المراسم العلوية و الأحكام النبوية

- الفقيه سلار المزيد...
262 /
257

و كل من شهد بالزور، أو شهد وحده أو مع آخر أو مع اثنين بالزنا، أو تفرقت شهادتهم، أو اختلفوا في الرؤية لذلك: فعليهم جلد ثمانين.

ذكر: حد شرب المسكر و الفقاع

حد من شرب قليل الفقاع أو المسكر أو كثيرها ثمانون جلدة إذا شهد بذلك عدلان. و من أكل طعاما صنع بشيء من المسكر جلد ثمانين أيضا.

فأما من باع المسكر فإنه يستتاب و إلا قتل.

و يجلد أهل الذمة في شرب المسكر كحد المسلم. و لا يحد الشراب على المسكر و يجلدون عراة على ظهورهم و كتوفهم.

ذكر: ما هو دون الثمانين

و هو: حد القيادة.

يجلد القواد خمسا أو سبعين سوطا. ثم هو على ضربين: رجل و امرأة فالرجل يحلق رأسه مع الحد و يشهر، و المرأة تجلد حسب ثم لا يخلو: أما أن يعودوا أو لا يعودوا، فإن عادوا، نفوا من المصر بعد فعل ما استحقوه.

258

ذكر: حد السرق

السرقة على ضربين: من حرز و غير حرز، فما سرق من حرز فهو على ضربين، ما يبلغ النصاب و ما لا يبلغه.

فأما السراق فعلى ضربين: حر بالغ عاقل و غيره، فالحر البالغ العاقل إذا سرق من حرز ما قدره ربع دينار قطع رجلا كان أو امرأة إذا سرق من مال غير أبيه. فالأب إذا سرق من مال ابنه فلا يقطع خاصا هذا فيه، و في العبد إذا سرق مال سيده فإنه لا يقطع بل يؤدب، و في السيد إذا سرق مالا لعبده، و في المسلم إذا سرق من مال الغنيمة، و و اعلم: ان هذا الفصل يشتمل على أقسام، و هي ذكر:

من يقطع و من لا يقطع، و مبلغ النصاب، و كيفية القطع، و ما يحرز و ما حكم العود.

و قد بينا الأول.

فأما الحرز: فمن سرق منه قطع، و من سرق من غيره لا يقطع: فلهذا، لا يقطع بسرقة الثمار من البساتين. و إذا أحرزت قطعوا.

و لا يقطع من سرق من الحمامات و الخانات و المساجد إلا أن يحرز بقفل أو غلق فيقطع. و لا يقطع من سرق من جيب إنسان أو كمه من القميص، بل يعزر، و إن كان القميص باطنا قطع.

و القبر عندنا حرز: و لهذا يقطع النباش إذا سرق النصاب، فإن أدمن

259

ذلك و فات السلطان تأديبه ثلاث مرات. فإن اختار قتله قتله، و إن اختار قطعة قطعه أو عاقبه.

و أما كيفية القطع: فإنه يقطع يديه اليمنى من أصل الأصابع، و يترك له الراحة و الإبهام، و يؤخذ ما سرقه. و إن لم يؤخذ أغرم قيمته. فإن سرقه ثانية قطعت رجله اليسرى من أصل الساق، و ترك له العقب، فإن سرق ثالثة خلد الحبس إلى أن يموت أو يرى الإمام منه توبة و صلاحا فيخليه. فان سرق في الحبس من حرز نصابا ضربت عنقه.

و البينة شاهدان عدلان، و كل ما فيه بينة شاهدين من الحدود، فالإقرار فيه مرتين ق.

و لا يقبل إقرار العبد على نفسه، بل يقطع بالبينة.

فأما الذمي فحكمه حكم المسلم سواء.

و سارق الحيوان كسارق غيره إذا بلغ قيمته النصاب.

فأما المحتال على أموال الناس و المدلس في السلع فإنه يغرم و يعاقب و يشهر.

260

باب ذكر الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر و إقامة الحدود، و الجهاد

كل من أمكنه إنكار منكر وجب عليه.

و الأمر بالمعروف ينقسم إلى واجب و ندب. فالواجب: كل أمر بواجب.

و الندب: كل أمر بندب. فمن وجب عليه إنكار المنكر و الأمر بالمعروف فحاله تنقسم إلى ثلاثة أضرب: من يمكنه بيده، و من يمكنه بلسانه، و من يمكنه بقلبه. و هو يترتب باليد أولا، فان لم يمكن فباللسان، فإن لم يمكن فبالقلب و يجب أن يفعله على الوجه الذي يعلم أو يظن أنه ادعى، لا على الوجه المضر:

فإن رفقا فرفقا و إن عسفا فعسفا.

و ما به يسقط الوجوب ينقسم، فمنه: ما لم يندب إلى تحمله، و منه: ما ندب إلى تحمله. فما لم يندب إلى تحمله: كل ما يأتي على النفس، أو ما يجري مجرى النفس، أو مؤمن، أو مال مؤمن، و ما ندب إلى تحمله:

مثل السب، و ذهاب بعض ماله، فالثواب يعطى للمشقة.

و لا ينكر منكرا بمنكر، و لا يأمر بمعروف إلا بمعروف.

فأما القتل و الجراح في الإنكار، فإلى السلطان أو من يأمره السلطان.

261

فان تعذر الأمر لمانع، فقد فوضوا [1] (ع) إلى الفقهاء إقامة الحدود و الأحكام بين الناس بعد أن لا يتعدوا واجبا و لا يتجاوزوا حدا، و أمروا عامة الشيعة بمعاونة الفقهاء على ذلك ما استقاموا على الطريقة و لم يحيدوا.

فان اضطرتهم تقية أجابوا داعيها، إلا في الدماء خاصة فلا تقية فيها.

و قد روي: [2] أن للإنسان أن يقيم على ولده و عبده الحدود إذا كان فقيها. و لم يخف في ذلك على نفسه. و الأول أثبت.

و من تولى من قبل ظالم، و كان قصده إقامة الحق أو اضطر إلى التولي فليتعمد تنفيذ الحق ما استطاع، و ليقض حق الإخوان.

و لفقهاء الطائفة أن يصلوا بالناس في الأعياد و الاستسقاء. و أما الجمع فلا.

فأما الجهاد فإلى السلطان أو من يأمره، إلا أن يغشى المؤمنين العدو، فليدفعوا عن أنفسهم و أموالهم و أهليهم، و هم في ذلك مثابون: قاتلهم و مقتولهم. جارحهم و مجروحهم.

و على هذا، فليعمل العاملون، و ليتمسك المتمسكون، و ليستعينوا بالله

____________

[1] أنظر: النصوص المتصلة بتفويض الأحكام إليهم في أبواب صفات القاضي من نحو روايتي ابن حنظلة و أبي خديجة: [. فإني قد جعلته عليكم حاكما.] [. فاني قد جعلته عليكم قاضيا.] ب 11 ح 1، 6.

[2] أنظر: النصوص المتصلة بإقامة الإنسان الحد على عبده إذا كان فقيها في أبواب مقدمات الحدود من نحو قول الصادق (ع) لإسحاق بن عمار: [يا إسحاق إن كنت تدري حد ما أجرم فأقم الحد فيه، و لا تعد حدوده] ب 30 ح 2، و قوله ع لعنبسة بن مصعب فيما يتصل بعدم الخوف على النفس: [و ليكن ذلك في ستر، فإني أخاف عليك السلطان] ح 6.

262

على العمل، و ليستعيذوه و من الزلل، و ليحمدوه على ما منح من الإسلام و هدى له من الإيمان.

فلله الحمد الذي وفقنا للمراسم، و لطف بنا بالأوامر، و جعلنا ممن لا يتعدى طورا و لا نبتغي جورا.

فقد أتينا في هذا الكتاب على كتب الفقه مع الاختصار. و جنبنا الإطالة و الإكثار، و جعلناه تذكرة للعالمين، و إماما للدارسين و مقنعا للطالبين، و رحمة للعالمين. مع قلة حجمه و صغر جسمه: حاو للعبادات متضمن للشرعيات لا يفوته إلا القليل، و لا يرجع البصر عن نظره و هو كليل. فهو مليح المباني غزير المعاني.

و لم نؤلفه لقصور الكتب المصنفات عما فيه، بل لأن أصحابنا (رض) إذا اختصروا، أثبتوا العبادات، و لم يذكروا المعاملات. و لأنه على طريقة من القسمة غير مألوفة، و بلية غير معروفة. فلذلك برز على الأقران و وجب بفضله الإقرار و الإذعان.

و نقسم على تاليه و دارسة و قارئه أن يترحم علينا ما استفاد، و إن يجعل ذلك له كالمعتاد، و يمدنا بالدعاء و الشكر و الثناء و ينسب ما استفاد منه إليه، و يطوي شفقته عليه.

و الله سبحانه و تعالى يوفقنا و إياكم للصالحات، و يجعل عاقبتنا أجمعين إلى الجنات، إنه جواد كريم، بار رحيم