و ليشهد على ذلك» (5).

و فيه: أنّ الأمر به أعمّ من ذلك و من كونه شرط الإثبات عند الحاكم لو ادّعاه، فلا مخرج عن الأصل بمثله، بل مقتضى الجمع بينهما حمله على الثاني.

____________

(1) راجع ص: 390، الرقم 5.

(2) منهم العلّامة في التحرير 2: 168، و فخر المحققين في إيضاح الفوائد 3: 523، و الفيض الكاشاني في المفاتيح 3: 307.

(3) الكافي 7: 171/ 6، الفقيه 3: 80/ 289، التهذيب 8: 256/ 929، الاستبصار 4: 26/ 84، المقنع: 160، الوسائل 23: 77 أبواب العتق ب 43 ح 2.

(4) النهاية: 669، المقنع: 156، و حكاه عن الإسكافي في المختلف: 752.

(5) التهذيب 8: 256/ 928، الإستبصار 4: 26/ 83، الوسائل 23: 78 أبواب العتق ب 43 ح 4.

398

و هل يسقط التبرّي بعد العتق للإرث، أم لا، بل لا بُدّ منه حينه؟

وجهان، ظاهر الأكثر و صريح الفاضل في التحرير و الشهيد في الدروس (1) الثاني؛ و لعلّه لعموم: «الولاء لمن أعتق» (2) خرج منه ما لو تبرّأ من جريرته حال الإعتاق بالإجماع و الروايات، و بقي غيره مندرجاً تحته.

و هو حسن لولا إطلاق التبرّي فيما مرّ من النص المحتمل لوقوعه حال الإعتاق و بعده، سيّما مع عطف التبري على «يعتق» فيه ب«ثمّ» في الكافي و الفقيه، و هي حقيقة في التراخي، لكن الموجود في التهذيب و الاستبصار الواو بدل ثم.

و كيف كان النص معهما مطلق يشمل الصورتين، إلّا أن يدّعى تبادر التبرّي حال الإعتاق لا بعده، بقرينة السياق، و هو غير بعيد، مع أنّ مخالف الأكثر غير معلوم الوجود، و إن أشعر به عبارة التحرير و الدروس.

و لا يرث المعتِق عتيقه مع وجود مناسب له و إن بعد فإنّ الولاء بعد النسب، كما مر، بالإجماع، و آية اولي الأرحام (3)، و النصوص المستفيضة، منها الصحيح: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في خالة جاءت تخاصم في مولى رجل مات، فقرأ هذه الآية وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ* فدفع الميراث إلى الخالة، و لم يعط المولى» (4).

و يرث المولى عتيقه مع الزوج و الزوجة بعد أن يأخذ كل

____________

(1) في «ر» زيادة: و المسالك. التحرير 2: 168، الدروس 2: 214، المسالك 2: 335.

(2) الوسائل 23: 61، 64 أبواب العتق ب 35، 37.

(3) الأنفال: 75، الأحزاب: 6.

(4) الكافي 7: 135/ 2، التهذيب 9: 329/ 1183، الإستبصار 4: 172/ 649، الوسائل 26: 233 أبواب ميراث ولاء العتق ب 1 ح 3.

399

منهما نصيبه الأعلى، بلا خلاف، إلّا من الحلبي (1)(رحمه الله) فمنع عن إرثه مع الزوج خاصّة، و جعل المال له كلّه، النصف تسمية و الباقي ردّاً، كما مضى (2).

و هو شاذّ، و مستنده غير واضح، و مع ذلك عموم: «الولاء لمن أعتق (3): و «و لحمة كلحمة النسب» (4) يردّه.

و إذا اجتمعت الشروط المتقدمة ورثه المنعم أي المعتق له، و اختص بتركته إن كان واحداً، و اشتركوا في المال إن كانوا أكثر يقتسمونه بينهم بالسوية مطلقاً، ذكوراً كانوا أو إناثاً أو مختلفين، بلا خلاف؛ لأنّ السبب في الإرث هو الإعتاق، فيتبع الحصّة، و لا ينظر فيها إلى الذكورة و الأُنوثة كالإرث بالنسب؛ لأنّ ذلك خارج بالنص و الإجماع، و إلّا لكان مقتضى الشركة خلاف ذلك.

و لو عدم المنعم فللأصحاب في تعيين الوارث للعتيق أقوال خمسة، لا ضرورة بنا إلى التطويل بنقلها جملة، مع عدم وضوح حججها، إلّا أنّ الأقرب إلى الأخبار منها قولان مشهوران:

أحدهما: ما استظهره الماتن هنا بقوله: أظهرها انتقال الولاء إلى الأولاد الذكور، دون الإناث، فإن لم يكن الذكور فالولاء لعصبته الذين يعقلون عنه إذا أحدث حدثاً، من إخوته و جدوده و عمومته و أبنائهم.

كل ذا إذا كان المعتق رجلًا.

و لو كان المعتِق امرأة ف ينتقل الولاء إلى عصبتها دون أولادها

____________

(1) الكافي في الفقه: 374.

(2) راجع ص: 363.

(3) تقدّمت مصادرهما في ص: 389.

(4) تقدّمت مصادرهما في ص: 389.

400

مطلقاً، و لو كانوا ذكوراً استناداً في اختصاص الأولاد الذكور من المعتق الرجل بالإرث إلى الصحيح، و هو طويل، و فيه: «و إن كانت الرقبة على أبيه تطوّعاً، و قد كان أبوه أمره أن يعتق عنه نسمة، فإنّ ولاء المعتَق هو ميراث لجميع ولد الميت من الرجال» (1) الحديث.

و الخبر: عن رجل مات، و كان مولى لرجل، و قد مات مولاه قبله، و للمولى ابن و بنات، فسأله عن ميراث المولى؟ فقال: «هو للرجال دون النساء» (2).

و في اختصاص عصبة المنعم بالولاء مع فقد الولد الذكر إلى الصحيح: قضى (عليه السلام) في رجل حرّر رجلًا فاشترط ولاءه، فتوفّي الذي أعتق، و ليس له ولد إلّا النساء، ثم توفّي المولى و ترك مالًا و له عصبة، فاحتقّ في ميراثه بنات مولاه و عصبته، فقضى بميراثه للعصبة الذين يعقلون عنه (3).

و فيه أيضاً دلالة على منع البنات عن الميراث، لكن في دلالته على المستدل به عليه نظر، فإنّ ظاهر قوله: ثم توفّي المولى و ترك مالًا و عصبة، أنّ العصبة للمولى و هو العتيق، لا المنعم كما هو المدّعى، و الاحتقاق و هو التخاصم إنّما وقع بين بنات المنعم و عصبة العبد، فلا دلالة فيه على

____________

(1) الكافي 7: 171/ 7، التهذيب 8: 254/ 925، الإستبصار 4: 23/ 76، الوسائل 23: 71 أبواب العتق ب 40 ح 2.

(2) التهذيب 9: 397/ 1419، الوسائل 26: 239 أبواب ميراث ولاء العتق ب 1 ح 18.

(3) التهذيب 8: 254/ 923، الإستبصار 4: 24/ 77، الوسائل 23: 71 أبواب العتق ب 40 ح 1.

401

ما ذكر.

و في منع أولاد المعتقة مطلقا و إعطاء الإرث لعصبتها إلى الصحاح، منها: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) على امرأة أعتقت رجلًا، و اشترطت ولاءه، و لها ابن، فألحق ولاءه لعصبتها الذين يعقلون عنها، دون ولدها» (1).

و لا معارض لها، مع كثرتها، و اشتهارها، بل نفى الخلاف عنها في الاستبصار و الخلاف (2)، و فيه و في السرائر (3) الإجماع عليه.

و من هنا يظهر عدم إشكال في الحكم من جهة عصبة المعتقة، و إنّما هو في اختصاص إرث المعتِق بأولاده الذكور دون الإناث، كما استظهره الماتن هنا، وفاقاً للشيخ في النهاية و الإيجاز (4)، و تبعه القاضي و ابن حمزة (5)، و تبعهم من المتأخّرين جماعة (6)، حتى أنّه في التحرير و شرح الشرائع للصيمري (7) ادّعي عليه الشهرة.

أو اشتراكهم أجمع في إرثه، كما هو القول الثاني للشيخ في الخلاف و الحلي في السرائر و الشهيد في الدروس (8)، ينشأ:

من دلالة النصوص الصحيحة المتقدمة على الاختصاص.

____________

(1) التهذيب 8: 253/ 921، الإستبصار 4: 25/ 80، الوسائل 23: 70 أبواب العتق ب 39 ح 1.

(2) الاستبصار 4: 173، الخلاف 4: 81.

(3) الخلاف 4: 81، السرائر 3: 24.

(4) النهاية: 547، الإيجاز (الرسائل العشر): 277.

(5) المهذّب 2: 154، الوسيلة: 397.

(6) منهم العلّامة في التحرير 2: 169، و الشهيد الثاني في الروضة 8: 185، و الفيض الكاشاني في المفاتيح 3: 307.

(7) التحرير 2: 169، غاية المرام 4: 188.

(8) الخلاف 4: 79، السرائر 3: 23، الدروس 2: 216.

402

و من الموثق الصريح في العدم: قال (عليه السلام): «مات مولى لحمزة بن عبد المطلب، فدفع رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) ميراثه إلى بنت حمزة» (1).

و الأوّلة و إن كانت صحيحة إلّا أنّها موافقة للعامّة، كما صرّح به الشيخ و الحسن بن محمّد بن سماعة الذي هو أحد رواة هذه الموثقة، فإنّه قال في آخرها: هذه الرواية تدل على أنّ المرأة ترث الولاء، ليس كما يروون العامّة (2).

و اختار هذا في الكفاية (3)، مؤيّداً له بعموم: «الولاء لحمة كلحمة النسب» (4) في الخبر القوي بالسكوني المجمع على تصحيح رواياته عموماً، كما عن الشيخ (5)، و خصوصاً كما ادّعاه الحلي (6) من الخاصّة و العامّة، و طاعناً في دلالة الصحيحة الاولى من النصوص المتقدمة، قال: فإنّ محل الاستدلال فيها قوله: «فإنّ ولاء المعتَق هو ميراث لجميع ولد الميت من الرجال» قال: و هو مبني على أنّ «من الرجال» قيد الولد، مع أنّه يحتمل أن يكون قيداً للميت لا للولد، و حينئذٍ لا يكون للخبر دلالة على اختصاص الولاء بالذكور من الأولاد. و فيه نظر.

و المسألة عند الفقير محل إشكال، و إن كان لا بأس بالقول الأخير؛ لاعتضاد الموثقة بمخالفة العامّة و القويّة المتقدمة، مع صراحتها بلا شبهة، و الكثرة و الصحة في الأخبار الأوّلة لم تبلغ حدّ المقاومة لهذه المرجّحات

____________

(1) الكافي 7: 170/ 6، التهذيب 9: 331/ 1191، الإستبصار 4: 172/ 652، الوسائل 26: 236 أبواب ميراث ولاء العتق ب 1 ح 10.

(2) التهذيب 9: 331، الاستبصار 4: 173.

(3) الكفاية: 305.

(4) المتقدم في ص: 389.

(5) العُدّة 1: 380.

(6) السرائر 3: 24.

403

المزبورة، سيّما مع مخالفة العامة.

نعم ربما عارضها الشهرة المحكية، بل الظاهرة، كما عرفت، لكنّها ليست شهرة مفيدة لتلك المظنّة القويّة الجابرة أو المرجّحة و الفائقة غيرها من المرجّحات المقابلة مثل مخالفة العامّة، مع أنّ في اللمعة (1) جعل المشهور كون الولاء للأولاد الذكور منهم و الإناث مطلقاً، ذكراً كان المنعم أو امرأة، لكنه عجيب كما في الروضة (2)؛ لأنّه مذهب الصدوق (3) خاصّة، كما صرّح به في الدروس و جماعة (4)، هذا.

مع أنّ المحكي عن الخلاف (5) دعواه الإجماع على مجموع ما اختاره فيه، حتى توريث بنات المنعم، فيكون هو حجة أُخرى زيادة على ما مضى.

و اعلم أنّ المشهور بين الأصحاب أنّه يترتّب من يرث ترتّبهم في النسب؛ لحديث اللحمة المتقدم، و خصّ بما مرّ للأدلة المتقدمة، فيشارك الأب الأولاد، و كذا الجدّ و الأخ من قبله، أمّا الأُمّ فيبنى إرثها على ما سلف، و المشهور أنّه تشاركهم أيضاً؛ و لعلّه لعموم الحديث المتقدم، و إنّما الخارج منه بالنصوص الصحيحة البنات خاصّة، و هو لا يستلزم خروج الامّ منه أيضاً، فتأمّل. و خلاف الإسكافي (6) في تقديمه الولد على الأبوين، و الجدّ على

____________

(1) اللمعة (الروضة البهية 8): 183.

(2) الروضة 8: 186.

(3) الفقيه 4: 224.

(4) الدروس 2: 215؛ المهذب البارع 4: 407، الروضة 8: 184، الكفاية: 305.

(5) الخلاف 4: 79 81.

(6) حكاه عنه في الدروس 2: 216.

404

الأخ شاذّ ضعيف، و إن قيل (1): يساعده ظاهر الصحيح المتقدم (2)، المتضمّن لقوله (عليه السلام): كان ولاء العتق ميراثاً لجميع ولد الميت من الرجال؛ لما عرفت من قوة احتمال وروده مورد التقية، و ربما يؤيّده موافقة الإسكافي، كما مرّ غير مرّة.

و حيث خصّ الإرث بالولاء في النصوص المتقدمة بالعصبة الذين يعقلون ظهر أنّه لا يرث الولاء الأخوات و الجدّات و إن كنّ من أبيه؛ لأنّهنّ لا يعقلن، كما لا يعقل من يتقرّب بأُمّ المنعم من الإخوة و الأخوات و الأخوال و الخالات و الأجداد و الجدّات، فلا يرثون أيضاً.

و هل يورث الولاء كما يورث به؟ قولان، أشهرهما: العدم؛ للأصل؛ و لأنّه ليس مالًا يقبل النقل، و لهذا لا يصح بيعه و لا هبته و لا اشتراطه في بيع و نحوه، بلا خلاف، بل إجماعاً، كما في التنقيح (3)؛ للقوي المتقدم: «الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع و لا يوهب» (4).

و الصحيح: «أنّ عائشة قالت للنبي (صلى الله عليه و آله): إنّ أهل بريرة اشترطوا ولاءها، فقال (صلى الله عليه و آله): الولاء لمن أعتق، و أبطل شرطهم» (5).

خلافاً لظاهر الماتن هنا و في الشرائع و جماعة (6)، فجعلوه موروثاً، لأنّه من الحقوق المتروكة، فكان داخلًا تحت عموم الإرث.

و فيه نظر يظهر وجهه ممّا مرّ، إلّا أنّ ذلك ظاهر الصحيح المتقدم

____________

(1) قاله السبزواري في الكفاية: 306.

(2) في ص: 395.

(3) التنقيح الرائع 4: 198.

(4) في ص: 389.

(5) الكافي 6: 198/ 4، التهذيب 8: 250/ 907، الوسائل 23: 64 أبواب العتق ب 37 ح 1.

(6) الشرائع 4: 36، الخلاف 4: 79، السرائر 3: 23، التحرير 2: 169.