رياض المسائل - ج14

- السيد علي الطباطبائي المزيد...
496 /
405

المتضمّن لأنّ ولاء العتق ميراث لجميع ولد الميت، و نحوه الصحاح الواردة في توريث عصبة المعتقة دون ولدها، منها زيادة على ما مضى: عن امرأة أعتقت مملوكاً، ثم ماتت؟ قال: «يرجع الولاء إلى بني أبيها» (1).

و منها: «يكون ولاؤها لأقرباء امّه من قبل أبيها، و تكون نفقتها عليهم حتى تدرك، و تستغني» قال: «و لا يكون للذي أعتقها عن امّه شيء من ولائها» (2) و نحوها غيرها ممّا يأتي.

و العجب من الأصحاب عدم استدلالهم لهذا القول بها، و لعلّهم فهموا منها الإرث به، لا كونه موروثاً، لكنه خلاف الظاهر، كما اعترف به شيخنا في المسالك (3) في شرح قول الماتن: و يرث الولاء الأبوان و الأولاد، فإنّه قال: و يفهم منه كونه موروثاً، فيقوى العجب منه في عدم استدلاله بها، و لا سيّما الصحيح الأوّل منها؛ لكونه كعبارة الماتن في تضمّنه لفظ إرث الولاء مضاهياً، و لعلّ هذا أقوى.

و تظهر الفائدة في مواضع، منها: ما لو مات المنعم قبل العتيق، و خلف وارثاً غير الوارث بعد موت العتيق، كما لو مات المنعم عن ولدين، ثم مات أحدهما عن أولاد، ثم العتيق، فعلى الأشهر يختصّ الإرث بالولد الباقي، و يشاركه أولاد الولد الميت على الآخر.

و اعلم أنّه كما يرث المولى عتيقه كذلك يرث أولاد عتيقه مع فقد النسب، بلا خلاف؛ للصحاح المستفيضة، منها: عن رجل اشترى عبداً، له

____________

(1) التهذيب 8: 254/ 922، الإستبصار 4: 25/ 81، الوسائل 23: 70 أبواب العتق ب 39 ح 2.

(2) التهذيب 8: 254/ 924، الإستبصار 4: 25/ 82، الوسائل 23: 70 أبواب العتق ب 39 ح 3.

(3) المسالك 3: 336.

406

أولاد من امرأة حرّة، فأعتقه؟ قال: «ولاء ولده لمن أعتقه» (1).

و منها: في العبد تكون تحته الحرّة، قال: «ولده أحرار، فإن أعتق المملوك لحق بأبيه» (2).

و منها: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في مكاتب اشترط عليه ولاؤه إذا أعتق، فنكح وليدة لرجل آخر، فولدت له ولداً، فحرّره، ثم توفّي المكاتب، فورثه ولده، فاختلفوا في ولده، من يرثه؟» قال: «فألحق ولده بموالي أبيه» (3).

و لكن في نصوص أُخر ما ربما يتوهم منه المخالفة لذلك، منها الصحيح: دخلت على أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و معي علي بن عبد العزيز، فقال لي:

«من هذا؟» فقلت: مولى لنا، فقال: «أعتقتموه، أو أباه؟» فقلت: بل أباه، فقال: «ليس هذا مولاك، هذا أخوك و ابن عمّك، و إنّما المولى الذي جرت عليه النعمة، فإذا جرت على أبيه فهو أخوك و ابن عمّك» (4).

لكنّها مع ضعف سند أكثرها شاذّة، محتملة للحمل على أنّه ليس معتقاً، و عدم كونه مولى بهذا المعنى لا يستلزم انتفاء الولاء، و لا تلازم بينهما، و به صرّح الشيخ (5) أيضاً، مستشهداً له بالخبر: «المعتق هو المولى،

____________

(1) الكافي 7: 170/ 4، الفقيه 3: 79/ 285، التهذيب 8: 250/ 910، الإستبصار 4: 21/ 66، الوسائل 23: 66 أبواب العتق ب 38 ح 1.

(2) التهذيب 8: 251/ 911، الإستبصار 4: 21/ 67، الوسائل 23: 66 أبواب العتق ب 38 ح 2.

(3) الفقيه 3: 77/ 275، التهذيب 8: 251/ 912، الإستبصار 4: 21/ 68، الوسائل 23: 66 أبواب العتق ب 38 ح 3.

(4) الكافي 6: 199/ 3، الفقيه 3: 79/ 286، التهذيب 8: 252/ 917، قرب الاسناد: 41/ 133، الوسائل 23: 69 أبواب العتق ب 38 ح 11.

(5) التهذيب 8: 253، الإستبصار 4: 23.

407

و الولد ينتمي إلى من يشاء» (1).

و حيث قد عرفت ذلك فاعلم أنّه يصح جرّه أي الولاء من مولى الأُمّ إلى مولى الأب إذا كان الأولاد مولودين على الحرّية تبعاً لحرّية أُمّهم، بيان ذلك: أنّه إذا أُعتقت الأُمّ أوّلًا، ثم حملت بهم، و أبوهم رقّ، فولاؤها و ولاء أولادها لمولاها؛ لعدم إمكانه من جهة الأب؛ إذ لا ولاء عليه، و لمعتق الامّ عليهم نعمة، فإنّهم عتقوا بعتقها، فإن ماتوا و الأب رقيق بعد ورثهم معتق الامّ بالولاء و لو عتق الأب بعد ذلك.

و أمّا لو عتق قبله انجرّ ولاؤهم من مولى الأُمّ إلى مولاه؛ للصحاح المتقدمة، و لأنّ ثبوت الولاء لمولاها كان لضرورة أنّه لا ولاء على الأب، فإذا وجد قدّم كما يقدّم عليه لو كان معتقاً قبل عتق الأُمّ أو معه؛ لأنّ الولاء تلو النسب (بمقتضى حديث اللحمة المتقدم) (2) و النسب إلى الآباء دون الأُمّهات.

و إنّما اشترط الولادة على الحرّية احترازاً عمّا لو ولدوا على الرقّية ثم أعتقوا، فإنّ ولاءهم حينئذٍ لمباشر عتقهم، كائناً من كان، لا ينجرّ ولاؤهم إلى معتق أبيهم؛ لأنّ نعمة من أعتقهم عليهم أعظم من نعمة من أعتق بعض أُصولهم، فيخصّ بولائهم.

و لا فرق في ذلك بين أن يعتقوا منفصلين أو حملًا مع أُمّهم، فلا ينجرّ ولاؤهم من معتقهم على تقدير فقده و فقد عصبته إلى معتق أُمّهم؛ لأنّ ولاء المباشرة لا ينجرّ مطلقا، و إنّما ينجرّ ولاء غيرها من الأضعف إلى الأقوى.

و لا أجد خلافاً في شيء من ذلك، و لا في اشتراط كون الحرّية

____________

(1) الفقيه 3: 80/ 288، التهذيب 8: 253/ 919، الإستبصار 4: 23/ 75، الوسائل 23: 67 أبواب العتق ب 38 ح 7.

(2) ما بين القوسين ليس في «ر».

408

المعتبرة ولادتهم عليها حرّية عرضية حاصلة بالعتق، لا أصلية، و نفى عنه و عن جميع ما مرّ الخلاف في السرائر (1)، و ادّعى عليه الاتفاق في المسالك (2) و غيره.

لكن جملة من الصحاح المتقدمة بإرث معتق الأب أولاد زوجته الحرّة مطلقة، بل ربما كان بعضها ظاهراً في اختصاص حكم الجرّ بما إذا كانت حرّة الأصل، كالصحيح: عن حرّة زوّجتها عبداً لي، فولدت لي منه أولاداً، ثم صار العبد إلى غيري، فأعتقه، إلى من ولاء ولده؟ إليّ إذا كانت أُمّهم مولاتي؟ أم إلى الذي أعتق أباهم؟ فكتب: «إن كانت الأُمّ حرّة جرّ الأب الولاء، و إن كنت أنت أعتقت فليس لأبيه جرّ الولاء» (3).

و لم أر أحداً من الأصحاب تنبّه أو نبّه على ذلك، عدا خالي العلّامة المجلسي(رحمه الله) في الحاشية المنسوبة إليه على هذه الرواية، فإنّه قال:

ظاهرها اختصاص حكم الجرّ بما إذا كانت حرّة الأصل، كما هو ظاهر الأخبار السابقة، علىٰ خلاف ما ذكره الأصحاب و أجمعوا عليه، فتدبّر.

ثم قال في توجيهها و تطبيقها لما ذكروه: و لعلّ المراد أنّك إذا أعتقت الأُمّ فصار عتقها سبباً لعتق الأولاد التي حصلت بعد العتق فحينئذٍ ينجرّ الولاء إلى مولى الأب، و إن كنت أعتقت الأولاد أنفسهم فولاؤهم لك و لا ينجرّ، و اللّٰه يعلم (4).

أقول و باللّٰه التوفيق-: لعلّ الوجه في اتفاق الأصحاب على ما مرّ أنّ الحرّية الأصلية في أحد الأبوين تستتبع حرّية الأولاد، فيكون حرّيتهم من

____________

(1) السرائر 3: 263.

(2) المسالك 2: 336.

(3) التهذيب 8: 251/ 913، الإستبصار 4: 21/ 69، الوسائل 23: 67 أبواب العتق ب 38 ح 4.

(4) ملاذ الأخبار 13: 502.

409

جهتها، لا من جهة العتق، و الولاء إنّما يكون على من حصلت له الحرّية به لا بها، فإنّ الولاء من توابع العتق، لا الحرّية مطلقا، و لذا قالوا ((عليهم السلام)):

«الولاء لمن أعتق» (1) و لا عتق هنا بالإضافة إلى الأولاد مطلقاً و لو تبعاً؛ لامتناع حصول الحاصل، فتأمّل جدّاً. و حينئذٍ ينبغي تقييد النصوص المتقدمة بحمل الحرّة فيها على المعتقة خاصّة، و حمل الرواية الأخيرة على ما حملها عليه خالي العلّامة (2).

و على كل حال، فالنصوص المزبورة صريحة الدلالة على أصل حكم الجرّ و لو في الجملة؛ مضافاً إلى النصوص الأُخر، كالمرسل كالموثق: «يجرّ الأب الولاء إذا أُعتق» (3).

فما يوجد في بعض الحواشي المنسوبة إلى شيخنا الشهيد الثاني على كتابه المسالك في مسألة الجرّ: أنّه ليس في بابه نص مطلقا، و إنّما هو اعتبار؛ غريب، إلّا أن يكون مراده من المنفي ما يتضمّن أحكام الجرّ كلا بنحو ما ذكره الأصحاب.

و اعلم أنّهم ذكروا من غير خلاف يعرف بينهم أنّه إذا فقد المولى و قرابته الوارثون للولاء يرثه مولى المولى، فإن عدم فقرابة مولى المولى، على تفصيل قرابة المولى، فإن فقد الجميع فمعتق أب المعتق، ثم معتق هذا المعتق، و هكذا كالأوّل.

و لا نصّ فيه، و كأنّهم استنبطوه من حديث اللحمة المتقدم (4)، و لا بأس به.

____________

(1) راجع ص: 389.

(2) راجع ص: 404.

(3) التهذيب 8: 252/ 914، الإستبصار 4: 22/ 70، الوسائل 23: 67 أبواب العتق ب 38 ح 5.

(4) في ص: 389.

410

[القسم الثاني: ولاء تضمّن الجريرة]

القسم الثاني:

ولاء تضمّن الجريرة و هي الجناية:

اعلم أنّ من توالى إنساناً بأن يضمن ذلك الإنسان حدثه و جنايته و يكون ولاؤه المورث به له، ثبت له أي للضامن الميراث بلا خلاف فيه بيننا، بل عليه الإجماع في عبائر كثير من أصحابنا، كالغنية و المسالك و الكفاية و غيرها (1)، و هو الحجة.

مضافاً إلى الصحاح المستفيضة، و غيرها من المعتبرة، ففي الصحيحين «إذا والى الرجل الرجل فله ميراثه، و عليه معقلته» (2).

و في الصحيح: عن مملوك أُعتق سائبة؟ قال: «يتولّى من شاء، و على من تولّى جريرته، و له ميراثه» (3) الخبر، و نحوه الموثق (4)، هذا.

مع أنّه على ما ذكره الأصحاب عقد كان سائغاً في صدر الإسلام، بل في الجاهلية أيضاً، فيشمله عموم: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (5) و مقتضاه اللزوم،

____________

(1) الغنية (الجوامع الفقهية): 608، المسالك 2: 338، الكفاية: 306؛ المفاتيح 3: 310.

(2) الأوّل في: الكافي 7: 171/ 3، الوسائل 26: 244 أبواب ولاء ضمان الجريرة ب 1 ح 2. و الثاني في: التهذيب 9: 396/ 1413، الوسائل 26: 244 أبواب ولاء ضمان الجريرة ب 1 ح 4.

(3) الكافي 7: 171/ 4، الفقيه 3: 80/ 290، التهذيب 8: 255/ 927، الإستبصار 4: 199/ 747، الوسائل 23: 73 أبواب العتق ب 41 ح 1.

(4) التهذيب 9: 394/ 1406، و 395/ 1409، الاستبصار 4: 199/ 746، الوسائل 26: 244 أبواب ولاء ضمان الجريرة ب 1 ح 3، و 249 ب 3 ح 9.

(5) المائدة: 1.

411

كما هو المشهور، وفاقاً للحلي (1)، و ظاهره الإجماع عليه، و هو حجة أُخرى مستقلة، فليس لكل منهما فسخه و نقل الولاء إلى الغير.

خلافاً للشيخ و ابن حمزة (2)، فجائز، إلّا أن يعقل عنه؛ للأصل.

و يندفع بما مر.

و على المختار فيعتبر فيه ما يعتبر في سائر العقود اللازمة.

و صورة عقده أن يقول المضمون: عاقدتك على أن تنصرني، و تدفع عنّي، و تعقل عنّي، و ترثني، فيقول الضامن: قبلت، و لو اشترك العقد بينهما قال أحدهما: على أن تنصرني و أنصرك، و تعقل عني و أعقل عنك، و ترثني و أرثك، أو ما أدّى هذا المعنى، فيقبل الآخر.

و لا يتعدّى الإرث عن الضامن إلى أقاربه و ورثته، على المشهور، بل في الغنية (3) عليه الإجماع؛ قصراً للحكم على موضع الشرط، و وقوفاً على اليقين فيما خالف الأصل.

خلافاً للمحكي في السرائر و المختلف عن ظاهر المقنعة (4)، حيث سوّى بين هذا الولاء و ولاء العتق في جميع الأحكام الثابتة له.

و حجته مع ندرته غير واضحة.

و لا يصح أن يضمن الجريرة إلّا عن سائبة، كالمعتق في النذر و الكفّارات أو تبرّعاً مع التبرّي عن جريرته، كما مرّ أو

____________

(1) السرائر 3: 265.

(2) الخلاف 4: 120، الوسيلة: 398.

(3) الغنية (الجوامع الفقهية): 608.

(4) السرائر 3: 265، المختلف: 740، و هو في المقنعة: 694.

412

ع من كان حرّ الأصل لكن لا وارث له مطلقاً و لو معتِقاً، فإنّ هذا الإرث متأخّر عن الإرث بالنسب و العتق، بلا خلاف، بل في ظاهر الغنية (1) الإجماع عليه، و ربما كان في النصوص الصحيحة (2) دلالة عليه.

و على أنّه لا يرث الضامن إلّا مع فقد كل مناسب (3) و مع فقد المعتِق عتقاً يرث به الولاء، مع أنّه لا خلاف فيه أيضاً.

و الفرق بين هذا الحكم و السابق مع اشتراكهما في اشتراط فقد المناسب و المعتِق أنّ ذلك شرط صحة العقد و هذا شرط الإرث، و المعنى أنّه مع صحة العقد و اجتماع شرائطه لا يثبت الإرث للضامن إلّا مع فقد الوارث المذكور عند موت المضمون أيضاً، فلو فرض تجدّد وارث للمضمون، بأن تزوّج بعد العقد و ولد له أولاد كان إرثه لهم، دون الضامن و إن كان سببه صحيحاً سائغاً.

و يتصوّر تجدّد العتق على العقد بأن يكون إسلامه طارئاً، ثم يكفر بعد العقد، و يلتحق بدار الحرب، و يسترقّ، فيعتقه مولاه، فإنّه يقدّم ولاء العتق على الضامن المتقدّم.

و يرث معه الزوج و الزوجة نصيبهما الأعلى من النصف أو الربع و ما بقي عنه كان له أي للضامن، بلا خلاف، بل عليه الإجماع في الغنية (4)؛ للعمومات، و خصوص ما مرّ من النصوص الدالّة على دخولهما

____________

(1) الغنية (الجوامع الفقهية): 607.

(2) انظر الوسائل 26: 243 أبواب ولاء ضمان الجريرة ب 1.

(3) في «ح» زيادة: و إن بعد.

(4) الغنية (الجوامع الفقهية): 608.

413

على جميع طبقات الورثة (1).

و هو أي الضامن أولى من بيت مال الإمام (عليه السلام)، بلا خلاف، بل في الغنية عليه الإجماع (2)، و هو الحجة.

مضافاً إلى الصحاح المستفيضة و غيرها من المعتبرة، ففي الصحيحين: «من مات و ليس له مولى فماله من الأنفال» (3) و نحوهما الموثق (4) و غيره (5).

و في الصحيح: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) فيمن أعتق عبداً سائبةً: أنّه لا ولاء لمواليه عليه، فإن شاء توالى إلى رجل من المسلمين، فليشهد أنّه يضمن جريرته و كل حدث يلزمه، فإذا فعل ذلك فهو يرثه، و إن لم يفعل ذلك كان ميراثه يردّ على إمام المسلمين» (6) و قريب منه الموثق (7)، و في جملة من النصوص أنّ: «الإمام وارث من لا وارث له» (8).

____________

(1) راجع ص: 363.

(2) الغنية (الجوامع الفقهية): 608.

(3) أحدهما في: الكافي 7: 169/ 4، التهذيب 9: 386/ 1379، الإستبصار 4: 195/ 732، الوسائل 26: 247 أبواب ولاء ضمان الجريرة ب 3 ح 3. و الآخر في: الكافي 7: 168/ 1، الوسائل 26: 247 أبواب ولاء ضمان الجريرة ب 3 ح 4.

(4) التهذيب 9: 386/ 1380، الإستبصار 4: 195/ 733، الوسائل 26: 249 أبواب ولاء ضمان الجريرة ب 3 ح 8.

(5) الوسائل 26: 246 أبواب ولاء ضمان الجريرة ب 3.

(6) التهذيب 9: 394/ 1407، الوسائل 26: 250 أبواب ولاء ضمان الجريرة ب 3 ح 12.

(7) التهذيب 9: 394/ 1406، الإستبصار 4: 199/ 746، الوسائل 26: 249 أبواب ولاء ضمان الجريرة ب 3 ح 9.

(8) الكافي 7: 169/ 3، الوسائل 26: 248 أبواب ولاء ضمان الجريرة ب 3 ح 5.

414

[القسم الثالث: ولاء الإمامة]

القسم الثالث:

ولاء الإمامة و الأصل فيه بعد الإجماع الظاهر المحكي في الخلاف و الغنية و السرائر و المنتهى و المسالك و غيرها من كتب الجماعة (1) النصوص المتقدمة و غيرها من المعتبرة، ففي الصحيح: «من مات و ليس له وارث من قبل قرابته، و لا مولى عتاقه قد ضمن جريرته، فماله من الأنفال» (2).

و فيه: «السائبة التي لا ولاء لأحد عليها إلّا اللّٰه تعالى، فما كان ولاؤه للّٰه تعالى فهو لرسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله)، و ما كان لرسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) فإنّ ولاءه للإمام (عليه السلام)، و جنايته على الإمام (عليه السلام)، و ميراثه له» (3) إلى غير ذلك من النصوص (4)، التي كادت تبلغ هي مع ما مرّ التواتر.

و أمّا النصوص الدالّة على أنّ إرث من لا وارث له لبيت مال المسلمين (5)، فمع قصور سند أكثرها غير مقاومة لما قدّمناه من الأدلّة من وجوه شتّى، أعظمها موافقة تلك للشهرة العظيمة (6)، و مخالفتها للعامّة،

____________

(1) الخلاف 4: 22، الغنية (الجوامع الفقهية): 608، السرائر 3: 265، المنتهي 1: 553، المسالك 2: 338؛ المفاتيح 3: 311، كشف اللثام 2: 302.

(2) الكافي 7: 169/ 2، الفقيه 4: 242/ 773، التهذيب 9: 387/ 1381، الوسائل 26: 246 أبواب ولاء ضمان الجريرة ب 3 ح 1.

(3) الكافي 7: 171/ 2، التهذيب 8: 256/ 930، الإستبصار 4: 26/ 85، الوسائل 23: 77 أبواب العتق ب 43 ح 1.

(4) الوسائل 26: 246 أبواب ولاء ضمان الجريرة ب 3.

(5) الوسائل 26: أبواب ولاء ضمان الجريرة ب 3 ح 9، و ب 4 ح 5، 8، 9، و ب 7 ح 1.

(6) ليس في «ب» و «ر».

415

دون هذه، فإنّها في طرف النقيض لتلك، فلتطرح، أو تحمل على التقية، أو تؤوّل ككلام القائل بها، و هو الإسكافي و الشيخ في الاستبصار (1) بما يؤُول إلى الأخبار الأوّلة: من أنّ المراد ببيت المال و إن أُضيف إلى المسلمين بيت مال الإمام (عليه السلام) بقرينة الأخبار السابقة، و ما ذكره جماعة (2):

من شيوع إطلاق بيت المال و إرادة بيت مال الإمام (عليه السلام)، و يشير إليه كلام الشيخ في الخلاف هنا، حيث قال: ميراث من لا وارث له ينتقل إلى بيت المال، فهو للإمام (عليه السلام) خاصّة، و عند جميع الفقهاء ينتقل إلى بيت المال و يكون للمسلمين (3).

و من الأدلّة المتقدّمة فتوًى و روايةً يستفاد أنّ الإمام (عليه السلام) لا يرث أحداً إلّا مع فقد كلّ وارث له حتى ضامن الجريرة، فلو وجد كان أحقّ بالإرث منه (عليه السلام) عدا الزوجة، فإنّها تشاركه و تأخذ نصيبها الأعلى على الأصح الأشهر، كما مضى بيانه مفصّلًا.

و لا ريب أنّ مع وجوده أي الإمام (عليه السلام) فالمال له، يصنع به ما شاء، و قد روى الشيخان في المقنعة و النهاية (4): أنّه كان علي (عليه السلام) يعطيه فقراء بلده أي بلد الميت، و ضعفائهم، قالا كباقي الأصحاب-: إنّه كان ذلك منه تبرّعاً عليهم.

و أمّا مع غيبته فقيل (5): قال جماعة: يحفظ له بالوصاية، أو

____________

(1) حكاه عن الإسكافي في المختلف: 749، الاستبصار 4: 196.

(2) مجمع الفائدة و البرهان 11: 464، روضة المتقين 11: 377، الوسائل 26: 249، الكفاية: 306.

(3) الخلاف 4: 22، و فيه: لا ينقل إلى بيت المال، و هو للإمام خاصّة.

(4) المقنعة: 705، النهاية: 671.

(5) قاله الشهيدان في الدروس 2: 377، و المسالك 2: 338.

416

الدفن إلى حين ظهوره كسائر الحقوق، و في ظاهر الخلاف (1) الإجماع عليه، و هو أحوط، و إن كان الأظهر ما اختاره الماتن و جماعة من القدماء و المتأخّرين من أنّه يقسم في الفقراء و المساكين، إمّا مطلقا، كما هنا و في الشرائع و التحرير و القواعد و الإرشاد و الدروس و المسالك (2) و عن المفيد و الديلمي و ابن زهرة و الحلي و القاضي و الكيدري (3)، و بالجملة الأكثر، بل الأصحاب أجمع عدا الصدوق في الفقيه و الشيخ في الخلاف كما في النكت (4).

أو مقيداً بفقراء بلد الميت و مساكينه، كما في اللمعة في هذا الكتاب و الدروس في بحث الأنفال من كتاب الخُمس (5).

و ذلك لما مرّ (6) من النصوص الصحيحة الدالّة على أنّه من الأنفال، فدلّت على جواز صرفه فيهم، إن لم يدلّ على ما هو أعمّ من ذلك، بناءً على القول بتحليلهم الأنفال للشيعة في زمان الغيبة، كما هو المشهور، على ما صرّح به في الروضة (7).

مضافاً إلى ما نبّه عليه في الكفاية (8) بعد اختياره هذا القول، تبعاً

____________

(1) الخلاف 4: 23.

(2) الشرائع 4: 40، التحرير 2: 171، القواعد 2: 180، الإرشاد 2: 126، الدروس 2: 377، المسالك 2: 339.

(3) المفيد في المقنعة: 706، الديلمي في المراسم: 224 و حكاه عن ابن زهرة و ابن إدريس و الكيدري في غاية المراد 3: 591، القاضي في المهذّب 2: 154.

(4) الفقيه 4: 242، الخلاف 4: 23، غاية المراد 3: 591.

(5) اللمعة (الروضة البهية 8): 190، الدروس 1: 264.

(6) راجع ص: 408.

(7) الروضة 2: 85.

(8) الكفاية: 307.

417

للمقدّس الأردبيلي (1)(رحمه الله) من أنّ وجهه استغناء الإمام (عليه السلام) و احتياج الفقراء، و الحفظ في المدّة المتطاولة تعريض للمال للتلف، فمعلوم رضا الإمام (عليه السلام) بذلك، و أنّه لو كان حاضراً مستغنياً لفعل كذلك، هذا.

مع أنّي لم أجد الخلاف إلّا من الخلاف (2)، و هو بالإضافة إلى باقي الأصحاب شاذّ، و به يوهن ما في ظاهر كلامه من الإجماع، مع عدم صراحته فيه.

نعم في السرائر (3) ما يدل على موافقته له، إلّا أنّ المحكي عنه في النكت ما قدّمناه.

و ليس في هذه الأدلّة ما يدلّ على اعتبار القيد المشار إليه في اللمعة، بل هي مطلقة، و لا شاهد له إلّا ما مرّ في رواية الشيخين من فعل علي (عليه السلام)، و هي مع ضعف سندها بالإرسال لا تدلّ على ثبوته في غيبته، و بذلك صرّح في الروضة (4).

نعم الأولى ذلك، كما في الكفاية (5)؛ حذراً من الشبهة الناشئة من خلاف اللمعة، لكنّها مشروطة بما إذا لم يُعارضها أولويّة من وجه آخر، كما إذا كان فقراء غير أهل البلد أحوج، و فيهم الأيتام، و الأرامل، و الضعفاء العاجزين عن التكسّب كالعجائز، و الشيوخ، و المرضى، و أصحاب العاهات.

و هنا قول ثالث بلزوم الدفع إلى همشاريجه مطلقاً، اختاره الصدوق

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان 4: 345.

(2) الخلاف 4: 23.

(3) السرائر 3: 229.

(4) الروضة 8: 190.

(5) الكفاية: 307.

418

في الفقيه (1)؛ لخبرين (2) قاصري السند مختصّ أحدهما بحال حضوره (عليه السلام)، مع أنّه لا يقول به، بل يخصّ ذلك بحال الغيبة، كما هو محل البحث.

مع أنّ بعض المحدّثين (3) حكى عن بعض النسخ: همشيريجه بالياء بعد الشين بدل همشهريجه بالهاء بعد الشين و قال: المراد به:

الأخ الرضاعي. فلا دخل لهما بمحل البحث، مع شذوذهما على هذا التقدير، و إن دلّ على ما دلّا عليه بعض النصوص، كالخبر الضعيف بسهل:

ما تقول في رجل مات و ليس له وارث إلّا أخاً له من الرضاعة، يرثه؟ قال:

«نعم» (4) الخبر.

و لا قائل بذلك من الأصحاب، كما صرّح به جدّي المجلسي(رحمه الله) في شرحه على الفقيه، فقال: و لا خلاف في أنّ ولد الرضاعة ما يرث (5).

انتهى.

و مع ذلك لا بأس به إن كان الهمشهريج متعدّداً، و من جملة الفقراء، فإنّ فيه جمعاً بين الأقوال.

و اعلم أنّ إطلاق الفقير في عبائر الأصحاب يشمل الهاشمي و غيره من العوام، و الأولى بل لعلّه المعيّن عند الأحقر تخصيص الأوّل به؛ لما ورد من أنّ السادات عياله، يجب عليه جبر نفقتهم من حصّته في الخمس (6)، فصرف حقّه في ضرورة ما يلزمه أولى من صرفه إلى غيره، مضافاً إلى آية

____________

(1) الفقيه 4: 242.

(2) الوسائل 26: 252 أبواب ولاء ضمان الجريرة ب 4 ح 1، 2، 3، 4.

(3) و هو الحر العاملي في الوسائل 26: 256.

(4) الكافي 7: 168/ 1، الوسائل 26: 255 أبواب ولاء ضمان الجريرة ب 5 ح 1.

(5) روضة المتقين 11: 380.

(6) انظر الوسائل 9: 520 أبواب قسمة الخمس ب 3.

419

أُولي الأرحام (1)، المقتضية لتعيّنهم، و لو لا شبهة الإجماع بجواز الدفع إلى غيرهم اتّجه القول به، و ليس في فعل عليّ (عليه السلام) و دفعه إيّاه إلى فقراء البلد منافاة لذلك، من حيث عدم معلوميّة كونهم من العوام، و على تقدير المعلوميّة كما هو الظاهر ليس فيه أنّه فعل ذلك مع حاجة السادة بذلك، بل الظاهر عدم حاجتهم مع وجوده (عليه السلام)، و قلّتهم، و أين ذلك من كثرة السادة في أمثال الزمان، و شدّة حاجتهم، مع عدم وفاء حقّهم من الخمس بمؤونتهم.

و بالجملة عمل الفقير على ذلك، بل لعلّه عندي من اللوازم، و لعلّه لازم لكلّ من أوجب دفع حصّته (عليه السلام) من الخمس في زمان الغيبة إليهم، كما يومئ إليه بعض تعليلاتهم، المتقدم إليه الإشارة.

نعم لو اتفق غناؤهم و لا يتفق إلّا أن يشاء اللّٰه تعالى صرف إلى غيرهم من فقراء الشيعة، الأحوج منهم فالأحوج.

و على كلّ حال لا يجوز أن يعطى الجائر إلّا مع الخوف المبيح للإعطاء، كأن يأخذه قهراً؛ لأنّه غير مستحقّ له عندنا، فلو دفعه إليه دافع اختياراً كان ضامناً، و لو أمكنه دفعه عنه ببعضه وجب، فإن لم يفعل ضمن ما يمكنه منعه منه.

____________

(1) الأنفال: 75، الأحزاب: 6.

420

[و أما اللواحق]

[الفصل الأوّل: في ميراث ابن الملاعنة]

و أما اللواحق فأربعة فصول: الأوّل: في ميراث ابن الملاعنة قد تقرّر في كتاب اللعان أنّه سبب في التحريم المؤبّد، و زوال الفراش، و انتفاء الولد من الملاعن، و من لوازمه أنّه لا يرثه الولد، و لا يرثه هو و لا أحد من أقارب الأب؛ لانتفاء النسب بينهم شرعاً، فيبقى ميراثه لُامّه و من يتقرّب بها من أخواله و أجداده من قِبلَها و ل ولده لأنّ نسبه لم ينتف عن الامّ، و لم يلزم من نفي الأب له كونه ولد زنا، إجماعاً، و سيأتي النصوص الدالّة على جميع ذلك.

فإن كان له ولد و أُمّه حيّة فللأُمّ السدس، و الباقي تمامه للولد و إن نزل، إن كان ذكراً، و إن كان أُنثى فله النصف، أو الثلثان، و الباقي ردّ عليهما إن اجتمع معها.

و لو انفردت عنه و عن الزوجين كان لها الثلث إجماعاً و لها الباقي أيضاً بالردّ عليها، على الأشهر الأقوى، بل لعلّه عليه عامّة متأخّري أصحابنا، و عن الخلاف (1) الإجماع عليه، و هو الحجة.

مضافاً إلى الأُصول المتقدّمة، الثابتة من الكتاب و السنّة، و خصوص النصوص المستفيضة التي كادت تبلغ التواتر، ففي بعضها: «أنّ ميراث ولد الملاعنة لأُمّه» (2).

____________

(1) الخلاف 4: 104.

(2) الكافي 7: 160/ 2، الفقيه 4: 236/ 750، التهذيب 9: 338/ 1218، الوسائل 26: 259 أبواب ميراث ولد الملاعنة ب 1 ح 2.

421

و في جملة وافرة منها: عن ولد الملاعنة، من يرثه؟ قال: «امّه» قلت: فإن ماتت امّه من يرثه؟ قال: «أخواله» (1).

خلافاً للإسكافي و الشيخ في الاستبصار (2)، فخصا ذلك بما إذا كان هناك عصبة لها يعقلون عنه، و جعلا الردّ مع عدمهم على الإمام (عليه السلام)، كما عليه الشيخ أو بيت مال المسلمين كما عن الإسكافي.

و للصدوق (3)، ففصّل بين غيبة الإمام (عليه السلام) فالردّ عليها، و حضوره فالردّ عليه؛ جمعاً بين النصوص المتقدمة و الصحيحين: «ابن الملاعنة ترثه امّه الثلث، و الباقي لإمام المسلمين؛ لأنّ جنايته على الإمام (عليه السلام)» (4). و لا شاهد عليه، مع إطلاق كلّ من نصوص الطرفين، و فقد التكافؤ؛ لكثرة الأخبار الأوّلة، مع اعتبار جملة منها، و انجبار باقيها بالشهرة العظيمة، و مخالفة العامّة كما سيأتي إليه الإشارة و حكاية الإجماع المتقدمة، و لا يعارض جميع ذلك بل و لا جملة منها مجرّد الصحة في الأخبار المقابلة.

و بالجملة هذا القول ضعيف غايته، و لا شاهد له كسابقه.

و منه يظهر أنّ الصحيحين من الروايات الشاذّة، لا عامل بإطلاقهما في الطائفة، و بذلك صرّح في التحرير (5)، و قد حملهما في التهذيب على التقية، بعد أن قال: إنّهما غير معمول عليهما (6)، مشعراً بدعوى الإجماع

____________

(1) الوسائل 26: 259 أبواب ميراث ولد الملاعنة ب 1.

(2) حكاه عن الإسكافي في المختلف: 743، الاستبصار 4: 182.

(3) الفقيه 4: 236.

(4) الفقيه 4: 236/ 751، 752، التهذيب 9: 342/ 1230، 1231، الإستبصار 4: 182/ 683، 684، الوسائل 26: 265 أبواب ميراث ولد الملاعنة ب 3 ح 3، 4.

(5) التحرير 2: 173.

(6) التهذيب 9: 343.

422

على طرحهما، و قوله في الاستبصار ليس بصريح، بل و لا ظاهر في الفتوى؛ لاحتمال إرادته به مجرّد الجمع بين الأخبار، و لكن فيه ما مرّ.

مضافاً إلى ما ذكره الحلي: من أنّه هدم و نقض لإجماعنا، و هو أنّ قرابات الامّ و كلالتها لا يعقلون، و لا يرثون من الدية شيئاً، بغير خلاف بيننا، و ذكر قبل هذا اعتراضاً أيضاً، و هو أنّه مصير إلى مذهب المخالفين، و عدول عن آية اولى الأرحام (1)، و أُصول المذهب، و رجوع إلى القول بالعصبة (2).

و لو انفرد الأولاد عن الامّ و الزوجين اقتسموه على حسب ما قرّر في ميراث الأولاد فلل بنت ال واحدة النصف بالفرض و كذا للاثنتين فصاعداً الثلثان به، و الباقي من النصف في الفرض الأوّل، و الثلث في الفرض الثاني لصاحبة الفرض بالردّ.

و للذكران إذا انفردوا عن البنات المال بينهم بالسوية، و لو اجتمعوا أي الذكور و الإناث فللذكر سهمان، و للأُنثى سهم و يرث الزوج و الزوجة نصيبهما الأعلى من النصف و الربع مع عدم الولد و إن نزل و الباقي للوارث الخاص من الامّ و نحوها إن كان، و إلّا فالباقي ردّ على الزوج، و على الإمام (عليه السلام) مع الزوجة، كما تقدّمت إليه الإشارة (3) و لهما نصيبهما الأدنى من الربع و الثمن معهم أي مع الأولاد.

و لو عدم الولد يرثه من تقرب بامّه من الأجداد و الجدّات و الإخوة

____________

(1) الأنفال: 75، الأحزاب: 6.

(2) السرائر 3: 276.

(3) راجع ص: 411.

423

و الأخوات و الأعمام و العمّات و الأخوال و الخالات، و هكذا إلى سائر الطبقات و الدرجات مرتّبين الأقرب فالأقرب، الذكر و الأُنثى منهم سواء في النصيب؛ لتقرّبهم بالأُمّ، و قد مرّ أنّ نصيبهم ذلك.

و مع عدم الوارث مطلقاً حتى ضامن الجريرة يرثه الإمام (عليه السلام). و لا خلاف في شيء من ذلك؛ للعمومات من الكتاب و السنّة، خرج منها ابن الملاعنة في صورة خاصّة، و بقي الباقي مما قدّمناه تحتها مندرجة، و مع ذلك النصوص بجملة منها مستفيضة، تقدّم بعضها، و يأتي إلى جملة أُخرى منها الإشارة.

و يرث هو أي ابن الملاعنة امّه بلا خلاف فتوًى و روايةً و كذا من يتقرّب بها ممن قدّمناه مطلقا على الأظهر الأشهر بين أصحابنا، و ربما أشعر عبارة الماتن في الشرائع (1) بالإجماع عليه، و يعضده إطباق فتاوي من وقفت على كلامهم عليه؛ لثبوت نسبه و صحته بالنسبة إليهم، بلا خلاف، كما في السرائر (2).

و للصحيح: «ابن الملاعنة ينسب إلى امّه، و يكون أمره و شأنه كلّه إليها» (3) و من ثمّ ورثوه هم إجماعاً، كما في المسالك (4)، فيدخل فيما مرّ من العمومات.

و مع ذلك النصوص المستفيضة دالّة عليه بإطلاقها، فإنّ فيها: أ رأيت إن ماتت امّه، و ورثها الغلام، ثم مات الغلام، من يرثه؟ قال: «عصبة أُمّه،

____________

(1) الشرائع 4: 43.

(2) السرائر 3: 276.

(3) الفقيه 4: 237/ 757، الوسائل 26: 262 أبواب ميراث ولد الملاعنة ب 1 ح 8.

(4) المسالك 2: 339.

424

و هو يرث أخواله» (1).

و به أفتى في التهذيب، فقال: إنّ العمل على ثبوت الموارثة أحوط و أولى على ما يقتضيه شرع الإسلام (2).

خلافاً له في الاستبصار (3)، فخصّ ذلك بما إذا اعترف به الأب، و إلّا فلا يرث أخواله، جمعاً بين إطلاقي النصوص بالتوارث، كما تقدّم، و بالعدم، كالموثق: «يرثه أخواله، و لا يرثهم الولد» (4) بشهادة النصوص المفصّلة الدالّة عليه بالمفهوم، منها الصحيحان: «فإن لم يدعه أبوه فإنّ أخواله يرثونه، و لا يرثهم» (5).

أقول: و يعضده أنّ موارد تلك المستفيضة الحاكمة بالتوارث إنّما هو صورة تكذيب الوالد بعد اللعان نفسه، و الحكم فيها ذلك، كما في النصوص المفصّلة، فليس بينهما معارضة.

لكن روى الصدوق في الفقيه بسندين غير نقيين، بل أحدهما ضعيف، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): في ابن الملاعنة، من يرثه؟ قال: «ترثه امّه» قلت: أ رأيت إن ماتت امّه و ورثها، ثم مات هو، من يرثه؟ قال: «عصبة

____________

(1) الكافي 7: 161/ 8، التهذيب 9: 339/ 1222، الوسائل 26: 261 أبواب ميراث ولد الملاعنة ب 1 ح 7.

(2) التهذيب 9: 341.

(3) الاستبصار 4: 181.

(4) الكافي 7: 161/ 9، التهذيب 9: 341/ 1226، الإستبصار 4: 180/ 679، الوسائل 26: 267 أبواب ميراث ولد الملاعنة ب 4 ح 4.

(5) أحدهما في: الكافي 7: 160/ 10، التهذيب 9: 341/ 1227، الإستبصار 4: 180/ 680، الوسائل 26: 268 أبواب ميراث ولد الملاعنة ب 4 ح 5. و الآخر في: الكافي 6: 163/ 6، الفقيه 4: 235/ 749، التهذيب 9: 342/ 1229، الإستبصار 4: 181/ 682، الوسائل 26: 269 أبواب ميراث ولد الملاعنة ب 4 ح 7.

425

أُمّه، و هو يرث أخواله» (1).

و ليس فيه ما يوجب تقييد الإطلاق من نحو خصوصية المورد، و رجوع الضمير في الجواب إليه، كما اتفق في المستفيضة المتقدمة، و قصور السند منجبر بالشهرة العظيمة، و الموافقة للعمومات القطعيّة، مع أنّ القائل بالنصوص المفصّلة و إن صحّت، و جمعت بين الأخبار المختلفة غير معروف، عدا الشيخ في الاستبصار، و فتواه فيه غير متيقّنة و لا معلومة، كما مرّ التنبيه عليه مراراً، و مع ذلك فهو على تقديره متروك، كما ذكره الماتن في الشرائع (2)، و عضده ما قدّمناه، فالمشهور لعلّه أقوى.

و حيث قد تقرّر انتفاء نسب ولد الملاعنة عن أبيه ظهر أنّه لا يرث أباه، و لا من تقرّب به، و لا يرثونه من حيث النسب.

و لو اعترف به الأب بعد اللعان لحق به في الجملة و ورث هو أباه خاصّة دون العكس، فلا يرثه الأب.

بلا خلاف في شيء من ذلك، و النصوص به مع ذلك مستفيضة، ففي الصحيح: «فإن ادّعاه أبوه لحق به، و إن مات ورثه الابن، و لم يرثه الأب» (3).

و في آخر: «يردّ إليه ابنه، و لا يرثه» (4).

و في الخبر: إذا أقرّ به الأب هل يرث الأب؟ قال: «نعم، و لا يرث الأب الابن» (5).

____________

(1) الفقيه 4: 237/ 756، الوسائل 26: 266 أبواب ميراث ولد الملاعنة ب 4 ح 1.

(2) الشرائع 4: 43.

(3) الكافي 7: 160/ 3، التهذيب 9: 339/ 1219، الوسائل 26: 262 أبواب ميراث ولد الملاعنة ب 2 ح 1.

(4) الكافي 7: 161/ 7، الفقيه 4: 237/ 755، الوسائل 26: 263 أبواب ميراث ولد الملاعنة ب 2 ح 3.

(5) الكافي 7: 160/ 5، التهذيب 9: 339/ 1221، الوسائل 26: 263 أبواب ميراث ولد الملاعنة ب 2 ح 2.

426

و أمّا بعض النصوص (1) الدالّة على أنّه مع الاعتراف به بعد اللعان لا يردّ على الأب، فمع قصور سنده شاذّ، محمول على عدم اللحوق الكامل الموجب للتوارث من الطرفين.

و هل يرث الولد غيره أي غير الأب من ذوي قرابة أبيه و يرثونه، أم يرثهم و لا يرثونه، أم يستمرّ الأمران على النفي السابق؟ أوجه، فالشيخ (2) و الأكثر، و منهم الماتن هنا و في الشرائع (3) على (4) الأخير؛ عملًا بالاستصحاب، و قصراً للإقرار على المقرّ، و على تقدير كونه شهادة فهي لا تسمع من الواحد.

و خيرة الحلبي و الفاضل (5) في بعض كتبه الأوّل؛ نظراً منهما إلى أنّ الإقرار كإقامة البيّنة الموجبة لثبوت النسب.

و فيه ما عرفته.

و فصّل الفاضل (6) في بعض كتبه بأنّهم إن صدّقوا الأب على اللعان لم يرثهم و لا يرثونه، و إن كذّبوه ورثهم و ورثوه. و المذهب الأوّل و لا عبرة بنسب الأب كما مرّ.

و يتفرّع عليه أنّه لو ترك ابن الملاعنة إخوة لأب و أُمّ مع أخ أو إخوة (7) لأُمّ، كانوا سواء في الحصّة (8)، و كذا لو ترك جدّاً لُامّ مع أخ أو

____________

(1) التهذيب 9: 340/ 1223، الإستبصار 4: 179/ 676، الوسائل 26: 266 أبواب ميراث ولد الملاعنة ب 4 ح 3.

(2) في «ح» و «ر»: ظاهر الشيخ. التهذيب 9: 341، النهاية: 679.

(3) الشرائع 4: 43.

(4) ليس في «ح» و «ر».

(5) الكافي في الفقه: 375، المختلف: 744.

(6) القواعد 2: 181.

(7) في المطبوع من المختصر (273): أو أُخت.

(8) في المطبوع من المختصر (273): المال.

427

أُخت أو إخوة أو أخوات من أب و أُمّ تساووا فيها؛ لكون انتسابهم إليه من جهة الأُمّ خاصّة، فيتساوون فيها، كما مرّ إليه الإشارة.

و اعلم أنّ في إطلاق الأب على الملاعن تجوّزاً؛ إذ ليس بأبٍ له ينسب إليه ظاهراً، و وجهه النظر إلى كونه أباه ابتداءً.

[خاتمة تشتمل على مسائل سبع:]

[الاولى: ولد الزنا لا ترثه امّه و لا غيرها من الأنساب]

خاتمة تشتمل على مسائل سبع: الاولى: ولد الزنا لا يرثه الزاني، و لا امّه الزانية (1) و لا غيره م ا من الأنساب و لا يرثهم، بلا خلافٍ في قطع التوارث بينه و بين الزاني و أقربائه، بل عليه الإجماع في المختلف و الإيضاح و شرحي الشرائع للصيمري و شيخنا الشهيد الثاني (2)، و هو الحجة.

مضافاً إلى النصوص المستفيضة، ففي الصحيح: «أيّما رجل وقع على وليدة قوم حراماً، ثم اشتراها، فادعى ولدها، فإنّه لا يورث منه شيء، فإنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) قال: الولد للفراش، و للعاهر الحجر، و لا يورث ولد الزنا إلّا رجل يدّعي ابن وليدته» (3) و نحوه بعينه الموثق (4)، و أخبار أُخر (5).

و في الصحيح: قلت: فإنّه مات، و له مال، من يرثه؟ قال

____________

(1) ليس في «ب» و «ر».

(2) المختلف: 754، الإيضاح 4: 247، غاية المرام 4: 193، المسالك 2: 340.

(3) التهذيب 9: 346/ 1242، الإستبصار 4: 185/ 693، الوسائل 26: 274 أبواب ميراث ولد الملاعنة ب 8 ح 1.

(4) الكافي 7: 163/ 1، الوسائل 26: 274 أبواب ميراث ولد الملاعنة ب 8 ذيل الحديث 1.

(5) الوسائل 26: 274 أبواب ميراث ولد الملاعنة ب 8.

428

«الإمام (عليه السلام)» (1). و في الخبر: عن رجل فجر بامرأة، ثم إنّه تزوّجها بعد الحمل، فجاءت بولد، هو أشبه خلق اللّٰه تعالى به؟ فكتب بخطّه و خاتمه: «الولد لغية، لا يورث» (2).

و إطلاقهما كعموم التعليل في الأخير، و المستفيضة المتقدمة يدل على عموم الحكم و شموله لجميع ما في العبارة من منع التوارث بينه و بين الامّ و أقاربها أيضاً، كما هو الأظهر الأشهر بين أصحابنا، بل عليه عامّة متأخّريهم، بحيث كاد أن يكون ذلك إجماعاً منهم، و ربما أشعر به عبائر كثير، كالشيخ في الاستبصار و الماتن في الشرائع و شيخنا في شرحه و الفاضل في القواعد (3)، حيث قالوا على الرواية الآتية: أنّها شاذّة مطرحة، فلا ريب في المسألة.

و أمّا النصوص الدالّة على إرث الزاني منه إذا أقرّ به (4)، فشاذّة مطرحة، لا عمل عليها بين أصحابنا، مع قصور أسانيدها عن الصحة، فلتكن مطرحة، و إن كانت موثقة.

و لا خلاف في أنّه يرثه أي ولد الزنا ولده و إن نزل، و الزوج أو الزوجة نصيبهما الأعلى مع عدم الولد، و الأدنى معه؛ للعمومات، مع عدم المانع من جهتهم.

____________

(1) الفقيه 4: 231/ 739، التهذيب 9: 343/ 1234، الإستبصار 4: 183/ 686، الوسائل 26: 275 أبواب ميراث ولد الملاعنة ب 8 ح 3.

(2) الكافي 7: 163/ 2، الفقيه 4: 231/ 738، التهذيب 9: 343/ 1233، الإستبصار 4: 182/ 685، الوسائل 26: 274 أبواب ميراث ولد الملاعنة ب 8 ح 2.

(3) الاستبصار 4: 183، الشرائع 4: 44، المسالك 2: 340، القواعد 2: 181.

(4) الوسائل 26: 276 أبواب ميراث ولد الملاعنة ب 8 ح 5، 7، 8.

429

و لو لم يكن أحدهم أي الولد أو الزوجين، و لا وارث آخر و لو ضامن جريرة فميراثه للإمام (عليه السلام) مطلقاً، و لو كان هناك الأبوان، أو أحد من ذوي قرابتهما، على الأشهر الأقوى، كما مضى.

و قيل كما عن الإسكافي و الصدوق و الحلبي (1): إنّه يرثه امّه و أقاربها مع عدمها كابن الملاعنة للخبرين، في أحدهما: «أنّ عليّاً (عليه السلام) كان يقول: ولد الزنا، و ابن الملاعنة ترثه امّه، و إخوته لأُمّه، أو عصبتها» (2).

و في الثاني: «ميراثه لقرابته من قِبَل امّه على نحو ميراث ابن الملاعنة» (3).

و هما قاصرا السند بغياث بن كلوب و غيره في الأوّل، و الوقف إلى الراوي من دون نسبته إلى إمام في الثاني، فلا يعترض بهما الأدلّة المتقدّمة من وجوه عديدة، سيّما مع موافقتهما لمذهب العامّة، كما صرّح به في السرائر و الغنية (4)، فليحملا على التقية، أو على عدم كون الأُمّ زانية، فإنّها و أقاربها يرثونه حينئذٍ؛ لثبوت النسب الشرعي بينهم، فيكون كولد الملاعنة، و ما أجود هذا الحمل، و لم أر من تعرّض له إلّا قليلًا من متأخّري متأخّري الطائفة (5).

[الثانية: الحمل يرث إن سقط حيّاً]

الثانية: الحمل يرث إن سقط حيّاً إجماعاً، للصحاح المستفيضة،

____________

(1) حكاه عن الإسكافي في المختلف: 744، الفقيه 4: 232، الكافي في الفقه: 377.

(2) التهذيب 9: 345/ 1239، الإستبصار 4: 184/ 690، الوسائل 26: 278 أبواب ميراث ولد الملاعنة ب 8 ح 9.

(3) الكافي 7: 164/ ذيل الحديث 4، التهذيب 9: 344/ 1238، الإستبصار 4: 183/ 689، الوسائل 26: 276 أبواب ميراث ولد الملاعنة ب 8 ح 6.

(4) السرائر 3: 276، الغنية (الجوامع الفقهية): 608.

(5) مجمع الفائدة 11: 520، الوسائل 26: 278.

430

و غيرها من المعتبرة، ففي الصحيحين و غيرهما: «إذا تحرّك تحرّكاً بيّناً ورث، فإنّه ربما كان أخرس» (1).

و في الصحيح: «إذا تحرّك ورث، إنّه ربما كان أخرس» (2).

و تعتبر حياته عند الأصحاب ب حركة الأحياء، كالاستهلال و الصياح، أو مجرّد الحركات البيّنة المعبّر عنها ب الحركات الإرادية دون غيرها من مثل التقلّص و القبض و البسط طبعاً لا اختياراً، فإنّ ذلك قد يحصل في اللحوم.

و الحركة المطلقة في الصحيحة الأخيرة مقيّدة بالبيّنة منها، بمقتضى الأخبار السابقة عليها، بل ورد في كثير من المعتبرة حصر ما يعتبر به في الاستهلال و الصياح خاصّة، ففي الصحيح: «لا يصلّى على المنفوس، و هو المولود الذي لم يستهلّ، و لم يصح، و لم يورث من الدية و لا غيرها، فإذا استهلّ فصلّ عليه، و ورّثه» (3).

و في الموثق: في ميراث المنفوس من الدية، قال: «لا يرث شيئاً حتى يصيح، و يسمع صوته» (4). و نحوه المرسل: «إنّ المنفوس لا يرث من الدية شيئاً حتى يستهلّ، و يسمع صوته» (5).

____________

(1) الوسائل 26: 304 أبواب ميراث الخنثى و ما أشبهه ب 7 ح 4، 7، 8.

(2) الكافي 7: 155/ 1، الوسائل 26: 302 أبواب ميراث الخنثى و ما أشبهه ب 7 ح 3.

(3) التهذيب 3: 199/ 459، الوسائل 26: 303 أبواب ميراث الخنثى و ما أشبهه ب 7 ح 5.

(4) الكافي 7: 156/ 5، التهذيب 9: 391/ 1397، الإستبصار 4: 198/ 745، الوسائل 26: 302 أبواب ميراث الخنثى و ما أشبهه ب 7 ح 1.

(5) الكافي 7: 156/ 6، الوسائل 26: 302 أبواب ميراث الخنثى ب 7 ح 2.

431

لكن أطبق الأصحاب على تركها، و العمل بالأخبار السابقة المصرّحة بالاكتفاء بالحركة، معلّلةً بأنّه ربما كان أخرس، و لعلّه لقوّة احتمال ورود هذه الأخبار مورد الغالب.

و ربما جمع بعض الأصحاب بينها و بين الأخبار المتقدّمة بالتخيير بين الأمرين، بمعنى الاكتفاء بأحدهما (1).

و لا بأس به، لكنّه ليس بجمع حقيقة، بل خروج عن ظاهر الأخيرة، و طرح لمفاهيمها بالكلّية.

و الأجود حملها على التقيّة، كما فعله جماعة، و منهم شيخ الطائفة، قال: لأنّ بعض العامّة يراعون في توريثه الاستهلال (2).

أقول: و يشير إليه الأمر بالصلاة عليه بعد استهلاله في الصحيحة الأُولى، و يستفاد من بعض الأخبار الصحيحة (3) كونه مذهب العامّة.

و أمّا الجمع بينها بتخصيص الأخيرة بالإرث من الدية، و الأوّلة بالإرث من غيرها، كما في المفاتيح (4).

فضعيف غايته؛ لعدم الشاهد عليه سوى إشعار المرسلة به، من حيث تخصيص الإرث بالدية باعتبار الاستهلال فيه، و اختصاص الموثقة السابقة عليها بها أيضاً، و لا يصلحان للشهادة، من حيث إنّ الاختصاص في الموثقة إنّما هو في كلام الراوي خاصّة، و الإشعار في المرسلة ليس بحجة إلّا على تقدير حجية مفهوم اللقب، و هو مع أنّه ليس بحجة باتفاق

____________

(1) انظر الوسائل 26: 302.

(2) الاستبصار 4: 199؛ و انظر الدروس 2: 355.

(3) الفقيه 4: 226/ 818، التهذيب 9: 392/ 1399، الإستبصار 4: 198/ 744، الوسائل 26: 304 أبواب ميراث الخنثى ب 7 ح 8.

(4) المفاتيح 3: 316.

432

الطائفة لا يعارض مفاهيم التعليلات في الأخبار المتقدّمة التي هي كالنص في عدم اعتبار الاستهلال بالكلّية، و لو في الإرث من الدية، و مع ذلك فهو منقوض بصريح الصحيحة المتقدّمة المسوّية بين الدية و غيرها في اعتبار الاستهلال خاصّة، و بالجملة فهذا الجمع ناشٍ عن قلّة التأمّل في الأخبار، و عدم التتبع لها كما هو.

و اعلم أنّ مقتضى إطلاق الروايات و الفتاوي و به صرّح الشهيدان و غيرهما (1) عدم اشتراط استقرار الحياة، بل وجودها مطلقاً.

خلافاً لظاهر الماتن في الشرائع (2)، فاعتبر استقرارها. و لا وجه له أصلًا، سيّما مع ورود بعض الصحاح في السقط أنّه إذا تحرّك تحرّكاً بيّناً يرث و يورث (3)، و الغالب فيه عدم استقرار الحياة.

و لا يشترط حياته عند موت المورّث، بمعنى حلول الحياة فيه عنده، بلا خلاف ظاهر، و قد صرّح به بعض الأصحاب (4)؛ لإطلاق النصوص بإرثه مع ولادته حيّاً، الشامل لما لو كان عند موت مورّثه نطفة.

نعم يشترط العلم بوجوده عند الموت؛ ليحكم بانتسابه إليه، و يعلم ذلك بأن تلده لما دون ستّة أشهر من حين موته مدّة يمكن تولّده منه، أو لأقصى الحمل إذا لم توطأ الامّ وطئاً يصلح استناد الولد معه إلى الواطئ.

____________

(1) الدروس 2: 355، المسالك 2: 316، الروضة 8: 209؛ و انظر كشف اللثام 2: 287.

(2) الشرائع 4: 48.

(3) الكافي 7: 155/ 2، التهذيب 9: 391/ 1394، الإستبصار 4: 198/ 742، الوسائل 26: 303 أبواب ميراث الخنثى ب 7 ح 4.

(4) و هو الفيض الكاشاني في المفاتيح 3: 316.

433

و قد صرّح الفاضل في التحرير و الشهيد في الدروس و غيرهما (1) بأنّه لو خرج نصفه و تحرّك أو استهلّ ثم سقط ميّتاً لم يرث و لا يورث.

و لعلّه للأصل، و اختصاص النصوص بحكم التبادر بالساقط متحرّكاً بجميعه، و لا بأس به، و لم أجد الخلاف فيه، و إن أشعر به عبارة التحرير، و لعل المخالف من العامّة.

[الثالثة يوقف للحمل نصيب ذكرين احتياطاً]

الثالثة: قال الشيخ (2) و تبعه الأصحاب، من غير خلاف، كما صرّح به جماعة منهم (3): إنّه يوقف و يعزل للحمل نصيب ذكرين احتياطاً عن تولّده حياً، و تعدّده ذكراً، و إنّما لم يوقف له زيادة عن نصيبهما مع احتمال التولّد زائداً عنهما لندرته غالباً.

ثم على هذا التقدير لا يخلو من احتمالات عشرة: إمّا أن يولد ذكراً واحداً، أو أُنثى كذلك، أو خنثى، أو ذكرين، أو أُنثيين، أو خنثيين، أو ذكراً و أُنثى، أو ذكراً و خنثى، أو أُنثى و خنثى، أو يسقط ميّتاً، و أكثر هذه الاحتمالات نصيباً للحمل فرضه ذكرين، فلو اجتمع مع الحمل ذكر اعطي الثلث، و وقف للحمل الثلثان، و لو اجتمع معه أُنثى أُعطيت الخمس حتى يتبيّن الحمل، فإن ولد حيّاً كما فرض، و إلّا وزّع التركة بينهم على حسب ما يقتضيه حال الحمل، فإن ولد ميّتاً خصّ باقيها بالولد الموجود مطلقا، و إن ولد حيّاً وزّعت بينهم أنصافاً، أو أثلاثاً، أو نحو ذلك، بحسب ما يقتضيه حاله من ذكورته أو أُنوثته أو خنوثته، واحداً أو متعدّداً.

و لو كان هناك ذو فرض أُعطُوا النصيب الأدنى إن كانوا ممّن

____________

(1) التحرير 2: 174، الدروس 2: 355؛ المسالك 2: 316.

(2) الخلاف 4: 112.

(3) منهم ابن فهد في المهذب البارع 4: 415، و انظر المسالك 2: 343.

434

يحجبهم الحمل على الأعلى، كالزوجين و الأبوين، أو أحدهما، مع عدم ولد هناك أصلًا، فإن ولد ميّتا أكملوا نصيبهم، و إن ولد حيّاً روعي حاله، و قسّم التركة على حسبها.

و الضابط: أنّه متى كان هناك حمل، و طلب الورثة القسمة، فمن كان محجوباً بالحمل كالإخوة لا يعطى شيئاً إلى أن يتبيّن الحال، و من كان له فرض لا يتغيّر بوجوده و عدمه كنصيب الزوجين و الأبوين إذا كان معه ولد يعطى كمال نصيبه، و من ينقصه و لو على بعض الوجوه يعطى أقل ما يصيبه على تقدير ولادته على وجه يقتضيه، كالأبوين إذا لم يكن هناك ولد غيره.

[الرابعة: يرث دية الجنين]

الرابعة: يرث دية الجنين و هو الولد في البطن مطلقاً، حلّ فيه الحياة أم لا، على ما يقتضيه إطلاق عبارة المتن و باقي أصحابنا أبواه، و من يتقرّب بهما أو بالأب خاصّة، مع عدمهما، بلا خلاف، إلّا من الشيخ في موضع من الخلاف (1)، فمنع المتقرّب بأحدهما مطلقاً.

و هو ضعيف، إلّا منعه المتقرب بالأُمّ خاصّة، كما مضى التحقيق فيه و في تنقيح الأقوال و الأدلّة في صور المسألة مستقصى في المسألة الثانية من المسائل الثلاث الملحقة ببحث مانعيّة القتل عن الإرث (2).

و إنّما أفردها الأصحاب هنا بالذكر مع استفادة حكمها من إطلاق الأدلّة المتقدّمة ثمّة فتوًى و روايةً لورود نصّ فيه بالخصوص: إنّ عليّاً (عليه السلام) لما هزم طلحة و الزبير أقبل الناس منهزمين، فمرُّوا بامرأة حامل على الطريق، ففزعت منهم، فطرحت ما في بطنها حيّاً، فاضطرب حتى مات، ثم ماتت امّه من بعده، فمرّ بها عليّ (عليه السلام) و أصحابه، و هي مطروحة على

____________

(1) انظر الخلاف 5: 178.

(2) راجع ص: 242.

435

الطريق فسألهم عن أمرها، فقالوا: إنّها كانت حبلى، ففزعت حين رأت القتال و الهزيمة، قال: فسألهم: أيّهما مات قبل صاحبه؟ فقيل: إنّ ابنها مات قبلها، قال: فدعا زوجها أبا الغلام الميت، فورّثه ثلثي الدية، و ورّث امّه ثلث الدية، ثمّ ورّث الزوج من المرأة الميّتة نصف ثلث الدية التي ورثتها من ابنها (1)، الخبر.

و قصوره مجبور بالعمل، و برواية ابن محبوب المجمع على تصحيح رواياته عن موجبه، و قصور متنه عن إفادة تمام المطلب يجبر بعدم القائل بالفرق؛ مضافاً إلى ما مر من الإطلاقات.

اللّهمّ إلّا أن يدّعى عدم انصرافها بحكم التبادر إلى محل البحث، فتدبّر.

[الخامسة: إذا تعارفا بما يقتضي الميراث توارثا]

الخامسة: إذا تعارفا أي اثنان غير معروفي النسب بما يقتضي الميراث بينهما من نسب، أو زوجيّة، أو ولاء توارثا، و لم يكلّف أحدهما البيّنة بإجماعنا في الجملة ظاهراً؛ لعموم إقرار العقلاء (2)؛ و للصحاح الصراح، و قد تقدّمت في كتاب الإقرار و بيّنّا ثمّة عدم تعدّي التوارث إلى غيرهما، مع جملة من الشرائط المتعلّقة بالمسألة (3).

و أمّا ما دلّ على عدم التوارث بالتعارف و احتياجه إلى البيّنة، كالخبر:

«لا يورث الحميل إلّا ببيّنة» (4) فمحمول على التقيّة، كما صرّح به جماعة،

____________

(1) الكافي 7: 138/ 1، الفقيه 4: 226/ 719، التهذيب 9: 376/ 1344، الوسائل 26: 36 أبواب موانع الإرث ب 10 ح 3.

(2) انظر الوسائل 23: 184 أبواب الإقرار ب 3 ح 2.

(3) راجع ج 13: 281.

(4) الفقيه 4: 229/ 732، التهذيب 9: 348/ 1250، الإستبصار 4: 186/ 700، الوسائل 26: 279 أبواب ميراث ولد الملاعنة ب 9 ح 3.

436

و منهم شيخ الطائفة، قال: لأنّه موافق لمذهب بعض العامّة (1).

أقول: و يشير إليه جملة من الصحاح المتقدمة، و ما في مجمع البحرين في تفسير الحميل من قوله: و منه قول عمر في الحميل: لا يورث إلّا ببيّنة (2). انتهى. مع كون الراوي له طلحة بن زيد العامي بنصّ الشيخ و النجاشي (3).

و الحميل هو الذي يحمل من بلده صغيراً إلى بلد الإسلام، كما صرّح به في الصحاح و النهاية الأثيرية (4) و لكن قال فيها: و قيل: هو المجهول النسب، و ذلك أن يقول الرجل للإنسان: هذا أخي، أو ابني، ليرث ميراثه عن مواليه، فلا يصدّق إلّا ببيّنة.

أقول: الأوّل هو المستفاد من بعض تلك الصحاح: عن الحميل؟

فقال: «و أيّ شيء الحميل؟» قلت: المرأة تسبى من أرضها، و معها الولد الصغير، فتقول: هو ابني، و الرجل يسبى، فيلقاه أخوه، فيقول: هو أخي، و يتعارفان، و ليس لهما على ذلك بيّنة إلّا قولهما، قال: فقال: «فما يقول من قِبَلَكم؟» قلت: لا يورّثونه؛ لأنّه لم يكن لهما على ذلك بيّنة، و إنّما كان ولادة في الشرك، فقال: «سبحان اللّٰه: إذا جاءت بابنها أو بنتها لم تزل مقرّة به، و إذا عرف أخاه و كان ذلك في صحة من عقولهما لا يزالان مقرّين بذلك، ورث بعضهم من بعض» (5).

____________

(1) التهذيب 9: 348، الإستبصار 4: 187.

(2) مجمع البحرين 5: 356.

(3) الفهرست: 86/ 362، رجال النجاشي: 207/ 550.

(4) الصحاح 4: 1678، النهاية 1: 442.

(5) الكافي 7: 165/ 1، الفقيه 4: 230/ 733، التهذيب 9: 347/ 1247، الإستبصار 4: 186/ 698، الوسائل 26: 278 أبواب ميراث ولد الملاعنة ب 9 ح 1.

437

و عن معاني الأخبار: سمّي الحميل حميلًا لأنّه حمل من بلاده صغيراً، و لم يولد في الإسلام (1).

[السادسة: المفقود الذي لا يعلم موته و لا حياته يُتربّص بماله]

السادسة: المفقود الذي لا يعلم موته و لا حياته يُتربّص بماله اتفاقاً، فتوًى و نصّاً. و لكن في قدر التربّص روايات مختلفة، لأجلها اختلفت أقوال الطائفة.

فمنها: ما دلّ على أنّه أربع سنين و هو الموثقان، في أحدهما:

«المفقود يحبس ماله على الورثة قدر ما يطلب في الأرض أربع سنين، فإن لم يقدر عليه قسم ماله بين الورثة» (2).

و نحوه الثاني (3)، لكنّه مطلق غير مقيّد بالطلب، و الجمع بينهما يقتضي التقييد به، سيّما مع عدم القائل بالإطلاق، بل كل من قال بمضمونهما قيّده بذلك، و هو الصدوق و المرتضى و ابن زهرة و الحلبي (4)، و نفى عنه البأس في المختلف (5)، و قوّاه الشهيدان في الدروس و المسالك و الروضة (6)، و مال إليه جملة من متأخّري المتأخّرين، كالمحدّث الكاشاني و صاحب الكفاية و غيرهما (7).

____________

(1) معاني الأخبار: 273.

(2) الكافي 7: 155/ 9، التهذيب 9: 388/ 1386، الوسائل 26: 300 أبواب ميراث الخنثى ب 6 ح 9.

(3) الكافي 7: 154/ 5، الفقيه 4: 240/ 766، الوسائل 26: 298 أبواب ميراث الخنثى ب 6 ح 5.

(4) الصدوق في الفقيه 4: 240، المرتضى في الانتصار: 307، ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 608، الحلبي في الكافي في الفقه: 378.

(5) المختلف: 749.

(6) الدروس 2: 352، المسالك 2: 343، الروضة 8: 50.

(7) المفاتيح 3: 319، الكفاية: 292؛ كشف اللثام 2: 286.

438

و لعلّه الأقوى؛ لدعوى السيّدين عليه في الانتصار و الغنية إجماع الإمامية، مع اعتبار سند الرواية بعد التعدّد بالموثقية بإسحاق بن عمار المشترك بين الموثق و الثقة، و ربما ادّعى صحتها بعض الأجلّة (1).

مضافاً إلى التأيّد بفحوى الأدلّة الدالّة على ثبوت مثل الحكم في الزوجة، من اعتدادها بعد الفحص في المدّة المزبورة، و جواز تزويجها بعدها، فإنّ عصمة الفروج أشدّ و أقوى اتفاقاً، فتوًى و نصّاً، فليجر مثل حكمها في قسمة المال بين الورثة بطريق أولى.

و ردّ الأولويّة بوجود الفارق، و معارضتها بتضرّر المرأة بطول الغيبة، كما ذكره جماعة (2) حسن إن كان الضرر المثبت للحكم لها إرادتها النكاح و الاستمتاع، لا النفقة، مع أنّ المستفاد من النصوص الواردة في حكمها كونه من جهة النفقة خاصّة، و لذا حكمت بلزوم الصبر عليها مع وجود من ينفق عليها.

و حينئذٍ يتّجه الأولويّة؛ لاتحاد وجه الضرر بينها و بين سائر الورثة، سيّما الصغار منهم و العجزة، فتأمّل. و ممّا ذكرنا من اعتبار سند الرواية بالموثقية أو الصحة يظهر لك ما في قوله هنا و غيره (3): إنّه في سندها ضعف اللّهمّ إلّا أن يريد بالضعف غير المعنى المصطلح عليه بين المتأخّرين، أو يعدّ الموثق من أقسام الضعيف، كما هو طريقته في كثير من مواضع الكتاب.

____________

(1) مجمع الفائدة 11: 544.

(2) التحرير 2: 173، و انظر التنقيح الرائع 4: 206، و كشف اللثام 2: 286.

(3) كما في الشرائع 4: 49.

439

و كيف كان فقدح مثل هذا الضعف على تقديره في الحجية بمعزل عن التحقيق، مع ما عرفت من عدم انحصار الدليل في هذه الرواية؛ لحكاية الإجماعين المتقدم إليها الإشارة، و كل منهما كرواية صحيحة حجة مستقلّة.

و لو سلّم التنزّل باحتمال توجّه القدح إليهما، نظراً إلى ندرة القائل بهذا القول بين القدماء نقول: لا أقلّ من إفادتهما الشهرة بينهم، و هي جابرة لسند الرواية، أو عاضدة له، فيخصّص بها الأصل و لو اعتضد بالشهرة المتأخّرة؛ لأنّ الرواية خاصّة و الأصل عام، فلتكن عليه مقدّمة، و قلّة القائل بحسب اطّلاعنا لا يوجب قلّته واقعاً.

و بهذا يذبّ عن التسليم، و يرجع الإجماع إلى ما كان عليه و اقتضت الأدلّة من حجيته على الإطلاق، هذا.

مع أنّ الوهن بذلك يجبره أيضاً التعدّد في النقل؛ لبعد الخطأ معه.

و منها: ما دلّ على أنّه عشر سنين في الجملة، كالصحيح:

عن دارٍ كانت لامرأة و كان لها ابن، فغاب الابن في البحر، و ماتت المرأة، فادّعت ابنتها أنّ أُمّها صيّرت هذه الدار لها، و باعت أشقاصها (1) منها، و بقيت في الدار قطعة إلى جنب دار رجل من أصحابنا، و هو يكره أن يشتريها؛ لغيبة الابن، و ما يتخوّف أن لا يحلّ شراؤها، و ليس يعرف للابن خبر، فقال: «و منذ كم غاب؟» قلت: منذ سنين كثيرة، قال: «ينتظر به غيبته عشر سنين، ثم تشترى» قلت: إذا انتظر به غيبته عشر سنين يحلّ شراؤها؟

____________

(1) الأشقاص جمع الشقص، و هو: النصيب في العين المشتركة من كل شيء. النهاية لابن الأثير 2: 490، مجمع البحرين 4: 173.

440

قال: «نعم» (1).

و هي و إن كانت صحيحة، إلّا أنّها في حكم خاصّ واردة، ففي الاستدلال بها على الكلّية تعسّف، فإنّه لا يلزم من تسويغه (عليه السلام) بيع القطعة من الدار بعد العشر الحكم بموته حينئذٍ، فإنّ الغائب يمكن للحاكم أن يبيع ماله للمصلحة، فكيف بالإمام (عليه السلام)؟

. مع أنّ الرواية تضمّنت أنّ بائع الدار ادّعى كونها ملكاً له من دون منازع له في هذه المدّة الطويلة، فجاز كون تسويغ البيع لذلك، و إن بقي الغائب على حجته، و لا ينافيه الأمر بالتأخير إلى تلك المدّة؛ لاحتمال كونه من باب الاحتياط، كما صرّح به بعض الأجلّة (2)، هذا.

مع أنّها غير مكافئة لما قدّمناه من الأدلّة من وجوه عديدة، منها: ندرة القائل بها، إذ لم يحك إلّا عن المفيد (3) في قوله المشهور: من الانتظار إلى تلك المدّة في بيع عقاره خاصّة، و جواز اقتسام الورثة ما عداها من سائر أمواله بشرط الملاءة، و ضمانهم لها على تقدير ظهوره؛ مستنداً في الشقّ الأوّل: إلى الصحيحة المتقدمة.

و في الثاني: إلى ما في رواية ثالثة (4) من أنّه يقسمه أي المال الورثة إذا كانوا ملاء فإذا جاء ردّوه عليه و ليس فيها ضعف أيضاً كما ذكره الماتن، بل هي موثقة، و لكنّها لما قدمناه من الأدلّة غير

____________

(1) الكافي 7: 154/ 6، التهذيب 9: 390/ 1391، الوسائل 26: 299 أبواب ميراث الخنثى ب 6 ح 7، بتفاوت.

(2) و هو الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 286.

(3) المقنعة: 706.

(4) الكافي 7: 155/ 8، الفقيه 4: 241/ 768، التهذيب 9: 388/ 1385، الوسائل 26: 300 أبواب ميراث الخنثى ب 6 ح 8.

441

مكافئة من وجوه عديدة، فلتطرح، أو تؤوّل بما يؤول إلى الأوّل، بحملها على القسمة بعد الطلب في مدّة الأربع سنين، و رفع اليد عن مفهوم الشرط، أو يحمل على الاستحباب.

و قال الشيخ في المبسوط و الخلاف و تبعه القاضي و ابن حمزة و الحلي و الفاضلان و كثير من المتأخّرين (1)، بل ادّعى عليه الشهرة جماعة (2): إنّه لا يورث حتى يمضي له من حين ولادته مدّة لا يعيش مثله إليها عادة.

و لا ريب أنّ هذا هو ال أولى في الاحتياط، و أبعد من التهجّم على الأموال المعصومة بالأخبار الموهومة المرجوحة بالإضافة إلى الأُصول القطعيّة التي منها أصالة بقاء الحياة السابقة، و عدم دخول التركة في ملك الورثة، و لا دليل لهم عليه سواها، كما صرّح به شيخنا الشهيد الثاني في الروضة، فقال: و ليس به رواية صريحة، و ما ادّعي له من النصوص ليس دالّاً عليه (3).

و لعل مراده من النصوص المدّعى دلالتها النصوص الواردة في مال مجهول المالك، كالصحيح: سأل خطاب الأعور أبا إبراهيم (عليه السلام) و أنا جالس، فقال: إنّه كان عند أبي أجير يعمل عنده بالأُجرة، ففقدناه، و بقي له

____________

(1) المبسوط 4: 125، الخلاف 4: 119، القاضي في المهذّب 2: 165، 166، ابن حمزة في الوسيلة: 400، الحلي في السرائر 3: 298، المحقق في الشرائع 4: 49، العلّامة في القواعد 2: 167؛ الإيضاح 4: 206، الدروس 2: 351، المقتصر: 368.

(2) منهم الشهيد الثاني في الروضة 8: 49، و الأردبيلي في مجمع الفائدة 11: 538، و السبزواري في الكفاية: 291.

(3) الروضة 8: 49.

442

من أجره شيء، فلا نعرف له وارثاً، قال: «فاطلبوه» قال: و قد طلبناه فلم نجده، قال: فقال: «مساكين» و حرّك يديه، قال: و أعاد، قال: «اطلب و اجهد، فإن قدرت عليه، و إلّا فهو كسبيل مالك، حتى يجيء له طالب، فإن حدث بك حدث فأوصِ به: إن جاء طالب أن يدفع إليه» (1) و نحوه غيره (2).

و المدّعي دلالتها عليه الفاضل في المختلف و ولده في الإيضاح و الفاضل المقداد في التنقيح (3)، و هو الظاهر من الكليني و الشيخ و غيرهما من المحدّثين (4)، حيث ساقوها في أخبار باب مال المفقود.

و وجه عدم دلالتها ما أشار إليه في الكفاية (5)، من اختصاصها بمن لا يعرف له وارث، و لا يشمل لمن له وارث، كما هو مفروض المسألة، و لذا لم يستدلّ بها أكثر أصحابنا، بل صرّح جمع و منهم شيخنا المتقدم ذكره بعدم دلالتها، و ربما كان الوجه في توهّم دلالتها ما ذكره المولى الأردبيلي(رحمه الله) فقال بعد الاستدلال بها-: و هذه الأخبار و إن لم تكن في الميراث، إلّا أنّ الظاهر عدم الفرق بينه و بين غيره من الحقوق (6).

و هو كما ترى، فإنّ الظهور المدّعى إن كان مستنداً إلى الأصل فهو

____________

(1) الكافي 7: 153/ 1، التهذيب 9: 389/ 1387، الإستبصار 4: 197/ 739، الوسائل 26: 296 أبواب ميراث الخنثى ب 6 ح 1.

(2) الفقيه 4: 241/ 767، الوسائل 26: 301 أبواب ميراث الخنثى ب 6 ح 10.

(3) المختلف: 749، الإيضاح 4: 206، التنقيح 4: 207.

(4) الكافي 7: 153، الاستبصار 4: 196، التهذيب 9: 389، و انظر الوسائل 26: 296.

(5) الكفاية: 291.

(6) مجمع الفائدة 11: 540.

443

الحجة دونها، و إن كان مستنداً إليها فضعفه أظهر من أن يخفى، سيّما مع اعترافه أوّلًا بعدم دلالتها.

ثم إنّ المرجوحية المدّعاة في العبارة كما يستفاد من سياقها المتضمن لتضعيف أسانيدها و دلالتها مرجوحية حقيقية ليس معها في الروايات حجة، و أمّا على المختار فليس المراد من المرجوحية ذلك، بل المرجوحية بحسب الاحتياط في العمل، و إلّا فقد عرفت اعتبار أسانيد ما دلّ عليه، مع الاعتضاد بالأولوية، و الإجماعين اللذين كاد أن يكونا كالأولوية حجة مستقلة، و ليس في كثير من المسائل الشرعية المثبتة بالظنون الاجتهادية أقوى من هذه الحجة، فيخصّص بها الأصل في المسألة، كما يخصّص بمثلها بل و بما دونها في تلك المسائل المزبورة.

و الشهرة المدّعاة في كلام الجماعة ليست بتلك الشهرة التي توجب مرجوحية هذه الحجة، و وهن الإجماعات المحكيّة، فإنّها شهرة متأخّرة، كما صرّح به جملة من النقلة لها في المسألة، و منهم صاحب الكفاية (1)، و هو كذلك؛ إذ لم نر من القدماء من أفتى بهذا القول، إلّا الشيخ و بعض من تبعه ممن تقدم إليه الإشارة (2)، و مجموعهم أربعة بعين عدد من قال بالمختار من القدماء، فإنّهم أيضاً كما عرفت أربعة، و يزيدون عليهم بدعوى جملة منهم على مختارهم إجماع الإمامية، و أقلّ ما يستفاد من هذه الدعوى سيّما مع التعدّد الشهرة القديمة، كما مرّ إليه الإشارة، و مع ذلك الشهرة المتأخّرة إنّما نشأت من الفاضلين و الشهيدين و جملة ممن تقدم

____________

(1) الكفاية: 291.

(2) راجع ص: 436.

444

إليهم الإشارة (1)، و ليس مثلها شهرة حقيقية، سيما مع قول جملة منهم أيضاً بالمختار، كالشهيدين و الفاضل في قولهم الثاني، كما عرفت (2).

و بالجملة فالمختار سبيله واضح، لا يكاد يحوم حوله شبهة الاشتباه و الإنكار، و إن كان مذهب الخلاف (3) أقرب إلى الاحتياط.

و هنا قول رابع للإسكافي (4)، شاذّ، غير واضح المستند، و هو:

التفصيل في المفقود بين من فقد في عسكر شهدت هزيمته و قتل من كان فيه أو أكثرهم فالمختار، و من لا يعرف مكانه في غيبته و لا خبر له فانتظار عشر سنين، لكنّه لم يصرّح بشرط الطلب و الفحص في شيء من الموضعين.

و على المشهور، فإذا مضت المدّة المعتبرة التي هي في زماننا مائة و عشرون سنة؛ لندرة الزائد عليها غاية الندرة، بل ربما اكتفى بما دونها إلى المائة في المسالك و الروضة (5) حكم بتوريث من هو موجود حال الحكم، و قد صرّح الشهيدان و غيرهما بأنّه لو مات له قريب في تلك المدّة عزل له نصيبه منه، و كان بحكم ماله (6).

خلافاً للفاضل في التحرير، فخصّ ذلك بما إذا علم حياته أو موته بعد مورّثه، قال: و إذا مضت المدّة و لم يعلم خبره ردّ إلى ورثة الأوّل؛ للشك في حياته حين موت مورّثه، فلا يورث مع الشك (7).

____________

(1) راجع ص: 436.

(2) في ص: 433.

(3) راجع ص: 436.

(4) حكاه عنه في المختلف: 749.

(5) المسالك 2: 315، الروضة 8: 49.

(6) الدروس 2: 351، المسالك 2: 315.

(7) التحرير 2: 173.

445

و فيه نظر؛ لاندفاع الشك بالأصل، و لو عورض بأصالة عدم الإرث لردّت بورودها أيضاً في جانب غيره من ورثة الأوّل، و بعد التساقط يبقى الأصل الأوّل على حاله سليماً عن المعارض، فالأصح ما أطلقه الجماعة.

[السابعة: لو تبرّأ من جريرة ولده و ميراثه]

السابعة: لو تبرّأ الوالد من جريرة ولده و جنايته و ميراثه، ففي رواية عمل بها الشيخ في النهاية و بعض من تبعه (1) أنّه يكون ميراثه للأقرب إلى أبيه دونه، كما فهمه أكثر الأصحاب.

و المراد بالرواية الجنس؛ لتعدّدها، منها: عن رجل تبرّأ عند السلطان من جريرة ابنه و ميراثه، ثم مات الابن و ترك مالًا، من يرثه؟ قال: «ميراثه لأقرب الناس إلى أبيه» (2).

و منها: عن المخلوع يتبرّأ [منه أبوه (3)] عند السلطان، و من ميراثه و جريرته، لمن ميراثه؟ قال: «فقال علي (عليه السلام): هو لأقرب الناس إليه» (4) كما في التهذيب، أو «إلى أبيه» كما في الفقيه.

و ليس في شيء من سندي الرواية مع تعدّدها ضعف كما في ظاهر العبارة؛ لأنّ فيهما صفوان بن يحيى و ابن مسكان المجمع على تصحيح رواياتهما، فلا يضرّ جهالة الراوي الذي رويا عنه في الأُولى، و لا جهالة في الثانية و لا اشتراك، كما حقّق في محلّه مستقصى.

____________

(1) النهاية: 682، و تبعه القاضي في المهذب 2: 167.

(2) التهذيب 9: 348/ 1252، الإستبصار 4: 185/ 696، الوسائل 26: 272 أبواب ميراث ولد الملاعنة ب 7 ح 2.

(3) في النسخ: من ابنه، و الصواب ما أثبتناه من المصادر.

(4) الفقيه 4: 229/ 731، التهذيب 9: 349/ 1253، الإستبصار 4: 185/ 697، الوسائل 26: 273 أبواب ميراث ولد الملاعنة ب 7 ح 3.

446

نعم فيها إضمار، و مع ذلك هي كسابقتها شاذّة في الظاهر، المصرّح به في كلام جماعة، كالماتن في الشرائع و الشهيدين في المسالك و اللمعة و الحلي في السرائر (1)، حاكياً له عن الشيخ في الحائريات أيضاً، مدّعياً هو كغيره بذلك رجوعه عمّا في النهاية، و مع ذلك ادّعى هو و الفاضل المقداد في التنقيح (2) على خلافها إجماع أصحابنا، بل المسلمين كافّة، و هو الحجة.

مضافاً إلى الأُصول القطعية من الكتاب و السنة، الدالّة بعمومها على إرث الوالد ولده.

و خصوص ما ورد في تعليل حرمان الزوجة من العقار بأنّ: «المرأة قد يجوز أن ينقطع ما بينها و بينه من العصمة، و يجوز تغييرها و تبديلها، و ليس الولد و الوالد كذلك؛ لأنّه لا يمكن التفصّي منهما، و المرأة يمكن الاستبدال بها» (3) الحديث.

و هو كما ترى كالنصّ في فساد التبرّي؛ إذ لو صح لأمكن به التفصّي عن الولد، و قد حكم (عليه السلام) باستحالته، هذا.

مع أنّ الروايتين و إن اعتبرتا سنداً، إلّا أنّهما ليستا صريحتين، بل و لا ظاهرتين في ذلك ظهوراً تامّاً، كما صرّح به الفاضل في المختلف

____________

(1) الشرائع 4: 44، المسالك 2: 340، اللمعة (الروضة البهية 8): 213، السرائر 3: 286، و انظر مقدّمة المسائل الحائرية (الرسائل العشر): 288.

(2) التنقيح 4: 209.

(3) الفقيه 4: 251/ 808، التهذيب 9: 300/ 1074، الاستبصار 4: 153/ 579، عيون الأخبار 2: 96، علل الشرائع: 572/ 2، الوسائل 26: 210 أبواب ميراث الأزواج ب 6 ح 14.

447

و شيخنا في الروضة و غيرهما (1)، أمّا الأُولى فلأنّه ليس فيها تصريح بموت الولد قبل الأب، و لعلّه مخصوص بموته بعده، و يكون التبرّي المذكور غير معتبر، كما مر.

و بنحوه يجاب عن الثانية على النسخة الثانية، و كذا على النسخة الاولى مع أنّها عليها أضعف دلالة؛ لأنّها غير صريحة في نفي ميراث الأب، بل يمكن أن يكون المراد أنّ الميراث للأب؛ لأنّه أقرب الناس إليه، فإن لم يكن موجوداً فلأقرب الناس إليه.

و عن الشيخ أنّه قال عقيبهما: ليس في الخبرين أنّه نفى الولد بعد أن أقرّ به، و إلّا لم يلتفت إلى إنكاره، و لو قبل إنكاره لم يلحق ميراثه بعصبته؛ لعدم ثبوت النسب، قال: و لا يمتنع أن يكون الوالد من حيث تبرّأ من جريرة الولد و ضمانه حرم الميراث، و إن كان نسبه صحيحاً (2).

____________

(1) المختلف: 747، الروضة 8: 213؛ المهذب البارع 4: 422.

(2) حكاه عنه في الوسائل 26: 273، و هو في الاستبصار 4: 185.

448

[الفصل الثاني في ميراث الخنثى]

الفصل الثاني في بيان ميراث الخنثى و شبهه و هو من له فرج الرجال و النساء اعلم أنّ الظاهر من الآيات القرآنية انحصار أنواع الإنسان في صنفي الذكر و الأُنثى، و يستحيل اجتماعهما، كقوله سبحانه خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثىٰ (1) و قوله تعالى يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ إِنٰاثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ الذُّكُورَ (2) إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على ذلك بمعونة المقامات، و على هذا فهو لا يخرج عنهما و يكون أحد فرجيه أصليّاً و الثاني زائداً، كسائر الزوائد في الخلقة من يدٍ و رجلٍ و نحوها، فإن أمكن استعلام الأصلي من الزائد فهو المعروف بين الأصحاب بالخنثىٰ الواضح، و إلّا فهو المشكل.

و طريق استعلامه أنّه يعتبر بالبول فإن بال من فرج الرجال فهو رجل، و إن بال من فرج النساء فهي امرأة، و إن بال منهما اعتبر بالسبق فمن أيّهما سبق بوله يورث عليه ذكورة و أُنوثة، بلا خلاف، بل عليه الإجماع في كثير من كلمات الأصحاب، كالمفيد و المرتضى و الحلي و الفاضل في التحرير و ولده في الإيضاح و شيخنا في المسالك و الصيمري و غيرهم (3)، لكن الأوّلين لم يذكرا السبق، بل ذكرا كالديلمي (4) بدله الغلبة

____________

(1) النجم: 45.

(2) الشورى: 49.

(3) المفيد في الإعلام (مصنفات المفيد 9): 62، المرتضى في الانتصار: 306، الحلي في السرائر 3: 277، التحرير 2: 174، الإيضاح 4: 249، المسالك 2: 340، غاية المرام 4: 196؛ المهذب البارع 4: 424.

(4) انظر المراسم: 225.

449

و الكثرة، و لعلّه ملازم لهما، كما يستفاد من صريح الفاضل المقداد في التنقيح (1)، و ظاهر الباقين المدّعين للإجماع من غير نقل خلاف عن هؤلاء.

و الأصل في جميع ذلك بعد الإجماعات المحكيّة النصوص المستفيضة، ففي الصحيح: عن مولود ولد، له قبل و ذكر، كيف يورث؟

قال: «إن كان يبول من ذكره فله ميراث الذكر، و إن كان يبول من القُبل فله ميراث الأُنثى» (2) و نحوه المرسل كالموثق (3).

و في الخبر: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يورث الخنثى من حيث يبول» (4) و نحوه آخر مروي عن العيون (5).

و في ثالث مروي عن إبراهيم بن محمّد الثقفي في كتاب الغارات و فيه: «فانظروا إلى مسيل البول، فإن خرج من ذكره فله ميراث الرجل، و إن خرج من غير ذلك فورثوه مع النساء» (6) الحديث.

و في الصحيح: «يورث من حيث يبول، و من حيث سبق بوله، فإن خرج منهما سواء فمن حيث ينبعث، فإن كانا سواء ورث ميراث الرجال و ميراث النساء» (7).

____________

(1) التنقيح الرائع 4: 210.

(2) الكافي 7: 156/ 1، التهذيب 9: 353/ 1267، الوسائل 26: 283 أبواب ميراث الخنثى ب 1 ح 1.

(3) الكافي 7: 157/ 4، الوسائل 26: 284 أبواب ميراث الخنثى ب 1 ح 3.

(4) الكافي 7: 156/ 2، التهذيب 9: 353/ 1268، الوسائل 26: 283 أبواب ميراث الخنثى ب 1 ح 2.

(5) عيون الأخبار 2: 74/ 350، الوسائل 26: 284 أبواب ميراث الخنثى ب 1 ح 5.

(6) كتاب الغارات 1: 193، الوسائل 26: 284 أبواب ميراث الخنثى ب 1 ح 6.

(7) الكافي 7: 157/ 3، التهذيب 9: 354/ 1269، الوسائل 26: 285 أبواب ميراث الخنثى ب 2 ح 1.

450

و في الخبر: «الخنثى يورث من حيث يبول، فإن بال منهما جميعاً فمن أيّهما سبق البول ورث عليه، فإن مات و لم يبل فنصف عقل المرأة، و نصف عقل الرجل» (1) و نحوه آخر مروي عن قرب الاسناد (2).

و في المرسل المروي في الكافي: في المولود، له ما للرجال و ما للنساء، يبول منهما جميعاً، قال: «من أيّهما سبق» قيل: فإن خرج منهما جميعاً؟ قال: «فمن أيّهما استدرّ» قيل: فإن استدرّا جميعاً؟ قال: «فمن أبعدهما» (3).

فإن بدر منهما قال الشيخ و أكثر الأصحاب، كالمفيد و الديلمي و ابني حمزة و زهرة و الفاضلين و الشهيدين و غيرهما من المتأخّرين (4): إنّه يورث على الذي ينقطع منه أخيراً و اختاره الحلي (5)، نافياً الخلاف فيه، مشعراً بدعوى الإجماع عليه، و هو الحجة.

مضافاً إلى المرسلة الأخيرة، فإنّ الظاهر من الأبعديّة فيها الأبعديّة زماناً، و الضعف منجبر بالشهرة بين الأصحاب، و بالصحيحة الثانية المتضمّنة لقوله (عليه السلام): «فمن حيث ينبعث» قال في القاموس: بعثه كمنعه أرسله فانبعث (6). و المراد أنّه ينظر أيّهما أشدّ استرسالًا و إدراراً، فيحكم

____________

(1) الفقيه 4: 237/ 759، التهذيب 9: 354/ 1270، الوسائل 26: 286 أبواب ميراث الخنثى ب 2 ح 2.

(2) قرب الإسناد: 144/ 517، الوسائل 26: 289 أبواب ميراث الخنثى ب 2 ح 6.

(3) الكافي 7: 157/ 5، الوسائل 26: 284 أبواب ميراث الخنثى ب 1 ح 4.

(4) الشيخ في النهاية: 677، المفيد في المقنعة: 698، الديلمي في المراسم: 225، ابن حمزة في الوسيلة: 401، ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 608، المحقق في الشرائع 4: 44، العلّامة في القواعد 2: 181، الشهيدين في اللمعة (الروضة البهية 8): 192؛ كشف اللثام 2: 303.

(5) السرائر 3: 277.

(6) القاموس المحيط 1: 168.

451

به، و الظاهر أنّ المنقطع أخيراً أشدّ إدراراً؛ لكون الخروج منه أكثر زماناً، فتأمّل جدّاً. و مما ذكرنا ظهر أنّه ليس فيه تردّد و إن ذكره الماتن، فهو ضعيف، و أضعف منه عدم اعتباره، كما عن الصدوق و الإسكافي و المرتضى (1)، و أضعف منهما مصير القاضي إلى اعتبار الأسبق انقطاعاً (2)؛ لعدم الشاهد عليه، مع قيام الدليل كما عرفت على خلافه.

فإن تساويا خروجاً و انقطاعاً قال الشيخ في الخلاف خاصّة: إنّه يعمل فيه بالقرعة مدّعياً عليه إجماع الفرقة و أخبارهم (3).

قيل: و عنى بها ما ورد عنهم ((عليهم السلام)) من أنّها لكل أمر مشتبه، و هذا منه (4).

و هو شاذّ، و إجماعه موهون معارض بمثله و مثله كما يأتي، و لا اشتباه بعد ورود النص الصحيح بعدّ الأضلاع، أو إعطاء نصف النصيبين، كما يأتي.

و قال المفيد في كتاب إعلام الورى (5) و السيّد المرتضى علم الهدى في الانتصار (6) إنّه يُعدّ أضلاعه فإن اختلف أحد الجانبين فذكر، و إن تساويا عدداً فأُنثىٰ، مدّعيين عليه الإجماع، و اختاره

____________

(1) الصدوق في المقنع: 176، حكاه عن الإسكافي في المختلف: 745، المرتضى في الانتصار: 306.

(2) المهذّب 2: 171.

(3) الخلاف 4: 106.

(4) قاله الشهيد الثاني في المسالك 2: 340.

(5) الإعلام بما اتّفقت عليه الإمامية من الأحكام (مصنفات المفيد 9): 62.

(6) الانتصار: 306.

452

الإسكافي و الحلي في السرائر (1)؛ لذلك؛ و للنص الذي ادعى تواتره، و هو ما رواه في التهذيب بسنده إلى ميسرة بن شريح، و هو طويل، و في جملته أنّه قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «جرّدوها من ثيابها، و عدّوا أضلاع جنبيها» ففعلوا، ثم خرجوا إليه، فقالوا: عدد الجنب الأيمن اثنا عشر ضلعاً، و الجنب الأيسر أحد عشر ضلعاً، فقال (عليه السلام): «اللّٰه أكبر، ايتوني بالحجام» فأخذ من شعرها، و أعطاها رداءً و حذاءً، و ألحقها بالرجال، قال: «لأنّ حوّاء خلقت من ضلع آدم، و أضلاع الرجال أقلّ من أضلاع النساء بضلع» (2) الحديث.

و طعن الأكثر في هذا الخبر بجهالة الراوي.

و فيه: أنّ الصدوق رواه في الفقيه عن عاصم بن حميد، عن محمّد ابن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام) (3)، و طريقه إليه في المشيخة (4) صحيح، إلّا أنّ في روايته أنّ أضلاعها كانت سبعة عشر، تسعة في اليمين، و ثمانية في اليسار، و يعضده رواية المفيد و الإسكافي و العماني (5)، و هذا لا ينافي توافقها مع رواية التهذيب في أصل اعتبار العدّ، و كون متساوي الأضلاع امرأة، و مختلفها رجلًا.

و روى في الفقيه أيضاً عن السكوني، عن جعفر (عليه السلام)، عن أبيه (عليه السلام):

«أنّ عليّاً (عليه السلام) كان يورّث الخنثى، فيعدّ أضلاعه، فإن كانت ناقصة عن

____________

(1) حكاه عن الإسكافي في المختلف: 745، السرائر 3: 280.

(2) التهذيب 9: 354/ 1271، الوسائل 26: 286 أبواب ميراث الخنثى ب 2 ح 3.

(3) الفقيه 4: 238/ 762.

(4) المشيخة (الفقيه 4): 108.

(5) المفيد في الإرشاد 1: 213، و حكاه عن الإسكافي و العماني في المختلف: 745.

453

أضلاع النساء بضلع ورث ميراث الرجال؛ لأنّ الرجل تنقص أضلاعه عن ضلع المرأة بضلع؛ لأنّ حواء خلقت من ضلع آدم» (1) الحديث.

و روى المفيد الحديث الأوّل في إرشاده عن الحسن بن علي العبدي، عن سعد بن طَرِيف (2)، عن أصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (3) نحو ما في الفقيه.

و قال الصدوقان و المفيد في المقنعة و الشيخ في النهاية و الإيجاز و المبسوط و الديلمي و القاضي و ابنا حمزة و زهرة (4): إنّه يعطى نصف ميراث رجل و نصف ميراث امرأة، و هو أشهر كما هنا و في القواعد و شرح الشرائع للصيمري و التنقيح و الدروس و الروضة (5)، و نسبه في المسالك إلى أكثر المتأخّرين (6).

أقول: بل عليه عامّتهم بحيث كاد أن يكون ذلك إجماعاً منهم؛ لجملة من النصوص المتقدّمة، منها الصحيح: «فإن كان سواء ورث ميراث الرجال و النساء» (7) و المراد به نصف الأمرين؛ لامتناع أن يراد مجموعهما.

____________

(1) الفقيه 4: 238/ 760، الوسائل 26: 287 أبواب ميراث الخنثى ب 2 ح 4.

(2) في النسخ: ظريف، و الصواب ما أثبتناه. لاحظ رجال البرقي: 50/ 188، رجال النجاشي: 178/ 468، رجال الطوسي: 92/ 17، و 124/ 3، و 203/ 3.

(3) إرشاد المفيد 1: 213، الوسائل 26: 288 أبواب ميراث الخنثى ب 2 ح 5.

(4) الصدوق في المقنع: 177، و حكاه عن والده في المختلف: 745، المقنعة: 698، النهاية: 677، الإيجاز (الرسائل العشر): 275، المبسوط 4: 114، الديلمي في المراسم: 225، القاضي في المهذّب 2: 171، ابن حمزة في الوسيلة: 402، ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 608.

(5) القواعد 2: 181، غاية المرام 4: 197، التنقيح 4: 212، الدروس 2: 379، الروضة 8: 194.

(6) المسالك 2: 340.

(7) المتقدم في ص: 445.

454

و أصرح منه الخبران المذكوران بعده: «فإن مات و لم يبل فنصف عقل المرأة و نصف عقل الرجل» (1).

مضافاً إلى التأيّد بأنّ فيه مراعاة للحالتين؛ لتساويهما عقلًا، فيعمل بالمتيقّن، و يعطى ميراث الأُنثى، و يقسم ما زاد عليه من سهم المشكوك فيه و هو كونه ذكراً نصفين، كما وقع نظيره في الشرع عند اختلاف الدعويين مع عدم الحجة.

و لعلّ هذا أقوى؛ لقوّة الأدلّة عليه، و انجبار قصور الخبرين منها بالصحيح قبلهما، و الشهرة العظيمة بين المتأخّرين و القدماء ظاهرة و محكيّة حدّ الاستفاضة، كما عرفته.

و منها ينقدح الوهن في الإجماعين المتقدم إليهما الإشارة، فليس فيهما حجة، كما لا حجة في الأخبار الموافقة لهما، مع قصور أكثرها سنداً، و عدم جابر له جدّاً.

و دعوى الحلي التواتر (2)، غير جابرة بعد ظهور اتفاق أكثر الفتاوي على خلافها، فالتواتر على تقدير تسليمه إنّما هو في الرواية، و هو بمجرّده مع عدم الفتوى بها غير نافع، بل يوجب وهنها بلا شبهة، و مع ذلك فهي بأقسامها حتى الصحيح منها غير مقاومة للنصوص المقابلة المضاهية لها سنداً و عدداً؛ لرجحانها عليها بما قدّمناه من الشهرة العظيمة بين أصحابنا، التي كادت تكون إجماعاً، فتكون حجة مستقلّة برأسها، هذا.

و عن العماني أنّه قال: و قد روي عن بعض علماء الشيعة أنّه سئل عن الخنثى، فقال: روى بعض أصحابنا في وجه ضعيف لم يصح عندي أنّ

____________

(1) المتقدم في ص: 445.

(2) السرائر 3: 280.